الدراسات اللغوية  بين الأصالة والمعاصرةpdf

 

 أ.د. لحســــن بلبشـــير

 إن الدراسات اللغويةالحديثة وأسلوب معالجتها يرجع إلى طريقة تناولها من الوجهة العلمية المحضة، وهذا لا ينتقص شيئا من فائدة الدراسات القديمة وإنما يزيدها قداسة بحيث يعتبرها الكثير من المفكرين العلماء المرتكز الأساس في كل دراسة فكرية لغوية جديدة، لأنها ما زالت تمدنا بما نعتمد عليه في بحوثنا، فقد حصل تطور كبير في مجال الدراسات اللغوية عند مختلف الشعوب التي اهتمت بدراسة لغتها، وتحققت لديها نتائج مذهلة.  فعندما تم  اكتشاف ا اللغة السنسكريتية التي مكنت الجميع بالاطلاع على التراث اللغوي الهندي  الرائع الذي خلفه علماؤهم حين درسوا لغتهم بهدف ديني واضح، هو الرغبة في التمكن من قراءة (الفيدا) وهو كتاب مقدس، وصف فيه أصوات تلك اللغة وتراكيبها الصرفية والنحوية وصفا دقيقا، وقد ترجم جانب كبير من هذا التراث إلى الانجليزية والفرنسية والألمانية .

وقد تأثر الغربيون في العصر الحديث بالعالم اللغوي الهندي (بانيني) واعتبروه أعظم لغوي وصاف في العالم القديم ، وعنه اخذوا المنهج الوصفي بل" لا تزال أراء (بانيني)  اللغوية مقبولة لدى الغربيين المحدثين حتى أن بعض المصطلحات الفنية التي وضعها لعدد من الظواهر اللغوية لا يزال مستعملا حتى الآن" 1

 والملاحظ على الدرس اللغوي في القرن التاسع عشر قد اتخذ طابع التاريخ اللغوي و المقارنات اللغوية وكانت فيه اللغة السنسكريتية أساس البحث اللغوي الحديث حتى أن( ماكس مولر)قال: "إن السنسكريتية هي الأساس الوحيد لفقه اللغة المقارن، وسوف تبقى المرشد الوحيد الصحيح لهذا العلم، وعالم فقه اللغة المقارن الذي لا يعرف السنسكريتية شأنه شأن عالم الفلك الذي لا يعرف الرياضيات" 2

عير أن سيطرة هذه اللغة على ميدان الدراسة اللغوية في أوربا أدت إلى انحراف دراستها عن الوجهة العلمية الصحيحة. وهو ما أدى إلى ظهور أراء مناهضة لأفكارها، ودعت أول الأمر إلى التفريق بين أمرين كانا يختلطان اختلاطا كبيرا وهما ما يعرف philologyالمقصود به (فقه اللغة) وهو دراسة اللغة المكتوبة أما الثاني  linguistique ويقصد به (علم اللغة) فهو يتخذ موضوع دراسة اللغة من حيث هي، دراسة اللغة في ذاتها ومن اجل ذاتها، كما قال سوسير فيما بعد سواء كانت هذه اللغة مكتوبة أو غير مكتوبة. 3 .  وبمفهوم أخر فان فقه اللغة يدرس اللغة بوصفها وسيلة لغاية أخرى كدراسة ثقـافة أمة وآدابها وحضاراتها، أما علم اللغة فيدرس اللغة من اجل ذاتها.

1) ـ المدرسة البنيوية:

 يعد سوسير رائد هذه المدرسة تأثر فيها بأسس النظرية الاجتماعية ذات الطابع الوصفي حيث نظر إلى اللغة بوصفها بنية متماسكة تنطوي على شبكة من العلاقات المتبادلة بين مختلف عناصرها وفق مستويات التحليل اللغوي فلا يمكن وصف الظاهرة اللغوية 3 دون التطرق إلى بنية الجوانب الأخرى ، وقد اعتمد سوسير في دراسته اللغوية على مبدأ الثنائيات التي ترمي في مجملها إلى تأسيس أرضية صلبة لإمكانية وجود نظرية لسانية قادرة على تقويم لكل جانب من جوانب الظاهرة اللغوية ، ومما تجدر الإشارة إليها هنا هو أن هذه الثنائيات إذا ما تأملناها نجدها تحيط إحاطة منهجية بكل اهتمامات البحث العلمي من حيث الظاهرة اللغوية ، وموضوع البحث ومن حيث عناصره المكونة .4

اللغة بالمفهوم المطلق عند سوسر هي عبارة عن الميول والقدرات اللغوية عند الإنسان بصفة عامة وهي اجتماعية وفردية في آن واحد، وهي بالإضافة إلى ذلك غير متجانسة متعددة الأشكال والأنواع.  وهي وظيفة جماهير المتكلمين في البيئة اللغوية المعينة، وهي عبارة عن مجموعة من النظم والقوانين اللغوية المخزونة في عقول هذه الجماهير، واللغة بهذا المعنى تمثل الجانب الاجتماعي من القضية وهي موضوع البحث في علم اللغة، أما الكلام فهو وظيفة الفرد المتكلم بالفعل، وهو عبارة عن الأحداث اللغوية التي يحدثها المتكلم وقت الكلام الفعلي، والكلام شيء فردي كما انه شيء ثانوي بالنسبة للعلم اللغة، إذ مكان دراسته علم النفس، ومن البديهي أن يركز دي سوسر اهتمامه بعد ذلك على التفريق بين اللغة المعينة والكلام إذ هما الجانبان اللذان يعنيانه، ويكونان كلا لا يختص بدراسة اللغويين ولا غيرهم من العلماء، إذ أن هذا الكل شيء مطلق لا وجود له في الخارج بذاته وإنما يتحقق وجوده في عناصره وأجزاءه المكونة له، وتتمثل الأجزاء والعناصر في اللغة المعينة والكلام، وقد سار في نهج دي سوسر عدد كبير من اللغويين نذكر على سبيل المثال لا الحصر تلميذه تشارلز ...وكذلك جاردنز ... الذي ألف كتابا كاملا بعنوان "الكلام واللغة".

 والحق أن دي سوسر في قوله بالتفريق بين اللغة والكلام متأثرا ببعض علماء الاجتماع في التفريق بينما سموه " العقل أو الشعور الجماعي، والعقل والشعور الفردي"

أما اللغة: فيقصد بها اللغة  بالمعنى المطلق أو هي كلام ينقصه التكلم، إنها المجموعة الكلية للعادات اللغوية التي تسمح للفرد بأن يفهم وأن يفهم وهي على هذا الأساس ملك للفرد وللمجتمع أيضا، فهي فردية و اجتماعية في آن واحد. وهي لذلك ليست واقعة اجتماعية لأنها تتضمن العوامل الفردية المنسوبة على المتكلمين الأفراد وهي تقع على حدود عدة مجالات فيزيائية وفسيولوجية ونفسية، وهي تتحقق في أشكال متعددة ومتنافرة ولذلك لا يمكن دراستها دراسة علمية لما تفتقده من مبدأ التجانس والوحدة .

 الكلام:  ويمثله كلام الفرد ويصدر عن غير وعي ولأنه نتاج فردي كامل،متباين المقومات متعدد الأشكال  موزعا بين مجالات متعددة منتميا في الآن نفسة  إلى ما هو فردي  وجماعي فلا يتسنى لأي دارس ترتيبه ضمن الظواهر الاجتماعية لعدم قدرتنا على استخراج وحدته . وهو عند سوسير" كل ما يلفظه أفراد المجتمع المعين ، أي ما يختارونه من مفردات وتراكيب ناتجة عما تقوم به أعضاء النطق من حركات مطلوبة" 5

أما اللسان فهو اللغة المعينة الصالحة للدراسة العلمية كالعربية والإنجليزية وسواهما، وهو مجموعة من الصور اللفظية المخزونة في العقل الجماعي ، وهذه الصور ذات قيم موحدة عند جميع الأفراد ، وهو نتاج اجتماعي لملكة اللغة ، وهو خارج عن نطاق الفرد ، لأنه يرثه باعتباره تراثا جماعيا ، وليس له في هذا الميراث أي نوع من الاختيار ، فهو لا يملك التدخل في اختيار مفرداته أو تنظيم قواعده ،واللسان لا يوجد إلا بنوع من الاتفاق الجماعي ولذا فإن الإنسان لا يستحوذ على اللسان إلا بالدربة والمران .

