مفهوم الإنسان الكامل في الفكر الصوفيpdf

أ.ناجم مولاي

جامعة عمار ثليجي بالأغواط(الجزائر )

الملخص:

يكثر الحديث في هذا القرن على فكرة الإنسان، هذه الأخيرة لا يمكن فهمها خارج المجال التداولي له، و المقصود هنا ( اللغة ، المجتمع و الدين ... ) و المطلوب عندنا هو : دراسة العلاقة الجدلية بين مفهوم الإنسان الكامل والصوفية من وجهة دينية وعلمية.

فما معنى الإنسان؟ وما معنى الصوفية؟ ما هي الأمور التي أعرفها مسبقا عن هذا الموضوع؟ وما جدلية العلاقة بين الإنسان و الصوفية؟ وهل من السهولة والسرعة أن أطبق ذلك؟

هي بعض الميكانيزمات التي تدور حولها عناصر هذه المداخلة، التي نسعى جاهدين أن نوضح للقارئ في محاولة تحض بتناول فكرة الإنسان الكامل في الفكر الصوفي ، انطلاقا من الدراسة الجنيالوجيا و الكرنولوجيا لمفهومين نرى أنهما المقصودان من خلال معالجة هذه الإشكالية و هما ، معنى الإنسان و معنى الصوفية، لنتطرق في صلب المقال إلى شرح تلك العلاقة الجدلية بينهما في الفكر العربي الإسلامي خصوصا و الفكر الغربي على وجه الإضافة.

 Resume

There is much talk in this century about the idea of ​​man. This cannot be understood outside of its domain and context of deliberation, meaning here (language, society, religion, ...). What is required, in our opinion, is a study of the contentious relationship between the concept of full or perfect man and Sufism from the point of religious and scientific perspectives.

 What is the meaning of man? What is the meaning of Sufism? What are the things that I know already about this topic? What is the dialectical relationship between man and Sufism? And it is easy and fast to apply so?

These are some mechanisms that revolve around the components of this intervention, which I strive to make clear to the reader in order to try to incite to address the idea of ​​the perfect human in Sufi thought, from the genealogical and chronological study of the concepts. We believe this is what is intended to be studied by addressing this problem:  the meaning of man and the meaning of Sufism so that we can cover in the core of the article the explanation of the dialectical relationship between them in the Arab-Islamic thought especially and in the Western thought, as an addition.

تمهيد:  

يكثر الحديث في هذا القرن على فكرة الإنسان، هذه الأخيرة لا يمكن فهمها خارج المجال التداولي له؛ و المقصود هنا (اللغة، المجتمع و الدين.... ) و المطلوب هنا: دراسة العلاقة الجدلية بين مفهوم الإنسان الكامل و الصوفية بنظرة  دينية و علمية. فماهو معنى الإنسان و ما معنى الصوفية ؟   و هل من السهولة و السرعة تطبيق ذلك عند الإنسان؟

التأثيل المفاهيمي :

و إذا كنا قد حددنا عنوان هذه المداخلة بـ : مفهوم الإنسان الكامل في الفكر الصوفي ، فإن الاشتغال بهذا العنوان يتطلب منا أن نحدد في البداية مصطلحا ته الأساسية و التي التزمنا في تحديدها بمصطلحين أساسيين لضرورة تداولهما في مقدمة هذه المداخلة ؛ و هما مصطلح " الإنسان "  و "الصوفية " .

1- مفهوم الإنسان :

1-1-        لغويا (جنيالوجيا) :

أ - في المفهوم العامي :

الإنسان مخلوق آدميا، وهي نظرة ساذجة و سطحية لخلوها من الأبعاد و اقتصار النظرة على الأعراض لا الجوهر (1).

ب - في اللغة الأجنبية (الفرنسية) :

بصفة عامة نستطيع تسمية "الإنسانية" (HUMANISME): كل ما يتعلق بكرامة الإنسان، و القيمة العليا، مما يجب تحفيز أكثر من الدفاع على الأخلاقيات الاقتصاد، الدين و بشكل كلي نستطيع التكلم عن الإنسانية المسيحية ...الخ .

بهذا المعنى الإنسان يتواجد في مجالات فلسفية متعددة ( شخصا نية و وجدانية) غير مجدية في تاريخ المجتمعات، إضافة إلى هذه المفاهيم ظهر مفهوم الإنسان مما يشكل خطر بإقصاء بعض الأفراد خارج المفهوم الراقي؛ هذا ما يتضح لنا من الإنسانية التقليدية التي رفضت بشدة من طرف الفلاسفة مثل"ماركس" و"نتشه" مفهوم مختلف للإنسان أو ما يجب أن يكون عليه الإنسان (2).

ج‌-في اللغة العربية :

فالإنسان أصله اللغوي إنسيان، و أصل الكلمة عند العرب القدامى تأخذ معنيين الأول: أنسيان على وزن أفعلان و تعني النسيان؛ و العلة عند معتقديها ترجع إلى كون أدم نسى ما عهد إليه من قبل الله، و عليه سمي بذلك؛ و المعنى الثاني: ينطبق من  الأنس أي الألفة و يكون على وزن فعليان(3) 

كما أن الإنسان من الإنس مثنى بصيغة المفرد (إنس-إن) فالإنسان جنس، آدم و حواء، الرجل و المرأة نوعان من جنس واحد(4)، و من (أنس )اشتقت إنسانية( Humanité)( كمصدر صناعي من كلمة إنسان) و هي تعني جملة الخصائص التي تتميز بها البشرية عما سواهم من الحيوانات مثل العقل  و السيطرة على الهوى و تقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية، أو هي عطف الإنسان على أخيه الإنسان و احترامه و تقديره بقطع النظر عن وضعيته الاجتماعية و السياسية، و هي بهذا المعنى تقابل التمييز العنصري  ومنه أنسية (humanisme) مذهب من يجعل الإنسان في صدارة القيم أما بالنسبة إلى الحكمة الإلهية كما هو الشأن لدى المؤمنين،  و إما على وجه الإطلاق كما الشأن لدى الملحدين، و منه أيضا تأنس  (sociabilité) بمعنى محبة العيش مع الجماعة و الميل إلى معاشرة الآخرين بالحسنى، و يقابله التوحش(5).

د‌-      أما في الاصطلاح (6)

1-المنطق:الإنسان من الوجهة المنطقية جنس قريب، و عند بعض النوع (Espece)، و إذا اعتبرنا الحيوان جنس (Genre)، و قد يختلط مفهوم الإنسان مع الرجل؛ والفرق بينهما أن الإنسان جنس و الرجل نوع و بتالي فالإنسان يخص الذكر و أنثى.

