الإنسحاب من اتفاقيات حظر الاستخدام النووي وفق قواعد القانون الدولي pdf

 

د: بن داود إبراهيم

جامعة زيان عاشور الجلفة  

الملخص:

ما من شك فيأن الصلة التي تربط الأمن الجماعي باستمرارية المعاهدات تكمن في عدم انتهاكها والالتزام ببنودها، وعدم ربط دوامها أو انتهائها بالمصالح الخاصة بكل دولة على حدا خاصة في المجالات الحيوية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته أو حماية البيئة أو حماية الأفراد خلال المنازعات المسلحة وغيرها من المواضع الأخرى الهامة.

وتعد اتفاقيات الحد من الاستخدام النووي أبرز وأهم المعاهدات التي جاءت لتفعيل وتحقيق الأمن الجماعي، هذا ما يستوجب الحفاظ على المنظومة القانونية والتعاقدية لهذه المعاهدات وما تلعبه من أدوار في إذاعة السلم والأمن.

وإن كان الانسحاب يُعد بمثابة الفعل الإرادي، نجد مرونة مطلقة خاصة فيما يتعلق بوجوب توافر الحدث غير العادي لتبرير الانسحاب، حيث يمكن لأية دولة أن تتذرع بهذه الذريعة التي لم توضع لها ضوابط واضحة، لأجل التحرر من الالتزامات التعاقدية التي التزمت بها فيما سبق نتيجة مراعاتها للمصالح الخاصة فقط أو ما شابه ذلك، وهذا ما يعد مساسا بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين ومساسا بمبادئ القانون الدولي. 

Abstract:


      There is no doubt that the link between collective security, continuity of treaties is not to be violated and a commitment to its articles, and not to link the permanence or termination interests of each country separately, especially in critical areas relating to human rights and freedoms or the protection of the environment or the protection of individuals during armed conflicts and other places other important.

The agreements limit the use of the most prominent nuclear treaty, which came to activate and to achieve collective security, this is a necessity to maintain the legal and contractual system of these treaties and of the roles played by radio in peace and security.
The withdrawal was considered as an act involuntary, we find flexibility an absolute especially with regard to the necessity of the availability of extraordinary event to justify the withdrawal, which can be of any State may invoke this excuse they did not put it controls and clear, for the liberation of the contractual obligations they have undertaken in the past due observance of the interests of only private or the like, and this is infringing on the principle of pacta contractors and undermines the principles of international law.

مقدمة:

يعد الأمن أحد الأسس الجوهرية لاستقرار الشعوب جماعات وأفراد، بل يعد أحد أهم الدوافع التي تتحكم في سلوك الأفراد والمجتمعات، بل كان الأمن هو الداعي للتعاون والتضافر والترابط بين الدول، ولم تبرم العهود والمواثيق إلا تحقيقا للأمن الجماعي1، بل إن وجود علاقات بين المجتمعات ينطلق من الإحساس بالأمن والطموح لتحقيقه2.

واصطلاح الأمن مرادف لاصطلاح السلم أو السلام وهو من العبارات المتداولة ضمن العلاقات الدولية، والأمن يتعلق بالفرد وبدرجة أولى يتعلق بالدولة وهذا ما أدى إلى التمييز بين أمن الأفراد داخل الدولة أو ما سُمِّي بالأمن القومي، وبين الأمن الدولي الذي يشمل كل المجتمع الدولي3.

وإن كان الأمن بمعناه الضيق يُستعمل للدلالة على الإجراءات الخاصة بأمن المواطنين وممتلكاتهم، فإنه قد اتسع هذا المفهوم ليشمل الإجراءات المرتبطة بالدولة إزاء غيرها من الدول لحماية مصالحها في الداخل وتحقيق دورها في الخارج عن طريق الأحلاف العسكرية أو التجمعات الاقتصادية أو غير ذلك.

ويرى البعض بأن المقصود من الأمن لا ينحصر في مناهضة التهديد العسكري الخارجي للذود عن سلامة الدولة وسيادتها، بل هو يمتد ليشمل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري، ولم يكن هذا الاتساع إلا نتيجة التطورات الحاصلة خلال القرن الماضي وجراء تطور الأدوار المنوطة بالدولة4.

وتطور المقصود من الأمن الجماعي ليشمل مجالات متعددة ومتشعبة، وقد استخدم اصطلاح الأمن الدولي في الكثير من العهود والأنظمة والمواثيق الدولية وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة الذي تطرق في ديباجته إلى ضرورة "ضم القوى لأجل الاحتفاظ بالسلم والأمن الدولي"، ونصت المادة الأولى منه في فقرتها الأولى على أن: "مقاصد الأمم المتحدة هي: 1-حفظ السلم والأمن الدولي...".

ولن يتحقق الأمن الجماعي إلا بإرساء الاتفاقيات المتبادلة بين الدول في شتى المجالات لأجل التوصل إلى تحقيق مظاهر هذا الأمن، وهذا ما يتضح في النقاط التالية:

- الأمن هو المقصد لأجل دعم العلاقات بين الدول وإقامة ضوابط إيجابية تتمثل في التنمية بمختلف أشكالها، ولأجل بناء نظام جديد للعلاقات الدولية.

- الأمن الجماعي ظاهرة مستمرة ومتطورة ومرتبطة بالوضع القائم على الصعيد الدولي، لذا وجب مسايرتها، وللمعاهدات الدولية دورها البالغ في هذا الصدد.

- قواعد الأمن الجماعي تهدف للعمل الجماعي لأجل دعم الأمن والسلم الدوليين، وهذا ما يظهر في الكثير من العهود والمواثيق المبرمة خاصة المنشِئة للمنظمات الدولية5.

- ومن ذلك أيضا فإن الأمن الجماعي ذو صلة وثيقة بمنع العدوان مهما كانت صوره ومصادره، وهذا ما ظهر أيضا في الكثير من الاتفاقات الدولية والأنظمة الأساسية، ومواثيق العديد من المنظمات الدولية وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة6.

  وما تم تأكيده وأُجمع عليه أن التنظيم الدولي أصبح قائما على فكرة الأمن الجماعي بكل صوره وأشكاله عسكريا، سياسيا، اقتصاديا، اجتماعيا وثقافيا7.

وما من شك في الصلة التي تربط الأمن الجماعي باستمرارية المعاهدات من خلال عدم انتهاكها والالتزام ببنودها، وعدم ربط دوامها أو انتهائها بالمصالح الخاصة بكل دولة على حدى خاصة في المجالات الحيوية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته أو حماية البيئة أو حماية الأفراد خلال المنازعات المسلحة وغيرها من المواضع الأخرى الهامة8.

وتعد اتفاقيات الحد من الاستخدام النووي أبرز وأهم المعاهدات التي جاءت لتفعيل وتحقيق الأمن الجماعي، هذا ما يستوجب الحفاظ على المنظومة القانونية والتعاقدية لهذه المعاهدات وما تلعبه من أدوار في إذاعة السلم والأمن الدوليين.

أهمية الموضوع:

تتجلى أهمية الموضوع من خلال بيان أهمية المعاهدات والاتفاقيات الدولية في رسم سياسة العلاقات الدولية، فكلما كانت هنالك اتفاقيات دولية بين دولتين أو أكثر كلما تأكد لنا أن العلاقات تتسم بالتطور والاهتمام المتبادل والمصالح المشتركة بين الدول المتعاهدة، كما تتضح أهمية الموضوع من خلال حساسية وأهمية تبيان معاهدات الحد من الاستخدام النووي وأن الانسحاب منها مؤشر واضح لعدم الرغبة في الالتزام دوليا بالحظر النووي وتبعاته دوليا.

الهدف من الموضوع:

الهدف الأبرز من هذه الدراسة التنويه إلى خطورة الاستخدام النووي للأسلحة الكيماوية، وأن إبرام اتفاقيات دولية في هذا الشأن يعني أن هنالك جهودا دولية للحد من الاستخدام النووي، بيد أن الانسحاب من معاهدة بعد الانضمام إليها يعني أن النوايا مبيتة في السعي لقطع أشواط متسارعة نحو التسلح النووي، خاصة وأن العديد من الدول أضحت تستعمل السلاح النووي كأداة للتخويف والإذلال.

