السياسة الفرنسية لفصل الصحراءpdf

و مظاهرات 27 فبراير 1962 بور قلة كنموذج للرد الشعبي عليها

 د.لخصر عواريب

المركز الجامعي الوادي(الجزائر)

  الملخــص:

تعاملت فرنسا مع الثورة وفق ما تمليه الظروف مستعملة أساليب مختلفة سواء كانت عسكرية أو سياسية أو  اقتصادية خاصة بمجيء ديغول الذي عمل على تنفيذ مشروع فصل الصحراء الذي اعتبر من أخطر الأساليب التي جربت في الجزائر على اعتبار أنه يضرب الوحدة الترابية في الصميم، إلا أن الثورة تعاملت مع المشروع باحترافية كبيرة مستعملة وسائل مختلفة لنسفه أهمها تحريك الشعب الذي تجاوب بسرعة ضد التقسيم، من خلال العديد من المظاهرات الشعبية التي سادت مختلف ربوع الوطن ولعل من أبرزها مظاهرات 27 فبراير 1962 بورقلة التي كانت آخر مسمار في نعش فرنسا.

La France s’est comporté vis-à-vis la révolution selon les circonstances en employant divers moyens. Surtout à l’arrivée de De gaule qui a mis en exécution le projet de la séparation du Sahara considéré comme la plus dangereuse méthode car elle touche en plein à l’intégrité et l’union du pays, mais la révolution s’est entreprise avec le projet en grand professionnalisme elle utilisait divers moyens. Le plus important en faisant soulever le peuple qui a réagi rapidement par des manifestations populaires comme celle de 27 février  1962 a Ouargla qui représentait le dernier acte populaire révolutionnaire contre la France.

 مقدمـــة

القي الجنرال دو غول يوم 16-09-1959 خطابا جاء فيه "...باسم فرنسا وباسم الجمهورية ونظر السلطة التي خولها لي الدستور في استشارة المواطنين فإن أتعهد إن بقيت حيا، واستجاب لي الوطن أن أطلب إلى الجزائريين في عمالاتهم الإثنتي عشرة أن يعبروا كما يريدونه، كما أطلب من الفرنسيين أن يصفقوا على ذلك الاختيار"[1].

إن الدارس لهذا الخطاب يلاحظ أنه اعتراف رسمي بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، إلا أن هذا الاعتراف يحمل بين ثناياه مؤامرة، فهو يركز على إثنتي عشر عمالة، ويستثني عمالتين هما الساورة والواحات، لهذا فالخطاب يندرج في إطار السياسية الفرنسية لفصل الصحراء فما هي أهداف فرنسا من هذه السياسة؟ وما هي مراحل تنفيذ هذا المشروع؟ وكيف كان الرد الشعبي عليه من خلال مظاهرات 27 فبراير 1962 بورقلة كنموذج؟ هذا ما سنتطرق إليه في مقالنا هذا.

I.          أهداف فرنسا من سياسة فصل الصحراء:

1-  الأهداف الاقتصادية:

اتضحت هذه الأهداف جليا بعد اكتشاف المواد الأولية التي يزخر بها باطن المنطقة ويمكننا أن نتعرف على هذه الأهداف من خلال ما أورده "مجاهد مسعود" نقلا عن أحد الكتاب الفرنسيين وهو "بيير كورنييه" صاحب كتاب الصحاري أرض الغد الذي يؤكد: "إن الصحراء الأمل المرتقب لإنقاذ الإمبراطورية الفرنسية من الانهيار، لكونها تزخر بثروات باطنية من خامات صناعية كثيرة كالفحم، ومعادن في كولمب بشار وتندوف...ولكن الثروة الرئيسية في الصحراء تتمثل اليوم في الزيت والغاز بعد اكتشافهما في حاسي مسعود[2] ،هذا الاكتشاف الذي اسأل لعاب ديغول وجعله يزور الجنوب في مارس 1957 ،حيث أثنى على العمال واعتبر إن هذا الانجاز يمكن أن يغير مستقبل فرنسا"

و لذلك أكد في مذكراته "...أن بوسعنا البقاء في الصحراء مهما حصل للحفاظ على أوضاع آبار البترول التي استخرجتاها "[3].

