الفساد و أثره على الفقر: إشارة إلى حالة الجزائرpdf

 

أ:وارث محمد                    

جامعة سعد دحلب البليدة )  الجزائر (

الملخص:

شهدت السنوات القليلة الماضية اعترافا متناميا بمشكلة الفساد و التصدي لها، كما شكلت اهتمام العديد من الأكاديميين و صانعي السياسات على السواء، تمثلت بفرق العمل التي شكلت على مستوى الهيئات و المنظمات الدولية ، و تنامي الأدبيات النظرية و التطبيقية بشأن الفساد و أثاره الاقتصادية، فالفساد يضر بالفقراء عن طريق تحويل الأموال المخصصة للتنمية إلى مجالات أخرى، و تقويض قدرة الحكومة على توفير الخدمات الأساسية، ويعمل على تغذية عدم المساواة و الظلم و إعاقة الإستثمارات و المساعدات الأجنبية. و في هذا الشأن فان جهود الجزائر في مجال محاربة الفقر و دفع عملية التنمية قد تؤول إلى الفشل إن لم تدعم آليات الحكم الراشد و محاربة الفساد.

Résumé :

Les dernières années ont vu une reconnaissance croissante du problème de la corruption qui a attiré  l'attention de nombreux universitaires et décideurs politiques, et ce  par la formation des équipes de travail  au niveau  des organisations internationales, et la publication de nombreuses études théoriques et pratiques  sur la corruption et son impact économique.

 La corruption nuit aux pauvres  par le transfert de fonds destinés au développement à d'autres domaines, et de saper la capacité du gouvernement à fournir des services de base, par l’accentuation  des inégalités et de l'injustice, et les obstacles  à l’investissement  et l'aide étrangère.

 A cet égard, les efforts de l'Algérie dans la lutte contre la pauvreté et  le processus de développement pourraient être échoués  en l’absence de  la bonne gouvernance et la lutte contre la corruption

مقدمة:

الفساد موجود في البلدان الغنية و الفقيرة، النامية و المتقدمة على حد سواء، و إن إختلف شكله و حجمه. و تؤكد الأدلة على أن الفساد  يضر الفقراء على نحو متفاوت، و يعرقل الجهود الرامية إلى تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية و التنمية البشرية من خلال تقليل فرص الحصول على الخدمات الإجتماعية و تحويل الموارد بعيدا عن الإستثمار في البنية الأساسية ، و المؤسسات و الخدمات الإجتماعية. و يقوض الفساد أيضا الديمقراطية و حكم القانون، و يؤدي إلى إنتهاك حقوق الإنسان، و تشويه الأسواق، و الإنتقاص من جودة الحياة، و يسمح بإزدهار الجريمة المنظمة و غيرها من الأخطار التي تهدد أمن الإنسان.1

1. الفساد: تعريفه و أسبابه:

1.1 تعريف الفساد: يعرف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الفساد على أنه إساءة إستعمال السلطة العمومية أو المنصب أو السلطة للمنفعة الخاصة، سواء عن طريق الرشوة، أو الإبتزاز، أو إستغلال النفوذ، أو المحسوبية أو الغش، أو تقديم إكراميات للتعجيل بالخدمات أو عن طريق الإختلاس. و رغم أن الفساد كثيرا ما يعتبر جريمة يرتكبها خدام الدولة و الموظفون العاملون، فإنه يتفشى أيضا في القطاع الخاص.2 و تعرفه منظمة الشفافية الدولية على أنه إستغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة، أما البنك الدولي فيعرف الفساد بأنه إساءة إستعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص.3  و يتخذ الفساد أشكال عديدة 4 كالرشوة، الغش، غسيل الأموال، الإبتزاز، العمولة الخفية، استغلال النفوذ، المحاباة، المحسوبية ، الرعاية، التعاملات الداخلية، إكراميات لتعجيل الخدمات ، الإختلاس ، إساءة استخدام الممتلكات العامة..الخ. كما يندرج الفساد ضمن فئتين شاملتين:5

الفساد الكبير و الصغير:  يمكن أن يحدث الفساد على مستويات مختلفة، تتراوح من الفساد الصغير الذي يحدث على أبسط مستويات التعامل بين المواطنين و الشركات  و الموظفين العموميين إلى الفساد  الكبير الذي يتضمن الرشوة أو اختلاس مبالغ مالية من قبل شخصيات في أعلى مستويات الهرم الحكومي. و يحدث الفساد الصغير، و الذي يطلق عليه أيضا إسم الفساد الإداري أو الفساد البيروقراطي، في المجالات التي تتولى  تنظيمها السياسات العامة. و يشيع، على سبيل المثال، في مجال  تقديم الخدمات، كما هي الحال في خدمات الرعاية الصحية و التعليم، حيث يتعامل الناس مع الحكومة بوصفهم عملاء أو مستفيدين من الخدمات العامة .