إشكالية الموضوع:

        تتمحور إشكالية الموضوع حول الهدف من إبرام أو الانضمام لاتفاقيات حظر الاستخدام النووي، وكذا النتائج المترتبة  عن الانسحاب منها على المستويين القانوني والسياسي؟

خطة الموضوع: تمت الإجابة عن الإشكالية سابقة الذكر بالتطرق العناصر التالية:

أولا: الانسحاب من المعاهدات والآثار المترتبة وفق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات

ثانيا: معاهدات الحد من الأسلحة والانسحاب منها

ثالثا: نماذجعن الانسحاب من المعاهدات الدولية

  

أولا: الانسحاب من المعاهدات والآثار المترتبة وفق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات :

  الشيء الملاحظ أن اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 تحدثت عن الانسحاب في معرض حديثها عن الإنهاء والبطلان والوقف دونما بيانٍ لخصوصيته، بل ولا نجد له أثرا ضمن العناوين الكبرى لقانون المعاهدات سوى ما ورد في نصوص المواد في حد ذاتها، ففي الباب الخامس المُعَنون ببُطلان المعاهدات وإنهائها وإيقاف العمل بها تضمنت المادة 42 منه في فقرتها الثانية عدم جواز إنهاء أو إلغاء معاهدة أو الانسحاب منها من جانب أحد أطراف إلا تطبيقا لنصوصها أو نصوص هذه الاتفاقية فقط، وقد تناولت المواد 43 و44 و45، وغيرها من المواد أحكاما متعددة تتعلق بالانسحاب من المعاهدات الدولية، وهذا ما سيتم إيضاحه ضمن العناصر التالية:

01/ المقصود بالانسحاب وخصوصية أحكامه.

02/ معاهدات الحد من الأسلحة والانسحاب منها.

03/ نماذج عن الانسحاب من المعاهدات.

01/ المقصود من الانسحاب وخصوصية أحكامه: إن ما يؤول إليه الانسحاب هو أن تتجه إرادة الدولة في أن تتحرر من التزاماتها التعاهدية وتنطبق في ذلك أحكام الإنهاء سالفة الذكر.

  وبطبيعة الحال فإنه يجب النظر إلى الاتفاقية وفق عنصر الإلزام فيها بموجب أحكام القانون الدولي على أنها الوسيلة القوية للترابط بين الدول، وتبقى الالتزامات مُصانة بموجب هذه المعاهدة وفق المبدأ القاضي بأن العقد شريعة المتعاقدين، وبالتالي المعاهدة شريعة المتعاهدين.

ثم إن موضوع انتهاء أو إلغاء المعاهدة يخضع إلى قواعد ومبادئ قانونية تحقيقا للاستمرارية وتجسيدا لاستقرار العلاقات الدولية، ولا يُفسح المجال للإرادات المنفردة المبنية على المصلحة، وهذا ما أكده أحد أساتذة القانون الدولي بأنه: "لا تستطيع دولة أن تعفي نفسها من التزاماتها التعاهدية متى شعرت بالرغبة في ذلك، ولو كان بوسعها ذلك لأصبحت العلاقة القانونية غير آمنة إلى حد يدعوا إلى اليأس"9.

وقد كانت المادة الأولى في فقرتها الثالثة من عهد عصبة الأمم أجازت الانسحاب بمحض إرادة الدولة بعد إخطار أمانة العصبة قبل سنتين من هذا الانسحاب مما يُمكِّن الدولة من التراجع عن هذا الانسحاب خلال فترة السنتين10، وعلى شرط أن تكون الدولة قد قامت بكل التزاماتها الدولية والمنصوص عليها في ميثاق العصبة أثناء فترة عضويتها، والملاحظ أنه خلال الفترة الممتدة ما بين إنشاء العصبة إلى غاية عام 1939 انسحبت 16 دولة، حيث انسحبت البرازيل عام 1928 واليابان وألمانيا عام 1933 وإيطاليا عام 193711.

أما عن ميثاق الأمم المتحدة فلم يتطرق للانسحاب لا بالمنع ولا بالإجازة، مما يعكس نوايا اللجنة الموكل إليها إعداد الميثاق في أن تستمر هذه الهيئة وتستمر الدول منضوية تحت سقفها، ولكن لا مانع مِن أن تنسحب الدول إذا حادت الأمم المتحدة عن أهدافها المرسومة سلفا، ولهذا اعتُبِر الانسحاب رخصة وليس حقا مخولا للدول12؛ هذه الرخصة التي تتيح للدولة الانسحاب إن رأت ذريعة ومبررا شرعيا لذلك، كأن يتم تعديل الميثاق بصورة تزيد في أعباء الأعضاء أو تُنقِص من حقوقهم أو كأن تخفق الأمم المتحدة في مهمة حفظ السلام13.

02-الانسحاب وفق أحكام اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات: كما سبقت الإشارة فإن كل انسحاب هو إنهاء من جهة الدولة المنسحبة، وليس كل إنهاء  انسحاب، وقد تناولت اتفاقية فيينا الانسحاب في العديد من النصوص؛ فهذه الاتفاقية المتعلقة بقانون المعاهدات فُتِحت للتوقيع في 23 ماي/أيار1969 ودخلت حيز التطبيق في 27 جانفي/كانون الثاني 1980، هذا وقد اعتبرت محكمة العدل الدولية بشكل عام اتفاقية فيينا نقطة انطلاق مرجعية لتقييم القانون الدولي العرفي بشأن إنهاء المعاهدات والانسحاب منها14.

ويوضح الباب الخامس من اتفاقية فيينا الأحكام المتعلقة بالانتهاء بما فيها الانسحاب، وتتناول القاعدة العامة أن إنهاء معاهدة ما أو نقضها أو انسحاب طرف ما يمكن أن يتم نتيجة تطبيق أحكام المعاهدة أو الاتفاقية الحالية وفق نص المادة 42 الفقرة 02، ولا يمكن القول بوجود انتهاك لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين إذا كان الانسحاب قد تم وفق ما تحدده المعاهدة ذاتها أو وفق الأحكام الموضحة في اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، ويتباين الأثر المُترتب على الانسحاب بحسب طبيعة المعاهدة ذاتها، فانسحاب دولة من معاهدة ثنائية حتما سيؤدي إلى إنهاء المعاهدة على أساس عدم إمكانية تعاهد الدولة مع نفسها، بينما إذا كانت المعاهدة متعددة الأطراف فيسري الإنهاء إزاء الدولة التي انسحبت فقط.

03/ ضوابط الانسحاب وفق اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969

        يسري على الانسحاب ما ورد في الاتفاقية محل الانسحاب ذاتها، أو وفق ما حددته اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات من أحكام والتي منها:

أ- عدم جواز الانسحاب من جانب أحد الأطراف إلا وفق ما تقرره نصوص الاتفاقية ذاتها ، تطبيقا لنص الفقرة الثانية من المادة 42 من اتفاقية فيينا لسنة 1969.

ب- لا يؤثر الانسحاب تطبيقا للاتفاقية أو لمعاهدة فيينا في واجب أية دولة للقيام بالتزاماتها المقررة في الاتفاقية التي تكون ملتزمة بها بمقتضى أحكام القانون الدولي بغض النظر عن الاتفاقية محل التعاقد وفق نص المادة 43 من ذات الاتفاقية.

ج- إمكانية الفصل بين نصوص المعاهدة التي تريد أن تنسحب منها الدولة، إلا إذا نصت المعاهدة أو اتفق الأطراف على غير ذلك عملا بأحكام المادة 44، وعلى شرط أن لا يكون في استمرار تنفيذ بنودها الأخرى إجحافا.

د- الانسحاب من المعاهدات يتم وفق أحكام المعاهدة ذاتها أو في أي وقت لاحق باتفاق جميع الأطراف المتعاقدة وفق نص المادة 54 من اتفاقية قانون المعاهدات.

هـ- إذا لم تتضمن المعاهدة وفق أحكامها نصا على الانسحاب أو كيفياته لا تكون محلا لذلك إلا إذا ثبت اتجاه إرادة الأطراف ونواياهم إلى ترتيب الانسحاب، أو إذا أمكن استنباط حق الانسحاب من طبيعة المعاهدة وفق نص المادة 56 في فقرتها الأولى.

و- على الطرف الراغب في الانسحاب من المعاهدة أن يُخطر الطرف الآخر بِنِيَّة الانسحاب قبل اثني عشر شهرا على الأقل، وفق نص الفقرة الثانية من المادة 56.

ز- يمكن لطرف في معاهدة أن يستند إلى استحالة تنفيذ المعاهدة كأساس للانسحاب منها على أن تكون الاستحالة دائمة، فإن كانت مؤقتة جاز الاستناد إليها لوقف العمل بالمعاهدة فقط، كما لا يمكن الاستناد إلى استحالة التنفيذ إذا كان هذا الطرف متسببا في تحقق قيامها جراء إخلال جوهري بالمعاهدة أو بالتزام دولي آخر وفق نص المادة 61 من ذات الاتفاقية.

ح- يمكن الاستناد إلى التغير الجوهري للظروف كسبب للانسحاب على شرط أن يكون وجود هذه الظروف قد كَوَّن أساسا هاما لارتضاء الأطراف الالتزام بالمعاهدة، وأن يترتب على التغير تحول جذري للالتزامات الواردة في المعاهدة.