2-عند البيولوجيين:كائن حي من المنظور أنه يقوم بوظائف كالتغذية، الإحساس، الحركة، التناسل، و الحيوان و تترتب عنه عدة فلسفات سفلت الإنسان تسفيلاً.

3-   أما في الفلسفة : نجد تعاريف متعددة حيث إن الفلاسفة وضعوا عدة مفاهيم:

أ- الإنسان الصانع (Home-Faber) من جهة أنه يصنع نفسه، و يصنع الموجودات التي يتم بها وجوده.

ب- الإنسان العاقلSapiens)(Homo من حيث كونه يفكر ، و يتولد وجوده من تصوره من حيث كونه موجود لذاته ( être pour soit  ) .

ج- الإنسان الاقتصادي (Homo – Economicus)

4 – و عند فلاسفة الإسلام :

نجد ابن سينا (980- 1037م) يعرفه في كتابه (النجاة) : " ليس الإنسان إنسانا بأنه حيوان ، أو مائت ، أو أي شيء أخر بل إنه مع حيوانيته ناطق"و يضيف في كتابة (الشفاء) : " الإنسان جوهر له امتداد في أبعاد مادية تفرض عليه الطول و العرض و العمق ، و من جهة أخرى يمتلك نفساً بها يتغذى و يحس و يتحرك ، و مع ذلك يمتلك عقلا به يفهم الأشياء و يتعلم الصناعات ... و عندما يتحدى كل ما سبق نحصل على ذات متحدة هي الإنسان.

كما نجد عند " الفارابي" (874م – 950م) : " أن الإنسان منقسم إلى سر وعلن ، أما علنه فهو الجسم المحسوس بأعضائه و أمشاجه ، وقد وقف الحس على ظاهره و دل التشريح على باطنه   أما سره فقوى بروحه ".

5- و عندالمسلمين:لا يخرج مفهوم الإنسان عند ثنائية الجسد و الروح التي هي كوحدة تمثل ماهية الإنسان و جوهر ، و أن الخلل إذا حدث في سير علاقتهما حدث الانتكاس ، و سارت الذات نحو العالم البهيمية أو نحو الهمجية .

6- وعلى غرار ذلك : نجد الفلسفة الإلهية (Theodicee)ترى مفهوم أن الإنسان لا يخرج عن المعنى القائم بالبدن و لا يخص بذلك الهيكل و إنما الشيء الذي يحرك البدن و لعل مقولة " الأشعري" مأخوذة من نظرتهم حين يقول : " إن الإنسان هو هذه الجملة المصدرة ، ذات الأبعاض و الصور " .

7- و عند الصوفية على العموم: " لا يخرج هذا المفهوم عن كونه برزخ بين الوجود و الإمكان، و المرآة الجامعة بين صفات القدم و الحدثان، و الواسطة بين الحق الذي هو الله و الخلق " .

8- و عند الفلاسفة الغربيين :نجد "الإنسان الشمولي"  (total man)مصطلح فلسفي ،  ورد في النصوص " كارل ماركس " (k- markx , les manuscrits de 1849)و يدل على العلاقة المتبادلة بين الفرد و المجتمع من جهة ، و صورة مثالية معينة من جهة ثانية .

ما ورد عندالأناسي الفرنسي " مارسيل موس " (بحث في الوهب) في سياقه عرفه " الواقعة  الاجتماعية الشمولية أو الكلية المتحققة باختيار فردي شمولي " .

و كتعريف جامع مانع يمكن أن نقول : " أن الإنسان كائن حي عاقل ، يأنس ، ويتآنس و هو أيضا واسطة جوهرية – من الروح و البدن – بين الحق الذي هو الله و الخلق " ، كمفهوم نحاول أن نتقرب به إلى مفهوم الإنسان الكامل في الفكر الصوفي .

1-2- تاريخياً (كرنولوجيا) :

إن جدلية الإنسان و التاريخ تجعلنا نرتبط دوما بفكرة الإنسان الكامل، أو ما يسميه البعض الإنسان النموذج باعتبارها فكرة تطرح نفسها عبر صيرورة التاريخ. ففي فلسفة " أفلاطون " كان الإنسان الفاضل نموذجا جديد يحاول إحداث القطيعة مع الإنسان السفسطائي الذي لم يعد مرغوباً فيه حتى مع " سقراط " نفسه .

كما أن مشكل الانحطاط في عمقه الحقيقي هو الإنسان ، لأن الحلول الأخرى تبقى عاجزة إذا أهمل الإنسان و هذا ما يفسر في انحطاط العالم الإسلامي و العالم الثالث بأجمعه ؛ هذا و إن كان العالم الإسلامي في مطلع القرن 20 م شهد حركة إصلاحية نهضوية لكنها لم تستطع تحقيق القطعية و لا النهضة كونها اهتمت بالعقيدة و أهملت الإنسان كمشكلة ، و هذا ما يمكن أن يفسر السؤال الحاضر في الخطاب الإصلاحي باستمرار لماذا تأخر المسلمون و تقدم غيرهم ؟ (6) .

فإذا كانت الحركة الإصلاحية النهضوية انطلقت من حديث الرسول (ص): " ما أنا عليه و أصحابه "، فإن القومية كتيار ارتبط ظهورها بالتواجد التركي جعلت نموذجها المركزي الإنسان الغربي  فأغلب أدباء الخمسينيات امتازوا بهذه النزعة؛ و إن كان لها دعاة غربيون أمثال: فلاسفة الألمان " فيخته "،" فيور باخ "،" نتشه "،" هيدغر"، و في تصورها هذا تنطلق من نماذج جاهلية " كعمر و بن كلثوم "،" عنتر العبسي" أو نماذج إسلامية كـ" هارون الرشيد " و" المعتصم بالله " و غيرهم من عظماء و نواب العرب (7)

فاختيار النموذج الماضوي الراجع لبعد الذات العربية عن واقعها مما لم يساهم في إيجاد حل لمشكلة الانحطاط التاريخي التي عرفها العرب عبر مرور الزمن .