وكما يرى سوسور الكلام لا يمكن دراسته دراسة علمية لأنه فردي ، والفردي يقوم على عنصر الاختيار، وعنصر الاختيار لا يمكن التنبؤ به وما لا يمكن التنبؤ به لا يمكن دراسته دراسة علمية . واللغة كذلك لا تدرس بشكل علمي لأنها لا تمثل واقعة اجتماعية خالصة حيث أنها تخص الفرد وتخص الجماعة ، ولم يبق إذن الا اللسان فهو وحده الذي يمكن دراسته دراسة علمية لأنه موضوع محدد يتصف بالتجانس ، ولذا يمكن ملاحظته وتصنيفه ، وله بذلك مكان بارز بين الحقائق الإنسانية.

 موقف ياسبرسن من اللغة والكلام

أن أغلب علماء اللغة  المعاصرين وفي مقدمتهم لأتباع المدرسة الإنجليزية الحديثة بريادة "فيرث" لا يرون هذا الرأي ولا يأخذون به فالتفريق بين اللغة أي(اللغة المعينة) والكلام عندهم ليس له ما يبرره من حيث المنطق والواقع إذ هما في نظر هؤلاء جانبان لشيء واحد أو هما مصطلحان يطلقان على مسمى واحد،وكل منهما اجتماعي وفردي وكل منهما عقلي ومادي ، وهما متداخلان إلى درجة يصعب معها التفريق بينهما .فالكلام الذي يصدر عن الفرد المتكلم ليس إلا أسلوبا من كلام الجماعة ، وكلام الجماعة ليس إلا حصيلة كلام الأفراد ، كما نجد من ناحية ثانية أن  هذه المدرسة تتنكر للتفريق بين اللغة والكلام لأسباب منهجية حيث يتضمن بعض عناصر الكلام الإنساني عناصر عقلية محضة (وهذه تتمثل في اللغة على رأي القائل بالتفريق) وبعضها الأخر مادي صرف (وهذه تتمثل في الكلام) وهذه الثنائية من عناصر الكلام الإنساني لا تعترف بها هذه المدرسة التي تؤمن بأن الكلام (من أي وجهة نظرت إليه)وحدة متكاملة الأجزاء والعناصر و لا يجوز الفصل بين جوانبه. وإذا كان من الضروري أن نفرق بين لغة الفرد ولغة الجماعة ولو أن الفرد عنصر منها وابن بيئتها، جاز لنا أن  نسمى أحداهما "لغة الجماعة "والأخر "لغة الفرد" وذلك وفقا للزاوية التي ننظر منها إلى الموضوع.

فقد تصدى العالم الدانمركي يسبرسن لأراء سوسير هذه ورفض قوله أن الكلام من نتاج الأفراد،وإن اللسان من نتاج المجتمع، واعتبر أن الكلام واللسان هما شيئان لأمر واحد، فالكلام وان كان نشاطا فرديا إلا أنه يرتبط بعنصر اجتماعي، هو الإفهام. ومصطلح (اللسان) المعين هو جميع ما ينطق به كل أفراده من ألفاظ مهما اختلفت درجة شيوعها، والأمر كذلك بالنسبة للتراكيب ومخارج الحروف. 6

و ذهب إلى حد القول "لو صح أن كل أفراد المجموعة الاجتماعية الواحدة أو معظمهم فكروا بطريقة واحدة ، وسلكوا في الحياة مسلكا موحدا ما جاز لنا أن نقول بوجود عقل جماعي ، ولكن يمكن أن نقول أن هناك عقول متعددة يشبه بعضها بعضا، ومن ثم أمكن التفكير  بطريقة واحدة واتخاذ في الحياة مسلكا متشابها .

"إذا كان اللسان عند دي سوسر مجموعة من الصور الذهنية للكلمات والتراكيب اللغوية الموجودة لدى جماعة لغوية خاصة ، ومستقر هذه الصور أذهان الأفراد ، فلماذا تكون الصور الذهنية المستقرة في دهن فرد خاص ؟ أهي كلام أم لسان ؟ أنها بمفهوم سوسر ليست كلاما، لأن الكلام عنده نشاط فعلي ،والصور الذهنية لدى فرد معين ليست كذلك، وهي أيضا ليست لسانا لأنها أمر فردي ، بينما اللسان أمر جماعي . فماذا تكون إذن إن لم تكن كلاما ولا لسانا؟."7ولمعالجة هذه القضايا اللغوية الشائكة في اللغة نجد ان يسبرسن يضع هو الأخر ثلاث مصطلحات لمعالجة هذه المشكلة وهي تتمثل في:

 1ـ الحدث اللغوي: وهو نطق فرد معين بعبارة معينة مرة واحدة، ولو أن الفرد نفسه كرر العبارة نفسها ، فان هذا يشكل حدثا لغويا جديدا، لأنه لا يمكن أن تتشابه المواقف  أو الدوافع  للأحداث اللغوية في جميع تفصيلاتها"

2 ـ لغة الفرد " وهي القيم اللغوية الموجودة لدى فرد من الأفراد".

3 ـ لغة الجماعة " وهي مجموعة القيم اللغوية لدى أفراد الجماعة اللغوية الواحدة ".8 اللغة قد تكون فردية أو جماعية فردية حين تكون القواعد والعلاقات والتجريدات خاصة بفرد من الأفراد وجماعية حين تكون هذه الأمور عامة تشمل الجماعة كلها .

فعندما نحاول قراءة الاتجاهين لا نكاد نجد فرقا شاسعا كما يتوهّمه بعض الدارسين وإنما أراء سوسر وياسبرسن متقاربة جدا، فكلاهما أكد أن دارس علم اللغة يمثل الجماعة، وقد أشار سوسر إلى أن (اللغة) هي (اللسان) بعد أن نطرح منه الكلام، ويفهم من هذا أن موضوع علم اللغة هو الأحداث اللغوية التي تشمل الجماعة، لا الأحداث اللغوية التي تمثل الفرد .وكثيرا ما نستعمل مصطلح لغة ونحن نقصد من وراء ذلك الكلام ،فنقول مثلا لغة فلان جيدة أو لغته رديئة  ونحن لا نريد من ذلك غير الكلام .ولا بد من التركيز هنا على أن الكلام عملية معقدة " تتم نتيجة مؤثرات خارجية وداخلية، مرئية أو مسموعة، يستجيب لها الجهاز العصبي للمتكلم، فيصدره أوامره إلى أعضاء النطق، فترسل هذه بدورها أصواتا تمضي في الهواء على شكل موجات صوتية ،فتتلقاها أعضاء السمع عند المتلقي ناقلة إياها إلى الجهاز العصبي، وقد يصدر هذا أوامره بعد ذلك إلى أعضاء النطق، وهكذا تحدث عملية الكلام ." 9

ذلك أن الميزة الرئيسية للكلام أن تفسر كل إشارة بأخرى أكثر وضوحا، ومن هنا فان كل تواصل يعتمد على عمليتين،عملية بناء المرسلة  وتقوم على انتقاء الكلمات من المخزون اللغوي للمتكلم لتتناسب مع الهدف المقصود وتتم على المحور الاستبدالي. أما العملية الثانية فتتمثل في ترتيب الكلمات جنبا إلى جنب وفق قواعد النظم التي تخضع لها اللغة، ويتم ذلك على المحور النظمي. 10

والعمليات العقلية عند المتكلم والمتلقي، لا تدخل في مجال علم اللغة، بل يتناولها علم جديد أخد في الاستقلال, هو (علم اللغة النفسي). أما علم اللغة فيختص بالنظر في الرموز الصوتية التي تنقل الفكرة من المتحدث إلى المتلقي، فيبحث كيفية تكوين هذه الرموز الصوتية التي تنقل الفكرة من المتحدث إلى المتلقي، فيبحث كيفية تكوين هذه الرموز الصوتية، وكيفية انضمام بعضها إلى بعض لتكوين الكلمات، وكيفية تكوين الكلمات للجمل، ويتناول هذا العلم أيضا ارتباط هذه الرموز بالدلالة أو المعنى .

ويرى اللغويون المعاصرون أن تفريق سوسير بين اللغة والكلام كان ضروريا لدراسة قضية التطور اللغوي  ذلك أن هذا التطور هو ضرب من التغير الذي يشبه التغير في العادات والتقاليد والأزياء "وهذا معناه أن التغير اللغوي يبدأ عند فرد ما ،أي على مستوى الكلام، فإذا وجد هذا التجديد قبولا من المجتمع أصبح بمضي الوقت عرفا لغويا سائدا " .