2-  أهداف إستراتيجية وعسكرية:

تتضح هذه الأهداف من خلال ما أورده "كورنييه" في كتابه الآنف الذكر، إذ يقول: "...إن للصحاري أهمية إستراتجية فهي تعوض القارة الأوربية عما يعوزها من كفاية إستراتجية كما أنها يمكن أن تكون مقرا للقوات الاحتياطية، والقواعد الجوية وسائر الخدمات التي تكون في مؤخرة القوات العاملة، إضافة إلى إمكانية استغلالها في التجارب العسكرية، وزيادة على كونها معدة لتؤدي دورا كبيرا في مستقبل التضامن بالقارة الإفريقية ونقطة اتصال بين مجموعة من الدول الإفريقية[4].

إذا فإن فكرة الفصل تهدف عسكريا إلى الحفاظ على المراكز العسكرية التي أنشأتها فرنسا في الصحراء لإجراء التجارب المختلفة سواء كانت نووية أو فضائية.[5]

3-  الأهداف السياسية:

جاءت فرنسا بمناورة جديدة مفادها أن الصحراء بحر داخلي تتشارك فيه جميع الدول المجاورة، محاولة بذلك تدويل القضية الجزائرية، كما أنها بذرت بذرة الخلاف حول الحدود مستقبلا، وقد اعتبرت أن الاحتفاظ بالصحراء سوف يعزز مركز فرنسا في القضاء على الحركات التحررية في إفريقيا حسب زعم "كورنييه" الذي يسترسل في أن الصحراء سوف تلعب دورا خطيرا في دعم السلام والرخاء وذلك عن طريق خلق مؤسسات قادرة على مد الحضارة بعناصر النمو والازدهار، ويواصل المؤلف قوله "...ستغري الثروات الباطنية رؤوس الأموال في أوربا الغربية وأمريكا مما يشد أزر الامبراطورية الفرنسية ويمدها بالعون المالي والحربي والسياسي الذي يتعذر عليها بدونها أن تواصل حربها في الجزائر.."[6]

وبذلك يمكن الملاحظة ان فرنسا حرصت على الاستفادة من أرباح البترول بجلب رأس المال الأجنبي للخروج من ضائقتها المالية، كما أنها عملت على استعمال هذه القضية الثورة عن طريق تأليب الرأي العام العالمي ضدها وعليه يمكن القول أن قضية الفصل كانت عبارة عن مدفع وجهته فرنسا لتصفية الثورة الجزائرية ،فما هي مراحل تنفيذ هذا المشروع؟

II.     مراحل تنفيذ مشروع فصل الصحراء:

إن اهتمام فرنسا بالمنطقة يعود إلى القرن 19 م نظرا لأهميتها الإستراتجية في استكمال احتلال الجزائر إذ أن احتلالها أفقد زعماء المقاومات الشعبية قاعدة خلفية هامة، ومعينا لا ينضب من الرجال، وهو ما يفسر تناقص حدة هذه المقاومات باستكمال احتلال الصحراء.

ومع تدفق أول قطرة نفط ازداد الاهتمام بالمنطقة وشرعت فرنسا في تهيئة الأرضية لفصلها عن الشمال ففي 07أوت 1957 صدر المرسوم الذي قسم المنطقة إلى عمالتين هما الساورة والواحات ،وخلال سنة 1958 أصبحت السلطة السياسية في المنطقة بيد وزير مكلف بشؤون الصحراء.

وبذلك هيأ لفكرة الفصل بمنظومة قانونية وبناءا على هذه المنظومة فقد أصبحت الجزائر مقتصرة على التل والهضاب العليا (12عمالة) ولعل سؤال المطروح ما هو السند القانوني الذي اعتمدته فرنسا للاحتفاظ بالصحراء؟

لقد تذرعت فرنسا بأن الصحراء خالية من السكان وهي مكتشفتها، حسب مقال للسيد "ماكس لوجون" وزير الصحراء يحاول أن يثبت فيه هذه الحجة[7] ، ولكنها حجة واهية، هل يكون "لوجون" وزيرا على منطقة خالية ؟ ألا يدل التقسيم الإداري على وجود السكان؟

وقد تفطنت فرنسا إلى أن حجتها واهية،  لذلك أخرجت سيناريو جديد أخطر من سابقه مفادها أن الصحراء لا تخضع لسيادة بل هي بحر داخلي تتشارك فيه جميع الدول المجاورة[8].

أما نوايا التقسيم فتعود إلى سنة 1956 وهو ما يفسر تأكيد مؤتمر الصومام على وحدة التراب الوطني بما فيه الصحراء[9].

