سلطة قاضي الموضوع في اختيار القاعدة القانونية الملائمة لحل النزاعpdf

                                                           

   أ: زرقون نورالدين         

جامعة قاصدي مرباح ورقلة

ملخص :

يعطي المشرع لقاضي الموضوع، وفي سبيل الفصل في الدعوى المعروضة عليه سلطة اختيار القاعدة القانونية الملائمة لحل النزاع ، لكن يظهر أن هذه السلطة ليست واسعة في مطلقها ، حيث تتدرج من التقييد إلى التوسع ، ومن جهة أخرى فإن ممارسة هذه السلطة هي دائما تحت رقابة المحكمة العليا .

الكلمات المفتاحية :

ـ سلطة قاضي الموضوع ـ اختيار القاعدة القانونية الواجبة التطبيق ـ سلطة التفسير ـ السلطة التقديرية لقاضي الموضوع ـ رقابة المحكمة العليا ـ الرقابة على تطبيق القانون ـ الرقابة على تفسير القانون .

Résumé:

Lorsque le juge a donné aux faits leur exacte qualification, il lui reste à déterminer  l’effet juridique qu’elle doit produire. Dans certains cas la loi a attaché à la qualification un effet juridique nécessaire et le juge choisira inéluctablement la solution à donner au litige .Dans d’autres cas, au contraire, le juge du fond conserve un pouvoir d’appréciation qu’il peut exercer discrétionnairement. Et dans les deux cas, l’exercice de ce pouvoir est toujours sous le contrôle de la cour suprême.   

 

مقدمة:

يمر نشاط قاضي الموضوع بمناسبة فصله في الدعوى المعروضة عليه بثلاث مراحل ، مرحلة التحقق من الوقائع ، ثم مرحلة التكييف، لينتهي في المرحلة الثالثة إلى استخراج القاعدة القانونية الواجبة التطبيق، ليقوم أخيرا بإعمال أثرها الذي من خلاله يتم حل النزاع المعروض عليه ، حيث تعبر هذه المرحلة الأخيرة  عن أهم الأنشطة القضائية الموكلة إلى قاضي الموضوع، إذ تعد هذه المنطقة من النشاط القضائي منطقة قانون بامتياز.

إن ممارسة هذا النشاط القضائي المحض ،هو في الحقيقة تعبير عن استخدام قاضي الموضوع لسلطة من السلطات التي يمنحها له القانون ، وبالتالي فإن الإشكالية المثارة تتعلق بتحديد نطاق ممارسة   قاضي الموضوع لهذه السلطة، حيث يطرح السؤال حول التدرج في ممارسة هذه السلطة من جهة ، وحول مدى خضوع هذه السلطة إلى رقابة النقض من جهة أخرى؟

أولا: تدرج  سلطة قاضي الموضوع في اختيار الحل القانوني للنزاع

إن حل النزاع من طرف القاضي يتم من خلال تطبيقه للقاعدة القانونية الملائمة، وفي هذا الإطار يمكن أن نلاحظ أن سلطته تتدرج  حسب طبيعة القاعدة القانونية الواجبة التطبيق ، إذ تأخذ هذه السلطة ثلاث مستويات ، المستوى الأول تكون فيه هذه السلطة مقيدة، وهي في الحالات  المتعلقة بتطبيق قاعدة قانونية واضحة ، وفي المستوى الثاني يخفض المشرع شدة التقييد على سلطة قاضي الموضوع ، وهذا في الحالة التي تكون فيها القاعدة القانونية الواجبة التطبيق غير واضحة  حيث يتعين على القاضي القيام بتفسيرها قبل تطبيقها ، أما في المستوى الثالث فإن هذه السلطة تصبح واسعة ، حيث يترك فيها المشرع للقاضي حرية اختيار القاعدة القانونية الواجبة التطبيق .

01 : الحل القانوني يتمثل في قاعدة قانونية واضحة:

كثيرة هي القواعد القانونية التي تحدد سلطة قاضي الموضوع في إنزال حكمها على الواقعة محل النزاع ، بحيث تضع هذه القاعدة الحل أمام القاضي بوضوح، ولا تترك أمامه أي مجال للتقدير أو التفسير،فإذا خالف هذا الحل أو فسره على غير مقتضاه اعتبر مخالفا للقانون في حكمه ، واستحق نقضه من طرف المحكمة العليا، ولتوضيح هذا النوع من القواعد نضرب الأمثلة التالية:

 ـحالات البطلان المطلق التي جاء بها النص القانوني، والتي لا يمكن للقاضي أن يعمل فيها اجتهاده، حيث يتعين عليه الإلتزام بالتكييف وبنوع البطلان الذي وضعه المشرع ، من ذلك مثلا حالة انعدام الأهلية ، فقيام الصبي غير المميز بإبرام عقد هبة يرتب عليه المشرع  البطلان المطلق لهذا العقد،على أساس أن العيب الذي شاب العقد كان بليغا، إذ يكون قد مس أحد أركان العقد المتمثل في التراضي، فليس للقاضي هنا أن يقدر مدى مساس العيب بالمصلحة العامة، ليستنتج مثلا أن الأمر يتعلق بمصالح فردية ، ويطبق البطلان النسبي بدلا من البطلان المطلق، فمثل هذا الحل يختلف مع ما جاء به النص القانوني ، فضلا على أن مفهوم النظام العام قد يفرض نفسه بالنسبة لقواعد الأهلية موضوع هذا المثال1، فيكون دور القاضي هنا التصريح بالبطلان ،لأن العقد باطل في أصله، وترفع الدعوى أمام القاضي بصفة أصلية أو عن طريق الدفع ، حيث يكتفي القاضي بمعاينة أسباب البطلان وتنزع منه كل سلطة تقديرية كتلك التي يتمتع بها عند معاينته لعيوب التراضي 2 ، إذ ليس له الحق أن يرفض بطلان العقد بحجة أن طالب البطلان لم يصبه ضرر 3 وليس له الحق في أن يبحث في مدى حسن نية المطلوب ضده البطلان 4، بل يجب عليه أن يثير هذا البطلان من تلقاء نفسه، وهو يخضع في كل هذا لرقابة النقض5.

ـ إذا حدد القانون بصفة حصرية الأشخاص الذين يستفيدون بحق من الحقوق، فإن دور القاضي هنا يكمن في مراقبة ما إذا كان الشخص الذي يطلب التمتع بهذا الحق هو من الأشخاص المحددين حصرا بالقانون، فهنا لا يدخل في سلطة القاضي إقصاء هذا الشخص ، أو تمتيع شخص غير محدد بنص القانون من هذا الحق ،وهو في حكمه هذا يخضع لرقابة النقض 6.

ـ وإذا حدد القانون أجلا زمنيا محددا لمباشرة إجراء معين تحت طائلة سقوط الحق، فإنه ليس لقاضي الموضوع أن ينقص في هذا الأجل، أو يزيد فيه، حيث لا يملك أي سلطة تقديرية في إعماله لهذا الأثر المحدد قانونا، وتراقبه محكمة النقض في ممارسته لهذه القاعدة7.