فالتغير اللغوي مصدره تجديد فردي يرتضيه المجتمع، << أما التجديد الذي يرفضه المجتمع فيبقى خارج مجال علم اللغة، لأن علم اللغة يبحث اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية , وليس كل تغير لغوي عند فرد ما أو مجموعة أفراد يقبل اجتماعيا، فإلى جانب تغيرات بدأت على مستوى البيئة اللغوية كلها، هناك تجديدات فردية ظلت مرتبطة بمجموعة أفراد ولم تقبل اجتماعيا >>. 11

ومن الأمثلة التي يمكن أن نسوقها الدالة على أثر الفرد في إحداث التغير اللغوي، ما لوحظ من أن (الراء) تلفظ (غينا) في نطق أهل باريس، وأن هذا النطق بدأ عند أحد المرموقين في الدولة، فاستظرفه المحيطون به من رجال البلاط، فقلدوه فيه وتلاهم على ذلك عدد من أبناء الطبقات المترفة، ثم انتقل إلى غيرهم من أبناء الشعب، حتى أصبح هذا النطق هو العرف اللغوي السائد.  وإذا كان التغير اللغوي السابق الذي بدأ في كلام فرد، قد حظي بقبول الجماعة اللغوية كلها فغدا عرفا لغويا  فإن ثمة تغيرا أخر بدأ في كلام بعض الأفراد، إلا أنه لم يظفر بالقبول فلم يعم.  على العكس لم تستطع بعض الطالبات بجامعات قطر عربي تغيير بعض أصوات الأطباق دون القدر الضروري من الأطباق، فكادت (الطاء) مثلا تكون (تاء) وكادت (الضاد) تنطق (دالا) ولكن هذا الاتجاه في تغيير النطق ظل مقصورا على مجموعة الطالبات اللائي شرعن فيه، ولم يقبل اجتماعيا، ومن ثم لم يؤد إلى تغيير نطق هذه الأصوات.12 ينظر البنيويون إلى اللغة نظرة وصفية تعتمد على الملاحظة المباشرة للظواهر اللغوية الموجودة بالفعل.ولا يهدف إلى وضع قواعد يفرضها على المتكلمين باللغة، بل كل ما يهدف إليه هو وصف نظام اللغة الصوتي والصرفي والنحوي ووضع معاجمها.13      

فقد تغير وجه الدرس اللغوي مع مطلع القرن العشرين  واتخذ له مسارا آخر والفضل كل الفضل يرجع إلى العالم اللغوي السويسري ذي سوسير في هذا التغير،فقد طلع على معاصره بأفكار واتجاهات لغوية جديدة، أحدثت ثورة هامة في دراسة اللغة، وكان لها بالغ الأثر على العلوم الإنسانية سواء على مستوى النتائج أو على مستوى البحث مما جعلتهم ينصرفون عن الدراسات التاريخية والمقارنة ، وجذبت اهتمام علماء اللسان  إلى دراسة لغاتهم الحية ليصفوا أصواتها ومفرداتها وتراكيبها للوصول في النهاية إلى تقنينها وتقعيدها .

ومن أجل هذا التغير وصف سوسير بأنه رائد الدرس اللغوي الحديث وعلامة كبرى في تاريخه،لم يمض على ظهور منهج سوسير سوى وقت قصير حتى عم أوروبا وأمريكا،واخذ اللغويون هنا وهناك يطبقونه في دراسة اللغات الحديثة الحية، وظل المنهج الوحيد السائد حتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين. وقد اهتم المنهج بدراسة بنية اللغة والعناصر المكونة لها بغية التوصل للقواعد والقوانين التي تتحكم في تلك البنية وتنظم استعمالها.

 ونتيجة لهذا المبدأ درست اللغات الأوربية الحديثة ،ووضعت قواعد جديدة لها .ولذلك أصبحت القواعد الجديدة لتلك اللغات قواعد وصفية لا معيارية فلم يعد هناك معيار للصواب والخطأ مفروض على أفراد المجتمع بل أصيح كل ما يقوله مجتمع معين يعد لغة سليمة تستحق التسجيل في كتب القواعد ولم يستبعدوا إلا كلام السوقة وحتى تلك اللهجات المحلية المحدودة أوجدت لها دراسات خاصة بها . 14

كان اهتمام سو سير باللغة المنطوقة أو لغة الحديث  بالغ الأهمية على أنها المظهر الأول والأساس للغة وان اللغة المكتوبة مظهر ثانوي لانه ليس اللغة الفعلية التي يتعامل بها الناس ، وأكد أن اللغة ظاهرة اجتماعية وأنها اصطلاحية اتفاقية ، وأن العلاقة بين المفردات ومعانيها علاقة اعتباطية عشوائية. 15  وهكذا رفض سو سير المنهج التاريخي وأقام على أنقاضه منهجا جديدا هو المنهج الوصفي  لأنه في رأيه الطريق الوحيد لبحث اللغة على أساس علمي .

ثم ساد هذا المنهج و نال احترام اللغويين الذين جاءوا بعد سوسير في أوربا وأمريكا وعلى الرغم من أن أصحاب المنهج الوصفي سعوا إلى استقلالية علم اللغة و أنهم لم يحجموا عن الاستفادة من نتائج العلوم الأخرى كعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم الطب وعلم التشريح  وكان سوسير نفسه متأثرا بعلم الاجتماع .

وكان ظهور المنهج الوصفي في دراسة اللغة بوجه عام ودراسة النحو بوجه خاص يعد ثورة في علم اللغة ، فقد شاع هذا المنهج، وكتبت له السيادة لا في أوربا وأمريكا حسب بل في الوطن العربي أيضا ، حيث برز عدد النحاة الذين تأثروا به، وعدوه المنهج الصحيح في دراسة اللغة العربية، ثم حملوا على النحو التقليدي لاعتماده على المنطق والفلسفة، وتجاوزه ظاهرة التركيب اللغوي إلى ما وراءه من ألفاظ مفترضة، لا ينطق بها المتكلم فعلا، ولا تبرز على سطح اللغة كما يقولون.إن الاهتمام باستعمال المنهج الوصفي  المعاصر للغة جعل علماء اللغة  يقيمون هذا المنهج على أسس ثلاث وهي :

1ـ الزمانبحيث تحدد المدة التي تدرس فيها اللغة ،ذلك أن اللغة تتغير بمرور الزمن ، فلا بد من استقرار نظامها في وقت تناولها بالدراسة ,على أن يشمل البحث مدة أطول، تجنبا لظواهر لغوية تخلى عنها الاستعمال وقت  إجراء الدراسة ، لأنها ترجع إلى عصور قديمة. فتضيق مدة البحث أمر مهم في المنهج الوصفي ، ضمانا لاستقرار اللغة المدروسة، وثبات خصائصها ونظامها، وتجنبا لأية ظاهرة قد تتسلل إليها من زمن سابق.

فقد فرق سوسير" بين الدراسة الحركية للغة وهي وصف للغة من خلال تطورها التاريخي ، والدراسة السكونية التي تهتم بوصف حالة معينة من  اللغة في مدة ما."16 فاللغة في نظر الوصفيين ينبغي أن تدرس في مرحلة خاصة ،وفي حالة استقرارها في بيئة مكانية وزمانية محددة ، واتخذ لذلك مصطلح سانكونيك للدلالة على هذا المنهج،وهو الذي ساد علم اللغة منذ ذلك الحين.17

2 ـ المكان:   اللغة تختلف باختلاف الزمان والمكان، والثابت أن انعزال بيئة عن أخرى قد يؤدي إلى تشعب هذه اللغة إلى لهجات كثيرة ،ويكون ذلك بفعل عوامل جغرافية أو اجتماعية فيترتب قلة احتكاك بعضهم ببعض.ويتبع هذا تكوين مجاميع صغيرة من بيئات لغوية،تتسم كل منها بخصائص لغوية تميز لغتها عن اللغة الواحدة ولغات البيئات الأخرى. فالمنهج الوصفي يتطلب الاستقرار وتجانس الخصائص في اللغة التي يتخذها موضوعا للدراسة.

3 ـ مستوى الأداء:    بالإضافة إلى اختلاف اللغة باختلاف الزمان والمكان وهي تتنوع بحسب طرائق الأداء في التكلم ففي كل لغة طرائق مختلفة للتعبير ، ولكل طريقة  لغة تلائمها، ومستوى من الأداء لا يصلح إلا لها. وقد يتخذ الواصف للغة معينة الخطوات التالية  الاستقراء  ويتم ذلك بالاتصال المباشر  والسماع من الأفواه  وهذا ما يعرف في المنهج الوصفي (الدراسة الحلقية) لأنها تقوم على الاتصال المباشر باللغة المنطوقة كما هي .