ولا يمكن الاستناد إلى التغير الجوهري كسبب للانسحاب إذا تعلقت المعاهدة بإنشاء حدود أو نتيجة إخلال طرف بالتزاماته طبقا للمعاهدة أو أحكام القانون الدولي وفق ما أكدته المادة 62.

ثم إن اللجوء إلى الانسحاب من طرف واحد قد يَنِمُّ عن وجود خبايا معينة وتوترات عنيفة مع باقي الأطراف، مما يتجلى في ردود أفعال معينة، لذا قد تلجأ الدولة الطرف في معاهدة إلى ذريعة أقلُ حِدّةً لإنهاء علاقة تعاهدية ملزمة.

وقد أكدت اتفاقية فيينا أن الأفعال التي تُبادِر بِها الأطراف الأخرى أو ربما سهوها في ضبط مسائل معينة أو ربما جراء عوامل خارج إرادة الأطراف قد تكون هي الأساس الجوهري في مطالبة الدولة الانسحاب من معاهدة ما، كأن تلجأ دولة ما إلى تعمد خرق الاتفاقية محل التعاقد كأساس لإنهاء هذه الرابطة التعاقدية أو وقفها، أو أن يتخذ عكس ذلك إذ يتم التذرع بخرق الاتفاقية من طرف أو أطراف أخرى لتسبيب الانسحاب وإعطائه البعد المشروع والأخلاقي15، إلى غير ذلك من الذرائع التي يمكن التذرع بها كتغير الظروف واستحالة التنفيذ لأجل الانسحاب بصفة محمودة ولَبِقة.

ثانيا:معاهدات الحد من الأسلحة والانسحاب منها:

تناولت العديد من المعاهدات خاصة المتعلقة بالحد من الأسلحة موضوع الانسحاب وتحديدا تلك التي أُبرمت بعد الحرب العالمية الثانية.

إذ نرى أبرز الأمثلة وأُولاَهَا في ذلك معاهدة الأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية في الجو وفي الفضاء الخارجي وتحت الماء.

ووفق المادة الرابعة من معاهدة الحظر الجزئي للتجارب سابقة الذكر نصت الفقرة الثانية منها على أنه "لكل طرف الحق عند ممارسة سيادته الوطنية في الانسحاب من الاتفاقية إذا رأى أن أحداثا غير عادية، تتعلق بموضوع المعاهدة عَرَّضت للخطر المصالح العليا لبلده، وعليه أن يقدم إشعارا بهذا الانسحاب قبل ثلاثة أشهر إلى كل الأطراف الأخرى للمعاهدة ".

هذا وقد تمت العديد من المحادثات بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأمريكية16 والمملكة المتحدة ضمن معاهدات الحظر الجزئي للتجارب النووية، إذ طالب الوفد الأمريكي بإدخال حكم الانسحاب بصفة صريحة بالإضافة إلى الحالات الأخرى المعترف بها كالخرق المادي واستحالة التنفيذ والتغير الجوهري للظروف، لكن الاتحاد السوفياتي أبدى إمتعاضا من الأمر لأن حق النقض يتعلق بسيادة الدولة، لكن الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة أصرتا على إدراج ذلك لأنهما قد يصطدمان لاحقا بمبدأ قُدسية المعاهدة واستمراريتها.

وفي الأخير تمت الموافقة على أن يُضاف نص خاص في المعاهدة يتعلق بالانسحاب من جانب واحد نتيجة أحداث غير عادية كأساس لذلك17.

وأُضِيفَ هذا المطلب على شرط أن يتضمن الانسحاب إشعارا مسبقا من الدول التي تود الانسحاب مع بيان للأحداث غير العادية التي تعتبر أنها قد عرَّضت أهدافها ومصالحها للخطر18.

وهذا ما أُدرج ضمن العديد من النصوص الاتفاقية سواء تعلق الأمر بمعاهدات حظر التسلح أو غيرها؛ والبيِّن فوق ذلك أن العديد من المعاهدات تحتوي على بعض المواد والنصوص المتعلقة بالانسحاب من المعاهدة مع تقديم التبرير القانوني والواقعي حتى لا يتم التعسف في ذلك، بيد أن الاطلاع على العديد من الاتفاقات أوضح بأن هناك العديد منها لم يشترط هذا الشرط المتمثل في تقديم تبرير حول الانسحاب، ومن ذلك المعاهدة المتعلقة بخفض الأسلحة الإستراتيجية الهجومية المُبرمة بين الولايات المتحدة وروسيا الموقعة في 24 ماي/أيار2002 والتي دخلت حيز التطبيق في01 جوان/حزيران 2003، حيث أن المادة 04 منها في فقرتها الثالثة نصت على إمكانية الانسحاب من المعاهدة بموجب إشعار مكتوب سابق في مدة 03 أشهر يُقدَم من الدولة المنسحبة إلى الأخرى، دونما حاجة إلى التذرع بوجود حادث غير عادي.

   

والجدول الموالي يُبَيِّن نصوص المواد المتعلقة بالانسحاب من الاتفاقيات الخاصة بحظر أو الحد من الأسلحة.

المعاهدة19

السنة

رقم المادة

مدة المعاهدة

مدة الإشعار المسبق

تبرير الانسحاب

PTBT

1963

المادة 04

غير محددة

03 أشهر

غير مطلوب

NPT

1968

المادة 10

غير محددة

03 أشهر

مطلوب

Seabed

1971

المادة 08

غير محددة

03 أشهر

مطلوب

BTWC

1972

المادة 08

غير محددة

03 أشهر

مطلوب

ABM

1972

المادة 15

غير محددة

06 أشهر

مطلوب

SALT 1

1972

المادة 08

محددة

06 أشهر

مطلوب

TTBT

1974

المادة 10

محددة

06 أشهر

مطلوب

SALT 2

1979

المادة 21

محددة

06 أشهر

مطلوب

Rarotonga

1985

المواد 5 و6

غير محددة

03 أشهر

مطلوب

INF

1987

المادة 15

غير محددة

06 أشهر

مطلوب

CFE

1990

المادة 21

غير محددة

150 يوما

مطلوب

START 1

1991

المادة 17

محددة

06 أشهر

مطلوب

START 2

1993

المادة 06

محددة

06 أشهر

مطلوب

CWC

1993

المادة 16

غير محددة

90 يوما

مطلوب

Pelindoba

1996

المادة 20

غير محددة

12 شهرا

مطلوب

CTBT

1996

المادة 09

غير محددة

06 أشهر

مطلوب

 

والملاحظ من هذه البيانات أن لكل دولة طرف في معاهدة أن تستند إلى السيادة الوطنية لأجل الانسحاب، إذا كانت ثمة أحداث غير عادية كانت السبب في أن تجعل من مصالح هذه الدولة عرضة لمخاطر معينة، وتتفاوت المدة التي قد تشترط في المعاهدة ذاتها ما بين 03 أشهر و12 شهر لإخطار الدول الأخرى الأطراف في المعاهدة، وفي بعض الأحيان وبعض المعاهدات يقدم الإخطار إلى مجلس الأمن، وما هو مستلزم في كل ذلك هو وجود الحدث الطارئ.

ولكن الملاحظ هو مرونة هذا الضابط ويمكن لأي طرف أن يتذرع بذات الذريعة للتحرر من التزاماته التعاقدية وبالتالي الانسحاب من المعاهدة، كما هو الشأن بالنسبة لمعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية فهي لم تحدد المقصود من الحادث غير العادي، وكذا بالنسبة لباقي الاتفاقات الأخرى.

ويكون كل ما هو مشترط هو توافر هذا الحادث غير العادي، بالإضافة إلى كونه يؤدي إلى نتيجة مفادها تهديد المصالح العليا للدولة20.

 

ثالثا:نماذج عن الانسحاب من المعاهدات الدولية

  وِفق ما سبق فإن مثل هذه الاتفاقات السابقة نصت على إمكانية الانسحاب رغم عدم الفصل في شروطه بشكل يجعل الأطراف بمنأىً عن أية تأويلات أو مُلابسات، وذلك دليل على أن هناك إمكانية الانسحاب -المُبيَّت-؛ غير أنه لم يكن لائقا أن يُضفى عليه وصف نقض المعاهدة حتى لا يكون ذلك منافيا لأحكام القانون الدولي والمجاملات الدولية...، هذا ما ساقنا إلى العديد من النماذج الحية لهذا الانسحاب بعدما كان مجرد نصوص نظرية، ولكن تُنبِئُ عن تحقق ذلك، ومن هذه الوقائع انسحاب كوريا الشمالية من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وانسحاب الولايات المتحدة من معاهدة حظر الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية، وكذا تهديدات إيران بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي أيضا.