ـ وإذا حدد القانون مثلا للقاضي الطريقة التي يتم بناء عليها حساب التعويض، فإنه لا يملك أن يتركها لصالح إعمال سلطته التقديرية 8، كما لا يمكنه تطبيقها في غير الحالات التي حددها المشرع لاستعمالها.

02:  الحل القانوني يتمثل في قاعدة قانونية غامضة (سلطة التفسير):

ـ  قد لا يصل قاضي الموضوع إلى الحل الوارد في القاعدة القانونية الواجبة التطبيق بسهولة ،نظرا لغموضها أو عدم وضوحها أو تناقضها مع قاعدة أخرى، ما يستتبع ذلك عمليا قيامه بعملية التفسير للوصول إلى الحل السليم للنزاع 9.

وحاجة قاضي الموضوع لتفسير القاعدة القانونية هي حاجة تمليها عليه عدة أسباب تتعلق بتلك القاعدة ، فالاقتضاب، والعمومية والتجريد ، والغموض ، والجمود ، والمحدودية تجاه كثرة الوقائع ، كلها خصائص تجعل من تطبيق القاعدة القانونية في عديد الحالات من طرف قاضي الموضوع لا يتم بشكل صحيح إلا إذا قام بتفسيرها التفسير السليم الذي يتماشى والغاية من تلك القاعدة 10.

   والتفسير هو عملية ذهنية منطقية، تؤدى بإتباع قواعد علمية، إلى تحقيق غرضه الذي يختلف باختلاف حالة النص ، وذلك لاستنباط حكمه لتطبيقه على الحالة الواقعية 11.

ـ إن قيام القاضي بتفسير القاعدة القانونية يعد من واجباته التي تفرض عليه بمقتضى وظيفته المتمثلة في إنزال حكم القانون على وقائع الدعوى المعروضة عليه ، حيث يقوم بهذا التفسير من تلقاء نفسه حتى ولو لم يطلب ذلك الخصوم12.

 

ـ ومن الأمثلة على الحالات التي يتعين فيها على القاضي إعمال جهده في التفسير:

ـ حالة الخطأ المادي وهو الخطأ الذي لم يقصده المشرع، ويتحقق هذا الخطأ إما بإيراد لفظ غير مقصود أو بسقوط لفظ من النص كان يلزم ذكره، بحيث لا يتم معنى النص إلا إذا حذفنا اللفظ الزائد غير المقصود في الحالة الأولى، أو أضفنا اللفظ الذي سقط سهوا في الحالة الثانية13.

ـ حالة الخطأ القانوني وهو الخطأ الواضح غير المقصود الذي تدل عليه القواعد العامة، بحيث لا يوجد أدنى شك في وجوب تصحيحه 14 .

ـ حالة الغموض وهي الحالة التي يوجد فيها نص لكن تحديد مفهومه وضبط معناه يستعصي على القاضي، سواء من الناحية القصدية ،أو من الناحية اللغوية ،أو كلاهما معا15 ،وهذه الحالة  تعتبر أكثر الحالات التي تؤدي إلى تذبذب الاجتهاد القضائي واضطرابه، حيث تظهر في صورة تعدد احتمالات الفهم لنص قانوني واحد ،مما قد يؤدي إلى تعدد احتمالات التصدي والمواجهة ، لذلك ينبغي على القاضي أن يؤسس اجتهاده على توضيح المفهوم الذي علق بذهنه من غموض النص بصفة أولية، ثم يتجه بالحل الذي يراه مناسبا في وحدة منطقية منسجمة16 ،ففي حالة الغموض يبحث القاضي عن الإرادة الحقيقية للمشرع، بعد أن عجزت عبارات النص ومفرداته عن الإعلان عنها صراحة 17 .

ـ حالة التعارض ويقصد بها وجود تناقض بين نصين تشريعيين يحمل كل منهما حكما يخالف الآخر، بحيث يستحيل الجمع بينهما ، والتعارض قد يكون بين نصوص تشريع واحد، وقد يكون بين نصوص تشريعين أو أكثر 18.

ـ و يضع الفقه عدة طرق للتفسير يستطيع القاضي الاعتماد عليها، فمثلا يضع الفقيهH.MOTULSKY خمسة طرق : ـ التفسير عن طريق العلم اللغوي أي عن طريق معنى الكلمات ـ التفسير المنطقي وذلك من خلال الغوص في جوهر القاعدة القانونية محل التفسيرـ التفسير النظامي وذلك من خلال البحث في مكانة القاعدة القانونية محل التفسير في النظام القانوني ـ التفسير التاريخي وذلك من خلال البحث في أصل القاعدة القانونية ـ التفسير الفلسفي وذلك من خلال البحث في الإيديولوجية المسيطرة على النظام القانوني 19.

ـ أما الفقيه السنهوري  فيذهب إلى أن تفسير النصوص الجديدة يجب أن يتم في ضوء القضاء والفقه اللذان نشأ في مصر في ظل التقنين القديم ، وبذلك يتصل الحاضر بالماضي ، ولا تنقطع  سلسلة التطور، ويضرب هذا الفقيه مثلا لتفسير القاضي لمعنى الطيش البين والهوى الجامح الوارد في نص المادة 129 من القانون المدني المصري،حيث أنه يجب على القاضي وفي سبيل تحديده لهذا المعنى أن يسترشد بالقضاء السابق، وأن يستعرض أمامه القضايا التي رفعت فعلا أمام المحاكم المصرية، فيصبح المعنى أمامه واضحا، وهو بعد ذلك يصبح في غنى عن الرجوع إلى الأمثلة الواردة في القضاء الأجنبي ، أو أن يرجع إلى النص الأجنبي رغم أنه مماثل للنص المصري، ليخلص هذا الفقيه في الأخير أنه يجب على قضاة مصر أن يلتزموا بالقضاء السابق والسير على المبادئ التي سبق أن قررتها المحاكم المصرية في وسطها المصري20.

ـ وإذ أننا لم نجد معالجة صريحة من طرف المشرع لمشكلة تفسير القانون وسلطة قاضي الموضوع إزاءها  إلى الحد الذي جعل أحد رؤساء المحكمة العليا يتساءل عن مدى إتباع القاضي الجزائري لمنهج واضح في التفسير يمكن أن نستنتج منه انتماءه إلى مدرسة محددة من مدارس التفسير21 ، إلا أنه يمكننا واستنادا لنص المادة الأولى من القانون المدني أن نستنتج أن المشرع قد تأثر في مجال التفسير القضائي بكل مدارس التفسير فأخذ بمدرسة الشرح على المتون فيما تنادي به من تفسير النصوص بمنطوقها وفحواها ، كما قبل بما سلمت به مدرسة البحث العلمي الحر من تعدد مصادر القانون وإعطاء القاضي بعض الحرية للتوصل إلى حل النزاع المعروض عليه مستهديا بمبادئ الشريعة الإسلامية وبالقانون الطبيعي وقواعد العدالة ، كذلك تأثر القضاء بالمدرسة التاريخية ولو بصفة غير مباشرة، وساير الظروف الاجتماعية والاقتصادية، حيث يقوم القاضي في هذا المجال بإنشاء قواعد قانونية تحت غطاء تفسير النصوص التشريعية22.