وقد نوقش مشروع التقسيم في المجلس الوطني الفرنسي خلال الدورة المنعقدة يومي 28و29 جوان 1958 أين عرض "لوي جوكس" هذا المشروع[10].

وفي سنة 1959 بدأت تعمل على تنفيذ المشروع مستعينة بأحد أعوانها وهو حمزة بوبكر[11] ،الذي كلفته بمهمة تهيئة الزعامات المحلية وحشد التأييد للمشروع، وفي هذا الإطار عقد أول اجتماع بالأغواط سنة 1959 هدف من ورائه اطلاع بعض الشخصيات المحلية والأعيان على المشروع وضمان تأييدها[12].

وحسب الشيخ "بيوض" فإن "حمزة بوبكر" كان يستدعي الأعيان ونواب عمالة الواحات إلى الأغواط ويجتمع بهم واحدا بواحد عارضا عليهم المشروع محاولا إقناعهم به [13].

وفي نفس الفترة عقد اجتماع آخر في سانت أو حين بالعاصمة خلال مأدبة غذاء حضره بعض أعيان منطقة الجنوب ونشطه حمزة بوبكر[14].

وقد كثرت الاجتماعات واللقاءات التي كانت سرية بين الإدارة الفرنسية وبعض النواب والأعيان هدف من ورائها تهيئة الأجواء لمشروع الفصل[15].

من ذلك اتصال "أوليفي ڤيشار" مستشار ديغول الذي كلف بملف الصحراء بالشيخ "بيوض" أثناء زيارته في 12 جوان1959 لغرداية وحاول إقناعه بالفكرة إلا أن الشيخ رفض[16].

وتكررت اللقاءات والزيارات إلى منطقة ميزاب ومنها زيارة "ميشال دوبيري" في أكتوبر 1959 حيث عقد اجتماع في بلدية غرداية حضره رؤساء بلديات واد ميزاب السبعة ونائب ميزاب في المجلس الجزائري ونواب المنطقة  في المجلس العمالي بـ"ورقلة" ،وقد حاول الوفد الفرنسي إقناعهم بتبني فكرة الفصل لكن الجميع رفضوا[17].

ولم ييأس "دوبيري" إذ زار سنة 1960 منطقة تمنراست وأحضر معه توارق تشاد، ومالي، والنيجر، حيث جمعهم بالحاج "الباي اخموك" لمدة 07 أيام في فندق تينهنان وعرض على "أخموك" أن يكون سلطانا على الصحراء فرفض الفكرة[18] .

وفي نفس الفترة عين "حمزة بوبكر" ممثلا لسكان الجنوب ومنفذا لفكرة الفصل بدعم من ماكس لوجون، وقد أوعز إلى السلطات الفرنسية بضرورة إيقاف وقمع كل من يعارض الفكرة وفي هذا الإطار تم إيقاف احد أبناء الزاوية التجانية الذي وقف في وجهه وعارض الفكرة بشدة[19].

وقد كثرت الزيارات واللقاءات خلال سنة 1960 تمهيدا للإعلان عن الفصل الذي كان متوقعا التصريح به خلال عقد مجلس العمالة في خريف نفس السنة، وحسب الشيخ "بيوض" وتحسبا لأي طارئ فقد اتصل بالقائد العيد [20] واتفق معه على ضرورة عرقلة المشروع والوقف بحزم في وجه "حمزة بوبكر" والسلطات الإدارية، كما تم الاتصال بشيخ الزاوية التجانية بتماسين، الذي رحب بالفكرة وتعاهد الثلاثة على الوقوف في وجه الانفصاليين وإفساد مناورتهم ولو كلفهم ذلك حياتهم[21]، وبذلك تشكل حلف ثلاثي ضم "الشيخ بيوض" ممثلا لميزاب و"القائد العيد" ممثلا لورقلة و"شيخ الزاوية التجانية" ممثلا لوادي ريغ وخلال الدورة الخريفية لمجلس العمالة المنعقد بورقلة في خريف 1960 أعلن "حمزة بوبكر" في أحد أيام الدورة أن جلسة المساء سوف تكون سرية و فعلا خصصت هذه الجلسة لقضية الفصل وحضرها جميع نواب المجلس مسلمون وفرنسيون وافتتحها حمزة بوبكر بخطاب مطول عن لقائه بالجنرال ديغول وحديثه عن الصحراء وفكرة فصلها ثم ختم خطابة بأن طلب من النواب إبداء رأيهم في القضية[22].