ثم تقسيم المادة اللغوية  وجمع ما يتوافق منها في الشكل أو الوظيفة أو فيهما معا وجعلها قسما قائما بذاته ثم تسميته باسم معين  فالتصنيف يقوم على أساس ملاحظة المادة اللغوية المستقراة وإيجاد أوجه الاتفاق والاختلاف بين جزئيات هذه المادة فما توافق منها ائتلف وانضوى تحت صنف بعينه  وما تناكر منها اختلف وانضوى تحت صنف أخر .

ثم تأتي مرحلة التقعيد " وليست القاعدة هنا قانونا يفرضه الباحث على المتكلمين باللغة ، وإنما هو تعبير عن شيء لاحظه الباحث وكان عليه أن يصفه بعبارة مختصرة قدر الإمكان."18.

إن أفكار وتحليلات ودراسات المدرسة البنيوية كانت ولا تزال تؤثر سلبا أو إيجابيا في كل تفكير معاصر لغويا كان أم أدبيا أم أسلوبيا.  وفي أواخر القرن التاسع عشر ظهر لغويون عارضوا المنهج التاريخي المقارن وحملوا على أسلوب مقارنة اللغات الحية بلغة ميتة، وكان اللغوي السويسري ( سوسير) المتوفى عام 1913 من أوائل اللغويين المعاصرين الذين عارضوا البحث التاريخي المقارن، وذهب إلى أنه لا يصلح لدراسة اللغات الحية ثم قرر سوسير أن اللغة ينبغي أن تضيق دائرة درسها، فتدرس في مرحلة خاصة وفي بيئة مكانية وزمانية محدودة و أطلق على منهجه هذا ( المنهج الوصفي ).

 بعدما كانت الدراسات اللغوية ترتكز أساسا  على الفيلولوجية ، انطلاقا من البحث التاريخي للظواهر اللغوية وتبنت هذه  الطريقة جماعة من النحاة الشبان واعتبرتها  الطريقة الوحيدة لدراسة اللغة، غير أن هذا الاتجاه لقي اعتراضا شديدا فالتناول التاريخي للظاهرة اللغوية ليس كما يرى أصحاب هذا الاتجاه تناولا علميا، لأنه لا يستطيع أن يطبق مبادئ البحث العلمي، وتقرر أن اللغة ينبغي أن تدرس في حالة  استقرارها في بيئة مكانية وزمانية محددة، وقد اتخذ لذلك مصطلح   synchronic للدلالة على هذا المنهج، والذي ساد علم اللغة منذ ذلك الحين .1  فدراسة اللغة في حال استقرارها هو ما يعرف الآن بالمنهج الوصفي الذي يراه اللغويون المحدثون حتى الآن المنهج الصالح لدراسة اللغة على أساس علمي. 

ثنائية التفكير الألسني عند جاكبسون

التزامن والتعاقب:

يلاحظ من خلال دراسات جاكبسون للغة أنه أولى اهتماما بالغ الأهمية للدراسة التزامنية للغة دون أن يغفل الدراسة التعاقبية ،فقد حلل الآثار الأدبية في تراكيبها وصورها وبخاصة فيما تعلق بالأصوات اللغوية كما هي منطوقة ومسموعة لا كما كانت عبر التاريخ والعصور، فهو يركز في دراسته للصور البيانية على الاستعارة والمجاز المرسل، وفي لغة المصابين بالحبسة وعدم مقدرتهم على بث المرسلات أو استيعابها فهذه الدراسات لا تحتاج إلى تعاقب الأحدث في تفكير جاكبسون فهو ليس بصدد دراسة اللغة واللسان بقدر ما هو وظيفة هذه اللغة او اللسان.

أولى رومان جاكبسون اهتمامه للدراسات الثنائية وخصص لها حيزا في دراسته اللغوية ليبرهن على أن التزامن هو مقياس لدراسة أحداث لغوية تكون بوقوعها المتزامن حالة من حالات اللغة ـ أما التعاقبية فهي دراسة تاريخية للغة في تطورها وتغيرها ـ وما ينطبق على الألسنية ينطبق على الدراسات الأدبية والشعرية . 

يرى جاكسون أن هذه الدراسات، وخاصة الدراسة الشعرية، تقوم على مجموعتين من المسائل : مسائل تزامنية .ومسائل تعاقبية، فالمنظار التزامني لا ينظر إلى الأدب في حقبة معينة فقط، بل ينظر إلى ذلك القسم من التراث الذي بقي حيا أو الذي تم إحياءه في الحقبة موضوع البحث. و انتقد الفصل بين التزامن والتعاقب وأعتبر أن لا مبرر له.  لأن كل بنية لغوية كانت أم أدبية تعمل في حركة وتطور ثابتين ومستمرين مما يجعلها بنية تعاقبية ـ في حين أن انتماءها إلى نظام ثابت ومنهجي أيضا يجعلها كذلك بنية تزامنية ـ لو أخدنا نظاما لوجدنا فيه عناصر تتفاوت في قدمها ـ وذلك لأن الحقائق اللغوية لا تتطور جميعها بالسرعة نفسها ـ فالتزامن الخالص لا وجود له، فكل نظام تزامني يتضمن ماضيه ومستقبله اللذين يكوّنان عناصره البنيوية الأزمة له .

إن التزامن ليس بالضرورة سكونا، فما نشاهده في شريط تلفزيون خلال فترة معينة ليس ساكنا،بل هو عبارة عن مجموعات أحداث. أما السكونية فقد تجسدها لوحة زيتية لا تدل بالضرورة على أحداث ومشاهد متزامنة، فيجب ألا نخلط بين السكونية والتزامنية لان كل حقبة تتضمن أشياء محافظة وأشياء مجددة .

ونستطيع أن  نلاحظ من خلال دراسات جاكسون أنه قد أهتم بالدراسة التزامنية للغة دون أن يهمل الدراسة التعاقبية، فقد درس الآثار الأدبية في تراكيبها وصورها، كما درس لغة المصابين بأمراض الكلام  والسمات التمايزية وأنواعها، فكل هذه الدراسات لا تحتاج إلى دراسة اللغة دراسة تاريخية، وإنما تحتاج، إلى دراسة العلاقات بين المفردات المتواجدة في الجملة الواحدة أو النص الواحد، أي أنها تحتاج إلى الدراسة التزامنية دون اللجوء إلى معرفة تاريخ كل لفظة وتطور استعمالاتها .

إن اعتماد جاكسون على ثنائية دي سوسور في التزامن والتعاقب لم يكن عشوائيا فليس هناك زمن ثابت في مفهوم جاكسون، فما يكون تزامنيا في هذا الزمان، يصبح تعاقبيا بعد حين . فليس هناك من زمن ثابت في مفهوم جاكوبسون وليس هناك من زمن عالمي موحد، فكل نظام من الأنظمة هو في حركة ذات زمن خاص تختلف سرعته من زمن لأخر .20

المحور الاستبدالي والمحور النظمي :

يكمن إزالة الإبهام واللبس عن النظريات البنيوية الحديثة بناء على العلاقات القائمة بين الإشارات التي تتكون منها هذه التراكيب وذلك على محورين أساسيين هما المحور الاستبدالي والمحور النظمي. وهذا التفسير يقوم كذلك على ثنائية العلاقات النظمية ''Syntagmatiques  '' التي جاءت في أعمال سوسير ـ وهي علاقات توجد بين وحدات تنتمي إلى مستوى واحد . وتكون متقاربة ضمن منطوقة معينة أو عبارة معينة أو مفردة معينة ـ ويمكن لهذه الوحدات أن تدعى كذلك بالمتفارقة .21

أما العلاقات الإستبدالية : Paradigmatiques  فهي تنتمي إلى مجموعة فرعية تتكون من وحدات يمكن أن تؤدي وظيفة نظمية واحدة في موضوع معين من المنطوقة أي أن كل واحدة منها يمكن أن تحل محل أي واحدة من أخواتها في منطوقة معينة ـ ومثال على ذلك مجموعة مفردات من فصيلة واحدة كالحمضيات مثلا. غير أن العلاقات النظمية التي تربط بين المفردات في المحور النظمي تختلف باختلاف الألسن. وقد أصبحت هذه النظرية بالنسبة لجاكبسون أساسا للصور البلاغية الأكثر تداولا في اللغة الأدبية، فجعل قطبي هذه الثنائية أساسا لمعظم دراساته الأدبية ( الشعرية منها والنثرية ) لدرجة أنه استعمل المحور النظمي لمرادف للمجاز المرسل والمحور الإستبدالي كمرادف للإستعارة .  22

الانتقاء و التنسيق :

يعتمد الإنسان في كلامه على ظاهرتي الانتقاء والتنسيق فهما عمليتان رئيسيتان في سيرة الكلام ، فالتكلم يتطلب عملين أساسيين أولهما:

 الانتقاء: يختار المتكلم بعض العناصر المجددة الموجودة في مخزونه اللغوي ـ تم يأتي دور العنصر الثاني المتمم والمتمثل في عنصر التنسيق بين هذه الوحدات المجددة والعناصر المختارة لتكون وحدات لسانية معقدة، فالمتكلم يختار إزاء كلماته من الكنز اللغوي المعجمي الخاص باللغة التي يتكلمها ويؤلف بينها في جمل تخضع لنظام هذه اللغة ووالجمل بدورها تتلائم لتكون عبارات .