وهذا خلافا للمشرع التونسي الذي تصدى وبنصوص صريحة لهذه المسألة ، حيث نظمها بالمواد من 532 إلى 541 من مجلة الالتزامات والعقود ، فنص مثلا بالمادة 532 على أن نص القانون لا يحتمل إلا المعنى الذي تقتضيه عبارته بحسب وضع اللغة وعرف الاستعمال ومراد واضع القانون، ونصه بالمادة 534 على أنه إذا خص القانون صورة معينة بقي إطلاقه في جميع الصور الأخرى ونصه بالمادة 540 على أن ما به قيد أو استثناء من القوانين العمومية أو غيرها لا يتجاوز القدر المحصور مدة وصورة، ونصه بالمادة 538 على أن الممنوع قانونا لسبب معلوم يصير جائزا بزوال السبب ، ونصه بالمادة 541 على أنه إذا أحوجت الضرورة لتأويل القانون جاز التيسير في شدته ، ولا يكون التأويل داعيا لزيادة التضييق أبدا.

ـ أما بالنسبة لقضاء المحكمة العليا عندنا ، فقد اعتمدت على عدة طرف فقهية لأعمال سلطتها في التفسير ،حيث أخذت بأسلوب التفسير المنطقي للتعرف على إرادة المشرع، فمثلا عند تفسيرها  لنص المادة 30 من القانون 90-25 المتعلق بالتوجيه العقاري ، صرحت بأن  المشرع وإن كان نص على  أنه يجب على كل حائز لملك عقاري أو شاغل إياه أن يكون لديه سند قانوني يبرر هذه الحيازة أو هذا الشغل قاصدا بذلك شهادة الحيازة المنصوص عليها بالمواد 39 وما بعدها من نفس القانون إلا أنه لم يجعل من هذه الشهادة شرطا لممارسة دعاوى الحيازة التي تخضع لأحكام المواد 817 وما بعدها من القانون المدني23.

وأخذت المحكمة العليا بأسلوب التشبيه والمقارنة24 لتستنتج حق الجد في الزيارة تفسيرا لنص المادة 77 من قانون الأسرة25.

ـ كما يمكن أيضا للمحكمة العليا وفي تفسيرها لنص قانوني معين أن ترجع إلى الأعمال التحضيرية للقانون المنظم لذلك النص26 .

03: الحلول القانونية المتروكة لسلطة القاضي التقديرية

في هذا النطاق يتدخل المشرع ليفوض القاضي سلطة اختيار القاعدة القانونية الملائمة ، وذلك من خلال منحه سلطة تقديرية واسعة في تطبيق أحكام القانون ، حيث يعمل القاضي على جعل أحكام القانون تتماشى مع مقتضيات الظروف، فتكون أحكام القانون بذلك أداة طيعة في يد القاضي يطور بها القانون تطويرا مستمرا ، ويواجه بها ما يتغير من ملابسات وأحوال27 .

فعندما يتعلق الأمر بنصوص مكتوبة ،فإن المشرع ـ وفي بعض الأحوال ـ قد يمنح لقاضي الموضوع سلطة تقديرية معينة فيما يتعلق بتطبيق الحل القانوني الموجود في هذه النصوص28.

ولفهم هذه المسألة لا بأس أن نطرح الأمثلة التالية:

ـ نص المادة 177 من القانون المدني التي تجيز للقاضي بأن ينقص من مقدار التعويض، أو عدم الحكم به إذا كان الدائن بخطئه قد اشترك في إحداث الضرر أو زاد فيه.

ـ نص المادة 90 من القانون المدني التي تجيز للقاضي أن يختار بين إبطال العقد بناء على طلب المتعاقد المغبون بسبب وقوع إرادته تحت استغلال المتعاقد الآخر، وبين أن يكتفي بمجرد إنقاص التزام المتعاقد المغبون دون الحكم بإبطال العقد.

ـ نص المادة 107 ف 03 من القانون المدني التي تجيز لقاضي الموضوع بعد أن يتأكد من توفر حالة وقوع المدين في ظرف طارئ أدى إلى أن تنفيذ التزامه صار مرهقا، أن يحكم برد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول  .

ـ نص المادة 126 من القانون المدني التي تجيز للقاضي أن يحدد نصيب كل مدين بالمسؤولية عن الفعل الضار.

ـ نص المادة 561 ف 03 من القانون المدني التي تجيز للقاضي أن يزيد في الأجرة أو أن يفسخ عقد المقاولة بسبب انهيار التوازن الاقتصادي بين التزامات رب العمل والمقاول نتيجة حوادث استثنائية عامة لم تكن في الحسبان وقت التعاقد.

إذن ومن خلال هذه الأمثلة نلاحظ أن المشرع يساهم في منح القاضي سلطة تقديرية عندما يطرح أمامه حرية الاختيار بين العديد من الحلول القانونية الواردة في النص التشريعي ، أو عندما يترك له حرية التقدير بشأن تطبيق الحل الوارد في النص التشريعي أو عدم تطبيقه29، ومتى استعمل القاضي سلطته على هذا النحو وبين ذلك في أسباب حكمه، فإنه يكون قد التزم صحيح القانون ولا تملك جهة النقض إلا أن تؤيده في ذلك30.

ـ ففي مجال تحديد معايير إسناد الحضانة مثلا ، يضع المشرع ترتيبا معينا يلزم القاضي باحترامه، وفي المقابل يترك المشرع للقاضي مجال من الحرية في الخروج عن هذا الترتيب ،ولكن بشرط أن يكون هذا الخروج سببه مراعاة مصلحة المحضون31، وهنا نجد المحكمة العليا تحرص على مراقبة احترام قاضي الموضوع لهذا السبب، فمتى رأت أنه خالف الترتيب المنصوص عليه قانونا دون مبرر لامته على ذلك ونقضت حكمه 32ومتى رأت أن خروجه مبرر بمصلحة المحضون وافقته على ذلك وأيدت حكمه33.

أما في الأحوال التي لا يوجد فيها نص مكتوب أو قاعدة عرفية أو دينية، فإن المشرع يحيل القاضي إلى قواعد العدالة ومبادئ القانون الطبيعي، وهنا يكون للقاضي سلطة اختيار الحل القانوني المناسب للنزاع المطروح في ضوء هذه القواعد والمبادئ، حيث يقوم القاضي هنا بإنشاء الحل القانوني مراعيا في ذلك ملائمة مضمون نشاطه مع أهداف وظيفته ، حيث يكون اختياره عادلا بقدر موافقته لقواعد التشريع على اعتبار أن المشرع هو الذي يحدد القواعد الموضوعية الملائمة لتحقيق هذه الغاية34.