و في مرحلة متقدمة ظهرت محاولة لإحداث القطيعة مع ماضوية عصر النهضة شعارها كان علمانياً متأثر بالفكر الشيوعي الماركسي ، و متخذةً من الإنسان النموذجي الماركسي أصلاً و مثل هذا في فكر العرب كل من " حسين مروة " ، " الطيب تيزني " و غيرهم ،  و إن كان هذا النموذج لا يمت بصلة لواقعنا ،  وهذا واضح أيضاً عند الأستاذ " بوعرفة " في كتابه " الإنسان المستقبلي في فكر مالك بن نبي " .

كما نجد أسطورة الفهم المادي للإنسان القائلة:"إن الطبيعة تشكل نقطة انطلاق التطور الإنساني " فالإنسان جزء من الطبيعة، وهو لذلك بحاجة إليها كشرط طبيعي لوجوده كما هو عند كارل ماركس في كتبه (k- markx, les manuscrits de 1844 – Tard bottigelli – Ed .Soc .Paris . 1969.P. 61 و من هذا نستنتج إنه حتى العمل الذي يرى البعض بأنه جوهر هذا الإنسان هو في الأصل من منطلق مادي بيولوجي، و بالتالي يمكن القول عن الإنسان أنه يملك " طبيعة هي تاريخية و تاريخياً هو طبيعي" كما قال ماركس أنجلز في كتابه( L’idéologies allemande – Tard – Aiger- Ed . Soc. Paris 1968 و المقصود هنا أن التطور التاريخي منطلقه هو الطبيعة؛ و الإنسان ليس بجوهر مختلف عنها فتفاعلهما مع بعض يساهم في تحقيق الإنسان بجوهره الكامل و الفكرة نجد شرحها عند كارل ماركس في كتابه (Manuscrits, Op. sit. P.96)، إذ يقول:"إن التاريخ نفسه هو جزء فعلي من تاريخ تكوين الإنسان للطبيعة".

و" فرانكلين " عندما يعرف الإنسان " حيواناً يصنع الأدوات " كما هو مشار له عند كارل " ماركس " في كتابه (Le capital – trad. . Roy. Ed. Soc. Paris. 1977. p. 138) ، تم العلاقة بين الإنسان و الطبيعة و المجتمع، " فكارل ماركس " يرى أن في الطبيعة شرطاً لا للوجود الفيزيائي فحسب بل و بالدرجة الأولى للوجود الاجتماعي حتى أنه فسر علاقة الإنسان بالمرأة هي العلاقة الأكثر طبيعية للإنسان و الإنسان ، إذن الطبيعة أصل الإنسان و المجتمع و علاقة الإنسان بالإنسان (8) .

كما أن بالعمل وحده ارتقت اليد الإنسانية إلى هذا المستوى الرفيع من الكمال الذي استطاعة فيه و بقوة تكاد تكون سحرية توجد لوحة  " رافائيل " و تمثال " تورفالدسين " و موسيقى " باغانيني " كما قال " ماركس أنجلز " في كتابه ( مختارات ، دار التقدم ، موسكو ، د ط ، 1970 ، ص  07 و ما بعدها) .

فالإنسان الكامل بهذا المنظور هو الشخص الذي يستطيع تحقيق ذاته من منطلق تلبية حاجياته  أو السيطرة على الطبيعة من منطلق عملي ، عبر صيرورة الزمن مما يعطي لتاريخ مشروعية تأسيسه و هذا هوتفسير جوهر الإنسان بمنطلق ماركسي يقر تمييز الإنسان الحقيقي عن اللإنسان .

و فكرة الإنسان الكامل تقود لعهد موغل في القدم في كتب الدين المقارن، و قد جعلت  ابتدائها من أساس سكونية ستاتيكية آرية، إنما ترى فيه خصوصاً أنه "الإنسان الأول" فهو" الكيومرث" عند المزدكية و" آدم قدمون" في كتبه القبالة اليهودية، و  الإنسان القديم  عند المانوية المستعربة، و لم يكن هنا توحد في تصور الإنسان على أساس أنه (إنسان عين الوجود ) فقد أحل كلمة مستجدة عند النصارى هي " صورة نموذجية" (9) .

كما نجد أن الإنسان الكامل الحقيقي الذي ينتظره المسلمون هو نوع من البشير (Un Messie) و هنا يتساءل الباحث " المصري الوجودي" قائلاً: " أليست الفكرة اليهودية عن البشير المسيح ترجع إلى أصل إيراني، و تبعاً إلى هذا إلى أصل آري " ريتيسنشتين " ( Reitzenstenو الفكرة الديناميكية الإسلامية عن الإنسان الكامل ألم تكن منذ البداية ذلك المهدي المنتظر الذي قالت به " الشيعة الإمامية "، و هم كان معظمهم من الموالي الداخلين في الإسلام و كانوا من الفرس و بالتالي كانت هذه الفكرة آرية الأصل كذلك .

نشاهد منذ فجر الإسلام تنشأ الفكرة البشرية في اليمن العربي لابسةً الفكرة القائلة " بالمخلص " منتظر يعيد العدل إلى نصابه ... (10) .

لكن بدوي عبد الرحمان يرى أن هذه القسمات و أمثالها من شأنها التضليل، فشاهد أن النظرية الإسلامية الخالصة في الإنسان الأول إنما تمت هي في مقتضياتها النشورية {...} عن طريق القرآن نفسه، و ذلك بتدبير نصه العربي تدبيراً سنياً مستقيماً

2- مصطلح التصوف:

2-1 – جنيالوجيا :

-      في اللغة الفرنسية : ( MYSTICISME , MYSTIQUE)

هو المقابل للمصطلح الصوفية ، له عدة مفاهيم منها أنه " هو المعرفة على حسبها يوجد ترتيب للحقائق فائقة الطبيعة التي لا تستطيع الوصول بالإدراك الغريب للتجربة المؤدية إلى المعرفة العقلانية " كما أنه أيضا " حالة سيكولوجية للذين لهم الحس بالدخول مباشرة في علاقة مع الرب " .

و بمعنى آخر: " هو المعرفة أو الإيمان مضاد للعقل يرفض الذكاء و الملاحظة، و يقوم على الإحساس و الخيال " (11).

كما نجدها في قاموس آخر تعني:" مجموعة الإيمانيات الدينية أو الفلسفية، و التي عن طريقها يتوصل الإنسان إلى مستوى الكمال، هذا الأخير يتمثل في نوع من التأمل يوصل صاحبه إلى المستوى الوجدانية التي يمكن أن تتيح عملية إتحاد الإنسان بربه (الإله) (12) .

و المفهوم هنا لا يخرج عموما على أنه التأمل أو التبصر الروحاني الخاص بالإنسان.