وحسب ما أورده "الشيخ بيوض" فإن النواب تفاجئوا بهذه القضية وترددوا في إبداء رأيهم بكل صراحة وبعد مداخلات استقر الرأي على أن مهمة النواب في المجلس واضحة وهي مناقشة الميزانية وتسطير برامج التنمية أما قضية الفصل فهي من اختصاص كل الشعب ولا يبث فيها إلا بعد استفتاء شعبي[23]، وبذلك فشل الاجتماع الذي كان يراد له أن يوضح للعالم أن أعيان المنطقة ونوابها مع فكرة الفصل.

ورغم ذلك فقد اصدر ديغول يوم 07 ديسمبر 1960 مرسوما يفصل فيه الصحراء عن الجزائر ويربطها رأسا بفرنسا، وتحركت آلة الإدارة الفرنسية لمباركة المشروع وتأييده، وجر أعيان ونواب المنطقة إلى إرسال برقيات التأييد إلى باريس إلا أن الضغط والتهديد لم يؤت أكله[24].

ورغم الفشل الذريع ويأس السلطات الفرنسية من فكرة تحقيقه تحرك "حمزة بوبكر" من جديد حيث حاول هذه المرة عقد اجتماع في بيت أحد أعيان ورقلة حتى يضفي عليه طابع  العفوية وعدم الإكراه ويبرز أن فكرة الفصل مبادرة محلية مباركة من الشعب إلا أن الجميع  رفض احتضان هذا الاجتماع[25].

وعليه فقد عقد في مقر العمالة بورقلة في أفريل 1961 بحضور 54 شخصا[26]، وقد استخدمت السلطات الفرنسية الإكراه واقتياد أعيان المنطقة إلى الاجتماع بواسطة البوليس والجندرمة[27] ورغم القمع والإكراه فقد رفض بعض ڤياد المنطقة حضور الاجتماع معلنا صراحة أنه ضد تقسيم الجزائر[28].

وفي جويلية 1961 حاولت فرنسا مرة أخرى توريط التوارڤ في الموضوع إذ استدعى "الحاج باي آخموك" لحضور احتفالات 14 جويلية واستقبل من طرف ديغول وفي اليوم الموالي عرضت عليه الفكرة فرد عليها بقوله"...قد لا أطالب باستقلال الجزائر، ولكن ما أطالب به هو عدم الاستقلال عن الجزائر..."[29]

وأمام الفشل الذريع وتمسك سكان المنطقة بالوحدة، ورفضهم الانسياق وراء هذه المؤامرات الهادفة إلى تمزيق وحدة الشعب، لجأت الإدارة الفرنسية إلى أسلوب جديد تمثل في الضغط المالي ضد التجار الصحراويين بالشمال إذ هددهم مدير بنك الجزائر بالإفلاس إن رفضوا تأييد المشروع ومارس البنك ضغوطا مالية خطيرة على هؤلاء إذ ضيق الخناق على معاملاتهم المالية، ثم أشهر إفلاسهم وقد أشرف على هذه العملية مدير بنك الجزائر الذي عرف باتصالاته بالمنظمة السرية[30].

وقد تكفلت هذه الأخيرة بتنفيذ الجزء الآخر من الفكرة إذ قامت بنسف متاجر الصحراويين في الشمال بالقنابل البلاستيكية دمر على أثرها 90 متجرا بالعاصمة كان أًصحابها من الجنوب[31].

اما في المناطق البترولية فقد قامت السلطات الفرنسية بتسليط ألوان مختلفة من القمع والتنكيل بعمال ورقلة في هذه المناطق وقامت بنقل أكثر من 1500 عامل إلى محتشدات بالشمال[32]

أما في ورقلة فقد حاولت فرنسا إشعال الفتنة الطائفية بين الإباضية والمالكية وفي هذه الإطار أو عزت إلى بعض الخونة والعملاء فتسللوا إلى المسجد المالكي (العتيق) وقاموا بتدنيسه ومزقوا المصاحف والكتب الموجودة فيه.

وقد الصقوا التهمة ببعض الإباضيين وحدثت مشادات عنيفة تدخل إثرها العقلاء الذين قاموا بتهدئة النفوس وإصلاح ذات البين لتفويت الفرصة على الإدارة التي كانت تريد الاستثمار في هذه الفتنة[33].