ثانيا: رقابة المحكمة العليا على سلطة قاضي الموضوع في اختيار الحل القانوني للنزاع

ـ بالنظر إلى أن سلطة قاضي الموضوع في اختيار القاعدة القانونية هي سلطة متدرجة على النحو الذي درسناه، وبالنظر أيضا إلى أن ممارسة هذه السلطة تكون في دائرة القانون ، وليس في دائرة الواقع ، فإن ممارسة هذه السلطة تخضع لرقابة المحكمة العليا ، لكن هذه الرقابة وإن كانت موجودة في جميع الحالات ، إلا أن أوجه ممارستها تختلف باختلاف الحل القانوني المختار ، وباختلاف درجة ممارسة قاضي الموضوع لسلطته .

01: رقابة المحكمة العليا على تطبيق قاضي الموضوع للقاعدة القانونية الواضحة

تعد الرقابة على تطبيق قاضي الموضوع للقواعد القانونية الموضوعية  جوهر عمل المحكمة العليا ، والسبب الرئيسي تاريخيا في نشأة هذه المحكمة، لذلك فإن كل التشريعات المقارنة تنص في تنظيمها لأوجه النقض على الوجه المتعلق بمخالفة قضاة الموضوع للقانون.

والحقيقة أن مخالفة القانون يعود سببه في مجمل الأحوال إلى أخطاء ذهنية يقوم بها قاضي الموضوع أثناء تعامله مع عناصر الواقع، أو أثناء تعامله مع النص القانوني،لذلك فإن هذا العيب هو في أصله نتيجة لأخطاء ربط الواقع بالقانون، وهو يعبر على مدى فطنة وحنكة وذكاء القاضي 35.

وتقوم المحكمة العليا بهذه الرقابة، وذلك من خلال،  أولا التأكد من أن قاضي الموضوع قد أثبت الوقائع التي جعلها أساس حكمه بطريقة قانونية ، ثم ثانيا التأكد من أن قاضي الموضوع قد أعطى لتلك الوقائع الثابتة التكييف القانوني الصحيح، ثم بعد ذلك التأكد من أنه قد اختار القاعدة القانونية الصحيحة التي تنطبق على تلك الوقائع، وأخيرا التأكد أنه قد طبق تلك القاعدة المختارة تطبيقا سليما.

ويشترط لتطبيق هذه الرقابة، أن يكون هناك نص قانوني أو قاعدة قانونية تصلح للتطبيق على النزاع، حسب الوقائع التي أثبتها قضاة الموضوع، وأن يكون قضاة الموضوع قد خرقوا هذا النص.

 

وتمارس المحكمة العليا هذه الرقابة من خلال الحالتين التاليتين :

الحالة الأولى: الرقابة على خرق قاضي الموضوع للقانون

يقصد بعيب خرق القانون عند بعض الفقه بأنه عدم تطبيق قاعدة قانونية موجودة وصالحة للتطبيق على النزاع، أو تطبيق قاعدة قانونية غير موجودة 36، وفي تعريف مشابه يرى البعض بأنه عدم التزام محكمة الموضوع بأحكام القانون عند تصديها للنزاع 37.

أما عند بحثنا لتعريف المحكمة العليا لهذا العيب ، فقد توصلنا من خلال استقراء بعض القرارات الصادرة عنها ، إلى أن مخالفة القانون تتحقق في حالة إحجام قضاة الموضوع عن تطبيق نص قانوني ملزم 38، أو في حالة تطبيقهم لقاعدة قانونية غير موجودة 39، وبالتالي فإن قضاة النقض عندنا لم يخرجوا في تعريفهم لهذا العيب عن التعريفات السائدة في الفقه والقضاء المقارن.

من هذه التعريفات المختلفة يتضح أن  خرق قاضي الموضوع لأي قاعدة قانونية، إنما يأتي من جهله بوجود تلك القاعدة،أو جهله بعدم وجودها، فمثلا القاضي الذي يثير مسألة قانونية من تلقاء نفسه رغم أن القانون يلزمه صراحة بعدم الأخذ بها تلقائيا، إنما يقوم ذلك عن جهل بوجود هذا الإلزام الصادر إليه من المشرع 40، ولا يعتبر هذا الجهل إنكارا للعدالة وإنما هو خطأ قانوني يؤدي إلى النقض 41 ، كما أن خرق القاعدة القانونية من طرف قاضي الموضوع، قد يحدث في بعض الأحيان ، كتعبير منه عن مقاومته  لبعض القوانين التي يرى أنها لا تنسجم مع الواقع، أو أنها لا تعبر عن العدالة التي ينشدها من خلال الحكم الذي سيصدره،وذلك من خلال تطويعه للنصوص بما يحقق العدل بين المتقاضين، ولو أدى ذلك إلى عدم التقيد بقصد المشرع، أو إلى تعديل مضمون تلك النصوص 42، فمثلا لطالما خالف بعض قضاة الموضوع القواعد التي تشترط الرسمية في العقود الناقلة للملكية، الأمر الذي جعل المحكمة العليا تتدخل وبصرامة من أجل القضاء على هذه المقاومة ، وذلك بإعلان أن الأحكام الصادرة بهذا الشكل مخالفة للقانون ويتعين نقضها 43.

الحالة الثانية : الرقابة على خطأ  قاضي الموضوع في تطبيق القانون

في تعريف أورده المستشار أنور طلبه في موسوعته للمرافعات المدنية والتجارية، فإن هذا العيب يتحقق عندما يحدد المشرع نطاقا معينا لسريان النص القانوني، فتتجاوزه المحكمة عند تطبيق النص على وقائع الدعوى 44.

وعند إسقاط هذا التعريف على قضاء المحكمة العليا عندنا ، فإننا نجدها قد أخذت به عند استخراجها لعيب الخطأ في تطبيق القانون ، ويمكننا أن نعطي تطبيقات لذلك على الشكل التالي :

ـ  لتطبيق القاعدة القانونية التي تجيز تنفيذ الالتزام عن طريق الغرامة التهديدية، يشترط المشرع أن يكون الالتزام المطالب بتنفيذه هو عبارة عن التزام بالقيام بعمل أو التزام بالامتناع عن القيام بعمل، فإذا طبقت محكمة الموضوع هذه القاعدة بعد أن تكون قد أخلت بشرط من هذه الشروط ، تكون قد أخطأت في تطبيق القانون 45.

ـ عندما لا يشترط المشرع لصحة التصرف القانوني شكلا معينا، فإن قاضي الموضوع الذي يضع شروطا غير منصوص عليها لقبول هذا التصرف، يكون قد أخطأ في تطبيق القانون، وذلك بإضافة شرط للقاعدة القانونية التي طبقها دون أمر من المشرع  46.