-     في اللغة العربية :

أن كلمة التصوف و صوفية مأخوذة من الصوف لأن الصوف كان منذ زمن قديم اللباس الغالب على الزهاد (13).

كما أنه علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة ملك الملوك، و تصفية الوطن البواطن من الرذائل و تحليتها بأنواع الفضائل، أو غيبة الخلق في شهود الحق أو مع الرجوع إلى الأثر فأوله علم و وسطه عمل و آخره موهبة .

و الصوفية اسم مشتق أما من الصفاء لأن مداره على التصفية، أو من الصفة لأنه اتصاف بالكمالات، أو من صفة المسجد النبوي لأن الصوفية متشبّهون بأهل الصفة في التوجه و الانقطاع أو من الصوف - كما هو مشار إليها سابقاً - لأنه جل لباسهم الصوف تقللاً من الدنيا وزهداً فيها اختاروا  ذلك لأنه كان لباس الأنبياء - و حسب رأي ابن عجيبة الحسني -

أن هذا الانشقاق أليق لغةً و أظهر نسبة فيقال تصوف إذا لبس الصوف كما يقال تقنص إذا ليس القميص و النسبة إليه صوفي (14).

-      و في الاصطلاح :

قال "خليل أحمد خليل":" الصوفية أو التصوف : طريقة روحية دنية مذهب فلسفي خاص قوامه القول إن المعرفة اتصال مباشر بين الروح و المطلق، دون استعانة بالعقل العملي؛ أما الصوفية مذهب ديني يرمي إلى إتحاد الإنسان بخالقه من طريق التأمل و التوحد و الوجود و الفناء" (15).

و يقول" محمود يعقوبي" : " النظرة التصوفية هي دعوى مشاهدة حقائق الأشياء و الأمور مشاهدة باطنية عن طريق الحدس و الوجدان اللذين لا يمكن التعبير عنهما باللغة و التفكير العقلي" .

وعن علاقة مصطلح الإنسان و الصوفية بالكمال لا بأس أن نشير هنا إلى ضبط مختصر لهذا المصطلح:

فـ كمال أول ( Entéléchie) مفردة ابتكرها " أرسطو" و عرفت في اللاتينية بعبارة المنجز، الكمال الناشئ من هذا الإنجاز و هو الشكل أو العقل الذي يجد إنجاز قوة ما.     

و الكمـال الأول هو الجوهر الفرد ( Monade) عند" ليبنتيز" القائل في كتابه (monadologie ,p18Leibniz):" يمكن إطلاقه على كل الجواهر اللطيفة أو الجواهر الفردية المخلوقة لأن فيها كمالاً معيناً و فيها اكتفاء يجعلها مصادر لأفعالها الداخلية و للآليات الذاتية، اللاجسمية إذ جاز القول"(16)  .

أما " معروف الكرخي" ( ت 200 هـ / 815 م ) قال: " التصوف هو الأخذ بالحقائق و اليأس مما يدي الخلائق " ، و قد انتشرت كلمة الصوفي في العالم الإسلامي بعد أن قالها " أبو هشام الكوفي"   ( ت 156 هـ / 715 م ) (17) ، ومن المواضيع التي اختلف فيها الدارسون هي أصل التصوف : هل هو هندي أو رهينة مسيحية ، أو هل هو رد فعل لعقلية الآرية ضد الدين الإسلامي و حضارته في فارس أو هل هو امتداد للفلسفة اليونانية أم نابع من البيئة العربية الإسلامية؟ يقول الأستاذ عميراوي : " قد يكون التصوف الإسلامي مشتق من الكلمة اليونانية  (Théosophie) التي تعني إله الحكمة ، في حين يقول المتصوفة المسلمون إن التصوف مؤسس عن الكتاب و السنة و قائم على سنة الأنبياء الأصفياء (18) .

2-2 كرنولوجيا :

إذا كان النظر إلى الإنسان نظرة روحية فأنها ليست وليدة التفكير الحديث أو المعاصر، و لكن ترتبط مفاهيمها بعمق التفكير الإنساني(19).

حيث نشأة الصوفية كحركة رد فعل و نفرة في مطلع العصر العباسي حينما عما الترف و كثر انغماس الناس في الإسراف و الملاذ من ذلك كله و اتجهوا إلى حياة الزهد و لقد كان قبله العصر الأموي زهاداً لم يكن قد بلغوا من حيث التطرف و الاتجاه العقلي إلى أن يسمى تصوفاً .

و التصوف الإسلامي نشأ في بيئة إسلامية ثم تسربت إليه عناصر أجنبية (20) نختصرها هنا :

أ‌-    من المذهب الإسكندراني : الرياضة الروحية وغايتها التأمل الدائم في الله تعالى حتى تدخل النفس في حال من الذهول و الوجد .

ب‌- من الهنود: تعذيب النفس بالإيغال في التقشف و بالتطرف في العبادة مثال(النرفانا)

ت‌- من الفلسفة الصينية : انتقلت له كثير من التعابير طريق سفر و التصوف بهذا المعنى ليس أحوالاً عارضة للإنسان و لكنه " سفر في طريق " " السلوك مستمر على منهج معين " .

ث‌- من النصرانية : إنتفل إليه عنصران تعذيب النفس ( و هو شيء موجود في الهندوكية ) أو التبتل  ( ترك الزواج و ترك السعي في الدنيا ) . و أثر هذا واضح في المتصوفة البغداديين و هو مخالف للحياة الإسلامية برأي أغلب المتصوفة المسلمين أن ذاك .

و التصوف الإسلامي مر بخمس مراحل (21) نذكرها هنا باختصار:

1-مرحلة الزهد : القرن 1 و 2 هـ إستمرت عدة قرون ( رابعة العدوية ) .

2-مرحلة التصوف الخالص : القرن 3 و 4 هـ كعلم مكتمل و طريق لمعرفة بعدما كان مجرد طريق للعبادة ( الحارث المحاسبي ، البسطامي ، الحلاج ) .

3-مرحلة التصوف الإسلامي السني: القرن 5 هـ ( القشيري و الغزلي ، مذهب أهل السنة و الجماعة ) .

4-التصوف الفلسفي : القرن 6 و 7 هـ ( شهاب الدين السهر وردي الإشراقي ، محي الدين ابن عربي ) .