01/الانسحاب الكوري من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT):

  عُرِضت معاهدة (NPT) للتوقيع في لندن وموسكو وواشنطن في01 جويلية/تموز 1968، ودخلت حيز التنفيذ في 05 مارس/آذار 1970، وتحظر المعاهدة على الدول النووية21 نقل أسلحة نووية أو أية أجهزة نووية متفجرة أخرى إلى أي مُتلقٍ أو منح هذا المتلقي السيطرة على الأسلحة، وكذا حظر المساعدة أو التشجيع أو حث أي دولة غير نووية على صنع أو حيازة مثل هذه الأسلحة أو التجهيزات، كما أن المعاهدة تمنع على الدول غير النووية تلقي أسلحة من ذات القبيل أو أجهزة نووية متفجرة أخرى من أي دولة.

وقد انضمت كوريا الشمالية إلى هذه المعاهدة في الثاني عشر من ديسمبر/كانون الأول1985 كدولة لم تكن مالكة لأسلحة نووية، وكانت في 20 جويلية/تموز1977 أبرمت اتفاقية تدابير وقائية22 خاصة بالمرافق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (I.A.E.A) وفي 30 جانفي/كانون الثاني1992 أبرمت كوريا الشمالية والوكالة الدولية للطاقة الذرية تدابير وقائية شاملة23، وفق نص المادة 03 من معاهدة حظر الانتشار النووي، ودخلت هذه الاتفاقية الوقائية حيز التنفيذ في 10 أبريل/نيسان 1992.

بعد شهر من ذلك عرضت كوريا الشمالية تقريرا ابتدائيا بموجب هذه الاتفاقية إلى الوكالة الدولية (I.A.E.A)، لكن ما تم ملاحظته هو اختلاف صارخ بين ما هو وارد في التقرير وما توصلت إليه الوكالة الدولية للطاقة النووية من تحاليل ودراسات ميدانية أثبتت وجود عنصر البلوتونيوم دون الإعلان عنه .

و توصل المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في التاسع فبراير/شباط 1993 إلى ضرورة إجراء تفتيش خاص وإيفاد بعثة خاصة للتثبت من الأمر لكن كوريا الشمالية أعلنت صراحة رفض إجراء هذا التفتيش الخاص.

  وفي ذات الأثناء وتحديدا في الثامن عشر مارس/آذار1993 صرحت كوريا في بيان لوزارة خارجيتها عن نيتها في الانسحاب من معاهدة (N.P.T) وفق ما تقرره المادة الخامسة من حق الانسحاب24.

في الفاتح من أبريل/نيسان1993 أصدرت كل من روسيا وبريطانيا والولايات المتـحدة الأمريكية (بوصفها المودع لديها معاهدة N.P.T)بيانا تُشكك بموجبه في أن كوريا الشمالية لم تستند إلى ما يمكن اعتباره بمثابة الحدث غير العادي للانسحاب من المعاهدة داعية كوريا الشمالية للتراجع عن إعلانها بالانسحاب، وتطبيق بنود المعاهدة والالتزامات الوقائية السارية المفعول، وبعد ذلك مباشرة أصدر مجلس الأمن الدولي في الحادي عشر من ماي قرارا بشأن الانسحاب الكوري من معاهدة حظر الانتشار النووي مُعبِّرا فيه عن عدم ارتياحه من النوايا التي عبرت عنها كوريا الشمالية والمتعلقة بالانسحاب داعيا إياها إلى إعادة النظر في بيانها الوارد في الثاني عشر مارس/آذار 1993.

وبشأن ذلك عُقدت لقاءات بين كل من كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية إلى غاية 11 جويلية / تموز، إذ أصدرت كوريا الشمالية قرارا من جانب واحد عبرت فيه عن تعليق تنفيذها للانسحاب طوال المدة التي تراها ضرورية لذلك، إلى أن تم تتويج المحادثات الثنائية في21 أكتوبر/تشرين الأول1994 باتفاق تضمن نوايا كوريا الشمالية بأن تبقى ضمن أطراف معاهدة حظر الانتشار النووي والترخيص بتطبيق اتفاقية التدابير الوقائية.

  وتم الاتفاق أيضا بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية على أن لا تمتثل هذه الأخيرة لاتفاقية التدابير الوقائية إلا بعد أن يكتمل جزء كبير من مشروع مفاعل الماء الخفيف ولكن قبل تسليم المكونات النووية الرئيسية، وقد حصل إشكال في تفسير الوضع الناتج؛ فبالنسبة لكوريا الشمالية فهي تعتبر نفسها غير ملزمة بالتطبيق الكامل لاتفاقية التدابير الوقائية رغم بقائها ضمن المعاهدة لأنها منحت وضعا خاصا بموجب المعاهدة، أما بالنسبة للولايات المتحدة وباقي أطراف المعاهدة فإن التعليق يلزم كوريا الشمالية بتنفيذ بنود الاتفاقية، وهذا ما كان أمرا هاما على ضوء مؤتمر مراجعة معاهدة حظر الانتشار وتوسيعها الذي أبرم سنة 1995 وما كان له تأثير لاحقا25.

وهذا ما حصل فعلا عندما أعلنت الولايات المتحدة في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2002 أنها تعتقد بأن كوريا الشمالية اعترفت بامتلاكها برنامجا سريا يتعلق بتخصيب اليورانيوم، وهذا ما زادت حدته القصوى عندما أعلنت كوريا الشمالية في 10 جانفي/كانون الأول 2003 التنفيذ الفوري لانسحابها الذي كان مُجمَّدا من معاهدة حظر الانتشار النووي، وأعربت كوريا الشمالية أيضا أنها متحررة كليا من أي إلزام لاتفاقية التدابير الوقائية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية26.

والملاحظ إثر ذلك عدم صدور أي بيان عن الدول المودع لديها المعاهدة (الولايات المتحدة الأمريكية، المملكة المتحدة، وروسيا) ولم يتخذ مجلس الأمن أي قرار في هذا الشأن.

وإذا كان بيان كوريا الشمالية بالانسحاب قد صدر في 10 جانفي/كانون الثاني 2003 والمادة 05 من اتفاقية حظر الانتشار النووي نصت على أن مدة الإشعار بالانسحاب تكون في غضون ثلاثة أشهر، فإن ذلك يعني أن العاشر من أبريل/نيسان 2003 إيذان بعدم الالتزام الكوري الرسمي والقانوني بالاتفاقية.

وقد صيغ بيان كوريا الشمالية بلهجة حادة ولم يتطرق لما يمكن اعتباره من الأحداث غير العادية لتبرير عدم الالتزام بالمعاهدة27؛ وكان من مظاهر تجاوز كوريا الشمالية للمعاهدة عدم استمرارها في الالتزام بالمعاهدة، رغم أنه كان مبنيا على ادعاء برفض التفتيش الخاص الذي بادرت به الوكالة الدولية سنة 1993، إلا أن الملاحظ هو عدم احترام كوريا الشمالية لالتزاماتها حتى وإن كانت قد تذرعت لدعم انسحابها وإعطائه الوصف المشروع بالمادة الخامسة من المعاهدة التي تستوجب توافر أحداث غير عادية.

والملاحظ أيضا أن عملية تخصيب اليورانيوم كانت قائمة أثناء الفترة التي كانت فيها المعاهدة لازالت سارية، وبذلك فالمسؤولية الدولية قائمة ومبادرة كوريا الشمالية بالانسحاب لم يكن إلا بغية تجنب تدخل مجلس الأمن، غير أنه لمجلس الأمن إمكانية إيجاد التبرير الذي يجعل من كوريا تتحمل مسؤولياتها كاملة لأن مباشرتها لبرامج تخصيب اليورانيوم يُعد تهديدا للسلم والأمن الدوليين كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة، بالإضافة إلى ما كان من الممكن أن تلجأ إليه الدول الأطراف في المعاهدة كتدابير مضادة لما قامت به كوريا الشمالية28.

حيث اكتفت ثُلة من الدول الغربية بالتعبيرعن أسفها للقرار الذي اتخذته كوريا الشمالية بانسحابها من معاهدة حظر الانتشار النووي دون التعبير الرسمي والصريح على أن كوريا لم تعد طرفا في هذه المعاهدة29.

02/الانسحاب الأمريكي من معاهدة الحد من أنظمة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية

 في السادس والعشرين من ماي/أيار1972 وَقَّعت كل من الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي معاهدة الحد من أنظمة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية (معاهدة ABM) ، على أن تتعهد أطرافها بعدم بناء دفاعات على نطاق وطني ضد هجوم بصواريخ باليستية، إذ تحد المعاهدة من استعمال وتطوير ونشر دفاعات صاروخية إستراتيجية.