وفي تعريف آخر لهذا العيب يرى الأستاذ فتحي والي أن الخطأ في تطبيق القانون يكون عندما يطبق قاضي الموضوع القاعدة القانونية على نحو يؤدي إلى نتائج قانونية مخالفة لتلك التي يريدها القانون 47.

طبقت المحكمة العليا هذا التعريف من أجل نقضها لعدة قرارات،ويمكننا أن نورد الحالتين التاليتين :

ـ أن المشرع وفي مجال تطبيق نظرية بطلان العقد، قد نص على تطبيق نظرية البطلان الجزئي ، أو ما يعرف بفكرة إنقاص العقد، والتي بموجبها يتعين على قاضي الموضوع إذا ثبت لديه أن البطلان لا يمس إلا جزءا من العقد أن يحكم فقط ببطلان هذا الجزء، مع بقاء الجزء الصحيح قائما، فإذا ما قام بإبطال كلي للعقد يكون قد أخطأ في تطبيق القانون، وذلك بترتيبه لآثار قانونية على خلاف مقصد المشرع 48.

ـ في مسألة إسناد الحضانة مثلا،النتيجة القانونية التي يهدف المشرع إلى الوصول إليها هي تحقيق مصلحة المحضون، وبالتالي فإن قيام قاضي الموضوع بتطبيق القاعدة القانونية المنظمة لهذه المسألة دون أن يتوخى غاية المشرع منها يؤدي إلى وقوعه في خطأ عند تطبيقها 49.

02: رقابة قضاء النقض على ممارسة قاضي الموضوع لسلطته في تفسير القانون

رغم أن قاضي الموضوع  يفسر النص ويطبقه بحسب ما اهتدى إليه فهمه واجتهاده، بحيث لا يجوز لأي جهة أن تفرض على القاضي وجهة نظر معينة في تفسير النص واستنباط غرض المشرع منه50 ،إلا أن هذا التفسير الذي يتوصل إليه القاضي بكل حرية  هو في أصله مسألة قانونية يخضع فيها القاضي لرقابة المحكمة العليا ، لأن الخطأ في التفسير سيؤدي حتما إلى الخطأ في تطبيق القاعدة القانونية أو إلى مخالفتها 51 لذلك فلا يكفي أن يتبع قاضي الموضوع نوعا معينا من أساليب التفسير ، وإنما لا بد من موافقة محكمة النقض على ذلك 52 والتي تجري رقابتها إما بالموافقة على التفسير الذي يأخذ به قضاة الموضوع وإما باستبعاده وذلك بعد أن تبين مواطن القصور فيه واستبداله بالتفسير الذي تراه مناسبا وصحيحا 53، ذلك أنه يتوجب على قضاة النقض في عملهم هذا أن يميزوا أولا بين تفسير القانون وتفسير الوقائع والتصرفات ،حيث لا يدخل في نطاق رقابتهم التفسير الذي يعطيه قضاة الموضوع للوقائع والتصرفات، ثم ثانيا عليهم أن يجروا رقابتهم على تفسير قضاة الموضوع للقاعدة القانونية المطبقة دون التفسير الذي يعطيه الخصوم لنفس القاعدة ، ثم ثالثا عليهم أن يتأكدوا من أن القاعدة القانونية محل التفسير هي قاعدة قانونية غير واضحة إذ أن مع الوضوح ينتفي التفسير54.

وتمارس المحكمة العليا رقابتها على قاضي الموضوع بصدد تفسيره للقانون من منطلق دورها المتعلق بضمان وحدة تفسير القواعد القانونية، حيث تقوم بنقض الأحكام والقرارات التي تهدر معنى القاعدة القانونية لمخالفتها قواعد التفسير 55.

والتفسير الخاطئ للقاعدة القانونية من طرف قاضي الموضوع يفترض في هذه القاعدة أنها كانت محل جدال، أي أنها تحمل عدة أوجه للتطبيق، ويقوم قاضي الموضوع بتبني تفسيرا لهذه القاعدة ترى جهة النقض أنه لا يتوافق مع المعنى الحقيقي لها، فالأمر هنا لا يتعلق بمخالفة للنص الحرفي للقاعدة القانونية ، وإنما يتعلق بمخالفة لروحها 56، وهذا هو الفرق بين الخطأ في تفسير القانون وخرق القانون 57.

إن الخطأ في تفسير القانون قد يقع عند محاولة الوصول إلى معنى المفاهيم القانونية التي تتضمنها فرضيات القاعدة القانونية، كما قد يقع عند محاولة تفسير معنى الحل الذي تقرره القاعدة القانونية لتلك الفرضيات ، حيث يحصل هذا الخطأ عندما يعطي القرار المطعون فيه معنى للنص القانوني أو المادة القانونية لا ينطبق عليهما 58، وفي كلا الحالتين لا يعتد بهذا الخطأ إلا إذا أدى هذا التفسير الخاطئ إلى حل قانوني خاطئ للنزاع 59.

والسؤال محل البحث ، يتعلق بالمنحى الذي سارت عليه المحكمة العليا عندنا في رقابتها على تفسير قضاة الموضوع بمناسبة تطبيقهم للقواعد القانونية ، حيث نقوم بالبحث عن الحالات التي قامت فيها هذه المحكمة بلوم قضاة الموضوع على تفسيراتهم الخاطئة للقواعد القانونية التي طبقوها، مع محاولة إيجاد المعيار الذي أخذت به من أجل كشف هذا الوجه .

الحالة التطبيقية الأولى : نعرض في هذه الحالة قرار الغرفة المدنية للمحكمة العليا المؤرخ في 19/03/200860، والذي من خلاله قامت المحكمة العليا بنقض القرار المطعون فيه استنادا إلى الخطأ في تفسير القانون ، فبالرجوع إلى هذا القرار فإن الوقائع التي عرضت على قضاة الموضوع كانت تتعلق بتطبيق المادتين 07/02 و22/01 من المرسوم التشريعي رقم 94/11 المؤرخ في 26/05/1994 ، حيث أن الطاعن الصندوق الوطني للبطالة كان قد طلب من قضاة الموضوع إلزام المطعون ضده بأن يرجع المنح التي تسلمها في مقابل الاستفادة من نظام التأمين على البطالة ، واستند في طلبه هذا أن المطعون ضده كان يمارس نشاطا تجاريا ربحيا وقت الاستفادة، ورغم إقرار المطعون ضده بهذه الواقعة رفض قضاة الموضوع طلبات الطاعن، واستندوا في رفضهم إلى أن المادتين 07/02 و22/01 من المرسوم السابق الذكر تنصان على أن سقوط حق المستفيد لا يكون إلا في حالة ممارسته لنشاط مهني وليس تجاري ، عرض النزاع على المحكمة العليا فانتهت إلى نقض قرار قضاة الموضوع ،ولامت قضاة الموضوع على خطئهم في تفسير المادتين سابقتي الذكر، حيث سببت قرارها بالأسباب التالية :{ حيث أن التفسير الذي ذهب إليه قضاة الموضوع يتنافى مع قصد المشرع وما يريده والذي هو عدم ازدواجية الاستفادة بمنحة البطالة مع دخل آخر متمثل في أرباح ، وبالتالي منع الجمع بين المنحة ومزاولة نشاط آخر، وحيث ثابت في قضية الحال أن المطعون ضده لم ينكر أنه لجأ إلى ممارسة نشاط لإضافة دخل يساعد حسب أقواله لسد حاجياته ، لذا فإن قضاة المجلس عندما قضوا برفض الدعوى التي أقامها الطاعن الرامية إلى إلزام المطعون ضده بتسديد مجموع تأمينات البطالة المستوفاة بغير حق على أساس أن المادتين 07/02 و22/01 تمنعان  جمع استفادة منحة البطالة مع دخل ناتج عن نشاط مهني فقط فإنهم قد أخطئوا في تفسير القانون مما يتعين نقض وإبطال القرار 61.}.