5-الطرق الصوفية: و قد تكونت الطوائف الصوفية بشكل واسع كاد يعم العالم الإسلامي و أصبح " الشيخ " ( شيخ الطائفة ) له منزلة بين مريديه وقد اختلفت الطرق الصوفية باختلاف شيوخها.

I.                        مفهومية الإنسان الكامل في الفكر العربي الإسلامي و الفكر الغربي :

1-  في الفكر العربي الإسلامي :

·      عند ابن عربي (*) :

كان " ابن عربي " أول من أدخل مصطلح " الإنسان الكامل " في " الفكر الصوفي "، و العربي الإسلامي عامةً، ولكن الكمال الذي يوصف به الإنسان هنا لا يعني ما يتبادر للذهن من مدلولات أخلاقية، و إنما في مدلولات إنطولوجية وجودية و غنوصية معرفية و نظرية  " الإنسان الكامل " في الحقيقة نظرية في الكلمة ( Logos)يمكن التميز فيها بين ثلاثة جوانب رئيسية(22) : 

1-  فعلى الصعيد الأنطولوجي الميتافيزيقي: يميز " ابن عربي " بين 03 أنواع من الموجودات في كتابه " الفتوحات المكية " و" إنشاء الدوائر" :

-    ما يتصف بالوجود لذاته، و ما يشكل أصل موجودات كلها، و هو " الوجود المطلق " أو الإله

-    ما يوجد بوجود المطلق، فلا وجود له بدونه و ذلك هو " الوجود المقيد " أو العالم المادي.

-  ما يوجد بين الموجودين المذكورين و هو " الحقيقة الكلية " أو " حقيقة الحقائق " وهذه الكلمة بدورها ترادف " الإنسان الكامل" « الإنسان الكلي " أو " الكلمة الجامعة، أو الحقيقة الكلية «، و هي لا توصف بالوجود و لا بالعدم و لا بالحدوث و لا بالقدم.

2-و الإنسان الكامل على الصعيد الكوسمولوجي ( الكوني ): هو العالم بما فيه الإنسان، و العالم  يتطور ليبلغ أوج كماله في الجنس البشري، و الإنسان يجمع في ذاته كل ما في العالم من الأشياء و العناصر الأربعة حتى المعادن و النباتات و الحيوانات، و بذلك يكون الإنسان (عالماً صغيراً) و العالم ( إنساناً كبيراً ) كما قال " ابن عربي " في كتابه  (الفتوحات المكية ).

3-في منحاها العرفاني النبواتي : تمثل الكلمة أو الإنسان الكامل (الحقيقة المحمدية ) التي يعني بها حكماء الصوفية مبدأ كل و حي و كشف و أصل كل معرفة باطنية. و كل شيء في الكون هو عند الشيخ الأكبر و أتباعه، ( كلمة) من كلمات الله، بحيث يكون العالم كله بمثابة " قرآن كبير " و هذا التصور للعالم " كقرآن كبير " يتيح " لابن عربي" مد جسر من الكلمة الكلية إلى النبي محمد (ص) فما هو في الحقيقة إلا القرآن نفسه. " فمن أراد أن يرى رسول الله (ص) ممن لم يدركه من أمته فلينظر إلى القرآن ، فإذا نظر فيه فلا فرق بين النظر إليه و بين النظر إلى رسول الله (ص) " كما قال " ابن عربي " في كتابه (الفتوحات المكية ).

وهذا ما يعكس إن الولاية عند " ابن عربي " و أغلب الصوفية هي غنوص (عرفان )، معرفة باطنية، و ليس تقوى و ورعا .

·      أما عند الشيخ عبد الكريم الجيلي(**) :

فإنه يشرح فكرة " الإنسان الكامل " من منطلق فلسفي موضحاً العلاقة بين الحق و الخلق بين الوحدة الحقيقة و الكثرة الخلقية أو ما يسميه بمنطق آخر و " وحدة الذات "، و التي أكمل تجليلها بالطبع في الإنسان عموماً و خصوصاً هو النبي محمد رسول الله (ص) و خلفاؤه و هو في نظره أكمل تجلي أو مرآة أو مظهر من مظاهر الذات الإلهية بكاملها من حيث أفعالها و أسمائها  وصفاتها (23) .

كما نجد أن الشيخ " عبد الكريم الجيلي "  قد يشترك مع الشيخ الأكبر في جانب من الجوانب مدلولات الكامل و على الصعيد الأنطولوجي الميتافيزيقي، فهو يرى أن الحقائق الوجودية الحقيقية و الخلقية موجودة في كل إنسان بالقوة، و في الإنسان الكامل بالفعل لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي حمل أمانة هذه الحقائق فكان خليفة الله في أرضه و خاتماً على مملكته و في هذا المعنى يرد قوله تعالى { إني جاعل في الأرضي خليفة } (24)،  و قوله صلى الله عليه و سلم : " إن الله خلق آدم على صورته "، و هذا كله نجد إن منطلقه هو شرح لاسم الله بدلالة إن كل شيء له علاقة بالإنسان هو في الأصل الله ، و هو منسوباً إليه بطريقة المجاز فعلمه مثلاً علم الله فعلمه لله بطريقة طريق الملك و التحقيق قال تعالى : { و الله خلقكم و ما تعلمون } (25) ،  بل وحتى الخلق الإنساني منسوباً أيضاً له مجازاً لأن الله هو الذي يخلقه ، و هو لله تعالى بطريق ودلالة ذلك قوله تعالى { إنما تعبدون من دون الله أوثاناً و تخلقون إفكا } (26)، و منه الخلق لله بطريقة الملك و النسبة ، لأن الله تعالى هو حقيقتهم الباطنية أي من حيث الإمداد مصداقاً لقوله تعالى { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ( 27 ) .

كما يضيف الشيخ عبد " الكريم الجيلي "إن لله مجلي صورهم الظاهرة - أي الخلق - أي من حيث الإمساك، مصداقاً لقوله تعالى { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا }(28)،  فهو المرآة " الذات " و ما ظهر فيها من صورة " الصفات " فما ثم موجود غيره من حيث كونه  واجب الوجود، و هذا هو معنى وحدة الوجود الحق (29)، و لأن الحق تعالى أوجب على نفسه أن لا ترى تجليات أسمائه و لا صفاته إلاّ في الإنسان الكامل، و هذا معنى قوله تعالى {إن عرضنا الأمانة على السموات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقنا منها و حملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} (30)

و انطلاقاً من الحديث الشريف الذي يورده عاصم إبراهيم الكيالي الحسني الشاذلي الدرقاوي القائل: " كنت نبيا و آدم منجدل في طينته "و قول رسول الله ( ص) في جوابه على سؤال جابر رضي الله عنه: " أول من خلق الله نور نبيك من نوره "، و هنا يتجلى لنا ذلك البعد الديني في خاصيته التاريخية التي تبين لنا إن الحقيقة المحمدية تجلت بكاملها في الإنسان الكامل " آدم " ثم في الأنبياء و الرسل و آخرهم النبي محمد - صلى الله عليه و سلم - ثم تجلت في خلفائه أو وراثه و هكذا لا يخلوا الزمان من واحد منهم إلى يوم القيامة .