وقد وقعت بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا وأوكرانيا مذكرة التفاهم على لافة معاهدة ABM التي وقعتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سنة 1997، وتولت هذه الدول الحديثة الالتزامات التي أقرها الاتحاد السوفيتي بموجب المعاهدة بما في ذلك اتفاقية 1997 لرسم الحدود والتي تضبط خطوط التمييز بين الدفاعات الصاروخية الإستراتيجية غير المسموح بها وفق أحكام المعاهدة والدفاعات الصاروخية غير الإستراتيجية المسموح بها.

وأثناء الحملة الانتخابية للرئاسيات سنة 2000 أبدى الرئيس الأمريكي جورج بوش اعتقاده بأن على الولايات الأمريكية اقتراح تعديلات على معاهدةABM ، وإذا لم تقبل روسيا بهذه التعديلات ستكون النتيجة انسحاب أمريكا من المعاهدة.

وفي الثالث عشر من ديسمبر/كانون الأول 2001 أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية بيانات دبلوماسية إلى روسيا وباقي الموقعين المستخلفين للمعاهدة (أي بيلاروسيا وكازاخستان وأوكرانيا) أعلن إثرها الرئيس الأمريكي جورج بوش- الابن -إعلانا بأن الولايات المتحدة الأمريكية طبقا للمادة 15 في فقرتها الثانية "قد قررت انسحابها من معاهدة (ABM) جراء أحداث غير عادية تتعلق بالمعاهدة وأنه كان في ذلك تعريض لمصالح أمريكا العليا للخطر، لذلك وممارسةً لحقها بالانسحاب من المعاهدة بموجب المادة 15 الفقرة 02 فإن الولايات المتحدة تقدم إشعارا بانسحابها من المعاهدة"30.

ووفق ما نصت عليه المادة 15 من معاهدة ABM كان الانسحاب ساريا بعد ستة أشهر من الإشعار أي في الثالث عشر من جوان/حزيران 2002، وقد كان من مبررات أمريكا للانسحاب ما يلي:

- ظهور العديد من الدول الساعية والدول المستعدة لاستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة.

- ظهور العديد من الدول التي تقوم بتطوير صواريخها الباليستية خاصة طويلة المدى منها، والتي تستخدم في إطلاق أسلحة الدمار الشامل، مما شكل خطرا على المصالح العلياللولايات المتحدة، لذا رأت هذه الأخيرة أنه من الواجب أيضا أن تقوم بتطوير الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية لأجل الذود عن مصالحها ومصالح حلفائها31.

وبذلك لم يكن البيان الأمريكي بشأن الانسحاب موضحا للأحداث التي تعد فعلا غير عادي، بل اكتفى بما يجسد تهديدا لأمن الولايات المتحدة من طرف الدول التي ادعت أمريكا بأنها تمتلك أسلحة دمار شامل، ودون أي تقدير أو تحديد وإحصاء لمثل هذه القوى ومكنة استخدامها لهذه الأسلحة إن كانت فعلا ممكنة الاستخدام، ولم تكن هذه الادعاءات إلا لوجود تخوف مما قد يقع مستقبلا، وهذا ما كان جليا ضمن ادعاءات أمريكا بوجود أسلحة دمار شامل بالعراق لتبرير الغزو وما تم إثبات عكسه من طرف لجان التفتيش الخاصة32.

ولأجل ذلك كانت روسيا قد عبرت عن أسفها إزاء ما قامت به أمريكا معتبرة إياه بأنه خطأ جسيم، ولم يكن ما تقدمت به أمريكا من حجج إلا لتبرير الانسحاب من جانب واحد فقط33.

وكان حريا بأمريكا أن تلجأ إلى مبدأ التغير الجوهري للظروف أجدى من التذرع بالأحداث غير العادية لإنهاء المعاهدة جراء ارتفاع عدد الدول التي أضحى بإمكانها استخدام الصواريخ الباليستية ضد الولايات المتحدة34.

3/ النوايا الإيرانية في الانسحاب من معاهدات حظر الانتشار النووي

شكل البرنامج النووي الإيراني أحد القضايا الدولية الهامة حيث كان محل جدل واسع سنة 1995، حيث صرح وزير الطاقة الذرية الروسي ميناتوم Minatom بإنجاز مفاعل طاقة مائي بقدرة 1000 ميغاواط كهربائي، وقد حاولت الولايات المتحدة الأمريكية توقيف المشروع مُتهمة إيران أنها تحاول استخراج البلوتونيوم الذي يعد بمرتبة سلاح من الوقود المستعمل لتشغيل مفاعل الطاقة35.

  وزادت حدة الجدل حول السلاح النووي الإيراني سنة 2003 عندما ثبت أن إيران كانت تستخدم تقنيات الوقود النووي الدورية بكيفية سرية تركيزا ومعالجة، ومن دون أن تصرح بذلك للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي كانت قد أبرمت معها اتفاقية الوقاية36.

  وقد كانت حدة الجدل قد أخذت مجرىً آخر نهاية سنة 2002 عندما نشرت صور اُلتقطت بطريق الأقمار الاصطناعية تُظهر مُنشأتي وقود نووي في جنوب طهران، وتبين أن الأولى منها قرب بلدة ناتانز تهتم بتركيز اليورانيوم، أما الثانية قرب بلدة أراك تهتم بإنتاج الماء الثقيل.

هذا ما أدى إلى العديد من ردود الفعل الدولية إثر اكتشاف المنشأتين خاصة أنه غير مصرح بهما لوكالة الطاقة الذرية؛ هذا ما أدى إلى تخوف أمريكا من أن إيران تُكثِّف اليورانيوم من جهة وتفصل البلوتونيوم من جهة ثانية حتى يتسنى لها إنتاج مواد انشطارية، وهذا ما يعد سلاحا نوويا قابلا للاستعمال37.

وأعلن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي في فبراير/شباط 2002 وللمرة الأولى عن نية بلاده في تطوير دورة وقود نووي وهذا بهدف الوصول إلى تغطية الحاجات المحلية للوقود دون اللجوء إلى مزودين أجانب، لكن الخبراء الأجانب رأوا أن الخطة غير منطقية على الصعيد الاقتصادي بالنظر للفائض الكبير في اليورانيوم المكثف والبلوتونيوم، وأكدوا بأن إيران تمتلك كل العناصر الضرورية لإنتاج مواد انشطارية لأغراض غير سلمية38.

وفي 21 فبراير/شباط 2003 زار السيد محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية طهران لإجراء مباحثات مع الرئيس خاتمي، وأقر هذا الأخير بأنه يجري بناء مصانع غير مصرح بها سابقا وهي مصانع نابذات الغاز ومصانع تركيز اليورانيوم ذات طابع تجاري.

وأَفْضَت زيارة البرادعي إلى مناقشات بين إيران ووكالة الطاقة الذرية بغية توضيح العديد من المسائل المرتبطة بإجراءات الوقاية، وتمكن إثر ذلك مفتشو الوكالة الدولية بأخذ عيِّنات بيئية من المواقع النووية للتحقق من عدم وجود مواد أو أنشطة نووية غير مصرح بها، وكان البرادعي قد اشتكى بأن المؤسسة الإيرانية للطاقة الذرية تتماطل في إعطاء المعلومات الكافية وفي السماح للخبراء بالقيام بمهامهم.

هذا ما حمل مجلس المحافظين للوكالة الدولية في 12 سبتمبر/أيلول 2003 للتعبير وبحدة عن قلقهم من رفض إيران السماح للوكالة الدولية من التحقق مما تم التصريح به، مما أجبر قبل نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2003 إيران على توقيع وتنفيذ بروتوكول إضافي ملحق باتفاقية الوقاية وقد أكد هذا القرار على إحالة الملف إلى مجلس الأمن في حالة ما إذا أخفقت إيران في حل المسائل العالقة قبل الأجل المحدد39.

وفي العاشر من نوفمبر/تشرين الثاني2003 استلم مجلس المحافظين لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية آخر تقرير من التقارير التي رفعها البرادعي متضمنا وصفا مفصلا للبرنامج النووي الإيراني وفشلها في تنفيذ موجباتها المنصوص عليها في الضمانات.

وأثار محتوى تقرير البرادعي اندهاش خبراء غربيين في مجال التسلح النووي ، إذ تبين أن البرنامج النووي أكثر اتساعا مما كان معتقدا في السابق في حين صرح الرئيس خاتمي ومسؤولون إيرانيون بأن التقرير أظهر أن البلاد لا تعتمد أي برنامج أسلحة نووية، وأن المخالفات الموجهة إليها ضمن التقرير ما هي إلا ثانوية وتقنية.

وفي الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول2003 وقعت إيران بروتوكولا إضافيا ملحقا باتفاقية الضمانات المستندة إلى أحكام معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووي، وقد انتُقد هذا التوقيع على أن فيه رضوخا للضغوط الأمريكية ومساسا بالسيادة الإيرانية40.

