pdfاستراتيجية الصناعات المصنعة والصناعة الجزائرية

زوزي محمد، جامعة ورقلة- الجزائر

Cette adresse e-mail est protégée contre les robots spammeurs. Vous devez activer le JavaScript pour la visualiser.

 

ملخص : عاشت الدول النامية ظروفا اقتصادية واجتماعية صعبة، يعود اغلبها إلى ظروف تاريخية، منها ما كرس نتيجة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العالمية. دفعت هذه الأوضاع بالدول النامية إلى البحث عن المخرج من الواقع الصعب الذي تعيشه، مما جعلها تتبنى استراتيجيات تنموية، أفرزتها الأدبيات الاقتصادية والاجتماعية عبر مراحل التطور التاريخ البشري، ترتكز أساسا على التصنيع كمحرك أساسي لعملية التنمية، حتى أصبح التصنيع مرادفا للتنمية، لان الدول المتقدمة هي دول صناعية، أما الدول النامية فهي دول زراعية، مما عزا ببعض الاقتصادية إلى نعت الدول النامية بالريف العالمي 

الكلمات المفتاحية : إستراتيجيات التنمية، الصناعات المصنعة، مخططات التنمية.

  لم تكن الإستراتيجية التنموية أو استراتيجيات التصنيع التي تبنتها الدول النامية في مستوى طموحاتها لأسباب مختلفة، منها ما هو سياسي كالتحول من الاتجاه السياسي المرتبط بالمستعمر وما هو متعلق بتوفر المقومات المادية لإقامة المشاريع الصناعية، كتوفر المواد الأولية ومصادر الطاقة.

        نحاول في هذا المقال معرفة نتيجة تأثير استراتيجية الصناعات المصنعة على الصناعة الجزائرية. وسنتعرض للنقاط التالية :

1 ـ مفهوم إستراتيجية التنمية وأنواعها.

2 ـ تطبيق استراتيجية الصناعات المصنعة في الجزائر.

3 ـ نتيجة استراتيجية الصناعات المصنعة على الصناعة الجزائرية.

 

أولا : مفهوم إستراتيجية التنمية :

        يقصد بإستراتيجية التنمية الاقتصادية ذلك الأسلوب الذي تنتهجه الدولة في رسم السياسة الإنمائية، والانتقال بالمجتمع من حالة الركود إلى النمو الاقتصادي الذاتي، ويختلف هذا الأسلوب بالضرورة من دولة لأخرى باختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واختلاف الدور الذي تضطلع به الدولة في تسيير مجرى النشاط الاقتصادي والأهداف المرجوة من عملية التنمية[1].  

من التعريف السابق نقف على ما يلي :

1 ـ إن الهدف الأساسي من وضع استراتيجيات للتنمية هو نقل المجتمع من حالة الركود إلى حالة النمو الاقتصادي الذاتي، أي توفير الظروف والشروط الضرورية للتجدد الاقتصادي الذاتي.

2 ـ إن الإستراتيجية تتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذا معناه انه لايمكن أن تتطابق إستراتيجيتان للتنمية، لان إستراتيجية التنمية تفصل على مقاس كل دولة، وفقا للشروط المذكورة آنفا.

3 ـ إن الدور الذي تقوم به الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مهم في وضع واختيار مفردات إستراتيجية التنمية لكل دولة، فمن دولة حارسة إلى دولة متدخلة، تلعب دور منظم من خلال المشاريع الخاصة بها.

        تجعلنا الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تتباين من دولة لأخرى أمام استراتيجيات للتنمية بعدد دول العالم مهما كبر أو صغر حجمها، إلا أن هناك من الاقتصاديين من وضعوا استراتيجيات لتنمية للدول النامية انطلاقا من بعض المظاهر العامة والمشتركة بين هذه الدول. فقد جاءت هذه الاستراتيجيات على النحو التالي :

1 ـ إستراتيجية إحلال الواردات : تهدف هذه الإستراتيجية إلى تشييد مشاريع صناعية قصد إنتاج المواد التي كانت تستورد من قبل ؛ وقد ظهرت هذه الإستراتيجية وانتشرت في دول أمريكا اللاتينية ؛ ويرجع التوجه لمثل هذه الإستراتيجية إلى تعاظم العجز التجاري للدول النامية، وذلك لانخفاض أسعار موادها الأولية المصدرة، وأدى تزايد هذا العجز إلى الحد من استيراد المواد الاستهلاك وقيام صناعات محلية لإنتاج هذه المواد كليا أو جزئيا.

تمر هذه الإستراتيجية بمراحل ثلاث هي[2]: الأولى: إنتاج المواد الاستهلاكية الحقيقة (إحلال واردات بدائي) ؛ الثانية : إنتاج مواد استهلاكية معمرة (سيارات، أدوات كهرومنزلية، ... الخ ) نتيجة للاختناقات الناتجة عن ضيق السوق التي تواجه المرحلة الأولى، وذلك بإعانة من الشركات المتعددة الجنسيات ؛ الثالثة : إنتاج المواد الوسيطية، أو البحث عن أسواق خارجية لمواجهة ضيق السوق الداخلية، ويكون نتيجة لذلك البلد حلقة في تقسيم العمل الدولي. 

        يهدف لجوء الدول النامية إلى التصنيع أساسا إلى بناء قدرات إنتاجية ذاتية، والقضاء على التبعية للخارج، إلا أن هذه الإستراتيجية تعمل عكس هذا الاتجاه، لان المتتبع لمراحلها الثلاث يلمس أنها كلما تقدمت في التطبيق ازدادت اختناقا وبالتالي تبعية، وذلك نظرا للصعوبات التي واجهتها، منها[3] :

أ ـ انتقال استيراد هذه الدول من استيراد السلع الاستهلاكية بأنواعها إلى استيراد السلع الرأسمالية ذات التكاليف الباهظة.

ب ـ اعتماد هذه الاستراتيجية على إحلال السلع الاستهلاكية، وهذا لا يؤدي إلى تغيير البناء الصناعي في البلد، لأنه تصعب الانطلاقة من الصناعات الاستهلاكية إلى إقامة صناعات الأساس.

جـ ـ ضيق السوق الداخلية الذي يجعل مردود صناعات محدودا في الزمان والمكان، إلا أن هذه المعضلة يمكن أن تحل في اتجاه الدول النامية إلى التكامل في مختلف أطره (قاري، إقليمي، ... الخ).

د ـ لم تتمكن مثل هذه الإستراتيجية من التخفيف من حدة مشكل البطالة الذي تعانيه الدول النامية، نظرا للطبيعة المرسملة للتكنولوجيا المستعملة، واستقرار البيئة الإنتاجية السائدة والمعتمدة على القطاعين الإستخراجي والزراعي ـ التصديري.

    كان الهدف من هذه الاستراتيجية إقامة مثل هذه الصناعات في الدول النامية حيث قوبلت بالتشجيع من طرف الدول المتقدمة، وكذا الدول النامية، وهذا ناتج عن أهداف كلا الطرفين في إقامتها.

أولا ـ موقف البلدان المضيفة المتبنية لهذه الاستراتيجية : يكون هدفها من عملية النقل بشكل رئيسي :

  ـ إحلال هذه الصناعات محل الاستيراد، أي أنها تقيم هذه الصناعات في بلدانها لتغطية الاحتياجات المحلية، بدلا من الاعتماد على استيرادها من الخارج ؛ خاصة أنها تمثل احتياجا مطلوبا بشدة بعد مرحلة حرمان طويلة نسبيا، ويكون هذا على العموم من أجل تصنيع مواد خام متوفرة في البلد المعني بدلا من تصديرها خاما، ومن ثم استيرادها سلعا مصنعة. فبدلا من تصدير القطن والجلود كمواد خام إلى البلدان الأجنبية، واستيراد الألبسة والأحذية المصنعة، يتم تحويل المواد الخام في البلد المنتج لهذه المواد.