الفساد السياسي:  يتمثل التعريف الواسع و الأكثر شيوعا للفساد السياسي في إساءة استخدام السلطة السياسية لتحقيق مكاسب خاصة بهدف الحفاظ على أو تعزيز الموقع في السلطة، أو لإثراء الذات أو كليهما. و يعزى الفساد السياسي إلى أولئك الذين يتولون عملية صنع القرارات السياسية الخاصة بالقوانين و التشريعات و تخصيص الموارد الأساسية للدولة. و من بين الأشكال المألوفة للفساد السياسي شراء الأصوات، و تزوير الإنتخابات، و القيام بحملات سياسية و تمويل الأحزاب بصورة غير قانونية و غير نزيهة، و سوء استخدام الممتلكات العامة في العملية السياسية.

2.1 أسباب الفساد: تتعدد أسباب إنتشار الفساد و تختلف من بلد لآخر، غير أن  الأبحاث في هذا المجال  تشير إلى أن إنتشار الفساد يزداد عند توافر الظروف العامة التي تسمح له بالإنتشار و التفشي، و يمكن حصر أسباب الفساد في ثلاث مجموعات رئيسية هي:

الأسباب الإقتصادية

-تدخل الحكومة في الإقتصاد: حينما يكون للمسؤولون الحكوميون إستنساب عريض في تطبيق القواعد التنظيمية، قد تكون الأطراف الخاصة على إستعداد لدفع الرشاوي للمسؤولين الحكوميين للحصول على أي ربح يمكن تولده القواعد التنظيمية.6

-إنخفاض مستوى دخل الموظفين الحكوميون: و يعزز هذا إنتشار الفساد إذ يضطر هؤلاء الموظفين إلى قبول الرشاوي كوسيلة لزيادة رواتبهم المتدنية  و تأمين دخل إضافي، و تحذر إدارة الشؤون المالية في صندوق النقد الدولي من مخاطر التخفيض الشامل لأجور الخدمة المدنية الذي يمكن أن يفضي إلى إرتفاع في السلوك الفاسد.7 كما يشير بعض الدارسين إلى العلاقة العكسية بين معدل الفساد و المستوى المنخفض للأجور في القطاع الخاص أو القطاع الصناعي.8

-عدم وضوح النظام الضريبي و عدم كفاية شفافية القوانين و الإجراءات الضريبية: إضافة إلى إعطاء صلاحيات كبيرة لمحصلي الضرائب مع غياب الرقابة.

-عدم إستقرار البيئة القانونية و التشريعية التي تحكم المؤسسات الحكومية: إذ أن وجود نظام قانوني عادل فاعل، إضافة إلى وجود حكومة قادرة على تطبيق القوانين يؤثر على قيام هذه المؤسسات بالمهام الموكلة إليها بشكل فاعل يحد من إنتشار الفساد، أما في حالة فشلها في تأدية وظائفها، فقد يدفع المتعاملين إلى اللجوء إلى أساليب غير قانونية لرشوة المسؤولين الحكوميين لإنجاز أعمالهم.

-وجود قاعدة موارد طبيعية كبيرة و تضخم الجهاز الإداري: ذلك أن توفر ثروة طبيعية كبيرة في المجتمع يغري المسؤولين لممارسة الفساد بصورة أكبر مما في المجتمعات ذات الموارد المحدودة و هذا في غياب معلومات مفصلة عن تلك الثروات في مختلف مراحل الإنتاج و التصدير كما أن تضخم الجهازي الإداري من شأنه أن يؤدي إلى تعقيد الإجراءات الإدارية و يضعف التواصل مع المواطنين، و يزيد من البيروقرطية التي تعتبر باب من أبواب الفساد، كما يزيد أيضا تضخم الجهاز الإداري من هدر موارد الدولة.