واستمرت الأوضاع إلى أن صرح وزير الخارجية الإيراني في 12 مارس/آذار 2006 أن إيران يمكنها أن تنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي "إذا لم يعد حقها في الطاقة النووية مضمونا"، وأكد وزير الخارجية "أن بإمكان إيران الحصول على حقوقها بما يتلاءم مع الآلية الدولية التي تنتمي إليها إيران" وأوضح بأنه "إذا بلغنا نقطة لا تُؤمِّن فيها الآليات الموجودة حق الأمة الإيرانية فإن الجمهورية الإسلامية يمكن أن تعيد النظر على الأرجح في سياستها"41.

وفي السابع من ماي هدد الرئيس الإيراني محمود نجاد بوقف معاهدة عدم الانتشار النووي إذا لم تقبل حقوق إيران في القيام بأبحاث نووية سلميا، وأكد قائلا "أنه إذا كان التوقيع على أي معاهدة يهدد حقوق أية أمة فلا تكون لها شرعية لدى هذه الأمة"؛ وفي رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان أوضح البرلمان الإيراني أن الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي سيكون الخيار الوحيد في حالة فشل مجلس الأمن وأعضاء الأمم المتحدة في حل مشكلة الملف النووي42.

  وقد أكد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن انسحاب إيران من المعاهدة لا يُعد حلا، فانسحاب أية دولة مثل كوريا الشمالية يزيد المنطقة توترا، وبذلك الحل لا يكمن في الانسحاب وإنما في إيجاد صيغة لحل المسألة بما يكفل لإيران حقوقها في استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية43.

مما سبق تناوله وتجسيدا لاستمرارية التعامل الدولي الذي ارتبط بمعاهدات واتفاقات كان لزاما لهذه الأخيرة أن تمتاز بالدوام والاستمرار، وألا تكون محلَّ تعديل أو تغيير أو نقض وانتهاك على مُراد كل دولة بمفردها، فاقتضت الضرورة إيجاد ضوابط وأسس لأجل ديمومة هذه المعاهدات وكذا العلاقات القائمة على إثرها، وبُغية ألاَّ يكون هنالك تعسف في استعمال الحق أو التعدي على أصحاب الحقوق في خِضم علاقات أضحت قاب قوسين أو أدنى من المصالح المتبادلة.

ثم إن موضوع إنهاء وإعادة النظر في أي معاهدة يوحي إلى طبيعة العلاقات الدولية اليوم في شتى مجالاتها السياسية والاقتصادية والفكرية والحضارية، وهو ينبئ عن الثقة المتبادلة بين الدول وعن مدى إعمالها لمبدأ حسن النية، وغير بعيد عن ذلك فإن إعادة النظر في معاهدة ما قد يكون بُغية تجاوز الانتهاء في حد ذاته، أو أنه سيكون مئآلا إليه أو سبيلا لوصوله، فيكون هذا الانتهاء نتيجة إعادة نظرٍ في أوضاع سالفة؛ وبذلك فإن إعادة النظر في معاهدة قد يُؤدي إلى إنهائها أو تعديل بعضٍ من بنودها.

وما هو مقرر أن المعاهدة متى أُبرمت صحيحة اكتسبت وصف اللزوم، وكان من الواجب على الدولة الطرف فيها القيام بما تنص عليه أو الإحجام عما تمنعه طيلة مدة سريانها، إلا إذا حصل تغير في الظروف والأوضاع، وهذا ما يُعتبر من الأسباب المشروعة التي تؤول بالأطراف لمراجعة المعاهدة لأجل مواكبة التطورات الحاصلة.

وفي كل الأوضاع التي تندرج ضمن الانتهاء أو إعادة النظر يجب إتباع الإجراءات المحددة ضمن المعاهدة ذاتها أو وفق ما جاءت به اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، خاصة ما تعلق بإبلاغ باقي الأطراف، واحترام المدد المحددة لذلك، وإلا كان الطرف المُخِل بالتزامه أمام المسؤولية الدولية عن عدم القيام بهذه الإجراءات، وينجر عن الانتهاء تحلل كل طرف من الالتزامات التي كانت تفرضها المعاهدة سابقا، أما عن تعديل المعاهدة وتغيير بعض بنودها فسيُفضي بأطراف المعاهدة إلى أن يلتزموا بما تم الاتفاق على استبداله من بنود.

وبالتالي فإن انتهاء المعاهدة الدولية لذُو صِلَةٍ وثيقة بالعلاقات الدولية واستمرارها، حيث أنه لا يمكن اليوم لدولة ما أن تكون بِمعزل عن هذه المعاهدات أو ألاَّ ترتبط باتفاقات حتى وإن كانت هذه الدولة في وضع من الحياد، خاصة إذا أدركنا شمول العلاقات لكل مجالات التعامل في حياة الدول ومُقوِّماتها، فإن لم تكن علاقاتٍ اقتصادية فستكون سياسية وإن لم تكن سياسية فهي ثقافية، هذا إن لم نقل أنها ستكون في جُلِّ المجالات الهامة التي لا يمكن للدولة أن تكون بمنأىً عنها، وإلا كان ذلك مبررا لفنائها.

خاتمة:

إذا كان استمرار المعاهدة الدولية مبدأً هاما تدعو إليه الدول بِرُمَّتها وعلى رأسها الدول الكبرى فإننا نجد هذه الدول التي كانت أطرافا مُؤسِسَة ومُنشِأة للعديد من الاتفاقات التي تُعنَى بحقوق الإنسان وبالقانون الدولي الإنساني، وبكل المجالات الأخرى هي المُتزعِّم والداعم للكثير من الانتهاكات الصارخة والخروقات الفاضحة في صُوَرٍ للعدوان تحت مزاعم واهية، أو جرائم إبادة أو غيرها من ضروب الانتهاك الفاضح، مما جعل من الاتفاق رسما على الرمل يمكن أن تعصف به الريح وتجعله في مَهبِّها، هذا ما يجعل العديد من الدول أمام الكثير من المخاوف مِن أن تكون الدول التي سنَّت قواعد واتفاقات –لِتَنْضمَّ إليها دول أخرى– هي البادئ في خرق ما كانت قد قننته وجعلته من الالتزامات الواجبة.

ثم إن القانون الدولي بقواعده ومبادئه هل وُضِع ليتم احترامه أم حتى يكون آلة تُضبَط حسب المصالح إلى الجهة المرجوة، فما هو واضح أن القوي لا يعتقد إطلاقا بأن القانون وُضِعَ ليُحترم إذا رأى أن مصلحته في مخالفته، فالملاحظ ضمن العلاقات الدولية أن الانتهاكات والخروقات بعدد المعاهدات، والإشكال أن يبقى واقع العالم المتخلف عموما والعربي تحديدا متفرجا، وفي موقع اللافعل إزاء أشد وأحلك الأزمات والانتهاكات في خِضم العديد من الأزمات الدولية.

والمقصد من إيراد ما سبق أن أغلب المعاهدات الشارعة والمواثيق الدولية كانت قد أُبرمت في وقت كانت أغلب دول العالم الثالث تحت وطأة الاستعمار أو حديثة الاستقلال، وبالتالي وجب إعادة النظر في الكثير منها لأنه تم إعدادها تحت السيطرة والإكراه، بل وأن الدول التي أبرمتها مَنَحَت لنفسها ما لم تمنحه لغيرها على غرار ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي للبنك الدولي للإنشاء والتعمير وصندوق النقد الدولي .

الملاحظ أن ميثاق عصبة الأمم كان قد تضمن نصا صريحا حول إمكانية انسحاب الدولة وفق المادة 26 الفقرة الثانية، لكن تم إغفال ذلك من ميثاق الأمم المتحدة.

فحتى وإن كان المقصود عدم فتح مجال التحلل من الالتزامات الدولية بالانسحاب، ودعم تواصل العلاقات بين الدول إلا أنه كان من الواجب إيراد نص بذلك يفتح للدول إمكانية الانسحاب أو عدم إمكانيته، خاصة إذا أدركنا بأنه ليس من صلاحيات الأمم المتحدة أن تُرغِم طرفا ما في أن ينضم أو يبقى منضما لهيئة الأمم المتحدة.