ـ إقامة هذه الصناعات من اجل التخصص في التصدير وهي الحالة التي أخذت في الشيوع أكثر فأكثر في الآونة الأخيرة. فتقام صناعات تحويلية كاملة لا علاقة لها بالاحتياجات الداخلية ومتخصصة فقط، بالتصدير وخاصة في البلدان المتطورة (الاستفادة من قوة العمل الرخيصة وتوفر المواد الخام المحلية).

ثانيا ـ موقف البلدان الطاردة لهذه الصناعات : يتلخص موقفها في التخلص من تكنولوجيا بائرة، وهي النوع من التكنولوجيا التي أصبحت إمكانية تطوير تقنياتها محدودة، وبالتالي فهي تحتاج لقوة عمل كثيرة العدد ذات كفاءة محدودة، وهو عنصر غير مرغوب فيه في ظروف قوة الحركة النقابية وازدياد مطالبها المادية والاجتماعية، وهذا يفرض على المؤسسات أجور عالية أكثر من البلدان المتخلفة، ينبغي عليه في مقابل ذلك أن يقدم إنتاجا يحتاج لمهارة توازي الأجور العالية نسبيا، لذلك يجب تحويله إلى صناعات أكثر تطورا، وان يحل محله عامل اقل كفاءة.

تكون صناعة إحلال الواردات والصناعة المخصصة للتصدير على شكلين :

1 ـ صناعات تدخل في إطار الهيكل الاقتصادي الوطني، وهي صناعات يخصص جانب من إنتاجها لكفاية جزء من الاحتياج المحلي، وجانب آخر للتصدير.

2 ـ معامل مخصصة للتصدير مقامة خارج هيكل الاقتصاد الوطني، ضمن ما يعرف بالمناطق الحرة التي أنشأتها الدول النامية من اجل اجتذاب الرساميل، عن طريق منحها العديد من الضمانات، وتستفيد من كافة المزايا المتوفرة في البلد من استخدام اليد العاملة الرخيصة، وتتمتع بالدعم الحكومي والحماية، والاستفادة من البني الهيكلية المتوفرة (كهرباء، طرقات، مخازن، وسائط، ... الخ). بل قد تحظى هذه المشاريع ببعض الضمانات الميزة خلافا لماهو سائد في البلاد من قوانين وتشريعات تنظيمية مختلفة.

  ويمكن أن نلخص بعض هذه المزايا فيما يلي، حتى نقف على حقيقة أن الدول المتقدمة عملت على إبقاء الطرق التقليدية لتقسيم العمل بين دول الجنوب المتخصصة في إنتاج المواد الأولية، ودول الشمال المتخصصة في إنتاج وتصنيع تلك المواد، إلا أن الأساليب اختلفت، والميكانيزمات تعددت، وتتمثل  بعض هذه المزايا في :

أ ـ عدم الخضوع للروتين الحكومي عند نقل سلع وتجهيزات المشاريع المقامة على هذه المناطق بين منطقة حرة وأخرى.   

ب ـ عدم الخضوع لقانون الضرائب على الدخول، وغيرها من الإقرارات والتصريحات الضرائبية المعمول بها داخل أراضي البلاد.

جـ ـ السماح لتلك المشروعات بإعادة تصدير الأرباح إلى الخارج من جديد بدون قيود.

د ـ عدم التشدد على تطبيق قوانين العمل، بنفس الكيفية المعمول بها أحيانا في القطر المعني. بل وتذهب بعض البلدان لتقديم ضمانات تتعلق حتى بحماية الرساميل الموظفة في هذه المناطق من الاضطرابات، وتقدم لها الحماية من اجل ضمان أجور ثابتة ورخيصة، بغية اجتذاب هذه المشاريع.

هـ ـ السماح بإعادة تصدير منتجات المشاريع إلى داخل البلاد وفق قواعد معينة، وكذلك تقديم تسهيلات كبيرة لتصدير منتجات المشاريع إلى خارج البلاد المجاورة، أو إلى البلدان الصناعية المتطورة، دون الخضوع لإجراءات تذكر[4].

  وفي هذه الحالة أمام ضعف المنظومات القانونية للدول النامية، تشكل هذه المناطق جزرا ذات نفوذ داخل هذه الدول، مما يجعلها تسيطر ليس على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تتعداه إلى الجانب السياسي، بحيث تصبح صانعة للقرار السياسي داخل تلك الدول. 

 

2 ـ استراتيجية صناعة التصدير :  تهدف هذه الاستراتيجية إلى تكفل الدول النامية بإجراء بعض عمليات التصنيع على صادراتها، حتى تزداد قيمتها في السوق العالمية. وقد أخذت هذه الإستراتيجية اتجاهين[5] :

1 ـ أقطار أسست صناعات تصديرية لتحويل مواردها الأولية وإنتاج مواد وسيطة قبيل تصديرها، كما حدث في البلدان المنتجة للنفط (الصناعات البتروكمياوية).

2 ـ أقطار أحدثت مشاريع صناعية لإنتاج مواد استهلاكية متفاوتة الكثافة، اعتمادا على استعمال اليد العاملة الرخيصة التي تمتلكها (صناعة النسيج والمطاط)، كما حدث في دول جنوب شرق آسيا.

 

        يعود سبب تخلي الدول المتقدمة عن مثل هذه الصناعات، أو عن مراحل من التصنيع إلى التناقضات الحديثة التي ظهرت في الدول المتقدمة والمتعلقة بالبيئة والتلوث ... الخ، وإلى المواجهة بينها وبين دول العالم الثالث حول شروط الإنتاج والتبادل وطبيعة النظام الاقتصادي العالمي، وعليه نتج عن انتهاج هذه الإستراتيجية ما يلي :

أ ـ إحداث مشاريع ضخمة بتكاليف باهظة، لكن اغلبها لا يصل إلى طاقته الإنتاجية الكاملة. مما أدى إلى امتصاص هذه المشاريع لموارد ضخمة، أحوج ما تحتاجها الدول النامية في تطوير قطاعات بكاملها.

ب ـ مساعدة اقتصاديات الدول النامية على الاندماج في سياق تقسيم العمل الدولي الحديث الذي تفرضه الشركات المتعددة الجنسيات.

جـ ـ وجود صعوبات كبيرة أمام هذه الصناعات، نظرا للحواجز التي تفرضها الدول المتقدمة لدخول منتجاتها إلى السوق العالمية.

 

        قدم كلود شيسون (مندوب التنمية في المجموعة الأوربية في السبعينات) تحديدا لهذين النمطين من التصنيع، وقد أعلن عن ذلك فروبيه سنة 1977 " هناك نمطان من التصنيع في الدول النامية، الصناعة التي تهدف أولا إلى سد الحاجات المحلية والإقليمية، وهي متناسقة بشكل أساسي. أما الصناعات المقامة أساسا من أوضاع اجتماعية وضرائبية خاصة (صناعة التصدير)، فإنها لا تندمج في اقتصاد هذه البلدان ولا تشارك في تنمية البلد "[6].

3 ـ إستراتيجية الصناعات المصنعة أو النموذج السوفيتي في التصنيع : محور هذه الإستراتيجية هو إعطاء الأولوية للصناعات الثقيلة. وقد جاء بهذه الاستراتيجية " ج.د.دبرنيس " اعتمادا على نظرية أقطاب النمو، حيث يرى ضرورة الاعتماد على الصناعات المصنعة كقطب نمو اعتبارها الكفيلة بتزويد القطاعات الأخرى بالمعدات الضرورية التي تسمح بزيادة إنتاجية العمل، وبالتالي تؤدي إلى إعادة هيكلة الاقتصاد، لما لها من آثار دفع إلى الأمام والى الخلف. ويحدد دبرنيس هذه الصناعات في الفروع التالية :

* مجموعة الفروع الأربعة التي تقدم سلعا رأسمالية للفروع الأخرى.

* الفروع الكبيرة للصناعات الكيماوية.

* إنتاج الطاقة (الصناعات البتروكمياوية).