-   كبر نسبة موازنة الدفاع في الموازنة العامة: هناك علاقة قوية بين الإنفاق العسكري و الفساد، بمعنى أن الحكومات الأكثر فسادا تميل إلى الإنفاق العسكري الأكبر، و ذلك بسبب إنعدام الرقابة الفعالة على هذا النوع من الفساد.9و قد أشارت بعض الأرقام إلى أن المتراكم من إجمالي الدخل القومي للسنوات 1950-2000 للدولة العربية بلغ 3000 بليون دولار. و لقد تم  تقدير إنفاقه خلال الفترة نفسها في ثلاث قطاعات  مثيرة للإهتمام. أنفق الثلث الأول (أي ما يقارب  الآلف بليون دولار) على التسلح و الصفقات الملتصقة به.  كما  قدر ما أنفق على البنية التحتية بحوالي الثلث من إجمالي الإيرادات. أما الثلث الأخير، أي ما يعادل الألف بليون دولار فقد تم إنفاقه في الرشى و السعي في إقتطاع الصفقات في عمليات مليئة بالفساد و المحسوبية و إنتهاك الحقوق و هدر المال العام، و لا يحتاج المرء إلى الكثير من التحليل و التنظير لإكتشاف الأثار القاتلة التي تركها الفساد المستشري على عملية الإنماء و التنمية ، و على التخلف و التفاضل في المداخيل و الفقر الناتج عن ذلك، و الذي تركه هذا النهج المعيب.10

-       الأسباب السياسية:

الحكومات الضعيفة: يؤدي ضعف الحكومة إلى تنمية الفساد و يمكن الحكم على مدى ضعف أو قوة الحكومة من خلال معرفة ما يلي:11

-       مدى الغموض أو الشفافية في معاملاتها  الإقتصادية

-       مدى إتباع الإجراءات و النظم الموضوعية في التعيينات و الوظائف

-       مدى قصور أو فعالية الرقابة على أنشطة الدولة

إن هذه العناصر تحدد مدى قدرة القيادة السياسية على محاربة الفساد، فكلما قلت الشفافية، و قلت الرقابة و اتبعت إجراءات غير موضوعية في التعيينات كلما زاد الفساد  و ازداد معه الفقر، فالفقراء سوف لن تكون لهم الفرصة في ظل حكومة ضعيفة لا تمكنهم من المشاركة و المنافسة العادلة، و تطوير إمكانياتهم و العمل على تحسين مستواهم، فالحكومة الضعيفة سوف تحد من قدراتهم على المشاركة في إتخاذ القرارات التي تهمهم، في ظل غياب الرقابة و ما ينتج عنها  من لوبيات الفساد. أما الحكم السليم فهو الحكم الذي تدار من خلاله الموارد العامة و تحل المشاكل بفعالية  و بطريقة تستجيب للإحتياجات الأساسية للمجتمع على أساس المشاركة العامة و المساءلة و الشفافية.

-  عدم إهتمام القيادة السياسية بمحاربة الفساد:

إن القيادة السياسية هي القدوة و المثل لباقي مسؤولي الدولة، فلا بد أن تكون هي  السباقة في مكافحة الفساد، و تزداد الطامة عندما يشترك القادة أنفسهم في أعمال الفساد أو عندما يتغاضون عن مثل هذه الأعمال لأقاربهم أو أصدقائهم، و بالطبع لا يتوقع أن يفعل الموظفون الحكوميون ما لا  يفعله رؤسائهم، ففي إحدى الدول الإفريقية رفض الرئيس إقالة بعض وزرائه الذين يعرف عنهم الفساد، و في دولة أسيوية تم نقل وزير متهم بالفساد ليرأس حقيبة وزارية  أخرى، و في إحدى دول أمريكا اللاتينية إقترح الرئيس إسم أحد الأفراد المشهور عنهم الفساد، لرئاسة لجنة لمكافحة الفساد.12 و تشكل هذه الوضعية أسوء حالة للفقراء، فإذا كان هناك لا مبالاة للفساد من رأس هرم السلطة أو ما يسمى بالقيادة الساسية، فإن هذا بالضرورة سوف ينعكس سلبيا على الفقراء، الذين سوف يكونوا أولى ضحايا الفساد. فالدولة التي تعاني من الفساد المستوطن قد تكون بالغة القسوة تجاه أشد الفقراء ممن لا تتوفر لهم الموارد لمنافسة أولئك الراغبين في دفع الرشاوى.13

الأسباب الإجتماعية:

يجمع علماء الإجتماع و الإدارة على أن الأجهزة الإدارية لا تعمل في فراغ و أن للبيئة الخارجية المحيطة بها تأثير مباشر على سلوك العاملين فيها. و قد تساهم العوامل الإجتماعية في خلق بيئة تكون من الأرجح أن يسفر توافر الربع فيها عن سلوك تكسبي .14 فعندما تقوى الروابط الإجتماعية بين أفراد الطائفة الواحدة أو القبيلة في المجتمع، يميل المسؤولون الحكوميون لتفضيل أقاربهم و أصدقائهم، و يتم التوظيف حسب الإنتماءات العشائرية و الإقليمية و الطائفية في المناصب العليا، التي يستطيعون من خلالها تحقيق المكاسب الخاصة و المزايا غير المشروعة، مما يؤدي إلى زيادة الفساد في المجتمع.15

عموما أغرق النقاش الأكاديمي في بحث و شرح أسباب الفساد منذ سبعينات القرن الماضي و قام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، باستخدام و توسيع معادلة مؤثرة جدا في هذا المجال، و لو أنها لم تسلم من النقد، حيث تعبر على الفساد كما يلي:

الفساد=(الإحتكار+ الإستنساب) – (المسائلة + النزاهة + الشفافية)، و هي تحلل النظم بالنسبة إلى مدى تعرضها للفساد و بغض النظر عما إذا كان الفساد ينتشر  في القطاع الخاص أو القطاع العام، فإن المنافسة تبقى أكثر مناعة أمام الفساد من الإحتكار.16

2. الآثار المترتبة عن الفساد:

يؤدي الفساد إلى نتائج سياسية و إقتصادية و إجتماعية في غاية الخطورة، إذ أن هذه الآفة تمس الجميع و لا سيما الفقراء و الضعفاء، و هي  فئات لا تستطيع دفع الرشاوي و لو لتلبية أبسط الإحتياجات، كما يؤدي الفساد إلى الإضرار بالإقتصاد و البيئة و بإمكانه أن يتسبب في إبطاء التنمية بل و تراجعها في  البلدان النامية، لكونه يحول الموارد و يصد المعونة الدولية و الإستثمار الاجنبي و الداخلي و في حالات  قصوى تتداعى أركان القانون و النظام من جراء عدم إنفاذ القوانين و الأنظمة مما يؤدي إلى إستشراء الجريمة و العنف و يتسبب في القلاقل الإجتماعية.17

و قد أشار إستطلاع للرأي قامت به منظمة الشفافية الدولية (T.I) ، أن الفساد أكثر إنتشار في الدول الفقيرة و أن الفقراء هم ضحايا الفساد في الدول الغنية والفقيرة، ففي هذا الإستطلاع الذي شمل 63199 شخصا من 60 دولة، جاءت الدول الإفريقية على رأس الدول الأكثر فسادا حيث أشار أكثر من 42 % ممن شاركوا في الإستطلاع إلى أنه طلب منهم رشى مقابل الحصول على خدمات تقدمها الدولة بشكل مجاني. و جاءت القارة الأسياوية في المرتبة الثانية بـ أكثر من 22 %، و تلتها روسيا و مولدوفيا و أوكرانيا بنسبة 21 % ثم الإتحاد الأوروبي بنسبة 5 % و في  الأخير أمريكا الشمالية بنسبة 2 %.18  و يمكن سرد أهم أثار الفساد فيما يلي:

1.2 الفساد يفاقم الفقر:

إن ارتفاع مستويات الفساد يحد من معدل النمو الإقتصادي. فالفساد المتفشي يدل على أن الدولة سيئة التدبير. و يكون البلد أكثر فقرا بصفة عامة إذا كان مستوى الفساد عاليا. و قد يتخبط في ورطة الفساد التي يغذي فيها الفساد الفساد و يصد الإستثمار المشروع. وبناء عليه، فإن الحد من الفساد و تحسين تدبير أمور الدولة ينبغي أن يعود بالنفع على المواطنين، بمن فيهم أفقرهم. لكن ماذا يستتبع هذا الإستنتاج بالنسبة للوضع النسبي للمواطنين المعوزين في نظام فاسد؟ إن الجواب يتوقف على طبيعة المنافع التي يتم الحصول عليها بالرشوة و على الطريقة التي توزع بها الرشوة.19

-حصول الفقراء على أدنى مستوى من الخدمات الإجتماعية: كلما وزعت المنافع العامة على أساس القدرة على الدفع، إلا وعانى الفقراء من ذلك. فاستخدام نظام للسعر غير المشروع في توزيع السكن و التعليم و الصحة سيحرم العاجزين عن الدفع. و يصح هذا على الرسوم المشروعة كما يصح على المبالغ المدفوعة بصورة غير مشروعة على سبيل الرشوة.