و تبقى " الحقيقة المحمدية " نور بطون الذات في الذات به يتواصل الخلق إلى معرفة الحق ، فالشيخ " عبد الكريم الجيلي " يشير إلى أن الوصول إلى الله على الكمال هو الوصول إلى حقيقة الإنسان الكامل أي - الحقيقة المحمدية - و ورثها الكمل لأنه هو الدال على الله على الكمال(31) ؛ مصدقاً لقول الله تعالى { و إنك لتهدي إلى صراط المستقيم } (32) .

·         و عند الشيخ العامري :

يعتبر " العامري " الإنسان أحد موجودات العالم الطبيعي و يظهر هذا من خلال  تعريف له بأنه : " حيوان ناطق ميت " ، أما " أرسطو " فقد عرفه بأنه : " حيوان ناطق " و لفظ ميت أورده بعض شراحه مثل " تامسطيوس " ، و " أمونيوس " في شرحه لكتابه " العبارة " ، مما يشير إلى أن " العامري " في تعرفه على الفلسفة اليونانية قد اطلع عليها مباشرةً ، أو من خلال الشروح الوسيطية(33) .

كما نجد أن " العامري " تأثر بفلسفة " أفلاطون " حيث أنه يذكر تعريفه السابق للإنسان عن  " أفلاطون " في كتابه " السعادة و الإسعاد " و هو ما قال به كثيرون من بعده " الكندي و ابن مسكوية " فيقول هذا الأخير : " إن تمام جوهر الإنسان انه حي ناطق مائت " ، في ( رسالة الحيلة لدفع الأحزان ضمن رسائل فلسفية ، تح : عبد الرحمان بدوي ، دار الأندلس ، بيروت 1980 ، ص 28 ) .

و تكرر نفس التعريف عند " فرقة إخوان الصفا " و " ابن سينا ؛ و " العامري " نجده يقسم العالم إلى العالمين ما فوق فلك القمر و عالم ما تحت فلك القمر ، و ينتظم في هذه العالمين موجودات يضعها في خمس مراتب منها يضع الإنسان في مراتب موجودات العالم السفلى ( في كتابه في المعالم الإلهية، ضمن رسائل العامري ، ص 364 ) و هو كتاب في علم  الكلام .

و ما دام مقصودنا الإنسان في فكر" العامري" نجده ينضم إلى الموقف القائل جوهر الإنسان على الحقيقة هو نفس ناطقة، ويمكن إرجاع هذا الاتجاه إلى مصدر مؤثرين أحدهما ديني و الآخر فلسفي، و كما هو وارد في كتابه ( الأمد على الأبد،ص 89 ).

إن الإنسان على الحقيقة هو النفس الإنسانية ، و عن علاقة النفس بالجسد يرى أن الطبيعية الإنسية ، أي الجسد الإنساني مشاركة للحيوانات كلها في الجسمية ، و في القوى الطبيعية و في قوى  النفس الجسمية ، تم تنفصل عنها النفس النطقية  ، فهي لا توصف بالإنسانية إلا لهذه .

" فالعامري " في مصدره هذا يرى أن النفس الناطقة هي التي تميز الإنسان عن جملة الحيوانات، و من هنا كان حريصا على ذكره هذه الصفة في تعريفه : " إن الجوهر الإنسي ... حقيقته أنه حيوان ناطق " ، كما هو وارد  في(رسالة  القول في الإبصار و المبصر ، ضمن الرسائل الفلسفية ، ص 421 ) " للعامري " .

و في نقطة أخرى يذهب " العامري" إلى القول بأن: " الإنسان  الحقيقي " - الذي هو على حد فهمنا له بمثابة " الإنسان الكامل " - هو الذي يكتمل جوهره بالعلم و العمل كغرض للمعرفة فيقول: " العقل المختص بالجوهر الإنسي هو أن يعرف الحق و يعمل بما يوافق الحق "، ( العامري، الإعلام، ص 73 و أيضاً التقدير لأوجه التقدير ص306 )، فالمعرفة ليست نظرية بل هي نظرية و عملية فهي علم و عمل هذا و إن كان " العامري " يرى ضرورة أن يسبق العلم العمل لأن العلم هو الذي يحدد شروط و أسس العمل السلمية (34) .

و من هنا نربط العلاقة بـ" الشيخ الأكبر " الذي مارس التصوف عملاً ، محاولاً بذلك تجسيد المعرفة كما تصورها و رآها سبيلاً إلى تحقيق الكمال، و منه يكون الكمال عند " ابن عربي " إلى جانب كونه ثمرة من ثمار المعرفة فكراً و ممارسة ذا مظهر وجودي و آخر قيمي و أخلاقي و بهذا يتضح كمال الإنسان عند " الشيخ الأكبر " من خلال تعرضه إلى الإنسان و مكانته في العالم و علمه و معارفه و قيمه الأخلاقية و الجمالية (35) .

·  عند كارل ماركس :

يعتبـر " كارل ماركس " أن الطبيعة تشكل نقطة انطلاق التطور الإنساني ، فالإنسان هو جزء من الطبيعة ، و هو لذلك بحاجة إليها كشرط طبيعي لوجوده ، Marx , Manuscrits de, 1844.  ) .Cit. p , 61)OP، و هذا معناه إن جوهر الإنسان مخالف على ما هو عليه عند الصوفية و فلاسفة الإسلام أنه جوهـر مادي محض ، أما إذا تعلق الأمر بالكمال ، فهو عند " ماركس " ضرورة تكامل بين طبيعتين ليس بالجوهرين المختلفين الإنسان و الطبيعة بل هماكل متكامل ، و عندما يتعلق الأمر بالعمل ، فهو عند " ماركس " ضرورة طبيعية للوجود البشري ، حيث إن صيرورة الإنسان هي في الوقت ذاته صيرورة طبيعته البيولوجية و جوهره الاجتماعي ؛  فالعمل أوجد الإنسان نفسه و طور قواه أيضاً ، إذ أنه بفضل العمل وحده ارتقت اليد الإنسانية ، إلى مستوى رفيع من الكمال (36).