وحسب "الشيخ بيوض" دائما فإن هذه الفتنة هدفت منها السلطات الفرنسية تخويف الميزابيين على مستقبلهم في الجزائر المستقلة إذ كان الفرنسيون يقولون لهم "...أنظروا هذا ما سيفعله بكم العرب بعد الاستقلال إذا تخلينا عنكم، فإنهم سيبدؤون بنا ويثنون باليهود ويثلثون بكم ،أنتم لا تفهمون ولا تفيقون من سباتكم وتصرون على البقاء معهم..."[34]

ولم يكتف الفرنسيون بسياسة الترهيب بل استعملوا الترغيب إذ حاولوا توضيح محاسن الفصل وتأسيس جمهورية صحراوية تكون تابعة لفرنسا وتحت حمايتها ويوضع بينها وبين باريس جسر جوي لضمان ازدهارها، وقد تعددت مغريات الفرنسيين لإقناع السكان بالمشروع[35].

ولكن الترهيب ظل الأسلوب المفضل حيث عوقب سكان المنطقة جماعيا وشدد عليهم الخناق فتحولت إلى محتشد كبير، ولم يسلم حتى بعض أعوان فرنسا من الباشاغوات والڤياد إذ قام رئيس بلدية ورقلة بمصادرة جزء كبير من ممتلكات بعضهم وخاصة الذين وقفوا ضد المشروع[36].

 ورغم الفشل الذريع والمتكرر ظلت فرنسا مصرة على تنفيذ الفكرة إذ عملت من جديد على إيجاد الدعم الدبلوماسي لها، ولذلك قام وفد مكون من "حمزة بوبكر" "وماكس لوجون" وزير الصحراء سابقا ومحافظ البوليس السابق "بايلو" والمحامي "بياجي"[37] بزيارة إلى النيجر يوم 04 ديسمبر 1961 واتصل الوفد بالرئيس "حماني ديوري" وتحدث "حمزة بوبكر" بصفته ممثلا لسكان الصحراء طالبا دعم النيجر لهذه المشروع مبرزا الفوائد التي ستجنيها من وراء هذا الدعم، إلا أن الرئيس "ديوري" رفض رفضا قاطعا الانخراط في هذه العملية ومن جملة ما قال:"...لن أعين على خلق "كاطنڤا" صحراوية ..."[38]

  ومع ذلك ظلت المجموعة على نشاطها فاستغلت فترة المفاوضات وضغطت على الوفد الفرنسي المفاوض وأوهمته بأن المشروع مازال قائما، لذلك تقرر عقد اجتماع آخر بورقلة بحضور لوي جوكس  ليرى بنفسه تفاعل السكان مع المشروع ولو بالإكراه وتقرر يوم 27 فيفري1962 كموعد له، إلا أن الثورة تصدت له ومن خلالها كل سكان ورقلة.

III.مظاهرات 27 فبراير 1962 بورقلة كنموذج للرد الشعبي على مشروع الفصل:

تندرج هذه المظاهرات في الإطار الالتفاف الشعبي حول الثورة، وقد استعملته جبهة تحرير كأسلوب يساير العمل الثوري، وكان له أثر بالغ في قلب موازين الأحداث حيث وصل صدى هذه الأسلوب العالم وهز الضمائر الحية وقبل التطرق للمظاهرات لابد من التأكيد على أن المنطقة كانت على اتصال بالثورة منذ فترة مبكرة حسب العديد من الشهادات الحية التي أكدت ان الاتصالات كانت منذ سنة 1955[39].

وكان نشاط قسمة ورقلة رقم 81 من الولاية السادسة قد تعاظم خاصة خلال سنة 1958، رغم خصوصيات المنطقة على اعتبار أنها منطقة عسكرية  قيدت فيها الحركة فكانت فرنسا تحصي فيها أنفاس السكان، ضف إلى ذلك فهي منطقة جغرافية مكشوفة يصعب الاختفاء فيها، رغم ذلك فإن الفترة الممتدة من 1958إلى1962 شهدت العديد من الأحداث التي أكدت تلاحم سكان المنطقة مع الثورة وكانت المظاهرات تتويجا لها.