-تفادي استثمارات الهياكل الأساسية للمشاريع التي تساعد الفقراء: في دولة يتفشى فيها الفساد، سيصمم المسؤولون المشاريع العامة لتكثير الدخل الناشئ عن الرشوة و للحد من احتمالات انكشاف أمرهم . و ترجح هذه  الإستراتيجية المشاريع المفرطة في ضخامتها و تشعبها. و علاوة على ذلك. قد تكون المشاريع موجة للفقراء توجيها غير محكم، على اعتبار أن هذا الهدف لا يزيد من دخل الفساد. و ستغطي الضرائب و قروض المعونة و المنح تكاليف هذه المشاريع بدل استخدامها في مشاريع يستفيد منها من هم أشد فقرا. بل إن المشاريع من قبيل  بناء المدارس و المستوصفات ستقدم القليل من  الخدمات للفقراء لأن تكاليفها قد تضخمت بالرشاوى المدفوعة.

-مواجهة الفقراء لعبئ ضريبي أثقل أو لخدمات أقل: فإذا عم الفساد تحصيل الضرائب و الرسوم الجمركية، تزداد نسبة  الضرائب الإجمالية المفروضة على من لا يملكون القوة و الثروة لدفع الرشوة لجباة الضرائب. و بطبيعة الحال، من المرجح ألا يكون أفقر الفقراء مصدر دخل واعد. و قد تكون من النتائج المترتبة على ذلك أن يقرر الملزمون بالضريبة التحول إلى الإقتصاد غير النظامي المستتر حيث لا يستطيع جباة الضرائب أن يضبطوهم. و من جهة أخرى، إذا عجز الفقراء عن دفع الضرائب، فإن حصيلة الصفقات الفاسدة ستتجسد في تقلص الدولة و عجزها عن توفير العديد من الخدمات.

-بيع الفقراء لمنتجاتهم الزراعية في ظروف غير مواتية: فالعديد من الفقراء هم من صغار المنتجين الزراعيين. و يعتمدون على الوسطاء لإيصال منتجاتهم إلى السوق. فإذا حمل هؤلاء الوسطاء الدولة على تخويلهم احتكارات محلية في مناطق جغرافية معينة، فإن المزارعين يصبحون في وضع غير مناسب. و يكون للموظفين المرتشين حافز يدفعهم إلى خلق تلك الإحتكارات لإستخدامها في استخلاص مكاسب شخصية. و كثيرا ما عملت مجالس التسويق الزراعي بهذه الطريقة و شكلت مصادر مألوفة يستخدمها الحكام للمحسوبية و الرشوة.20

-الحد من نمو المؤسسات المحلية الصغيرة: ففي بعض البلدان يتمركز العديد من الفقراء في الحواضر و يعيشون على مؤسسات تجارية صغيرة. وقد تتقيد بشدة قدرتهم على الإفلات من براثين الفقر من خلال استخدام تلك المؤسسات و ذلك بسبب فساد الجهاز التنظيمي و الضريبي الحكومي، و هذا الفساد من شأنه أن يقصيهم و يحد من قدرتهم على النمو.

في أمر المستفيدين من الرشاوى، فرغم أن الرشوة الواسعة النطاق المقدمة لكبار المسؤولين لا تعمل سوى على إغناء من هم أثرياء فعلا، فإن صغار الموظفين يقبلون هم أيضا الرشوة. و كثيرا ما تكون في أيدهم مقاليد الحصول على منافع من قبيل الرخص أو الإعفاء الضريبي و الجمركي و هذا لكون طبقات كثيرة من الموظفين يمكن وصفها بأنها فقيرة. و قد تكون الرشاوي التي يحصلون عليها مصدرا مهما للمال لأفراد أسرهم، لذا فلا بد من مراعاة هذه الحقيقة عند إصلاح الوظيفة العمومية.