        ما جاءت به هذه الاستراتيجية كفيل ببناء قدرة إنتاجية ذاتية في الدول النامية، إضافة لإيجاد تكامل اقتصادي في المدى البعيد، إلا أن هذه الإستراتيجية كانت نتائجها متواضعة كسابقاتها بسبب العراقيل التي واجهتها، منها :

أ ـ اعتماد مثل هذه الصناعات على تكنولوجيا كثيفة رأس المال، وبالتالي تحتاج لرؤوس أموال ضخمة، وهذا ما تفتقر له الدول النامية، إضافة لعدم مرونة العلاقة بين استيعاب الاستثمار والعمالة. ومعنى ذلك أنها تستنزف القدرات المالية لهذه الدول مع بقاء معدلات البطالة مرتفعة.

ب ـ تحتاج هذه الإستراتيجية لتأطير عالي في مجال التنفيذ والتسيير والصيانة، وهذا يستدعي بالضرورة استثمارات جانبية مصاحبة لتلك  الصناعات والمتمثلة في تكوين الإطارات، وقبل التمكن من ذلك، على الدول النامية أن تستعين بالخبرات الأجنبية، وهذا معناه زيادة العبء المالي.

كان نتيجة لاعتماد الدول النامية لهذه الاستراتيجيات ما يلي :

 1 ـ لم تكن في مستوى طموحات الدول النامية لأنها تجمع العديد من التناقضات كالرغبة في التخلص من التبعية مع اللجوء إلى الاستيراد، واعتمادها على تكنولوجيا كثيفة رأس المال مع انتشار البطالة، وارتفاع أسعار المعدات والتجهيزات مع الافتقار إلى رؤوس الأموال الضرورية.

2 ـ أوجدت قاعدة صناعية في هذه الدول تعتمد كليا على الخارج، مما جعل اغلب المشاريع المقامة على كاهل هذه الدول.

3 ـ زادت من إنفاق هذه الدول مما جعلها عاجزة على أحكام ميزانية الحكومات، وأدى هذا إلى انتشار معدلات عالية من التضخم[7].

زادت من الهجرة الداخلية من الأرياف إلى المدن، وكان لذلك تأثيرا سلبيا على القطاع ألفلاحي، وزاد ذلك من مشاكل المدن الاجتماعية، بسبب اكتظاظها بالمهاجرين.

ثانيا : تطبيق استراتيجية الصناعات المصنعة في الجزائر.

        بدأت الجزائر في تطبيق هده الاستراتيجية منذ سنة 1965، بعدما أقرت في المواثيق والتشريعات قبل الاستقلال، ويعود اختيار الجزائر لهذه الاستراتيجية حسب اعتقادنا إلى عوامل ثلاث : الأول سياسي، وهو مخالفة النهج الاستعماري ـ نهج التطور الرأسمالي ـ الذي لم تر الجزائر في إطاره إلا الاستعباد والإذلال. الثاني توفر المقومات الطبيعية لإقامة مثل هذه المشاريع وخصوصا النفط والغاز الطبيعي. الثالث انعدام الإطارات المؤهلة التي تحتاجها الصناعة، وبالتالي تم التعويض عن ذلك بالاعتماد على صناعات كثيفة راس المال. 

       لقد برز التوجه نحو هذه الاستراتيجية في ميثاق طرابلس 1962 الذي وضع المعالم الكبرى للسياسة الاقتصادية الجزائرية غداة الاستقلال الذي جاء فيه : " إن التنمية الحقيقية والطويلة المدى بالنسبة للوطن، مرتبطة بإقامة صناعات قاعدية ضرورية من اجل فلاحة متطورة. على هذا الأساس منحت الجزائر إمكانيات كبيرة للصناعات البترولية وصناعات الحديد والصلب. وفي هذا الإطار تتحمل الدولة مسؤولية توفير الظروف والوسائل الكفيلة بإنشاء صناعات ثقيلة. ولا يجب على الدولة بأي ثمن أن تساهم في إيجاد قاعدة صناعية لفائدة البرجوازية المحلية، كما هو الحال في بعض الدول، بل يجب أن تحد من تطورها بفضل إجراءات صارمة "[8].

   بنيت إستراتجية التنمية في الجزائر على ثلاثة مفاهيم أساسية هي التصنيع، والتوجه نحو الداخل، والتكامل، وكانت هذه المفاهيم نتيجة للآثار السلبية التي كانت تعاني منها الجزائر مع خروج الاستعمار الفرنسي، فقد اوجد الاستعمار هيكلة للاقتصاد الجزائري المستعمر، هيكلة متناسقة سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا، قانونيا، ثقافيا. فلم يكن ممكنا تنظيم الجانب الاقتصادي بعيدا عن القوة العسكرية. فكان الاقتصاد مقسما إلى اقتصاديين متباينين شكلا ومضمونا، احدهما عصري مرتبط بقطاع التصدير ومندمج تماما في الاقتصاد الفرنسي، والثاني متخلف لم يكن بتمتع بدرجة استعداد كافية لتفاعله مع الاقتصاد الأول، بهذا اصبب الاقتصاد بتشوهات ظهرت بمظاهر متعددة منها :

    1 ـ اختلال العلاقة بين الموارد المادية والموارد البشرية، بفعل قلة الوسائل المادية وضعف التراكم الرأسمالي (الاستثمار) من جهة، وارتفاع نسبة الزيادات السكانية من جهة ثانية.  

 2 ـ المظهر الثاني، ويعكسه اختلال الهيكل الإنتاجي المتمثل أولا في ضعف نصيب الصناعة في تكوين الناتج الداخلي الخام، قياسا بنصيب الزراعة، وثانيا تركز كبير لليد العاملة في القطاع الزراعي، غير المندمج في اقتصاد المبادلة، وبالتالي اختلال هيكل التشغيل الذي يشكل المظهر الثالث من مظاهر التشوه. وثالثاأحادية هيكل التجارة الخارجية المتمثلة في تصدير عدد محدود من الموارد والمنتجات، فعل واقع السيطرة والاندماج مظهرا آخر من مظاهر التشوه.

   وجه الاستعمار الفرنسي استثماراته إلى القطاعات التي تحقق غرض الارتباط والتبعية وتحقيق المصالح فقط، فقد تجلى ذلك بوضوح في انجاز بعض المشاريع المرتبطة بالبني التحتية للاقتصاد الجزائري، مثل خطوط السكك الحديدية، والموانئ البحرية والمطارات، وشق الطرق وبناء الجسور وغيرها من المشاريع المرتبطة بتنمية القطاع العصري الذي ينتج منتجات تلبي رغبات المعمرين داخليا وفي فرنسا، خصوصا في الجانب الفلاحي الذي تميز باستحواذ المعمر على أجود الأراضي وأخصبها، مستعملا فيها الوسائل والمعدات الحديثة. بينما تركت الأراضي الوعرة والبور للجزائريين لاستغلالها في الزراعات المعاشية. وهذا يبين لنا الانفصال الواقع بين القطاع الحديث العائد للأوربيين والقطاع التقليدي الذي يعتمد على الوسائل البدائية في الاستغلال، والعائد للجزائريين.

 

        اتسم الوضع في الأرياف بخصائص اجتماعية واقتصادية، أقل ما يمكن أن يقال عنها، أنها غير طبيعية. واهم هذه الخصائص[9]:

        1 ـ وجود أقلية من المعمرين الأوربيين الذين استحوذوا على أجود الأرضي وأخصبها ويجنون من استغلالها 78% من داخل الجزائر من الزراعة.

        2 ـ وجود أقلية تقدر بـ 5%من سكان الأرياف من كبار الملاك المسلمين الذين يجنون نسبة 13% دخل الجزائر من الزراعة.

        3 ـ اضطرار أغلبية تشكل 95% من سكان المنطقة الزراعية من المسلمين إلى تقاسم حصة لا تزيد عن 9% من مجموع دخل البلد من الزراعة.    