وبناء على الشهادات الحية[40]  لصانعي الحدث يمكننا أن نوجز الأحداث فيما يلي:

وجهت تعليمات صارمة يوم 26-02- 1962 كتابيا وشفهيا من قيادة الناحية الرابعة المنطقة الرابعة، الولاية السادسة من إمضاء الملازم الثاني السيد "شنوفي محمد" إلى كل شيوخ البلديات 14 التابعة لجبهة التحرير تأمرهم بالتظاهر يوم 27 فبراير 1962 على الساعة الثامنة صباحا وهذا هو نص الرسالة.[41]

" الجمهورية الجزائرية، جبهة وجيش التحرير الوطني الجزائري الولاية السادسة المنطقة الرابعة الناحية الرابعة.

إلى الأخ سي.......... رقم ........... بعد السلام الوطني أبعث اليكم هذه التعليمات يجب أن تعيروها اهتمامكم وأن تأمروا كافة المواطنين بأن يقوموا بمظاهرات يوم 27 فبراير 1962 على الساعة 08 صباحا، يعبر فيها الإخوان أن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية هي الممثل الوحيد للشعب الجزائري، ويهتفون بأن الصحراء جزائرية ويرفعون العلم الوطني إن هذا الوقت مناسب والكيفية تكون كما يلي:

تجمعوا الشبان وتأمروهم بان يقوموا بالمبادرة ويأتي من ورائهم كافة المواطنين نساء ورجالا، إن الأمة كلها تنظر المبادرة ،أنكم بتضحياتكم ترفعون رأس بلادكم عاليا وتزيلون عنها غبار جميع الشكوك وتفضحون المناورات الاستعمارية وتزعزعون أركانهم والسلام، الإمضاء الملازم الثاني محمد شنوفي.

ولعل المتتبع للأحداث يتساءل لماذا تأخر رد الثورة حتى سنة 1962 ؟

الحقيقة أن قيادة الثورة كانت تراقب مشروع الفصل بعناية فائقة وتخطط لنسفه في حينه، رغم اتصالات العديد من المناضلين بقيادة الولاية السادسة طالبين منها السماح لهم بالتحرك لضرب المشروع في مهده من خلال تنظيم مظاهرات شعبية، إلا أن رد القيادة كان يؤكد على ضرورة التحلي بالصبر والانضباط وأن اليوم سوف يأتي لا محالة[42]. وحسب ما أوردته المجاهد فإن المظاهرات قد سبقها إضراب عام في المنطقة نجح بنسبة 100% [43]

وقد صيغت الرسالة الآنفة الذكر يوم الجمعة 26 فبراير 1962 بإشراف الملازم الثاني "شنوفي محمد" ومساعده والكاتب "عبد الجبار" وأرسلت إلى رؤساء المجالس الأربعة عشرة، وحسب صناع الحدث فإن المنظمين قد استغلوا وسائل العدو لضمان سرعة وصول الرسائل خاصة وأن الأحداث تزامنت والعشر الأواخر من شهر رمضان، لذلك استعملت سيارتان تابعتان للإدارة الفرنسية كان يقودهما بعض المناضلين العاملين عند فرنسا[44].

وبفضل هذه السرعة في التحرك ضمن المنظمون حسن تهيئة الأجواء لتنظيم المظاهرات في جو يتسم بالدقة والانضباط.

وقد بات سكان ورقلة يهيئون اللافتات ويخيطون الإعلام أما رؤساء المجالس فقد عملوا على تمرير الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين لضمان المشاركة الفعالة للشعب.

ومنذ الساعة السادسة صباحا بدأ السكان يتوافدون من القوى المحيطة بورقلة بعد أن حضرت مختلف الوسائل وبدأت عملية التجمع في انتظار التحرك على الساعة 08 صباحا، إلا أن الجميع تفاجأ بخبر مفاده أن وصول الوفد الفرنسي سيتأخر حتى الساعة الواحدة زوالا، وحسب صانعي الحدث فإن هذا الخبر سربه أحد المناضلين العاملين بالمطار[45]، وبذلك أعطيت الأوامر للشعب ليتفرق في مختلف أحياء القصر حتى لا تتفطن السلطات الفرنسية لتحركاته، كما أعطيت الأوامر للتجار بفتح دكاكينهم وعادت للسوق حركيته رغم محاولة بعض الخونة وأحد التجار اليهود الإيعاز للسلطات الفرنسية بأن شيئا ما يحضر إذ قاموا بتعليق علم الجزائر إلا أن المنظمين سارعوا إلى إنزال العلم[46].