فإن كانت الهيئة قد استبعدت الانسحاب كصورة من أهم صور انتهاء المعاهدة والعمل بها، إلا أنه قد حصل ذلك فعلا بعد أن أعلنت اندونيسيا في مطلع سنة 1965 عن نيتها في الانسحاب من الأمم المتحدة ومن كل المنظمات التابعة لها على إثر اختيار ماليزيا عضوا في مجلس الأمن، فَسَعت الدول إلى أن تُقنع إندونيسيا بالعُدول عن قرار الانسحاب، ولكن صممت وقررت الانسحاب بتاريخ 01 مارس 1965، مما أوحى بأن سكوت الميثاق على أن يتناول الانسحاب هو بمثابة الإقرار والإجازة له، رغم أن اندونيسيا عادت إلى هيئة الأمم المتحدة بداية الدورة الحادية والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1966 بعد تغير الأوضاع السياسية واعتُبِر انسحابها توقفا مؤقتا فحسب.

وإن كان الانسحاب يُعد بمثابة الفعل الإرادي، نجد مرونة مطلقة خاصة فيما يتعلق بوجوب توافر الحدث غير العادي لتبرير الانسحاب، حيث يمكن لأية دولة أن تتذرع بهذه الذريعة التي لم توضع لها ضوابط واضحة، لأجل التحرر من الالتزامات التعاقدية التي التزمت بها فيما سبق نتيجة مراعاتها للمصالح الخاصة فقط أو ما شابه ذلك، وهذا ما يعد مساسا بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين الذي أقرته المادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969.

ومن أمثلة هذه الذرائع الواهية التمسك بحجة وجود حدث غير عادي، مثل ما بررت به الولايات المتحدة الأمريكية موقفها عند انسحابها من معاهدة الحد من الأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية (A.B.M)، حيث كان من المقاطع التي وردت على لسان أحد السفراء الأمريكان  "السفير سميث" أنه (...إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقية تنص على حد أكثر اكتمالا للأسلحة الإستراتيجية الهجومية خلال خمسة سنوات يمكن أن تتعرض المصالح العليا للولايات المتحدة إلى الخطر، وإذا ما حدث ذلك فإنه يمثل أساسا للانسحاب من معاهدة الحد من الأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية...).

وبهذا سيكون هذا التبرير مفتاحا لكل باب تود الدولة الطرف في معاهدة أن تَلِجَهُ للتحرر من التزاماتها، كما أضحى من الواجب ضمن الموضوعات العملية لإعادة النظر أن تتم مراجعة نظام منع انتشار الأسلحة النووية الذي تقرر بموجب معاهدة  (NPT)لحظر الاستخدام النووي، على شرط أن تكون المراجعة فعلية، وليست مجرد مؤتمرات تبقى حبرا على ورق، على غرار المؤتمرات المنعقدة خلال سنوات 1995، 2000، 2005 التي كانت قد تضمنت العديد من المسائل المستجدة، ولكن لحد الآن لم يصل الأمر إلى تجسيدها فعليا، بالإضافة إلى وجوب الفصل ما بين الجوانب العملية والسياسية لهذا الموضوع، خاصة ضمن اختصاصات الوكالة الدولية للطاقة الذرية وما يُثيره من بقاء العديد من الدول النووية بعيدا عن الرقابة، وعلى رأسها إسرائيل التي تعد من أكبر القِوى النووية، ولم تكن محط أنظار الرقابة الدولية على أنشطتها التي تقوم بتطويرها في مجالات التسلح بذريعة أن هذه الدولة لم تنضم إلى معاهدة حظر الاستخدام النووي، بالإضافة إلى ضرورة ضبط مسألة الانسحاب، الذي وإن كان حقا فلا بد له من قيود حتى لا يكون بإمكان أية دولة أن تتحلل من بنود المعاهدة بمجرد انسحابها.

والملاحظ إثر كل ذلك عدم فعالية الأساليب القديمة في التحقق من مكنة حصول الدول على المواد الانشطارية، حيث تمكنت العديد من الدول من تحصيل المتطلبات الرئيسية لأجل الاستخدام السلمي إلا أنها استعملتها في تطوير الأنظمة النووية الخاصة، لكن بعدما أن يتم اكتشافها تعمد إلى الانسحاب بطريق مباشر، ولأجل هذا كان لزاما خضوع الدول المنتجة للمواد الانشطارية إلى إشراف ورقابة دولية، حتى تتمكن من إنتاج هذه المواد الإستراتيجية وفق ما هو مسموح به للاستخدام السلمي فقط، كما يجب أن تخضع المنشئات المنتجة لهذه المواد للرقابة الدائمة دونما أي استثناء.

الهوامـــش:

[1]) ممدوح شوقي مصطفى كامل، الأمن القومي والأمن الجماعي الدولي، القاهرة، 1985، ص 22 وما يليها.

2) بوزنادة معمر، المنظمات الإقليمية ونظام الأمن الجماعي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1992، ص 13.

3) عدلي حسين، الأمن القومي وإستراتيجية تحقيقه، القاهرة، 1977، ص 11.

4) بطرس بطرس غالي، الأمن وحفظ السلام في إفريقيا، مقال منشور بمجلة السياسة الدولية، القاهرة، العدد 79، سنة 1985، ص 81.

5) عبد الرحيم محمد وليد، الأمم المتحدة وحفظ السلم والأمن الدوليين، المكتبة العصرية، بيروت 1994، ص 101.

6) إذ ورد في نص المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة أنه " يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة".

7) حتى وإن اتسمت الكثير من المسائل بالنسبية ففكرة الأمن الجماعي حقيقة مسألة جد هامة وهي موكولة بالدرجة الأولى للأمم المتحدة ومجلس الأمن ولكن تبقى السيطرة من طرف القوى المهيمنة واضحة ولا يمكن أن يتم إقرار اتفاق أو تعاهد إلا إذا كان فيه مصلحة لهذه القوى أو على الأقل لا يتعارض مع مصالحها وإلا كان محطا للأنظار.

 راجع محمد موسى، أضواء على العلاقات الدولية والنظام الدولي، دار البيارق، بيروت، 1996، ص 225.

8) عبد العظيم الجنزوري، مبادئ العلاقات الدولية الإسلامية والعلاقات الدولية المعاصرة، الطبعة الأولى، مطبعة الآلات الحديثة، أسيوط، 1992، ص 55.

9( M.B. Akehurst: Amodern Introduction to International Law, 6th Ed, Allen and Unwin, London, 1987, P 136.

10 ) وهذا ما قامت به إسبانيا سنة  1928، وفرنسا سنة 1943 بعد أن أعلنت عزمها عن الانسحاب في 18 أفريل/نيسان 1941.

11 )  محمد المجذوب، التنظيم الدولي، النظرية والمنظمات العالمية والإقليمية والمتخصصة،منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2005، ص 163.

12) محمد المجذوب، التنظيم الدولي، المرجع السابق، ص 223.

13) والسابقة في ذلك انسحاب أندونيسيا في 01 مارس/آذار 1965 من الأمم المتحدة بعد أن تم قبول عضوية ماليزيا في مجلس الأمن بعد كانت أندونيسا تطالب بضم بعض الأراضي الماليزية إليها، ولكن لم يدم الانسحاب طويلا وعادت أندونيسا إلى الأمم المتحدة في 28 سبتمبر/أيلول 1966 دون أن تقدم  طلبا جديدا، واعتبر الأمين العام للأمم المتحدة أن انسحاب أندونيسيا لم يلغ عضويتها وإنما أوقف تعاونها معها فقط، ولكن أعيب على الميثاق أنه لم ينظم الانسحاب مما يطرح مشكلة جوازية العضو في إنهاء عضويته متى شاء دون أي ضابط إجرائي أو زمني.

نفس المرجع، 224.

14) كريستر اهلستروم، مقال بالكتاب السنوي لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي بالاشتراك مع مركز دراسات الوحدة العربية والمعهد السويدي بالإسكندرية، 2004، ص 1064.

15) I. Brownlie: principles of public international law,4théd,Oxford,Clarendon press,1990, p618 et s.

إبراهيم شحاتة، إلغاء المعاهدة من جانب واحد نتيجة إخلال الطرف الآخر بالتزاماته، مقال منشور بالمجلة المصرية للقانون المجلد23،1967، ص 146.

16)E.Shwelb: The nucléar test Ban treaty and international law, American journal of international law, vol 58, 1964, P 660.

17) كريستر اهلستروم، المرجع السابق، ص 1069.

18) وقد كانت هناك العديد من الفرص والمناسبات التي أبدت فيها بعض الحكومات تبريرات لما يعتبر بمثابة الحدث غير العادي، ومن ذلك البيان الذي  أصدرته الولايات المتحدة الأمريكية على لسان  أحد سفرائها (السفير سميث) في التاسع ماي 1972 بشأن إبرام معاهدة الحد من الأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية (A.B.M) وكان من فصوصه "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقية تنص على حد أكثر اكتمالا للأسلحة الإستراتيجية الهجومية خلال خمس سنوات، يمكن أن تتعرض المصالح العليا للولايات المتحدة إلى الخطر، وإذا ما حدث ذلك فإنه يمثل أساسا للانسحاب من معاهدة الحد من الأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية".