 

        جاءت إستراتجية التنمية في الجزائر معتمدة على التصنيع وتحديدا الثقيل، والذي بفضل ما له من ميزات (إنتاج سلع الإنتاج) كفيل بان يطور الزراعة عن طريق إمدادها بالمعدات والأسمدة، ومن جهة أخرى يستخدم المواد الأول المتوفرة في البلاد (الحديد، الغاز، البترول،...الخ). وبذلك يحقق التكامل بين القطاعات، كما يسمح بنشوء صناعات حقيقية معتمدة على منتجات الزراعة (الصناعة الغذائية)، ومنه تلبية الحاجيات الغذائية للسكان.

 

        مما سبق نصل إلى نتيجة مهمة، وهي أن قطبي التنمية الاقتصادية في الجزائر هما الصناعة والزراعة، اللذان لا يمكن أن ينفصل احدهما عن الآخر حسب ما حدده صُنّاع السياسة الاقتصادية في الجزائر في جميع مراحلها. فقد اقتنع كل واضعي سياسات التنمية في دول العالم الثالث ومنها الجزائر من أن الصناعة هي المخرج من التخلف الذي تعاني منه إلا أنها اختلفت في كيفية التصنيع، إلا انه بالنسبة للجزائر فان التصنيع الذي يكفل التكامل القطاعي هو طريق الصناعات الثقيلة.

 

        إن مفهوم التكامل والتصنيع يعود إلى أعمال الاقتصادي ف.بيرو الذي طور مفهوم الصناعة والتصنيع وأعطى لهذه الأخيرة مفهوما ديناميكيا يختلف عن مفهوم الصناعة حيث يقول : "إن الفرق الجوهري هو إقامة تلك الصناعات التي من شانها بعث نوع من العلاقات التكاملية وذات الثر التصنيعي فيما بين القطاعات الاقتصادية للبلاد"[10]. انطلاقا من أعمال كارل ماركس، بنى فريدمان هذا النموذج الذي يعتمد أساسا على التقنيات الحديثة خصوصا في فروع الإنتاج ذات الأولوية.

 

        اخذ ج.ديبرنيس بالأعمال السابقة كركيزة وضع من خلالها نموذجا يتماشى مع طموحات الدول النامية الهادفة إلى القضاء على التخلف الاقتصادي الذي تعانيه. وتجعل هذه الإستراتجية من الصناعات الأساسية حجر الزاوية والكفيل الوحيد لتصحيح الاختلالات التي خلفها الاستعمار ولكن دون إهمال الزراعة.

 

         وقد تبنت الجزائر هذا النهج وسعى المخطط الجزائري دائما إلى اقتناء المعدات ذات التكنولوجيا المعقدة، على الرغم من إمكانيات الاختيار التكنولوجي. وذلك انطلاقا من المبررات التي قدمها ج. دبرنيس والتي تحتم على الجزائر إتباع تلك الإستراتجية والتي أوجزها فيما يلي[11] :

1-النقص الكبير المسجل في اليد العاملة المؤهلة بين سنتي (1965-1975) الذي أدى إلى استعمال التقنيات الحديثة المتطورة وتركيز الاستثمار في شركات كبيرة.

2- ضرورة التحضير لتدير السلع الصناعية غير التقليدية.

3-استبعاد الحماية الصارمة المفروضة على الاقتصاد الوطني قصد الأداء الجيد لدواليب الإنتاج عن طريق شحنة من المنافسة الخارجية.

4- للتقنيات الحديثة الأثر الكبير في تحديث المحيط الاقتصادي والاجتماعي.

 

        كانت هذه منطلقات إستراتجية الصناعات المصنعة التي تبنتها الجزائر قبل الثمانينات. إلا أن المبررات التي قدمها ج. دبرنيس لم تتماش والواقع الجزائري مما جعله عرضة للانتقادات، وذلك لان التكنولوجيا المستخدمة لم يتم التحكم فيها مرحليا كما كان متوقعا، والتكامل القطاعي لم يتحقق. بالعكس ظل استيراد المعدات الصناعية مستمرا مما زاد من الارتباط بالخارج أكثر، أي أن التبادل القطاعي ظل محدودا رغم مرور فترة طويلة عن تطبيق هذه الإستراتجية، كما أن الصناعة الجزائرية لم ترق يوما إلى درجة التصدير، المبني على أسس اقتصادية بحتة بعيدة عن السياسة.

        إن إتباع الجزائر لهذا النموذج للتصنيع لم يكن له سلبيات لأنه مكنها بناء عدة مصانع كبيرة، يمكن أن تكون منطلقا لبناء اقتصاد قوي لو أنها استُغلت استغلالا امثلا، واعتمدت على المردود الاقتصادي عوض المردود الاجتماعي، كما أن مثل هذه الصناعات مكنت الجزائر من التحضر المادي دون تغيير العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة، حتى لا نحكم على المرحلة كانت كلها سلبيات، إلا أن الواقع كشف عن اقتصاد هش خاضع للهزات، لارتباطه تمويلا بمصدر هو الآخر عرضة لعدم الاستقرار وهو البترول.

 

        اتسمت الفترة بين سنتي 1967- 1979 بالمخططات الثلاثة، حيث اتضحت فيها معالم إستراتجية التنمية الاقتصادية تطبيقا، منحت فيها القيادة لقطاع الصناعات الثقيلة على حساب الزراعة، لما لها من قدرة على تحقيق التكامل الاقتصادي، نظرا للروابط الأمامية والخلفية التي تميزت بها، وذلك باستخدام مدخلات مناجم الحديد والمحروقات لإنتاج وسائل الإنتاج خصوصا الفلاحية، وكرست لها مبالغ كبيرة وجهت إلى الصناعات الأساسية، خاصة قطاعي النفط والصلب لاعتبارهما الفرعين الأساسيين للتصنيع ولتمويل التنمية[12].

 

ولإبراز وزن الصناعات الثقيلة ضمن مجموع الاستثمارات الموجهة للصناعة نورد الجدول التالي:

        يتبين من الجدول (1) الدور الذي مُنح للصناعة وتحديد الصناعات الأساسية وبالتالي هذا يترجم إستراتجية التنمية المعتمدة على الصناعات المصنعة.ويمكن إن نلاحظ ما يلي :

1-إن الاعتماد على الصناعة في تزايد خلال المخططات على حساب القطاعات الاقتصادية الأخرى إذ أنها خصص لها نسب 43.4% و44.7% و51.6 بالمائة عبر المخططات على التوالي. معنى ذلك إن الفارق الذي يمثل 56.6%  و55.3% و48.4 بالمائة على التوالي خصص لمجمل القطاعات  الاقتصادية الأخرى.

2-إذا أوردنا النسب المخصصة للزراعة على سبيل المقارنة فقط فقد كانت كالتالي: في المخطط الرباعي الأول 14.8% والمخطط الرباعي الثاني 10.9% فنجد أن حصتها في تناقص مستمر رغم اعتبارها والصناعة كل متكامل لا يمكن الاستغناء عنها نظرا للدور الريادي الذي كانت تلعبه سابقا.

3- انعكس تناقص الاستثمارات في القطاع الزراعي سلبا على الاقتصاد الوطني  من حيث المردود إذ بتراجع الاستثمارات تراجعت الإنتاجية، وهذا أدى إلى ارتفاع الواردات من المواد الغذائية هذا من جهة. ومن جهة أخرى أدت إلى إعادة تشكيل هيكل العمالة في الاقتصاد الوطني، لما كانت الزراعة تمتص القسم الأكبر من العمالة تركت هذا الدور للصناعة، لكن امتصاص هذه الأخيرة لليد العاملة كانت بمعدلات اقل من الزراعة، ورغم ذلك ظل الاستخدام الزراعي مرتفعا ولكنه استخدام تضخمي.

4-رغم محاولة القيادة الجزائرية التقليل من مكانة المحروقات في هيكل الصادرات إلا أن المحاولات باءت بالفشل لاعتبارها المصدر الأول للقطع النادرة (للعملة الصعبة).