يبدوا واضحا من تحليل هذا القرار أن قضاة الموضوع وفي سبيل تطبيقهم لقاعدة قانونية، أعطوا مفهوما ضيقا لها،وعند عرض قرارهم على المحكمة العليا رأت أن هذا التفسير لا ينسجم مع قصد المشرع وهدفه من النص المطبق، هنا المعيار المتبع من طرف المحكمة العليا في إيجاد التفسير الصحيح هو معيار نية المشرع ، والمصلحة التي كان يهدف إليها من سنه للنص محل التطبيق، كما أن المحكمة العليا توصلت إلى ذلك من خلال نظرتها الشاملة للقانون الذي يوجد فيه النص محل التطبيق .

الحالة التطبيقية الثانية : في هذه الحالة نعرض قرار الغرفة المدنية للمحكمة العليا المؤرخ في 21/03/2007 62،والذي من خلاله نقضت المحكمة العليا قرار مجلس قضاء قالمة المؤرخ في 23/03/2004 ، وأسست نقضها على أساس التفسيرات الخاطئة التي أعطاها قضاة الموضوع لنص المادة 211 من قانون الأسرة ، حيث أن النزاع الذي عرض على قضاة الموضوع يتمثل في أن السيدة (ع ـ ح) رفعت دعوى الرجوع في هبة العقار الذي منحته لحفيدتها السيدة ( ع ـ م ) مستندة في طلبها إلى نص المادة 211 من قانون الأسرة التي تجيز للأبوين الرجوع في الهبة الممنوحة لأولادهما، استجاب قضاة الموضوع لطلب الجدة، بعد أن قرروا أن مصطلح الأبوين المذكور في المادة السابقة الذكر ينصرف إلى الأصول وإن علوا، عرض النزاع على المحكمة العليا على إثر طعن الحفيدة، صرحت المحكمة العليا عند فحصها للنزاع أن قضاة الموضوع أخطئوا تفسير المادة 211 من قانون الأسرة واستندت في نقضها للقرار إلى الحيثية التالية :{ حيث أن المجلس فسر القانون تفسيرا خاطئا، بل اجتهد في تفسيره مع أنه واضح ولا يحتاج إلى أي اجتهاد ، ذلك أنه لا يمكن اعتبار الجدة بمثابة الأم ، فحق الرجوع في الهبة منحه المشرع للأبوين 63}.

وضعت المحكمة العليا ومن خلال هذا القرار مبدأين يجب على قضاة الموضوع السير عليهما عند تفسيرهم للنصوص القانونية، أول مبدأ يتمثل في أن اللجوء إلى التفسير لا يكون إلا في النص الغامض ، حيث متى كان النص القانوني واضحا جلي المعنى قاطعا في الدلالة على المراد منه ، فلا مجال للخروج عليه بدعوى تفسيره 64، والمبدأ الثاني هو أنه عند التفسير للفظ معين مؤثر في تطبيق النص القانوني يتعين الالتزام بالمعنى الظاهر والقريب لذلك اللفظ ، ما دام أن ذلك المعنى لا يؤدي إلى نتائج مستحيلة أو غير مقبولة 65.

03: رقابة قضاء النقض على ممارسة قاضي الموضوع لسلطته الواسعة

اختلف الفقه حول تحديد سلطة قضاء النقض في الرقابة على تقدير قاضي الموضوع للحل المتروك لسلطته وانقسم إلى رأيين:

ـ الرأي الأول يذهب إلى أن إعطاء القاضي الخيار بين الأخذ بحكم القانون أو تركه ، أو استنباط الحكم ذاته ، لا يستقيم معه إعطاء الحق في الطعن في هذا الحكم بدعوى مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه ، كما لا يمكن القبول بالطعن في الحكم بدعوى القصور في أسبابه، لأن مثل هذه الرقابة تقوض السلطة الممنوحة للقاضي من جهة وتحول جهة النقض إلى محكمة موضوع من جهة أخرى66.

ـ الرأي الثاني يذهب إلى أن جهة النقض تراقب قاضي الموضوع عند ممارسته لسلطته التقديرية عند اختيار الحل القانوني ، حيث يتوجب على قاضي الموضوع تحت رقابة النقض أن يستعمل السلطة التي منحها له القانون وعدم إهمالها وإلا كان بتركه لها مخالفا للقانون ، كما يتوجب عليه إعمال تلك السلطة في المكان الذي قرره القانون ، وفي إطار الحالة المحددة وبالشروط المقررة قانونا، حيث أن إعمال السلطة التقديرية فيما لا تقدير فيه يعتبر مخالفا للقانون، كما أنه على قاضي الموضوع أن يسبب اختياره للقاعدة القانونية التي من خلالها قام بحل النزاع ، وينتهي هذا الرأي إلى أن ممارسة جهة النقض للرقابة على ممارسة قاضي الموضوع لهذه السلطة لا يحولها إلى محكمة موضوع ، لأن عمل المحكمة لا يمكن أن يكون عملا قانونيا مجردا من الواقع ، بل هو خليط منهما، وأن ترك سلطة التقدير لمحكمة الموضوع دون رقابة يجعل من تلك السلطة تحكمية67.

ونحن نقف مع الرأي الثاني ، ذلك أنه وإن كان لقاضي الموضوع سلطة تقديرية في اختيار الحل القانوني، إلا أن هذه السلطة ليست تحكمية ، بل هي سلطة تمارس في إطار القانون، وبالتالي إذا خرج القاضي في ممارسته لسلطته التقديرية عن هذا الإطار ، فإنه يعد مخالفا للقانون، وهنا يتعين على المحكمة العليا إعمال رقابتها، حيث من خلال رقابة التسبيب يمكن لها أن تقف على حدود ممارسة قاضي الموضوع لسلطته التقديرية، فمتى بين قاضي الموضوع في أسباب حكمه، كيفية ممارسته لسلطته التقديرية ، وكانت هذه الأسباب سائغة فإنه يكون قد طبق القانون.