  كريستر اهلستروم، المرجع السابق، ص 1072.

G.Lysen :theinternational régulation of armaments, the law of disarmament, Skrifter from juridiska fakulteten i uppsala 35/uppsala studies in law 35 (Uppsala i Iustus, 1990) P 178.

19) PTBT: معاهدة الحضر الجزئي لتجارب الأسلحة النووية في الجو وفي الفضاء الخارجي وتحت الماء.

NPT: معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

Seabed: معاهدة حظر وضع الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في قاع البحر وقاع المحيط وتحت تربتهما.        

BTWC: اتفاقية حظر تطوير الأسلحة الجرثومية (البيولوجية) والسامة وإنتاجها وتخزينها وتدميرها.

ABM: معاهدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بشأن تدابير محددة تتعلق بالحد من الأسلحة الإستراتيجية الهجومية.

SALT 01: الاتفاقية المؤقتة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بشأن تدابير محددة تتعلق بالحد من الأسلحة الإستراتيجية الهجومية.

TTBT: معاهدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي للحد من اختبارات الأسلحة النووية تحت الأرض.

SALT O2: معاهدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي للحد من الأسلحة الإستراتيجية الهجومية.

Rarotonga: معاهدة منطقة جنوب الباسيفيكي الخالية من الأسلحة النووية.

INF: معاهدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لإزالة الصواريخ المتوسطة المدى والقصيرة المدى.

CFE: معاهدات القوات المسلحة التقليدية في أوربا.

START 01: معاهدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لخفض الأسلحة الإستراتيجية الهجومية والحد منها.

START 02: معاهدة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لمزيد من خفض الأسلحة الإستراتيجية الهجومية والحد منها.

CWC: اتفاقية حظر تطوير الأسلحة الكيماوية وإنتاجها وتخزينها وتدميرها.

CTBT: معاهدة الحظر  الشامل للتجارب النووية.

   كريستر اهلستروم، المرجع السابق، ص 1070، 1071.

20) وفي مثل هذين الشرطين غير الحصريين مساس بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين، وفق نص المادة 26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 وهذا لمرونة الشرطين المطلقة.

21) والدول النووية حسب المعاهدة كل دولة صنعت سلاحا نوويا أو أي مُنشأة نووية أو جهاز نووي متفجر آخَر قبل 01جانفي 1967.

22) The International Atomic Energy [I.A.E.A] ″Agreement of  20 July 1977 between the agency and the démocratic people’s republic of Korea for the application of Safeguards in respect of a research reactor facility″ document INFCIRC/252, 14 November 1997.

23) I.A.E.A ″Agreement of 30 January 1992 between the government of the democratic people’s republic of Korea for the Application of safe guards in connection with the treaty on the non proliferation of nuclear weapon″ document INFCIRC/403, May 1991.

24) (www.iaea.org / publication / documents / infcircs>).26/04/2003

  وقد كان من الذرائع في ذلك وما اعتبر بمثابة الحدث غير العادي قرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية طلب التفتيش الخاص.

25) كرستر اهلستروم، المرجع السابق، ص 1074، بالإضافة إلى مواقع أخرى:

www.un.org/doc/secres/1993/secres 93.

www.iaea.org/publications/documents/Infcircs/others/infcirc 457.pdf  (Agreed Framework of 21 October 1994 between theUnited States of America and the democratic people’s republic of Korea.) document INFCIRC. 02 NOVEMBER 1994.

26) Korea Central News Agency (KCNA).(statment of DPRK government on its withdrawal from NPT ) 10 January 2003 <www.KCNA.CO.jp/item/2003.

27) والجلي أن الضغوط التي كانت تمارسها أمريكا على كوريا الشمالية واعتبار أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ما هي إلا أداة لتبرير تنفيذ قرارات تمليها الولايات المتحدة  الأمريكية هما على رأس الأحداث غير العادية التي كانت تُكِنها كوريا الشمالية لأجل الانسحاب من المعاهدة.

       ولكن ما تم تبنيه من عدة أطراف ومنها الولايات المتحدة أن كوريا لم تكن قد التزمت ولو جزئيا بمعاهدة منع الانتشار خاصة فيما اتخذته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهذا ما كانت قد خَلُصت إليه الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أنها لم تتمكن من إجراء تحقيقاتها وفق ما تحدده اتفاقية التدابير الوقائية.

( center/focus/iaeadprk/fact-sheet-may2003.htmlwww.iaea.org. /news)

28) F.L.Kirgis.(North Korea’s withdrawthwal from the Nucléar Nonproliferation Treaty)

Asil Insights, January 2003 (www.asil-org / insights / insight 96.htm).

29) كرستر اهلستروم، المرجع السابق، ص 1070.

30) US.Departement of state, office of the spakesman, Washington File. «US diplomatic notes on ABM treaty». 14 december 2001, www.defenlink.mil

كرستر أهلستروم، المرجع السابق، ص 1079.

إبراهيم الدراجي، جريمة العدوان ومدى المسؤولية القانونية عنها، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2005، ص 23.

جوزيف روتيلات، المحاولات القديمة لإبطال الأسلحة النووية، مقال منشور ضمن كتاب: عالم نظيف من السلاح النووي تحرير فرانك بلاكباي، ترجمة  أهم السمان، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، سوريا، 1994، ص 45.

31) عن أجندة السياسة الخارجية الأمريكية، مجلة تصدرها الخارجية الأمريكية، نوفمبر 2002 بالموقع: www.usinfo.state.gov/journals ، بتاريخ 30/06/2007.

كرستر  اهلستروم، المرجع السابق، ص 1079.

32( في الثاني من أكتوبر 2003 رفع السيد دايفد كاي DAVID KAY رئيس لجنة مسح العراق المسؤول عن إيجاد أدلة تثبت وجود برامج أسلحة دمار شامل في العراق تقريرا عن نتائج التفتيش، وأكد ضمنه أنه رغم التأكيد من أن الرئيس صدام حسين كان يطمح إلى الحصول على أسلحة نوويةلم يجد فريق مسح العراق ما يدل على أن (العراق اتخذ أي إجراءات بعد عام 1998 تهدف إلى تصنيع أسلحة نووية أو إنتاج مواد انشطارية(.                                                                                                                      

  Interin progress Report on the activities of the Iraq survey group, statement by David  Kay before the House parmanent select committee on intelligence, the house committee on appropriation subcommittee on défense and the senate select committee on intelligenc,

2 Octobre 2003. <www.fas.org / irp / cia / product / d Kay 100203. html>.

 شانون.ن، كايل، الحد من الأسلحة النووية وحظر انتشارها، مقال بكتاب التسلح ونزع السلاح والأمن الدولي الكتاب السنوي عن مركز دراسات الوحدة العربية ومعهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، 2004، ص 867.

33) S.N.Kile “Ballistic Missile Defence and Nuclear Arms Control” in: Sipri yearbook 2002, Armaments, disarmament and international security(Oxford University Press, 2002),P 506.

34) F.L.Kirgis:«proposed missile defense and the ABM treaty» Asil Insights, May 2001 www.asil.org / insights / insigth 70.htm.

35)فوزي درويش، السياسة الأمريكية تجاه دول الخليج، مقال بمجلة البيِّنة، مجلة مختارات إيرانية، العدد80، ص80، على الموقع: www.albaina.net/index بتاريخ 01/07/2007.

شانون، ن، كايل، المرجع السابق، ص 845.

(  36 أبرمت هذه الاتفاقية في 13 من ديسمبر 1974 وهي متوافرة في العنوان التالي:

www.iaea.org / publications / documents / infcircs / others / infcirs 214. pdf.

37)شانون،ن،كايل، المرجع السابق، ص 847.

38) P.Slevin and J.warrick:«U.S wary of Iranian Nuclear Arms» Washington Post (Internet ed.) 10/2/2003 (www.washington post.com/ac2/wp-dyn/A54213-2003Feb10).

39) «Implementation of the NPT safeguards agreement in the Islamic Republic of Iran» resolution adopted by the IAEA board of governors,IAEADOCUMENTGov/2003/69,12september2003,p.2(www.iaea.org/Publication/Documents/Board/2003/gov2003-69-pdf).

40)شانون،ن،كايل، المرجع السابق، ص 854.

41) جريدة الخبر اليومي، العدد 4649، 13 مارس 2006، ص 11.

42) جريدة الشروق اليومي، العدد 1679، 08 ماي 2006، ص 09.

43 ) غيدا فخري، مقال حول الملف الإيراني، جريدة الشرق الأوسط، جريدة العرب الدولية، العدد9655، بتاريخ 05/05/2005، وكذا على الموقع الإلكتروني: www.awsat.com/detail بتاريخ 30/07/2007.