 

        ظهرت وثيقة أخرى خلال هذه الفترة وتحديدا سنة 1976 وهي الميثاق الوطني الذي زاد من تركيز الإستراتجية المتبعة. فقد أبرز الميثاق الوطني الدور الملقى على عاتق الصناعة، وهذا رغم تطرقه إلى دور الزراعة التي سبق إصلاحها في ميثاق الثورة الزراعية لسنة 1971، ولم يكن هذا كافيا لتأخذ المكانة الحقيقية لها، إذ ورد في الميثاق الوطني الحديث عن الصناعة، المعتمدة على التكنولوجيا المتطورة، بإقامة الصناعات الأساسية التي تشكل دعامة التصنيع الحقيقي كما تشكل احد الشروط اللازمة لضمان الاستقلال الصناعي[13].

 

        وجاء فيه أيضا "...وهكذا فان الصناعات الأساسية مثل التعدين ومصانع الآلات الميكانيكية والكهربائية والالكترونية وصناعة السفن البتروكمياوية وكيمياء المواد الأساسية، تقوم بدور استراتيجي حاسم لأنها تؤمن استقلال الصناعة الوطنية وبالتالي استقلال البلاد ذاته"[14].

 

          عند قراءتنا لهذه الأسطر الواردة في الميثاق الوطني نجد أن مثل هذا التوجه الاقتصادي كان ناجحا في فترة تاريخية معينة، اتسمت بارتفاع أسعار البترول التي سمحت للبلاد بالحصول على العملة الصعبة وسهل لها سبل الحصول على القروض لتوفر وسائل التسديد، ولكن ذلك لم يدم طويلا، لان السياسة الاقتصادية في الجزائر كانت تحوي الكثير من التناقضات، والبعد عن الموضوعية الاقتصادية، حيث أنها اعتمدت على تكنولوجيا كثيفة رأس المال مع العدد الكبير من السكان وندرة الإطارات الكفيلة بالاستخدام مع الحديث عن الاستقلال الاقتصادي في عالم تسيطر فيه الدول الغربية على 99% من المعرفة التكنولوجية.

تحولت الجزائر وفي هذه الفترة إلى سوق للمصنوعات وليس بلد صناعي أمام الحشد الكبير من المعدات والآلات المتطورة والمؤسسات ذات الحجم الكبير مع الأداء الضعيف.

 

        نجد في فقرة أخرى من ميثاق الوطني "والواقع أن الصناعات ذات المستوى التكنولوجي العالي سواء كثر عدد عمالها أو قل تقوم بدور رئيسي في نهضة الإنسان"[15].

        إن الامتياز الذي منحته التنمية لكل من قطاع المحروقات قصد الزيادة من صادراته وللصناعة أدى بسرعة إلى ظهور اختلالات في الاقتصاد أهمها :

1-زراعة منكمشة وندرة في المواد الغذائية (بدأت الجزائر منذ ذلك الحين تستورد كميات كبيرة من الحبوب والألبان والمواد الدسمة).

2-صناعة خفيفة جد قليلة وظهور ندرة في المنتجات الصناعية ذات الاستهلاك العريض (ظهور اقتصاد تحكمه الندرة والسوق السوداء).

        دفع الاقتصاد الجزائري فاتورة الاعتماد على التصنيع الأساسي غاليا ويبرز ذلك من خلال :

1-التكلفة البشرية التي أحدثها تحويل مجتمع من زراعي إلى مجتمع صناعي بسرعة، لان ذلك معناه التحويل الجذري للبنية الاجتماعية القديمة (التفكك الاجتماعي عن طريق الهجرة، تغيير العادات الاستهلاك،...الخ)، كما أن تحويل الفلاحين إلى صناعيين يستدعي بالضرورة إيجاد مؤسسات اقتصادية واجتماعية جديدة لتشجيع الاستثمار وتحضير المجتمع لاستيعاب التصنيع.

2-عدم كفاية البنية التحتية الاجتماعية التي تصاحب التوجه إلى التصنيع (وسائل نقل، السكن)

3-الحاجة إلى رفع معدلات التراكم على حساب الاستهلاك، وهذا العامل هو الذي يجعل ثمن التصنيع مرهق لأنه يلعب دورا عكسيا ورفاهة المجتمع التي يرمي إليها المخطط، مما أدى إلى ضغط النفقات الاستهلاكية لمواكبة المعدل المتسارع للاستثمار.

4-التكلفة المالية التي تتجلى في ارتفاع تكلفة المنتوج، استيراد جميع وسائل الإنتاج وتكلفتها المرتفعة، وتمويل الاستثمار المعتمد على الاستدانة, وأن الاختيار التكنولوجي لا يتماشى وحجم السوق المحلية، وعدم إمكانية التقدير لارتفاع أسعار المنتجات نظرا لما سلف ذكره.

        بالرغم من المكانة التي منحت للتصنيع خلال مخططات التنمية إلا انه لم يحقق الأهداف التي كانت مرجوة من وراء ذلك، وظل مفهوم التصنيع بالنسبة للجزائر تطبيقا عبارة عن حشد كبير من المعدات التكنولوجية أي معدات صناعية وليست تصنيع وذلك للأسباب التالية[16] :

1-نقص المهارات والكفاءات التي لم تأخذ بعين الاعتبار، حيث ظل التكوين والتعليم الجامعي في واد وحاجيات الاقتصاد الوطني في واد آخر.

2-ضيق السوق المحلي وعدم التمكن من المنافسة الخارجية.

3 ـ غياب التكامل بين القطاعات الذي من المفروض أن تقوم به الصناعة، وبقي التبادل بين مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني محدودا، وهذا يعود إلى عدة السباب أهمها عدم مسايرة الأنماط التكنولوجية المستوردة، والذي يعود أساسا إلى الطرق المتبعة في الحصول على المعدات التكنولوجية، والتي نوردها فيما يلي:

 

  1- طبيعة التكنولوجيا المستوردة : لا يمكن أن نغفل في هذا الإطار طرق نقل التكنولوجيا، أي شروط إنشاء المشاريع الصناعية في الجزائر، حيث أن اعتماد التصنيع الثقيل يستلزم بالضرورة الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، وهذا دفع بالجزائر إلى الاعتماد على الشركات متعددة الجنسيات كونها المسيطر على سوق المعدات. وأدى هذا خلال الفترة 1967- 1978 بالجزائر إلى توقيع ما يقارب من 90 عقدا مع الشركات المتعددة الجنسيات التي انتهزت الفرصة كي تطبق لأول مرة تكنولوجيا لم تبرهن على فوائدها في الدول الرأسمالية.(1)وكانت الجزائر تفضل عقود المشاريع الجاهزة للعمل خاصة في عام 1975 بسبب ضعف الكادر المحلي والضعف الأولي لإنتاج السلع الرأسمالية والتعقيدات الإدارية، والجدول (2) يبين طرق انجاز المشاريع الصناعية في فترة (1970-1973).

 

        الملاحظ أن 67% من المشاريع الصناعية خلال الفترة (70-73) أنجزت عن طريق "المفتاح في اليد" إلا أن الجزائر لم تقف عند هذا الشكل من استيراد التكنولوجيا نظرا للمشاكل التي تعرضت لها خلال هذه المرحلة، وسعيا منها للحصول على أفضل الشروط تبنت في انجاز مشاريعها طريقة "المنتوج في اليد" وتعدت هذه الصيغة إلى طريقة "المنتوج في السوق" أو "السوق في اليد" خاصة في المشاريع الكبيرة التي تحتاج بالضرورة لتصدير جزء من منتجاتها، وتعد هذه الصيغة أعلى صيغ الاستيراد التكنولوجي والتي دعمت التبعية التكنولوجية للخارج باستمرار الاعتماد عليه في استيراد بعض المنتجات التكنولوجية وتكوين اليد العاملة، التنظيم، التسيير، مراقبة الجودة.