الخاتمــة :

لقد توصلنا من خلال هذه الورقة البحثية إلى أن الأثر القانوني للواقعة المكيفة والذي يتعين على القاضي تطبيقه كثيرا ما يكون محددا بدقة في القاعدة القانونية بحيث لا يكون أمام القاضي إلا إنزاله على الواقع دون أن تكون له أي سلطة في استبعاده أو تغييره بأثر آخر، لكن في حالات أخرى استثنائية يجيز القانون للقاضي الاختيار بين أكثر من أثر قانوني لحكم الواقعة المكيفة أو يترك له سلطة تقديرية في تطبيقه أو عدم تطبيقه.

إذن نحن أمام وضعين، الأول تتقيد فيه سلطة الاختيار لقاضي الموضوع، والثاني يتمتع فيه بهامش من الحرية في اختيار الحل القانوني الواجب التطبيق .

كما توصلنا إلى أنه في كلا الوضعين يخضع قاضي الموضوع لرقابة المحكمة العليا، إلا أن نوع الرقابة يختلف ، ففي الوضع الأول تكون الرقابة واسعة ، إذ الأمر هنا يتعلق إما بتطبيق قاعدة قانونية واضحة يؤدي عدم تطبيقها مباشرة إلى مخالفة القانون ، وإما بتطبيق قاعدة قانونية غامضة يؤدي عدم تطبيقها مباشرة إلى الخطأ في تطبيق القانون ، وهذان وجهان من أوجه النقض يتيحان للمحكمة العليا ممارسة رقابة واسعة على قاضي الموضوع ، أما في الوضع الثاني فإن رقابة المحكمة العليا عليه تكون رقابة هامشية تتعلق برقابة التسبيب ، حيث تطلب منه المحكمة العليا أن يبين في أسباب حكمه لماذا امتنع عن إعمال السلطة التي منحها له القانون أو لما ذا استعملها ، كما عليه أيضا أن يبين أنه لم ينحرف في استعمالها .

الهوامش:

[1] محمد محجوب، دور القاضي في مراقبة مدى صحة العقد، مذكرة للحصول على شهادة الدراسات المعمقة في القانون والاقتصاد، كلية العلوم القانونية والسياسية والاجتماعية، جامعة تونس III، تونس 1994، ص40.

2  PLANIOL et RIPERT, obligation,tome4, LGDJ,Paris 1952,N282,p360.

3J.Carbonnier, droit civil (les obligations) , themis 1985, N 49,P193 .

4 محمد محجوب ، م س، ص 42.

5 قرار المحكمة العليا ـ الغرف المجتمعة ـ المؤرخ في 18 فيفري 1997، ملف رقم 136156، الاجتهاد القضائي للغرفة التجارية والبحرية، عدد خاص، س 2001، ص 48 .

6 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة العقارية ـ المؤرخ في  25فيفري 2004، ملف رقم 256626، المجلة القضائية ، ع01، س 2004، ص 213 .

7 قرار المحكمة العلياـ الغرفة العقارية ـ المؤرخ في  27 أكتوبر 1999، ملف رقم 190693، الاجتهاد القضائي، عدد خاص ، ج01، س2004،ص 227 .

8 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 28 أوت 1999 ، ملف رقم 65633   ، مشار إليه في : يوسف دلاندة، نظام التعويض عن الأضرار الجسمانية والمادية الناتجة عن حوادث المرور، دار هومة، الجزائر 2004، ص 149.

ـقرار المحكمة العليا المؤرخ في 20جويلية 1999 ، رقم الملف 212178:  مشار إليه في : نبيل صقر، حوادث المرور نصا وفقها وتطبيقا ، دار الهدى عين مليلة ، الجزائر 2009، ص 223.

9 عجة الجيلالي، مدخل للعلوم القانونية ، ج01، نظرية القانون، دار برتي للنشر ، الجزائر 2009 ، ص 498.

10 حلمي محمد الحجار ، أسباب الطعن بطريق النقض ، ج1 ، المؤسسة الحديثة للكتاب، ط01، طرابلس لبنان 2004 ، ص 88.

11 محمد صبري السعدي، تفسير النصوص في القانون والشريعة الإسلامية، د م ج ، وهران 1984، ص 28.

12 محمد صبري السعدي، تفسير النصوص في القانون والشريعة الإسلامية، د م ج ، وهران 1984، ص 131.

13 محمد سعيد جعفور، المدخل إلى العلوم القانونيةـ الوجيز في نظرية القانون ـ ط17 ، دار هومة ، الجزائر 2009،، ص 298.

14 محمد سعيد جعفور، م س، ص 300.

15 محمود داوود يعقوب،  اختلاف الدين في الميراث (دلو في بئر الجدل)، مجلة حوليات العلوم القانونية ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والتصرف بجندوبة ، ع01، س2007 ، تونس ، ص 142.

16 أحمد مجحودة ، م س، ص 15.

17 محمود داوود يعقوب، م س، ص 143.

18 محمد سعيد جعفور، م س، ص 303.

19Nestor DAKO,contrôle de légalité et regulation du droit ,www.ahjucaf .org : consulte le 20/12/2010 .  

20 عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني ، ج1، دار إحياء التراث العربي ، بيروت 1964، ص ص 36ـ38.

21 أحمد مجحودة ، م س ، ص 16.

22 رضا المزغني و عبد المجيد عبود،  ، التفسير القضائي في القانون المدني، معهد الإدارة العامة، الرياض 1983 ص 213.

23 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة العقارية ـ المؤرخ في 14 فيفري 2007، ملف رقم  386808، مجلة المحكمة العليا ، عدد خاص، الغرفة العقارية، ج03، ص ص 140ـ141...........انظر في نقد هذا التفسير: غنيمة لحلو، مفهوم وفحوى المادة  30 من القانون 90ـ25 تعليق على القرار رقم 386808، مجلة المحكمة العليا ، عدد خاص، الغرفة العقارية، ج03، ص ص 142ـ148.

24 يقوم أسلوب التشبيه والمقارنة في التفسير على الفهم الكافي للتشابه المتطابق بين حالتين واقعيتين من أجل الوصول إلى تطبيق القاعدة القانونية المنظمة لإحدى الحالتين على الحالة الأخرى التي لا تنظمها أي قاعدة قانونية : انظر

Nestor DAKO,contrôle de légalité et regulation du droit ,www.ahjucaf .org : consulte le 20/12/2010 .                  

25 قرار المحكمة العليا ـ غرفة الأحوال الشخصية والمواريث ـ المؤرخ في 21 أفريل 1998 ، ملف رقم 189181، الاجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية، عدد خاص، س 2001، ص 193 .

26 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة الجنائية ـ المؤرخ في 27/04/2004، ملف رقم 323802، مجلة المحكمة العليا ـ ع01، س2005، ص 314 .

27 السنهوري، الوسيط، ج1، م س، ص 104.