وبعد ذلك تأتي المرحلة الثانية لتتم ما بدأه الإختيار ، وهي عملية التنسيق فيؤلف المتكلم بين الكلمات التي إختارها في جملة تخضع لنمو اللغة التي يستعملها ، وهذه الجملة تكون النواة للفقرة . والفقرة بدورها تتألف من غيرها من الفقرات لتكون النص ، وبذلك يكون الثنائي المتلازم الانتقاء والتنسيق  في أساس تكوين الكلام 23

اللغة الهدف وما وراء اللغة:

إن تفكيره اللغوي الثنائي، لا ينظر إلى اللغة أنها  شيء جامدا يتكون من كتلة واحدة، بل هي قسمان يكمل كل واحد منها الأخر، ولا وجود لأحدهما دون القسم الأخر، وهذان القسمان هما: اللغة والهدف وما وراء اللغة ،وإذا ما قمنا في كلامنا بشرح كلمة ما، بواسطة الترادف أو التضاد فإننا نستعمل ما وراء اللغة في حين أن الكلمة  المراد شرحها تكون هي اللغة الهدف. وهذه العملية الثنائية تعد في علم اللغة علما يعتمد ربط اللغة المحسوسة بما يقابلها في اللغة المجردة ، وهي دراسة علمية لأنها تعتمد على التفكير المنهجي والمنطق، ولكننا نرى أننا نقوم بهذه العملية مرات عديدة كل يوم، وفي كل لحظة، دون أن نفكر بكيفية القيام بها ودون أن نعيها (24).  فاستعمال اللغة الهدف وما وراء اللغة والذي لا يستقيم وجودهما إلا معا، فهما جزءان من علم واحد هو علم اللغة، وقطبان لكنز واحد هو اللغة. ومن هنا تتأتى أهمية هذه اللغة الثنائية ( اللغة ـ الهدف وما وراء اللغة ) وهذه الثنائية مهمة جدا في عملية الفهم والإفهام والتواصل بشكل عام.

الخطاب الخارجي والخطاب الداخلي: 

إن الهدف الأساسي من استعمال الكلام هو إيصال رسالة ما إلى شخص معين أو إلى مجموعة من الأشخاص. ولذلك فإن استعمال الكلام يستوجب وجود عنصرين لا يكون الحديث إلا بهما وهما المتكلم، الذي يؤلف المرسلة تبعا لأهوائه ورغباته، والمخاطب الذي يقوم بفك رموز هذه المرسلة لفهمها. فهذا التواصل الخارجي extérieur  Discours لا يقوم إذن إلا بوجود قطبي الحديث (المرسل والمرسل إليه) بالإضافة إلى ضرورة وجود مرسلة تنتمي إلى نظام مشترك بين طرفي التواصل ليتمكن كل منهما من فهم الأخر وإفهامه. إلا أن جاكوبسون يميز نوعا أخر من التواصل ، وفيه يكون المتلقي والمرسل شخصا واحدا، ويسميه بالخطاب (أو التواصل الداخلي ) Intérieur discours .

فاللغة الداخلية والحوار مع الذات لهما أهميتهما القصوى ا في التبادل الكلامي و في إيضاح وإبراز أفكار جديدة بعيدا عن الرقابة المحيطة بالشخص المتكلم . 

وقد يتخذ التواصل الداخلي أشكالا كثيرة ومتنوعة وذلك بحسب المرسلة المراد توصيلها إلى المتلقي  فالتواصل داخل الفرد هو أبعد من أن يحد بإشارات كلامية فقط، بل يستتبع أشكالا كثيرة وعديدة. يندمج مرسل الرسالة ومتلقيها في "الأنا"، فيكون التواصل بالتالي بين الأنا والانا في لحظتين مختلفتين وهنا يلعب الإنسان دور المرسل والمتلقي في أن معا وهذا ما يظهر خاصة عند الأطفال  أو عند المجانين .(25)

 أما عند الكبار العاقلين فإن اللغة الداخلية تحتفظ بأثر الشكل الصوتي ، وهو عبارة عن حركات لا واعية تقوم بها أعضاء التكلم ولكن دون إصدار الصوت فعلا . فالكلام الداخلي يقوم على الكلام الظاهر، وهو عرض داخلي له، إلا أن هذا الحوار الداخلي لا يمتلك أية بنية منطقية أو نحوية خاصة به.

السمات التمايزية :

ميز جاكبسون بين ثلاثة أنواع من الثنائيات المتقابلة:

-1 التقابل بين الصوامت الخلفية (طبقية أو غازية) والصوامت الأمامية (شفوية أوأسنانية).

-2 التقابل بين الصوت الخفيض ( grav) والصوت الحاد ( aigu).

-3 التقابل بين الصوامت ذات النغمة العالية والصوامت ذات النغمة الحادة  . (26)

لم تقف دراسته عند هذا الحد، بل تابع أبحاثه حول السمات التمايزية، فرأى أن كل التقابلات التي يمكن أن نجدها في مختلف لغات العالم ترجع إلى أثنى عشر تقابلا ثنائيا يمكن أن تحدد في مستويات شتى تتعلق بمراحل متتالية من صيرورة التواصل، وخاصة المستوى النطقي والمستوى السمعي، وكل سمة من هذه السمات لا وجود لها بل لا أهمية لوجودها دون وجود الوجه الأخر لها. فعندما نصف صوتا بأنه مجهور فإنما نصفه بذلك لوجود سمة غير مجهور أو مهموس في اللغة عينها ومن الواضح أن هذه الثنائية المحدودة في عدد صغير من التقابلات، تعكس ميل الاستعمال اللغوي إلى الاقتصاد في الجهد ،كما تساعد في الوقت ذاته الدارس في تحليل البنيات اللغوية.  ويخلص جاكوبسون من ذلك إلى القول بأن هذه الطريقة الأخيرة تسهل مهمة الإدراك باللجوء إلى ثنائية السمات التمايزية وما تقدمه من تبسط .

2) موقف  النظرية التحويلية التوليدية من البنيوية :

 فقد حاول تشو مسكي في هذه النظرية التعامل مع الظاهرة اللغوية من أجل تأسيس نظرية لسانية تملك الشرعية المعرفية، لان تكون بديلا جديدا يفي بمتطلبات الدال والمدلول على حد السواء، وتلك الخاصية تميزت بها النظرية التوليدية من الاتجاه التوزيعي الذي أبعد عن اهتماماته الجانب الدلالي تحت تأثير النزعة السلوكية التي تعول على الجانب الشكلي دون سواه .

 ولذلك فإن محاولة تشو مسكي في هذا الاتجاه ترفض المبدأ القائم على الملاحظة الشكلية للظاهرة اللغوية، لأن التحليل العلمي للحدث اللغوي ليس بوصفه الخارجي لما كان قد تلفظ به المتكلم فحسب، وإنما هو تحليل العمليات الذهنية ،التي بواسطتها يمكن للإنسان أن يتكلم بجمل جديدة ومن هذا المنطلق حولت النظرية التحويلية البحث اللساني من منظور النظر إلى الظاهرة بمعطيات الجانب السلوكي، إلى منهج عقلي يعي الجانب الفكري للإنسان ويسعى من أجل تعليل الآلية الكاملة للغات الإنسانية.

     ومن هنا أضحت الجملة قطب الرحى في الإجراء التوليدي والتحويلي، وركنا أساسيا من بناءها النظري كما أن هذه النظرية تقوم على أسس واضحة تستند على المنطق الرياضي والتفكير العلمي المنظم ، ومن أهم هذه الأسس ما يسمى بالنحو الكلي universal grammer ومبناه هو أن الإنسان لا يكتسب اللغة وفق المنضور الآلي للمثير والاستجابة وإنما يولد مزودا بالية ذهنية ترتبط ببنيته العقلية هذه الآلية التي تجعل عملية الاكتساب اللغوي أمرا ممكنا دون الاعتماد على عملية التقليد والمحاكاة .27

   وبذلك فإن عملية دراسة الجانب الخفي من الاكتساب اللغوي أمر مهم وهو ما أهملته النظرية السلوكية حيث اعتمدت على الشكل الخارجي لبنية وأهملت المعنى ومن هنا سعت هذه النظرية إلى وصف لساني كامل يجمع الشكل والمنى .