 

        سبقت الإشارة إلى أن إقامة المشاريع المعتمدة على تكنولوجيا متطورة تحتاج وفرة اليد العاملة المؤهلة ولكن افتقار الجزائر كغيرها من الدول النامية إلى مثل هذه العمالة ألجأها إلى تغطية الفارق بالاستعانة باليد العاملة الأجنبية، فعوضا أن تستورد معدات تكنولوجية فإنها بالموازات تضطر إلى استيراد الخبرات وبذلك تكون الفاتورة مضاعفة، والجدول (3) يبن لنا الاحتياج في اليد العاملة الماهرة والمتوفرة وطنيا وذلك سنة 1976 (خلال المخطط الرباعي الثاني). حيث نلاحظ الفارق الكبير المتوفر من اليد العاملة الماهرة وبين الاحتياجات والتي تمثل حسب قطاعات النشاط الاقتصادي، المحروقات1.35%، قطاع سلع الإنتاج 10.37%، قطاع سلع الاستهلاك 32.77% وبالتالي فان الفارق الاحتياج يلجا إلى الخارج لتغطيته حتى لا تتعطل دواليب الإنتاج، خصوصا بالنسبة لقطاع المحروقات الذي يعد الحصان الذي تراهن عليه الدولة من اجل تمويل استثماراتها.

 

        رافق هذا التطور السريع في المجال الصناعي إهمال كبير للزراعة رغم التغيرات الهيكلية التي أدخلت عليها خلال تطبيق الزراعية والتي لم تتعد مجال إعادة الهيكلة المؤسساتية، وازدادت فاتورة الغذاء ارتفاعا، مما جعل الجزائر وهي تبحث عن الاستقلالية في المجال الصناعي تزداد تبعية وتخلق تبعية أخرى في المجال الغذائي وهي اخطر من التبعية الأولى. ولم تكن النتائج المحققة في تلك الفترة سلبية فقط، ولكن نظرتنا نقدية وليست اطرائية، نظرا لمشاكل التي لا يزال الاقتصاد الوطني يتخبط فيها لحد الآن.

كان أداء الصناعات القاعدية هزيلا مقارنة بالمبالغ المالية التي خصصت لها في أواخر السبعينات وكانت كما يلي :

- المخطط الثلاثي 52%، - المخطط الرباعي الأول 44%، - المخطط الرباعي الثاني43.5%

 

        وكانت حصة الصناعات القاعدية بما في ذلك صناعة الهيدروكربونات والصناعات الميكانيكية والكهربائية وصناعة مواد البناء 98.5% و86% في المخططين الرباعيين الأول والثاني وبينما لم يخصص للصناعات الخفيفة إلا 08% من الاستثمارات، ورغم النمو المتواصل في مستويات الإنتاج الوطني إلا أن هذا لم يستطع تغطيت احتياجات المحلية من المنتجات الصناعية إذ ارتفعت الواردات السنوية من المعدات من 6000 مليون دينار جزائري عام 1963الى 9.7 بليون دينار جزائري عام 1976 وذلك يعادل نصف الواردات الكلية. تعرضت تجربة الجزائر لعدة مشاكل مما اضطر المخطط إلى إعادة النظر في إستراتجية التنمية بعد الثمانينيات وذلك تحت ضغوطات  داخلية وخارجية.

 

ثالثا ـ نتيجة تطبيق الإستراتيجية الصناعات المصنعة في الجزائر : يمكن أن نلخص وضعية الصناعة الجزائرية قبل الثمانينات، أي في فترة تطبيق إستراتيجية الصناعات المصنعة فيما يلي :

        يشير واقع الصناعة الجزائرية وما تتصف به من خصائص بمجملها إلى ضعف هذه الصناعة وتأخرها عن مواكبة التطورات العالمية في بعض الجوانب، مما يجعلها غير قادرة على الاستمرار والمنافسة، إذا ما بقيت على وضعها الراهن، الأمر الذي يفرض ضرورة ملحة لإعادة هيكلتها بما يتناسب مع التطورات الحاصلة في هذا المجال، لكي تتمكن من الاستمرار والصمود أمام التحديات المقبلة.

         ويتسم التصنيع في الجزائر بجملة من الخصائص تتعلق بصلب العملية التصنيعية، ومنها بعض الصفات التي رافقت عملية التصنيع منذ بدايتها فأصبحت وكأنها من ضمن الخصائص التي تتميز بها الصناعة في الجزائر وتتجلى هذه الخصائص في النقاط التالية[17] :

1 ـ  ضعف الإنتاج الصناعي : لا تزال مساهمة الصناعة التحويلية متواضعة في الإنتاج المحلي الإجمالي، لا تتعدى 13%، وتأتي في المرتبة الثالثة أو الرابعة بعد الزراعة والصناعات الاستخراجية وقطاع الخدمات والتجارة، إضافة إلى هذا الضعف الكمي لم تستطع أن تصنع سلعا إستراتيجية تسمح لها بأن تحتل مركزا خاصا في السوق الدولية، حتى في تلك الصناعات التي زاولتها منذ فترة طويلة بداية انطلاق العملية التنموية، إذ لم تستطيع التخصص بها وإنتاجها بكميات كبيرة وأذواق متطورة وجودة متميزة، بل انحصر تطور هذه الصناعات بتطور الاستهلاك السائد في السوق المحلية، أي التوجه للداخل، وهكذا اضطرت الصناعة التحويلية المحلية، لأن تكون سجينة السوق الذي تعمل له ومحدودة حسب الطلب المتيسر داخل حدوده، محاولة فرض نفسها على المستهلك في ظل الدعاية التي تتمتع بها، حتى بعض الصناعات التصديرية بقيت رهينة السوق الذي تعمل له وتصارع فيه، لأجل بقائها لأنها بقيت تنتج للطلب المتوفر  فيه، غير متجرئة على الذهاب أبعد من ذلك مستفيدة غالبا من بعض الاتفاقيات الثنائية أو الدخول إلى الأسواق السهلة، وبالتالي لم يتكون لديها الحافز لزيادة إنتاجها وتطويره كما ونوعا.

2 ـ  ضعف الأداء وانخفاض الإنتاجية الصناعية : تتجلى أهمية قياس الإنتاجية كونها دعامة أساسية لقياس نتائج الأداء (كميات الإنتاج، القيمة المضافة ،الربح ..). وأداة هامة لترشيد القرارات على مستوى المؤسسة أو على مستوى الاقتصاد الوطني ككل، وهي تعبر عن النسبة بين كمية المخرجات التي أنتجت خلال فترة زمنية معينة وكمية المدخلات التي استخدمت في تحقيق هذه المخرجات، سواء كانت كمية الإنتاج أم القيمة المضافة المتأتية عن هذا الإنتاج. وتتصف الصناعة الجزائرية، عموما شأنها في ذلك شأن كثير من البلدان النامية بضعف الأداء وانخفاض الإنتاجية لجميع عناصر الإنتاج أي بضعف الإنتاجية الكلية.

3 ـ  الحماية وضعف القدرة على المنافسة : لقد نشأت الصناعة الجزائرية ضمن أسوار من الحماية المطلقة أو شبه المطلقة، وانحصر عملها بشكل أساسي لتلبية الطلب المحلي ضمن السياسات الصناعية السابقة، وعملها في ظل هذه الظروف لفترة طويلة نسبيا جعلها تتأقلم مع السوق الداخلية من حيث نوعية الإنتاج وأذواق المستهلكين، بالإضافة إلى الاطمئنان إلى عدم منافستها من أي منتوج آخر داخل السوق، مما دفعها لاحقا إلى عدم الاهتمام بتطوير المنتوج وتحسين نوعيته، وفقدت القدرة على التعامل مع الأسواق الخارجية والتعرف على طبيعتها، لذلك ليس من السهل إعطاء تقويم دقيق للقدرة التنافسية لمنتجات الصناعة التحويلية الجزائرية في السوق المحلية، بسبب المستوى المرتفع من الحماية وحتى السلع التي يتم استيرادها يتم تبادلها من خلال اتفاقيات حكومية، يفرض عليها في الغالب رسوم جمركية مرتفعة أو ضرائب أخرى تحد من قدرتها على منافسة المنتوج المحلي، بحيث يصعب في مناخ كهذا تقويم القدرة الحقيقية للمنتج المحلي على منافستها. إن أسوار الحماية التي تمتع بها القطاع العام الصناعي لم تحقق الهدف والغاية التي وجدت من أجلها، بل كانت النتائج عكس ما أريد وكانت نتائجها السلبية أكبر على القطاع الصناعي العمومي بحيث وصل إلى مرحلة يعاني من مشاكل عديدة كتدني مواصفات السلعة المنتجة، والارتفاع في كلفة الإنتاج،  وآلية عمل اقتصادي وإداري سمتها الأساسية البيروقراطية، وتدني مستوى الكفاءة والخبرة في التعامل مع السوق بقوانينها ومتغيراتها.