28 نبيل اسماعيل عمر، سلطة القاضي التقديرية في المواد المدنية والتجارية ، ط01، منشأة المعارف ، الإسكندرية 1989،، ص 186.

29 أحمد محمود سعد، مفهوم السلطة التقديرية للقاضي المدني، ط01 ، دار النهضة العربية، القاهرة 1988  ، ص247.

30 Cass.civ1 .18/03/1997 ,www.fichier.pdf.fr : attendu que les juges du fond n’ont fait qu’appliquer la lois en exerçant la faculté ouverte par l’article L .312_33 dernier alinéa du code de la consommation de prononcer la déchéance totale ou partielle des intérets ,qui reléve du pouvoir discrétionnaire du juge que,dés lors, la cour d’appel,qui a légalement justifié sa décision n’encourt aucun des griefs du moyen.

31 المادة 64 من قانون الأسرة.

32 قرار المحكمة العليا ـ غرفة الأحوال الشخصية والمواريث ـ المؤرخ في 17مارس 1998، ملف رقم 179471، الاجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية، عدد خاص، س 2001، ص172.

33 قرار المحكمة العليا ـ غرفة الأحوال الشخصية والمواريث ـ المؤرخ في 10 سبتمبر2008، ملف رقم 457038، مجلة المحكمة العليا، عدد 2، س 2008، ص315.

34 أحمد محمود سعد ، م س، ص 379.

35 عماد القاتي ، اجتهاد القاضي، مقال منشور بمجلة القضاء والتشريع ، مركز الدراسات القانونية والقضائية تونس – ع08 –س49- أكتوبر 2007 ، ص 315 ـ محمد زكي أبو عامر ، شائبة الخطأ في الحكم الجنائي، رسالة دكتوراه جامعة الاسكندرية 1974 ، ص 293.

36 فتحي والي ،  الوسيط في قانون القضاء المدني ، دار النهضة العربية ، القاهرة 2008، ، ص 709.

37 أنور طلبة ، موسوعة المرافعات ...، ج5، م س ، ص 146.

38 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة العقارية ـ المؤرخ في 12/11/2009، ملف رقم 549408، مج مح ع، ع خاص، الغرفة العقارية ،س 2010 ، ص ص 237ـ238.

39 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة العقارية ـ المؤرخ في 10/12/2009، ملف رقم 565212، مج مح ع، ع خاص، الغرفة العقارية ،س 2010، ص 299.

ـ قرار المحكمة العليا ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 18/02/1991، ملف رقم 64984، مج ق، ع1، س 1993، ص 23.

40 قرار المجلس الأعلى ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 12/03/1986 ملف رقم 35324، مج ق ، ع1، س 1993، ص 11 .

ـ قرار المجلس الأعلى ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 30/10/1985، ملف رقم 34931، مج ق،ع4، س1989، ص 68.

41عيد محمد القصاص ، التزام القاضي باحترام مبدأ المواجهة ، ط02، دار النهضة العربية القاهرة  2010،   ، م س، ص 225.

42علي مراح ، الاتجاهات الفقهية في تفسير الظاهرة القانونية ،دار هومة ، الجزائر  2011،  ص 191.

43 بلعربية فاطمة الزهراء،  انتقال الملكية العقارية ، تعليق على القرارين رقم 491615 و 549408، مج مح ع، ع خاص، الغرفة العقارية ،س 2010، ص  250.

44أنور طلبه ، موسوعة المرافعات المدنية والتجارية، ج05، دار الكتب القانونية، القاهرة 2003 ، ص 174.

45 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة التجارية والبحرية ـ المؤرخ في16/02/2005، ملف رقم 342962، مج مح ع ، ع1، س 2005، ص 187

46 قرار المحكمة العليا ـ  الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 29/10/1991، ملف رقم 80388، مج ق، ع1،س1993 ، ص 35 .

47 فتحي والي ، م س ، ص 709.

48 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 18/01/2006، ملف رقم 324515، مج مح ع، ع1، س2006، ص 220.

49 قرار المحكمة العليا ـ غرفة الأحوال الشخصية ـ المؤرخ في 20/04/1999، ملف رقم 220470،الاجتهاد القضائي لغرفة الأحوال الشخصية ، عدد خاص، س 2001، ص 183 .

50 عمار بوضياف، دور القاضي في المجتمعات الحديثة، مقال منشور بمجلة نشرة القضاة، عدد 48، مجلة قانونية تصدرها مديرية البحث بوزارة العدل ، الجزائر،بدون سنة نشر. ص 124.

51  قرار المحكمة العليا ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 18أفريل 2007، ملف رقم 358399، مجلة المحكمة العليا ، ع2، س 2007، ص 166 .

52 محمد الكشبور،  رقابة المجلس الأعلى على محاكم الموضوع، في المواد المدنية، رسالة دكتوراه ، الدار البيضاء1986 ، ص 340.

53 قرار المحكمة العليا ـ غرفة الأحوال الشخصية والمواريث ـ المؤرخ في 14 جوان 2006، ملف رقم 258613، مجلة المحكمة العليا،ع 2، س2006، ص 424

54Nestor DAKO,contrôle de légalité et regulation du droit ,www.ahjucaf .org : consulte le 20/12/2010 .

55 فكري عبد الحميد أبو صيام ، الأسباب الجديدة في النقض المدني، رسالة دكتوراه جامعة القاهرة 2003، دار النهضة العربية، القاهرة 2005، ص 325 هــ 03.

56JacquesBoré ,la cassation en matiére civile,édition Dalloz,paris 1997, p 400.

57 إلياس أبو عيد ،  المراجعة التمييزية في الأصول المدنية، ج02، ب د ن، 1بيروت 1997 ، ص 190.

58 إلياس أبو عيد ، المراجعة التمييزية ....ن م س ، ص 190.

59 حلمي محمد الحجار،  م س، ص 92.

60 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 19/03/2008، ملف رقم 404065، مج مح ع ، ع1، س2008، ص 107.

61 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 19/03/2008، ملف رقم 404065، مج مح ع ، ع1، س2008، ص ص 109 ـ 110.

62 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 21/03/2007، ملف رقم 357544، مج مح ع، ع1، س2007، ص 255.

63 قرار المحكمة العليا ـ الغرفة المدنية ـ المؤرخ في 21/03/2007، ملف رقم 357544، مج مح ع، ع1، س2007، ص 258.

64 فكري عبد الحميد أبو صيام ، الأسباب الجديدة ..... ، م س ، ص 325 هــ 03.

65 خالد وزاني ، مناهج تفسير النصوص بين علماء الشريعة وفقهاء القانون ، دار الجامعة الجديدة ، الاسكندرية 2008،ص 647.

66 عبد الله خليل حسين الفرا، سلطة القاضي التقديرية في ظل قانون أصول المحاكمات المدنية الفلسطيني، رسالة دكتوراه، جامعة الدول العربية ، القاهرة 2008، ص 440.

67 عبد الله خليل حسين الفرا، م س، ص 441.