كما نجد أن تشو مسكي قد ركز على الإبداع الخاص بالجمل انطلاقا من القواعد في حين أن البنيويين يركزون على إبداع صيغ في مستوى الصرف أما الجمل فهي جاهزة مقلدة وفي ذلك يوضح لنا عبد السلام المسدي الفرق بين هاتين النظريتين في قوله وتتمثل منطلقات المدرسة التحويلية في أن غاية اللساني أن يحلل المحركات التي يتوصل الإنسان إلى استخدام الرموز اللغوية سواء أكانت نفسية أو ذهنية ذاتية فلا يمكن أن يقتصر عمل اللساني حسبهم على إقامة تبث الصيغ التي تنبي عليها لغة من اللغات ، وإنما تتعدى ذلك إلى تفسير نشأة تلك الصيغ وتأويل تراكيبها حتى يهتدي إلى حقيقة الظاهرة اللغوية وقد ركز في التيار التحويلي غاية على المستويات العليا في الكلام وتتمثل في التراكيب والجمل معرضا نسبيا على مستويات الدنيا وهي مستوى الصرف ومستوى وظائف الأصوات .28

وبالعودة إلى تعريف تشومسكي للغة على أنها: ملكة فطرية تكتسب بالحدس وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يتكلم باللغة إلا إذا سمع صيغها الأولية في نشأته فإن سماع تلك الصيغ ليس هو الذي خلق المقدرة اللغوية في الإنسان إنما يقدح شرارتها فحسب وهذا ما يفسر الطابع الخلاق في الظاهرة اللغوية وكذلك طابعها اللامحدود، ومن هنا فإن المدرسة التحويلية تمثل نظرية متكاملة لوصف اللغة إذ أن مفهوم القواعد (النحو) في هذه النظرية شامل لقواعد الأصوات والصرف والنحو والمعجم في الوقت ذاته.29

كما أقر تشو مسكي على أن نموذج الحافز والاستجابة يكون عاجزا في معالجة الحقائق المتعلقة بسلوك اللغة فعلى الرغم من أن هذا العالم قد رفض كل شيء أتت به البنيوية ولكنه في صميم أعماله التوليدية، التحويلية إنما هو بنيوي إذ ما فعله هو أنه قلب البنيوية رأسا على عقب وأتى بشيء جديد لم تلتفت إليه البنيوية و هو دراسة اللغة على أنها ظاهرة فيزيائية رياضية آلية بيولوجية تعمل داخل الدماغ البشري .

   بذلك نجد أن التوليدية اللغوية قد أعادت الاعتبار للمعنى في الوصف اللغوي وأدمجته في الوصف النحوي على غير طريقة التقليديين إذ سعت إلى وصف جميع لغات العالم من خلال بحثها في النحوي الكوني Grammer nationnal الذي يمثل مبادئ رياضية تتصل باليات التفكير الإنساني وتظم جميع لغات العالم على الرغم من اختلافها .30

ن اللغة كما يرى تشو مسكي أهم الجوانب الحيوية في نشاط الإنسان, ولهذا ليس من المعقول أن تكون لها هذه الأهمية ثم تتحول إلى مجرد تراكيب شكلية يسعى الوصفيون إلى تجريدها من العقل. 31.  ومعنى ذلك أن هذا اللغوي كان يقيم نظريته على أساس عقلي ويحاول أن يفسر ظواهر اللغة تفسيرا عقليا يناسب أهميتها، ويكشف عما وراءها من دوافع عقلية ومنطقية.  وعلى هذا الأساس قسم تشو مسكي الكلام الإنساني على جانبين : الأول: ما ينطق به الإنسان فعلا وقد سماه (البنية السطحية للكلام).

الأخر : هو ما يجري في أعماق الإنسان ساعة التكلم فيدفعه إلى تفضيل هذه الصيغة أو ذاك التركيب, وسماه ( البنية العميقة للكلام ) . ومعنى ذلك أن اللغة التي ننطق بها فعلا إنما تكون تحتها عمليات عقلية عميقة , ودراسة بنية السطح تقدم التفسير الصوتي للغة , أما دراسة ( بنية العمق ) فتقدم التفسير الدلالي لها  .

ومن أجل ذلك رفض تشو مسكي المنهج الوصفي لقصوره، وعجزه عن الإيغال فيما وراء الأشكال اللغوية الظاهرة و المنطوقة أو المكتوبة. وقد طبق المنهج التحويلي على دراسة النحو  فظهر ما يسمى (النحو التحويلي) وهو كما تقدم يهتم بالبنية العميقة للكلام ويحاول أن يربط بينها وبين ما تتحول إليه من بنية سطحية. وتسمية هذا النحو بالتحويلي نابعة من انه يفترض لكل بنية ظاهرة، بنية أخرى عميقة كامنة في ذهن المتكلم،ثم يحاول الكشف عن كيفية تحول البنية العميقة الثانية إلى البنية السطحية الأولى، أو البنية الظاهرة الملفوظة.

ولابد لمن يتبع هذا المنهج في دراسة النحو من أن يعتمد على الحدس أو التصور أو الفروض العقلية. ونشير إلى أن جو مسكي الذي ينسب إليه هذا المنهج  قد درس العبرية القديمة، وربما درس أصول النحو العربي عن الطريق المترجمات العبرية في الأندلس , وهي مترجمات نقلت قواعد النحو العربي ،وطبقته على العبرية .

ومن هنا يمكن أن نفترض تأثر تشو مسكي والمدرسة التحويلية بالدراسة اللغوية العربية القديمة  وأما على صعيد الغربيين تشو مسكي أيضا لم يكن أول من فطن إلى هذا المنهج، وإن كان هو أول من أعطاه هذا المصطلح فقد أشار إليه لغويون غربيون بعبارات متفاوتة بين التلميح والتصريح، لعل من أفضلها عبارة أحدهم حين قال: "اللغة كجبل الجليد العائم وما هو مكشوف منه للملاحظة المباشرة أقل بكثير مما يخفى منه تحت الماء ".

أثر الدرس اللغوي في الفكر الغربي:

من خلال دراستنا ووقوفنا على أهم النتائج العلمية التي توصل إليها التحويليون في ميدان الدراسات اللغوية تظهر لنا سمات أساسية من تراثنا النحوي في المنهج التحويلي،  كانت بارزة واضحة في تفكير النحاة العرب  ومن أهمها .

ـ البحث عما يسمى ( الأصل والفرع ) للظاهرة اللغوية ، لقد اهتم النحاة العرب بعدة قضايا لغوية ونحوية، واهتموا بالتعريف والتنكير واعتبروا النكرة أصل والمعرفة فرع، والمفرد اصل  والمثنى والجمع فرعان عليه، ومن هذه السمات أيضا أنهم لم يكونوا يقتنعون بالوقوف  عند البنية السطحية للغة، وإنما يبحثون عما وراءها من علل وأسباب ، فالمضاف إليه لم يكن مجرورا إلا لأن الإضافة عندهم على نوعين : بمعنى اللام ـ وبمعنى من ـ ثم حذف حرف الجر وقام المضاف مقامه، فعمل الجر في المضاف إليه كما يعمل حرف الجر .( كتاب زيد ـ ثوب خز) أصل التعبير  كتاب لزيد ، وثوب من خز .

وقف الوصفيون عند ظاهرة الجر في المضاف إليه واكتفوا بتسجيلها من غير أن يبحثوا عن سببها، إذ لا دليل عندهم عليه بل هو مجرد افتراض .ويتضح مما سبق أن النحاة العرب كانوا آخذين بأكثر ملامح المنهج التحويلي،فهم يؤمنون بأن لكل بنية لغوية ظاهرة بنية ثانية عميقة كامنة في ذهن المتكلم، وأن وظيفة النحو توفيقية بين هاتين البنيتين.