        وخير ما يعكس هذه المشاكل وغيرها تزايد مستوردات القطاع العام الصناعي، وانخفاض حجم صادراته، إلى أن بدأت الدولة بتشجيع القطاع الصناعي الخاص وإعطائه دورا كبيرا أدى إلى كسر احتكار القطاع العمومي للسوق وأدخله في منافسة لم يكن مهيئا لها مع القطاع الخاص المحلي، مما زاد من مشاكله في البداية، وبدأ يحاول تحسين قدرته على المنافسة، وتطوير آليات عمله بما يتناسب وظروف المنافسة المستجدة، لكن هذا لا يخفي حقيقة أن القطاع العام الصناعي مازال يعاني من المشاكل السابقة، كما أن الوضع يختلف من قطاع إلى آخر ومن مؤسسة إلى أخرى، إلا أن وجود هذه المشاكل وتراكمها مازال واقعا يدل عليه، وربما كانت بعض مؤشرات الأداء الاقتصادي للقطاع الخاص أفضل نسبيا من مؤشرات القطاع العام المشابهة إلا أن زيادة حدة المنافسة في السوق المحلية والعالمية أظهر بعض السلبيات غير المشجعة مثل  توقف بعض المؤسسات عن الإنتاج وإجراء تخفيض إرادي لمستوى استغلال الطاقات الإنتاجية المتاحة، والمطالبة باستمرار الحماية للإنتاج المحلي من قبل بعض المنتجين.

        كل ذلك يؤكد ضعف القدرة التنافسية لمنتجات الصناعة التحويلية الجزائرية وعدم قدرتها على الصمود والاستمرار في مواجهة المنافسة الخارجية.

 4 ـ  العلاقة مع السوق الخارجية : إن التوسع في السياسة الصناعية التي تبنتها الجزائر منذ انطلاقا العملية التنموية وبخاصة ما يتعلق منها بالصناعات المقامة، قد زاد من حجم المستوردات،كما زاد من اعتماد هذه الصناعة على السوق العالمية لتأمين مستلزماتها من مواد أولية والتجهيزات والمساعدة الأجنبية، وكذلك في مجال تجديد وتطوير تكنولوجيا الإنتاج الخاصة بها، مما زاد من مشاكل التعامل مع هذه السوق بتقلبات أسعارها وشروطها المجحفة في كثير من الأحيان.

5 ـ  ارتفاع كلفة الإنتاج وعدم الاهتمام بالنوعية : تتميز الصناعة الجزائرية بشكل عام بارتفاع كلفة منتجاتها عن مثيلاتها في السوق العالمية وحتى المنتجات المشابهة لها في الدول النامية، ومنها الدول العربية، وهذا ما يشكل عقبة صعبة أمام وصولها إلى الأسواق الخارجية، بل وحتى المنافسة في سوقها الداخلية، وتعود التكلفة المرتفعة للمنتجات الصناعية الجزائرية إلى عدة أسباب أهمها :

   - عدم التمكن من استخدام كامل الطاقات الإنتاجية المتاحة، حيث تصل نسبة الاستخدام إلى اقل من النصف في بعض المؤسسات الصناعية.

   - اختيار أحجام غير ملائمة للمؤسسات الصناعية بخاصة في القطاع العام.

   - الإنتاجية الضعيفة للعمالة .

   - الارتفاع المصطنع في أسعار بعض المواد الأولية الداخلة في العملية الصناعية نتيجة سياسة الأسعار.

        إضافة لذلك تعتبر العملية الصناعية عملية كمية، وليست عملية نوعية، أي أنها تركز اهتمامها على الإنتاج الكمي مع إهمال النوعية أو إلى اهتمام ضعيف بنوعية المنتوج، والعمل على تطويره بما يتفق مع تطور أذواق المستهلكين، فالعالم يشهد تغييرا هائلا ومتسارعا في تطوير الإنتاج ومواصفاته، ولا تزال مسألة التكلفة والنوعية قائمة وتشكل أحد أهم التحديات التي تقف أمامها الصناعة الجزائرية.

6 ـ الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة : لقد أجرت الثورة التكنولوجية تغييرا جذريا في عالم الصناعة، فأدخلت عليها أساليب حديثة في عملية الإنتاج والإدارة والتسويق، وبخاصة في خلق سلع وخدمات جديدة، ولا يقتصر أثر التكنولوجيا في إحداث تغيرات بنيوية واجتماعية فحسب، بل تغيرات أخرى تمس الأفراد وعلاقاتهم الإنسانية وأسلوب عملهم وما يهم هو ما أحدثته وتحدثه التكنولوجيا في عالم الصناعة من تغيرات جذرية عديدة تتعلق بـ : ـ

 

-       الآلات والمعدات والتجهيزات المساهمة في عملية الإنتاج.

-       طرق العمل وأساليب الإنتاج، وغرضها تحسين الإنتاج من حيث الكلفة والنوعية.

-       العلاقات العمالية المنظمة للعمل ورأس المال.

-       خلق صناعات جديدة تنتج سلعا وخدمات عديدة لم تعرف من قبل.

 

         وبذلك فإن تقدم الصناعة مرتبط بل مرهون بتقدم التكنولوجيا، وما يرتبط بها من معرفة وبحث علمي، كما أنها مدينة لها بكل ما حققته وستحققه، لكن الصناعة في البلدان النامية مدينة  إلى عملية نقل التكنولوجيا المكتشفة والمطبقة في البلدان الصناعية، التي أخضعت عمليات نقلها إلى قنوات مختلفة تستطيع عن طريقها استغلال هذه التكنولوجيا للحصول على عوائد ومكاسب عديدة مكلفة جدا للبلدان المستوردة التي تنقل التكنولوجيا عن طريق الحصول على الآلات والمعدات والتجهيزات الحديثة، أو وثائق براءة الاختراع والعلامات التجارية والنماذج الصناعية، إضافة إلى المساعدات والدراسات الفنية لكن عملية نقل التكنولوجيا، لا تقتصر على اقتناء هذه الآلات والوثائق بل تتطلب تطويع هذه التكنولوجيا وتفهمها واستيعابها وتطويرها لتستثمر بكامل طاقاتها وبما ينسجم مع البيئة التي تعمل بها. إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، حيث أخذت عملية نقل التكنولوجيا شكل عملية التقليد، ولم يتم في أغلب الأحيان اختيار التكنولوجيا حسب متطلبات البيئة، بل تم اللجوء إلى جهات خارجية لدراسة المشروعات الصناعية وتحديد أنواع الآلات والتجهيزات وطرق التشغيل والصيانة، وبالتالي لم يتم استيعاب وتطويع هذه التكنولوجيا بما يناسب البيئة المحلية، والعمل على تطويرها أو إعادة إنتاجها بشكل آخر، وبذلك بقيت الصناعة مرهونة بكل تطور تجريه أو حتى عملية الاستبدال والصيانة للتكنولوجيات المستوردة.