ومع تحليق الطائرة المقلة للوفد الفرنسي في أجواء ورقلة أعطيت الأوامر بالتظاهر، فتجمع المواطنون من كل الجهات يؤطرهم مجموعة من المجاهدين والمسبلين والمناضلين وكانت الانطلاقة من سوق السبت، وتقدمت الجموع مجموعة من الشباب يحملون علمين كبيرين وساد الانضباط التام وحملت العديد من اللافتات التي عبرت عن تلاحم الشعب مع ثورته، وكتبت عليها العديد من الشعارات الممتدة بسياسة فرنسا التعسفية والمناداة بالوحدة الترابية للجزائر واستقلالها التام[47].

وردد المتظاهرون العديد من الهتافات المنادية بحياة الشعب الجزائري وجيش وجبهة التحرير والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وبأنها الممثل الشرعي والوجيد وأن الصحراء جزائرية وستظل جزء لا يتجزأ من الوطن، ورددت العديد من الأناشيد الوطنية التي حمست الشباب ظلت المظاهرات حتى صلاة المغرب[48].

 وقد تصدت السلطات الاستعمارية للمتظاهرين ونكلت بهم مستعملة العنف في تفريقهم بأساليب قمعية مختلفة ابتدأت بالعصي والهراوات لتنتهي إلى استعمال الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع رغم ذلك فقد ظل المتظاهرون منضبطون يجوبون شوارع المدينة والسلطات الفرنسية تطاردهم في كل الجهات[49]، وبغض النظر عن الخسائر في الأرواح وعددها حيث أن صانعي الحدث يؤكدون سقوط خمسة شهداء اثنين منهم معروفي الهوية والثلاثة الباقين لم تعرف هويتهم، أما الجرحى فيتجاوز عددهم العشرين جريحا أما جرحى العدو فقد وصل عددهم الى 15 جريحا[50].

رغم هذه الخسائر إلا أن المتظاهرين أكدوا تلاحم سكان المنطقة مع الثورة وأزالوا كل الشكوك والزيف المسلط من طرف المحتل لتضليل الرأي العام العالمي، كما أكدت المظاهرات قوة التنظيم ودقته والسرية التامة التي جعلت العدو لا يتفطن لما كان يخطط رغم ما يملكه من قنوات لإحصاء أنفاس المواطنين كما قلنا خاصة في منطقة عسكرية، كما بينت الأحداث قوة الثورة ونجاحها في اختراق صفوف العدو ومعرفة مخططاته وأخباره، ولعل أهم نتيجة هي رضوخ الوفد الفرنسي المفاوض بدون شروط، وبذلك كانت المظاهرات آخر مسمار في نعش فرنسا بالجزائر.

الخاتمــــة:

من خلال هذا المقال يمكن أن يلاحظ أن مشروع فصل الصحراء هو مناورة ديغولية هدف من ورائها ضرب الوحدة الترابية للجزائر كما كانت خطة لإطالة أمد المفاوضات من أجل استنزاف فرنسا للثروات البترولية في أمد بسيط، إلا أن الثورة كانت لهذه المخططات بالمرصاد، بفضل تجذرها في صفوف الشعب الذي اعتبرته قواعدها الخلفية تحركها بسرعة فائقة متى شاءت وقد أكدت مظاهرات 27 فبراير بورقلة ذلك إذ كيف يعقل أن التخطيط لمظاهرة بهذا الحجم يتم في يوم واحد رغم أن المنطقة كانت عسكرية يحصي فيها المحتل أنفاس المواطنين وتحركاتهم خاصة وأن الأحداث تزامنت والعشر الأواخر من شهر رمضان ولكنها عظمة ثورة التحرير.