فالمستثنى في نظر نحاة العرب ليس منصوبا عندهم ب(إلا) بل هو منصوب بفعل كامن في ذهن المتكلم تقديره (استثني) أو منصوب ب (إن) مضمرة، فأصل بنيته العميقة (قام التلاميذ استثني عمرا) أو (قام التلاميذ إلا أن عمر لم يقم) ومن النحاة الغربيين من أصبح على قناعة بأن الاتجاه العقلي في فهم اللغة هو الاتجاه الصحيح،وأن الوقوف عند سطح الظاهرة اللغوية لا يكشف عن جوهر الظاهرة، وقد أطلقوا على هذا الاتجاه المنهج التحويلي، وهو منهج آمن به اللغويون العرب مند مئات السنين وأن جذوره واضحة في التراث النحوي العربي  وربما كانت هذه الجذور أحد الأسس التي أقام عليها التحويليون منهجهم العتيد.32

ونحن نشير إلى الجوانب التحولية في النحو العربي، لا بد لنا من القول أن جو مسكي الذي رفض النهج الوصفي لقصوره على إدراك الجانب الخفي في اللغة، أو لقصور المنهج الوصفي عن ربط اللغة بالجانب العقلي ، يشبه في عمله هذا عمل اللغوي العربي عبد القاهر الجر جاني فجو مسكي كان معنيا بدراسة القدرة اللغوية, وهي ملكة عقلية, لا دراسة الأداء اللغوي ، أو كان مهتما بدراسة العلاقة الجدلية بين الكلام اللفظي والكلام النفسي، على ما هو الحال عند عبد القاهر الجر جاني في اعتماده على القول بالنظم المتمثل بالعلاقات المعنوية بين الأصناف النحوية، بل آن جهد كل منهما قد تبلور " في إعطاء النحو إمكانات تركيبية مستمدة من قواعده الفعلية بحيث أصبحت هذه الإمكانات أشبه شيء بصندوق مغلق له مدخل ومخرج تدخل فيه المفردات وتتفاعل ثم تخرج على الصورة التأليفية الجديدة ونحن لا نلمس سوى المظهر المادي للعملية ، أما الجانب العقلي فهو خفي داخل الصندوق ". 33

عناصر تطبيق النظرية التوليدية التحولية:

لقد حدد أصحاب هذه النظرية عناصر التحويل في: 34

ـ الترتيب: وأصحاب هذا المنهج يأخذون بالرأي القديم القائل : ( أن العرب إذا أرادت العناية بشيء قدمته ) ،ويأخذون كذلك برأي الكوفيين الذين يجيزون تقديم الفاعل على فعله .

ـ الزيادة: ويقصد بها إضافة كلمات جديدة إلى الجملة التوليدية ، لتصبح جملة تحويلية 

ـ الحذف: ويكون في ركن رئيس من الجملة التوليدية , فتتحول إلى جملة تحويلية , ولكنها تبقى على ما هي من حيث الفعلية أو الاسمية .

ـ الحركة الإعرابية: وتكون بمقتضى هذا المنهج "ذات قيمة دلالية كبيرة، وبها يتم تحويل الجملة التوليدية عن أصل افتراضي كانت عليه للأخبار"35  وهي لذلك ليست أثرا لعامل، ولا حاجة لتقديره، بل أن القول بالعامل يترتب عليه إهمال المعنى الذي جاءت الجملة أصلا له.

وأما قول النحاة القدماء بأن الحركة الإعرابية أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل، فقد رده بعض الآخذين بمنهج التحويل هذا فقال: "لهؤلاء نقول: أن الحركة الإعرابية شأنها شأن أي فونيم في الكلمة، له قيمته وأثره في الإفصاح عما في النفس من معنى، فيكون تغيرها محققا لما في نفس المتكلم من معنى يريد الإبانة والإفصاح عنه. فإذا قال المتكلم: الأسد (بالضمة) فإن السامع يدرك أنه قد أراد نقل خبر ليس غير، ولكنه أن قال : الأسد (بالفتحة) فإن المعنى يتغير إلى معنى التحذير، الذي هو في ذهن المتكلم، ويريد أن يفصح عنه، ولا يستطيع تغيير أي فونيم في الكلمة غير هذا الفونيم, فإنه إن غير فونيما أخر في الكلمة تغيرت الصورة الذهنية التي ترتبط بها الكلمة بسبب, فلا سبيل إذن إلى التغيير إلا في فونيم الحركة الذي يؤدي إلى صورة ذهنية جديدة ولكنها تتصل بالأولى بسبب ، فما كان التغيير في الحركة إلا نتيجة للتغيير في المعنى ... وليست الحركة نتيجة لأثر عامل كما يرى النحاة .

فالحركة الإعرابية تكون"اقتضاء لقياس لغوي جاء به العرب، وقد تتغير الحركة اقتضاء لعنصر من عناصر التحويل، كالزيادة أو الحركة التي تنقل معنى الجملة من الخبرية إلى التحذير أو الإغراء أو الاختصاص أو المعية، أو إلى معنى الاستفهام بعد (كم) تفريقا لها عن الخبرية". فقولنا:(العلم نافع) إذا دخلت عليه (كان) اقتضى أن يكون الخبر منصوبا محولا إلى الزمن الماضي، فإذا دخلت عليه (إن) اقتضت إن يكون المبتدأ محولا إلى حالة التوكيد.

 وأما الجمل: لم يحضر خالد ـ لن يقرأ علي الصحيفة ـ لا تلعب وقت الدرس ـ لا رجل في البيت. فقد تغيرت الحركة الإعرابية عما كانت عليه في بعض الكلمات اقتضاء لعنصر التحويل بالزيادة . " ففي الأولى انتقلت الحركة من الضمة على الفعل المضارع إلى السكون اقتضاء للحرف (لم) وتحويل الجملة في معناها إلى الزمن الماضي، في حين أن عنصر الزيادة في الثانية (لن) اقتضى فتحة، وتحويل معنى الكلمة إلى المستقبل، أما في الثالثة فاقتضى عنصر الزيادة (لا) السكون وتحويل الجملة إلى معنى النهي .

وأما في الجملة الأخيرة فقد اقتضى عنصر الزيادة (لا) الفتحة في المبتدأ ونقله عن موضوعه الأصلي (المؤخر) في الجملة الأصل (في البيت رجل )واقتضى عنصر الزيادة أيضا نفي الخبر.36 .  ويمكن أن نورد بعض النماذج من الجمل التي يمكن تحليها وفق المنهج التحويلي، فمن الجمل التوليدية نقول: (الدرس نافع) فإذا زدنا عنصرا جديدا عليها وقلنا (كان الدرس نافعا) فبعدما كان الدرس يتصف بالنفع في البنية الأولى، انتقل معناها من مجرد اتصاف بالنفع إلى كون هذا النفع قد حصل في الماضي وأن الفتحة التي لحقت (نافع) فهي حركة اقتضتها (كان).

 وجملة (أكان الدرس نافعا) جملة تحويلية فيها عنصران من عناصر التحويل هما(همزة الاستفهام) و(كان) وقد نقل هذان العنصران التحويليان معناها من مجرد اتصاف الدرس بالنفع إلى السؤال عن حصول النفع في الزمن الماضي.

وجملة (نافع الدرس) جملة تحويلية، وعنصر التحويل فيها تقديم الخبر على المبتدأ، لأن المتكلم مهتم به في تسليط الضوء عليه.وهذا ما جعله ينقله من مكانه الطبيعي إلى مكان الصدارة في الجملة. و(أ نافع الدرس) فهي جملة تحويلية اسمية، فيها عنصران من عناصر التحويل هما (التقديم) و(همزة الاستفهام) فالمتكلم مهتم ب(نافع) وسائل عن تحققه.

موقف علماء العرب من الدرس اللغوي الحديث

في حقيقة الأمر إن علماء اللغة العرب بخاصة النحاة منهم في حاجة ماسة إلى دراسة ميدانية متأصلة انطلاقا من التراث العربي العريق، ولن يتأتى ذلك إلاّ بالرجوع إلى فهم الأصول لتستقيم الفروع، وان يقتصر الجهد العلمي على الثقافة الإسلامية جملة وتفصيلا .

فالدراسات اللغوية العربية لا تحتاج إلى إصلاح لأنها مرتبطة بتاريخنا وديننا، كل ما في الأمر أن يجتهد المحبون والغيورون عليها بأن يعودوا إلى الأصول ودراستها دراسة المتعمق و أن تدرس القضايا اللغوية "دراسة جديدة لا تمس الجوهر، إنما ينبغي أن تتجه الدراسـة إلى التراكيب الأسلوبية قصد تسهيلها وتبسيطها وتقريبها إلى الأذهان، والعمل على حذف الآراء الانفرادية، والشاذة وهي آراء في رأينا زادت النحو العربي تعقيدا لكثرتها وتباينها إحياء للتراث النحوي العربي القديم وإخراجه إلى حيز الوجود في ثوب جديد لائق بهذا العلم."(37) هذه القضايا اللغوية جديرة بالدراسة والبحث، وهي في حاجة ماسة إلى من ينذرها نفسه وينقطع لها خدمة للعلم وبناء لصرحه.