 7 ـ  عدم مرونة الجهاز الإنتاجي : يجب أن يتمتع الجهاز الإنتاجي بالمرونة الكافية التي تكسبه القدرة على زيادة الإنتاج في حالة زيادة الطلب، وكذلك القدرة على التكيف مع التغيرات والتطورات الحاصلة، سواء على أسلوب الإنتاج أو على بنية ونوعية المنتوج، وذلك بإجراء تعديلات بسيطة وغير مكلفة في عملية الإنتاج، وهذا يتطلب استخدام تكنولوجيا حديثة ومرنة يمكن استخدامها فيإنتاج أكثر من منتوج وبنوعيات ونماذج مختلفة، من خلال تعديلات معينة في طريقة عمل هذه التكنولوجيا، وهذا ما لا نجده في الصناعة الجزائرية حيث تستخدم تكنولوجيا متقادمة بطيئة لا تتوفر فيها المرونة، لإجراء أي تعديلات في عملية الإنتاج، وإن حدث وحصل ذلك فإنه يتطلب تغييرات كبيرة ومكلفة، وهذا ما يشكل عقبة كبيرة أمام الصناعة المحلية في تحولها إلى الإستراتيجية الصناعية من اجل التصدير، لأن هذا التحول في الإستراتيجية الصناعية يتطلب جهاز إنتاجي مرن قادر على التعامل مع هذا التحول، وتوفير متطلباته من حيث طبيعة المنتجات ونوعيتها وجودتها.

 8 ـ  العملية الصناعية المتجزئة : إن العملية الصناعية بطبعتها عملية متكاملة متشبعة تشمل على جوانب عدة :

-    عملية الإنتاج نفسها بما فيها من زيادة الإنتاج وخفض تكاليفه والأخذ بعين الاعتبار الدور الذي يلعبه في الدورة الاقتصادية (الاستهلاك )، وكذلك الدور التنموي (التراكم الرأسمالي).  

-         عملية نوعية تستوجب تحسين  نوعية وجودة الإنتاج وتطويره باستمرار.

-    عملية محرضة لعمليات أخرى تكون مشتقة منها ومكملة لها، تدعم العملية الأساسية فتضع لها مخرجات مختلفة وتزودها بمدخلات صناعية عديدة، وتمكنها من لعب دور رئيسيا في مضاعفة وخلق صناعات جديدة.

-    عملية مرتبطة بعملية الإعلام والتسويق التي أصبحت من الأهمية بمكان، حتى أنها فاقت عملية الإنتاج نفسها، لأن المهمة الأساسية والشاقة أصبحت تصريف الإنتاج وبيعه.

        بينما نرى أن العملية الصناعية في الجزائر مازال ينظر لها على أنها عملية إنتاجية فقط، همها تحقيق كمية معينة من الإنتاج دون الاهتمام بنوعية الإنتاج وتكاليفه أو حتى الكيفية والأسلوب المتبع في تصريفه، بالإضافة إلى كونها عملية منفصلة عما حولها حيث نلاحظ ضعف الترابط والتكامل بين الصناعات القائمة ومنفصلة أيضا عن عملية الإعلام والتسويق التي أصبحت إنجازا متمما وملازما لعملية الإنتاج.

 

الخلاصة : لقد أدى الوضع السابق للصناعة الجزائرية إلى ضرورة الإصلاحات وقد قامت الجزائر بمحاولات ذاتية لقناعة من القيادات السياسية إلى أن الوضع يجب أن يتغير، لذا جاءت الإصلاحات الإدارية المتمثلة في إعادة الهيكلة واستقلالية المؤسسات، والتي تمت تحت ضغط الأوضاع الداخلية، خصوصا أحداث 1988 لما لم تؤد هذه الإصلاحات ما هو منتظر منها، اضطرت الجزائر إلى التوجه للمنظمات الدولية من اجل إنقاذ اقتصادها من الإفلاس، فكان تطبيق الإصلاحات المدعومة من طرف البنك الدولي والصندوق الدولي في فترة التسعينات. بهذا نصل إلى أن الاختيار الاستراتيجي للتنمية في الجزائر خلال فترة 1965 ـ 1979 كان له الأثر في الوضعية التي آلت إليها الصناعة الجزائرية.  

 



الجداول الملحقة :

 

الجدول(1) توزيع الاعتماد المالي الصناعية خلال المخططات:الثلاثي والرباعي1و2

حصة الصناعات الأساسية

الحصة الإجمالية للصناعة

المخطط

88.7

43.3

الثلاثي

86

44.7

الرباعي الأول

88

51.6

الرباعي الثاني

M.ELHOCINE BENISSAD, Economie de

développement de lُ Algérie /  p 47 المرجع :

 

الجدول (2) : طرق انجاز المشاريع الصناعية خلال

الفترة 1970-1973

النسبة

طرق الانجاز

37%

المفتاح في اليد(كاملا)

30%

المفتاح في اليد (جزئيا)  (تولى الطرف الوطني جانب

الهندسة المدنية وجزء من المعدات أنجز بوسائل وطنية)

07%

مسؤول المشروع جزائري له دور المجمع

(السلع الرأسمالية المتطورة من الخارج)

12%

الصيغة المختلطة (الشراكة بين مكتب

الدراسات ومسؤول المشروع جزائري وأجنبي)

04%

جميع الدراسات الهندسية من طرف المقاول الوطني

(التعاون مع مكتب دراسات أجنبي)

Marc Ecrement / op.cit /p:231 المرجع :

 

 

الجدول 3 : الاحتياج المتوفر في اليد العاملة المؤهلة سنة 1976

المتوفر سنة1976

الاحتياجات (1974-1977)

قطاع النشاط

50

450

350

3710

4342

1068

-المحروقات

-قطاع سلع الإنتاج

-قطاع سلع الاستهلاك

المرجع :                        Marc Ecrement / op.cit /p

 

 

 [1]ـ العشيري حسن درويش / التنمية الاقتصادية / دار النهضة العربية ـ بيروت ـ 1979 / ص : 102.

[2] ـ فتح الله ولعلو / الاقتصاد العربي والمجموعة الأوربية / دار الحداثة ـ بيروت / الطبعة الأولى / ص : 279.

[3] ـ نفس المرجع السابق / ص : 298. ( بتصرف )

[4] ـ صموئيل عبود / 5مشكلات أساسية لعالم متخلف / ديوان المطبوعات الجامعية ـ 86 / ص 116

[5] ـ نفس المرجع / ص : 115 ـ 117، ( بتصرف ).

[6] ـ مجموعة من الاقتصاديين / التنمية الاقتصادية الواقع الراهن والمستقبل / 1984 / مركز دراسات الوحدة العربية / ص : 46 ( بتصرف ) .

[7] ـ عبد الوهاب بن بريكة / السياسة الوطنية للاستيراد في الجزائر خلال الفترة 67 ـ 83 / رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم الاقتصادية ـ جامعة باتنة / سبتمبر 86 / ص : 8.

[8]-BENAOUDA HAMEL /Systeme productif Algerien et independance nationale / OPU algerie 1983/TOME 1/ P.136.

[9] ـ إسماعيل العربي / التنمية الاقتصادية في الدول العربية في المغرب / الشركة الوطنية للنشر والتوزيع / سنة 80 / ط2 / ص : 118.

[10] ـ عبد الوهاب بن بريكة / مرجع سابق / ص : 31.

[11]- M.Ehocine Benissad / La Reforme economique en Algerie ( ou l'indicible adjustement stricturel)/ 2 edition / OPU 1991 / P : 21.22.

[12] ـ إسماعيل العربي / التنمية الاقتصادية في الدول العربية في المغرب / ش.و.ن.و.ت ـ الجزائر / ط2 ـ 1980 / ص : 47

[13] ـ جبهة التحرير الوطني / الميثاق الوطني ـ 1976 / ص : 244.

[14] ـ نفس المرجع السابق / ص : 245.

[15] ـ نفس المرجع السابق / ص : 250.

[16] ـ ق.فاطمة / استراتيجية التصنيع / جريدة أحداث اقتصادية / العدد 30 ـ أوت 88 / ص : 22

[17] ـ زرقين عبود / الإستراتيجية الملائمة للتنمية الصناعية في الجزائر / www.uluminsania.net