و الإنسان ليس مجرد بل هو كائن اجتماعي أيضاً ، لكن " ماركس " نجده يفسر هذا أيضاً من منطلق طبيعي – مادي -  فالنزوع إلى تكوين كيان اجتماعي لدى المجتمع البشري إنما نشأ أثناء الانتقال من مرحلة جمع المواد الجاهزة إلى مرحلة إنتاج شيء جديد ( الإنتاج المادي ) (37) ، و في هذا تتجلى أسمى صور " الكمال الطبيعي " ( المادي ) بين ( الإنسان ، العمل ، المجتمع و الطبيعة )  و في التفاعل هذه الرباعية المادية للإنسان يتجلى لنا ذلك الإنسان الكامل في فكر " كارل ماركس " و الماركسية عموماً . (Manuscrits , OP- cit , p 92) .

و من شرحنا لهذه الأبعاد الرباعية لفكرة " الإنسان الكامل " عند " ابن عربي " ، " شيخ عبد الكريم الجيلي " ، " العامري " و " كارل ماركس " من الناحية النظرية التي ربط كلاً حسب خصوصيته بالجانب العملي يجدر بنا أن نتساءل عن :

-  ما هو الدور الذي لعبته الصوفية أو الطرق الصوفية في المجتمع أو في ظل تغييراته الراهنة ؟ سواء من الناحية ( الاجتماعية، السياسية، الأخلاقية و الدينية... ) ؟.

II.                        تجليات الدور البعدي عن فكرة الإنسان الكامل :

يهمنا هنا أن نقف عن الاتهامات التي يوجهها النقاد عادةً إلى المتصوفة و التي يذهبون فيها إلى أن التصوف ليس إلى حالة للهروب من مسؤوليات الحياة و واجباتهم الأخلاقية تجاه إخوانهم من البشر، و أن مثلوا بالتصوف الهندي " بوذا " ، فهذا تعصب من النقاد الغربيين ضد صوفية الشرق"، و المثل الأوضح يضربه" ولترستيس " " بغاندي" الذي هو النموذج الأول للعقلية الهندية ، و ما كـان لـه من نشاط روحـي و سياسي و اجتماعي في طول البلاد و عرضها (38).

و كما نجد أن الصوفية كتجربة تدعو إلى مبدأ الحب الذي هو مبدأ من مبادئ الأخلاق ، و نحن هنا لا نزعم أن التصوف مصدر الأخلاق ؛ و إلاّ كيف نفسر غريزة حب الحيوان لمولوده بل على نحو تلمس الطريق على نحو اختفاء الفردية في الذات الكلية الذي هو جزء من ماهية التصوف ، الذي يعكس منطق العمل عند الصوفية ، و هذا ما أراد أنيشير إليه "و لترستيس" نفسه مما قاله يبن أن دور التصوف في الحياة خيري عملي (39).

و لقد حدد الأستاذ " محمد داود " الدور الذي لعبته الصوفية (40) انطلاقا من شروط العمل عندهم وهما شرطان حتى يقبل العمل، أولا : أن يقصد به وجه الله عز و جل ، ثانيا : و أن يكون موافقاً لما شرعه في كتابه أو يبينه رسوله في سننه ، و يدل على ذلك قوله تعالى : { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحد } (41) ، و تؤكد هذه الآية الكريمة السنة الشريفة بهذا الأثر المشهور الذي يوضح موقف أمير المؤمنين " عمر ابن الخطاب رضي الله عنه - عن العمل حيث قال : " لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق و يقول اللهمّ أرزقني ، فقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا و لا فضة " و في هذا كله تجسيد الصوفية لعدة أدوار :

1-الجمع بين التنمية الروحية و المادية: و هذا من منطلق عمل الوالي أو شيخ الطريقة وعمل الإنسان لتحقيق عبودية الإنسان، لقوله تعالى: { و ما خلقت الجنس و الإنس إلا ليعبدون } (42).

2-تحقيق التنمية الشاملة: و هذا ما عملت جل الطرق الصوفية على تحقيقه لاسيما في القارة الإفريقية (43) من خلال التنمية الروحية للفرد و للمريدين ، و من ناحية أخرى مساهمة في حركة الجهاد الإسلامي مثل مشاركة بعضهم في معارك الصليبيين نذكر ( أحمد البدوي – إبراهيم الدسوقي – ابن الحسن الشاذلي رضي الله عنهم ) ، و في حروب التتار أشترك أئمة الصوفية مع ( الظاهر بيبرس ) في دحضهم و في معارك القسطنطينية و في شمال الهند في مواجهة الاستعمار الإنجليزي في كشمير (44) ، و في الجزائر أبان فترة الاستعمار (45) .

3-دور الصوفية في نشر الدعوة الإسلامية : لاسيما في غرب أفريقيا، و يغزي استمرار اعتناق الزنوج في غرب إفريقيا للإسلام إلى اتصالهم الدائم بإتباع الطريقتين القادرية و التيجانية التين وصلتنا من شمال إفريقيا ( محمد علي أبو ريان، الولاية الروحية في التنمية، ( ص 318 – 319 )

4-دورها في نشر العلم : و هذا من خلال الزوايا في عصورها التاريخية مثل استخدامنا للكتاتيب إلى مطلع القرن 20م في تحفيظهم أطفال مسلمين القرآن و تعلمهم تفاصل العبادات.

5-  دورها في الدعوة إلى الوحدة الإسلامية :

من خلال نبذ الخلافات بين المسلمين و التبشير بالحب الشامل بين أفراد كل الجماعات الإسلاميـة... و محاولة حل مشكلات المسلم المعاصر الاقتصادية و الاجتماعية و السكانية و الصراع بين الطبقات و تثبيت حقوق الإنسان (46).

خاتمة :

من خلال طرحنا لفكرة الإنسان الكامل عند الصوفية خصوصاً ، و عند الغرب على وجه الإضافة ، نجد في الفكر الصوفي العربي الإسلامي بعداً إنسانياً يتجه إلى التوحيد بين الأديان و إلى القول بوحدة وجود أحياناً على نحو ما فعل " ابن عربي " الذي قال : " عقد الخلائق في الإله عقائداً ، و أنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه " ؛ و هو القائل :

الإحالات و الهوامش :

1-    بوعرفة عبد القادر، الإنسان المستقبلي في فكر مالك بن نبي  ، دار الغرب ،د (ط،س)، ص 05.