 إن الدراسات العربية والغربية كانت ولا زالت وستبقى متواصلة للوقوف على أسرار هذا العلم الذي حافظ على كتاب الله من ذيوع اللحن وخوفا عليه من عوادي الفتنة   فالقرآن الكريم بقي دستور الإسلام نصا موثوقا بكل تفاصله بدءا من خروج حروفه إلى علامات إعرابه إلى ألفاظ كلماته إلى تركيب جمله إلى أماكن الوقف من خلال هذه الجمل وفي نهايتها، ثم هو نص معجز سواء من حيث المعنى السامي القصد، ومن حيث المبنى المحكم النسيج، هذا من جهة أما من جهة أخرى فلإزالة الغموض والتناقضات الحاصلة في الشكليات التي طغت على الجوهريات في الكثير من الدراسات، تيسيرا وتسهيلا منها لإبعاد عنه التقديرات والتأويلات والتفسيرات الفلسفية المعقدة، التي حالت دون تمكين القراء من ناصية اللغة.

 ثم يأتي العصر الحديث ويأخذ النحاة المحدثون من العرب على عاتقهم النهوض بالدرس النحوي، وبعد مخاض امتد قرابة أربعة عقود تنبه هؤلاء إلى أن من السبل الكفيلة بتحقيق المقاصد المرجوة في هذا الميدان تأكيد وظيفة الكلمة في التراكيب اللغوية. وفي مطلع السبعينات يصدع تمام ببناء جديد للنحو جعل فيه المعنى غاية الدرس اللغوي، وتأثر سياق الحال وسماه (المقام) وجعل السياق اللغوي موازيا له وأطلق عليه (المقال).(38)

ومعلوم أن (تمام حسان) نحا منحى وصفيا في أنظاره، كما أن تأثره بنظرية فيرث في سياق الحال أسبغ على عمله جانبا وظيفيا مهما، وعليه فقد وصف (تمام) النحو العربي من منظور وصفي وظيفي، وهو المنحى الذي استخدمه جعفر دك الباب، فيما بعد، في وصف نظرية الإمام الجرجاني في النظم، وأنماط الجملة العربية .(39)  وينبغي لي أن أشير هنا إلى أن إطلاق مصطلح "وصفي وظيفي" على ما قام به (تمام حسان) و(جعفر دك الباب) لم يأت اتفاقا، ذلك أن (تمام حسان ) قد تناول النحو العربي تناولا وصفيا بعيدا عن التعليل والتقدير، كما أنه في الوقت نفسه أخد بفكرة "اجتماعية اللغة" وذلك يستلزم أن يكون للكلام وظيفة واستخدام، وبهذه الميزة يكون منهجه وصفيا من ناحية  ووظيفيا من ناحية أخرى.

أما جعفر دك الباب فقد أسس تحليله للجملة العربية على أساس المنهج الوصفي الوظيفي الذي يستطيع الربط بين دراسة بنية الجملة ووظيفتها التي يحددها الموقف الكلامي، وهو يذكر ذلك صراحة في معرض حديثه عن نظرية الإمام الجرجاني . فالنهج الذي اتبعه هذان الباحثان ليس وصفيا خالصا ولا وظيفيا محضا، وهو يمكن أن يكون في رأيي حلقة وصل بين الوصفية والوظيفية التداولية.

يظهر جليا منهج تمام حسان من خلال نموذج"اللغة العربية معناها ومبناها" وهو يهدف إلى إلقاء ضوء على التراث اللغوي من خلال المنهج الوصفي، ويفصح إلى جانب ذلك عن أنه أقام بناء هذا النموذج على أساس أن المعنى هو الغاية في ضبط العلاقة بين الشكل والوظيفة ، منوها إلى أن النحاة العرب القدامى وجهوا جل عنايتهم إلى المبنى، ولم يتنبهوا إلى جعل المعنى فيصلا في إقامة التوازن بين الأشكال والوظائف، وهو يعزو هذا المنحى في البحث لدى النحاة القدامى إلى نشأة الدراسات اللغوية العربية .

   وخلاصة القول في نموذج تمام حسان أنه جعل اللغة نظاما ينتظم أربعة مستويات هي: المستوي الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوي النحوي، والمستوي الدلالي، و حاول أن يفسر العلاقات بين هذه المستويات بالنظر إلى ثنائية (المبنى والمعنى)، فمزج بين معطيات علم النحو وعلم المعاني ،مستندا في ذلك إلى النموذج البصري أو نحو جمهرة النحاة بتعبير أدق .

فإن العمل الذي أنجزه تمام حسان، كان نموذجا لأول دراسة متكاملة على أساس المنهج الوصفي البنيوي أعاد صاحبه من خلاله درس النحو العربي القديم من منظور وصفي، في وقت اكتفى فيه الآخرون ممن ادّعوا في الناس أنهم وصفيون ، بملاحظ  لا ترقى إلى مرتبة الأعمال المتكاملة كتلك التي  أقامها  تمام حسان.

الإحالات

1ـ فقه اللغة في الكتب العربية ـ  دا عبده الراجحي  ص12 

2ـ المرجع نفسه ص15

3ـ علم اللغة  د/ محمود السعران ص 337بيروت 1962

4ـ دراسات في اللسانيات التطبيقية  د/ احمد حساني ص 24

5 ـ النحو العربي والدرس الحديث د/ عبده الراجحي ص 28 دار النهضة العربية بيروت 1986

6 – مدخل إلى علم اللغة. محمد عبدا لعزيز ص 292. دروس في الألسنية العامة. سوسر ص29

7 ـ علم اللغة بين التراث والمعاصرة  ص 30د/ عاطف مذكور القاهرة 1987

8ـ المرجع نفسه ص 30

 9 ـ المرجع نفسه ص 31

10 ـ مدخل إلى علم اللغة  د/ محمود فهمي حجازي ص  11ـ 1978

11 ـ النظرية الألسنية عند جاكبسون د/ فاطمة طبال بركة ص 69 المغرب

12 ـ علم اللغة العربية  د/ محمود فهمي  حجازي ص27 ـ الكويت 1973

12 ـ المرجع نفسه ص 28

13– مدخل إلى علم اللغة د/ محمد حسن عبدا لعزيز  ص 125

14ـ علم اللغة العام ـ سوسير ـ ترجمة يوئيل عزيز ـ ص 110ـ  الموصل 1988

15– المرجع نفسة ص 91

16ـ  أثر محاضرات دي سوسير فيالدراسات العربية الحديثة ـ حيدر سعيد ص 60 –

17ـ النحو العربي والدرس الحديث د/ عبده الراجحي ص 29 دار النهضة العربية بيروت 1986

18 ـ اللغة بين المعيارية والوصفية ـ د/ تمام حسان ـ ص 165

19 ـ منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث ـ علي زوين ـً 11 ـ 1986 

Elmar Holens  jakobsonou le structuralisme phenomenologique p 42 20ـ

21 ـ جورج مونان" اللغة والتعبير "، مجلة اللسان العربي  محمد سابيلا العدد رقم، 26

22 ـ دروس  في الألسنية العامة  ـ سوسير ـ ترجمة صالح القرمادي  ومن معاه ص 45 ـ 49

23ـ المرجع نفسه ص53 ـ 54

24 ـ النظرية الألسنية عند رومان جاكوبسون ص 40 ـ 41 د/ فاطمة الطبال المغرب

25 ـ دراسة الصوت اللغوي ـ د/ أحمد عمر مختار ، ص 163

François La traverse «  Remarque sur le binarisme en phonologie p42 26ـ

27- نظرية تشومسكي  اللغوية  د/ - حلمي خليل ص 36

28- التفكير اللساني في حضارة العرب د/ عبد السلام المسدي ص19

29- دراسات في اللسانيات التطبيقية – د/ مازن الوعر ص254

30- المرجع نفسه ص 32

31- دراسات في اللسانيات التطبيقية – د/ احمد حساني ص 26

32ـ في التحليل اللغوي ـ د/ خليل عمايرة ص 87

33ـ المرجع  نفسه ص87

34ـ المرجع نفسه ص 96

35ـ مناهج البحث  اللغوي بين التراث والمعاصرة ـ د/ نعمة رحيم ص 200

36ـ النظريات التحويلية في الدراسات النحوية العربية ـ د/كريم عبيد عليوي ص 77

37ـ من المعاني النحوية في اللسانيات العربية.منصف عاشور. مجلة الموقف الأدبي سوريا ع135

38ـ اللغة العربية معناها ومبناها ـ تمام حسان ص 372

39 ـ مدخل إلى اللسانيات العامة أو العربية جعفر دك الباب ص 135