 الهوامــــــش


[1]- المجاهد الصادر يوم 05-10-1959 ص08

[2]- مسعود مجاهد، الجزائر عبر الأجيال، ش.و.ن.ت الجزائر ،د.ت ص661،

[3]- شارل ديغول، مذكرات الأمل، التجديد 1958-1962 ترجمة سموحي ،منشورات عويدات ،بيروت 1971 ص129

[4]- مسعود مجاهد، مرجع سابق، ص661

[5]- شارل ديغول، مرجع سابق،ص127

[6]- مسعود مجاهد ،مرجع سابق ص662

[7]- المجاهد الصادرة بتاريخ 10 أفريل 1958 ص08

[8]- محمد لحسن الزغيدي، مؤتمر الصومام وتطور القورة التحريرية الوطن الجزائرية،م .و ك.الجزائر 1989 ص225

[9]- المرجع نفسه ص223

[10]- المجاهد العدد 100 الصادرة بتاريخ 17 جويلية 1961 ص07

[11]- حمزة بوبكر، هو أبو بكر بن حمزة بن قدور ولد يوم 15/06/1912 درس بواحة بريزينا، درس بثانوية وهران واشتغل في التعليم، أصبح نائبا في مجلس عمالة الواحات سنة 1958 ثم رئيسا لهذا المجلس، دافع على مشروع فكرة الفصل، بعد الاستقلال انتقل إلى فرنسا أين عين مسؤولا على مسجد باريس، توفي سنة 1995، أنظر:http.www.fougara.free.fr

[12]- المجاهد العدد 113، الصادرة بتاريخ 22-01-1962 ص03

[13]- الشيخ إبراهيم بن عمر بيوض، أعمالي في الثورة ،الزيتونة للإعلام والنشر ،باتة (د.ت) ص34

[14]- المجاهد العدد السابق

[15]- الشيخ ابراهيم بن بيوض، مصدر السابق،ص34

[16]- الحاج موسى بن عمر،السياسة الفرنسية في الصحراء الجزائرية 1945-1962 مذكرة نهاية السنةII ماجيستير معهد التاريخ جامعة الجزائر،ص ص 51-52

[17]- نفسه

[18]- عبد السلام بوشارب، الهقار أمجاد وأنجاد، المتحف الوطني للمجاهد الجزائر 1995، ص143

[19]- المجاهد العدد السابق

[20]- القائد العيد، احد قواد مدينة ورقلة عرف عنه أنه كان وطنيا في القضايا الوطنية خاصة قضية الوحدة الترابية للوطن وهو ما يتفق عليه مختلف الذين عاصروه.

[21]- الشيخ ابراهيم عمر بيوض، المصدر السابـق ص34

[22]- نفسه

[23]- نفسه

[24]- نفسه

[25]- حسب ما رواه لبعض شيوخ المنطقة

[26]- المجاهد العدد 113 مصدر سابق

[27]- نفسه وكذلك بعض الرويات المختلفة

[28]- بعض  الشهادات الحية لشيوخ المنطقة

[29]- عبد السلام بوشارب، مرجع سابق ،ص 143

[30]- المجاهد العدد السابق

[31]- نفسه

[32]- نفسه

[33]- الشيخ إبراهيم بيوض، مصدر سابق،ص45

[34]- نفسه

[35]- نفسه ص38

[36]- المجاهد العدد السابق

[37]- المجموعة كلها مؤمنة بفكرة التقسيم وتأسيس جمهورية صحراوية كما عرفت ذلك باتصالاتها وتنسيقها مع المنظمة السرية، أنظر في ذلك العدد السابق

[38]- نفسه

[39]- لقاء مع المجاهد المرحوم "حساني سي محمد"، المعروف "بحمة باهي"، بمقر زاوية القادرية بالرويسات بتاريخ 25-02-1998 على الساعة 15 ،الذي كان رحمه الله مقدما لهذه الزاوية، عرف بجهاده وتقواه وورعه.

[40]- المحضر المعد من طرف اللجنة الفرعية لتحضير الذكرى الواحدة والثلاثون للمظاهرات الذي يضم شهادات حية لصانعي الحدث رؤساء مجالس بلدية ورقلة 14، بتاريخ 11- 02- 1993 و15-02- 1993 بمقر بلدية ص ص1-6

[41]- أنظر الملحق رقم 01

[42]- محضر اللجنة الفرعية السابق الذكر

[43]_ المجاهد العدد 166 الصادر بتاريخ يوم 09 مارس 1962 ص 02

[44]- المحضر السابق الذكر وكذلك تسجيل صوتي للمرحوم "مشري بومادة " وهو أحد المشاركين في المظاهرات وقد حاوره في هذا التسجيل الأستاذ "حكوم سليمان".

[45]- المحضر السابق.

[46]- حسب ما رواه لي بعض الشيوخ الذين شاركوا في المظاهرات.

[47]- المحضر السابق

[48]- نفسه.

[49]- نفسه.

[50]-  نفسه.