2-      DICTIONNAIRE de philosophie –Gérard Durozoi .André Roussel Nathan . imprime enFrance par I.M.E 2003 .P.P185-186 .

3-    المرجع الأسبق ، ص 05

4-    خليل أحمد خليل  ، معجم المصطلحات الفلسفية، دار الفكر اللبناني،ط 1،1995،ص (25،26)

5-    المرجع نفس ، ص 155 .

6-    الإنسان المستقبلي ، بوعرفة عبد القادر ، ص ( 8 – 20).

7-    المرجع نفسه ، ص ( 8 – 20 ) .

8-    عباس فيصل ، الإنسان و الفلسفة ، دار الفكر العربي ، بيروت ، د ط ، 1996.

9-    بدوي عبد الرحمان، الإنسان الكامل في الإسلام، وكالة المطبوعات الكويت ـ ط 2، 1976.

10-     المصدر نفسه ، ص ( 113 – 115 ) .

11-      DICTIONNAIRE de philosophie, OP. sit . p . 267 .

12-      La rousse pluri dictionnaire , P . 927  .

13-فروخ عمر، المنهج الجديد في الفلسفة العربية، دار العلم للملايين، بيروت، ط 1، 1970  ص 180.

14-الحسني ابن عجيبة ، مصطلحات التصوف ، أ ع و تق : عبد الحميد حمدان ، مكتبة  مد بولي ، القاهرة ، ط 1 ، 1999 . ص 3 و أنظر أيضاً : الفاخوري حنا و خليل الجر، تاريخ الفلسفة العربية ، ج1 ، دال الجيل ، بيروت ، لبنان ، ط3 ، 1993 .

15-معجم المصطلاحات الفلسفية ،خليل أحمد خليل،ص 103.

16-المرجع نفسه،ص 155.

17-راجع ، خميستي سعد ، أبحاث في الفلسفة الإسلامية ، دار الهدى ، الجزائر ، دط ، 2002 ، ص 24 و ما بعدها .

18-حميدة عميراوي، بحوث تاريخية، دار البعث، قسنطينة، دط، 2001، ص 60و ما بعدها

19-زرارقة عطاء الله ، ملامح التيار التربوي  الروحاني ، " الأسس و الأهداف " ، مجلة دراسات العدد 09 جوان 2008 ، جامعة عمار ثليجي بالأغواط ، ص 109 .

20-راجع ، عمر فروخ ، المنهاج الجديد في الفلسفة العربية ، ص 181 و ما بعدها ، أنظر أيضاً : عبد الغني قاسم عبد الحكيم ، المذاهب الصوفية و مدارسها ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، ط 2 ، 1999 ، ص ( 27 – 38 ) ، راجع أيضاً : محمد تركي ابراهيم ، فلسفة الموت عند الصوفية ، دار الوفاء لدنيا الطباعة و النشر، الإسكندرية، ط 1، 2003 ، ص ( 19 – 21 ) .

21-فلسفة الموت عند الصوفية ، محمد تركي ابراهيم ، ص ( 29 – 33 ) .

  ( * )  - ابن عربي : أشهر متصوفات العرب فاطبة وأكثرهم إنتاجا،إسمه محمد ولقبه محى الدين ابن عربي وكنيته إبو بكر ويعرف بالحاتمي الطائي للدلالة على نسبته إلى حاتم الطائي (1165– 1204م )  راجع أيضاً: حنا الفخوري و خليل الجر، تاريخ الفلسفة العربية، ص 360 و ما بعدها .

22- سعدييف أرثور و توفيق سلوم، الفلسفة العربية الإسلامية، دار الفرابي، ط 2، الجزائر، 2001 ،

( ** )  - عبد الكريم الجيلي : ( 767هـ/1365 م – 811 هـ / 1408م )أحد أحفاد عبد القادر الجيلالي المشهور له كتاب سماه " الإنسان الكامل " و هو واحد من صوفية القرن 8هـ .

23- عبد الكريم بن إبراهيم الجيلي، الإنسان الكامل، تق و ضب و تص، و تع: عاصم ابراهيم الكيالي الحسيني الدرقاوي، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 2005، ص 03 .

24- سورة البقرة ، الآية 30 .

25- سورة الصافات ، الآية 96 .

26- سورة العنكبوت ، الآية 17 .

27- سورة البقرة ، الآية 20 .

28- سورة الفاطر ، الآية 41

29- الإنسان الكامل ، الشيخ عبد الكريم الجيلي ، ص 18 .

30- سورة الأحزاب ، الآية 72 .

31- الإنسان الكامل ، الشيخ عبد الكريم الجيلي ، ص 20 .

32- سورة الشورى ، الآية 52 .

33- منى أحمد أبو زيد ، الإنسان في الفلسفة الإسلامية ، دراسة مقارنة في الفكر العامري ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع ، بيروت ، ط 1 ، 1994 ، ص 18 .

34- المرجع نفسه ، ص 116 و ما بعدها .

35- أنظر ، خميستي ساعد ، نظرية المعرفة عند ابن عربي، دار الفجر للنشر و التوزيع، القاهرة ، ط1 ، 2001، ص ( 385-365 ) .

36- عباس فيصل،الفلسفة و الإنسان، دار الفكر العربي، بيروت، دط، 1996، ص(29–36).

37- المرجع نفسه ، ص 35 .

38- ولترستيس، التصوف و الفلسفة، تر و تق: عبد الفتاح امام، مكتبة مدبولي، القاهرة، دط، 1997 .

39- المرجع نفسه ، ص 404 و ما بعدها .

40- داود محمد ، منهج التربوي العلمي عند الصوفية ، مكتبة ومطبعة الإشاعة الفنية ، ط1 ، 2002، ص 63 و ما بعدها.

41- سورة الكهف ، الآية 110 .

42- سورة الذاريات ، الآية 56 .

43- راجع عبد الرزاق ابراهيم عبد الله، الطرق الصوفية في القارة الإفريقية، دار الثقافة، القاهرة، ط1، 2004.

44- المنهج التربوي و العلمي عند الصوفية ، محمد داود ، ص 69 .

45- المرجع السابق ، ص 71 ، و ما بعدها .

46- راجع ، حميدة عميراوي، رسالة الطريقة القادرية في الجزائر، دار الهدى، الجزائر، دط، 2003.