2.2الفساد يؤثر بشكل سلبي على النمو الإقتصادي و منه زيادة الفقر:

يؤدي الفساد إلى تشويه عملية تخصيص الإنفاق العام. و تشير الدراسات التي أجراها البنك الدولي في سنة 2000 إلى أن الحصة التي تنفقها الأسر الفقيرة من دخلها على الرشوة. يتجاوزها ما تنفقه الأسر الغنية. و أن الشركات الصغيرة تدفع رشى تتجاوز ضعف ما تدفعه الشركات الكبيرة إذا ما قورنت بنسبة إيراداتها السنوية.

و تشير تقديرات البنك الدولي أن أكثر من ألف مليار دولار أمريكي تدفع كرشى كل سنة، أي ما يزيد عن 3 % من دخل العالم في سنة 200321 و بحسب تقديرات الاتحاد الإفريقي فإن حوالي 148 مليار دولار أمريكي تخرج سنويا من القارة الإفريقية بسبب الفساد22. و هذه الموارد يمكن أن تحدث فارقا كبيرا إذا ما تم إعادة توظيفها في هذه الإقتصادات. و يرى أكثر من 70 في المائة من الشركات الصغيرة و المتوسطة  في الإقتصادات الإنتقالية أن الفساد يعتبر عائقا أما أعمالها.23

3.2الفساد يؤدي إلى نشر ثقافة الفساد:

إن ثقافة الفساد إذا ما شاعت تعتبر الرشوة  أمرا طبيعيا، لا بل هي حق أو أنها إقتسام للمغانم، كما أن الموظفين ذوي الأجور المنخفضة قد يعتبرون أن الرشوة هي بمثابة صدقة من القادر على الدفع إلى المحتاج، و هذه الثقافة خطيرة على المجتمع و على علاقات الأفراد، و تضعف ثقافة الفساد ثقة الناس ببعضهم بعض و تظهر ضعف الدولة تجاه الخارج، كما تظهر هشاشة الوضع الداخلي فضلا عن النتائج السياسية القاسية لكل ذلك.24  و قد يؤدي هذا الوضع إلى إحداث القابلية للفساد خصوصا لدى الفقراء.

4.2 الفساد يكبح التنمية في البلدان الغنية بالموارد الطبيعية:

تعاني بعض البلدان التي تملك موارد تساعدها على تحقيق الرخاء، من انتشار الفقر فيها و ضعف الحكومة لأن الإيرادات العامة المتحصل عليها من بيع هذه الموارد غالبا ما تضيع من جراء الفساد و غياب مساءلة الحكومة أمام المواطنين و ثمة دليل أساسي و متزايد على أن البلدان التي تملك احتياطيا كبيرا من الموارد الطبيعية كالبترول و الغاز الطبيعي عرضة بشكل خاص للفساد، و ثراء النخبة بصورة غير مشروعة.

5.2 الفساد ينتهك حقوق الإنسان و يقوض الديمقراطية:

ينتهك الفساد الحقوق السياسية و المدنية من خلال تشويه طريقة عمل المؤسسات و العمليات السياسية أو جعلها عديمة الفائدة، و يقوض أداء القضاء و أجهزة تطبيق القانون كما ينتهك الفساد الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية من خلال الحرمان من المساواة في توفير الخدمات العامة كالرعاية الصحية و التعليم ووضع عقبات أمام كسب المعيشة في القطاع العام و الخاص.

6.2 الفساد يشجع النزاعات و يشكل عقبة أمام تحقيق السلام:

غالبا ما ينظر إلى الفساد على أنه عامل رئيسي في إضعاف استقرار البلدان و يشير توافق واسع إلى أن البلدان و المناطق التي تعاني من نزاعات مستمرة، أو يهددها النزاع، هي عرضة على وجه التحديد لأنواع معينة من الفساد مثل تهريب البضائع و الإمدادات العسكرية. علاوة على ذلك، ثمة إدراك متزايد بأن الفساد يعتبر حاجزا أمام إعادة الإعمار و تمتين السلام في البلدان الخارجة من النزاعات25، و يكون أشد الناس معاناة هم الفقراء، ذلك أن آثار النزاع تمس  أكثر الناس معاناة و الذين ليست لديهم الموارد الكافية التي تمكنهم من مجابهة التحديات و الأزمات.

7.2 الفساد يضعف تقديم المساعدات الإنسانية و تلك الخاصة بإعادة الإعمار:

ينطبق هذا الوضع في المناطق التي تتأثر بالكوارث الطبيعية، و هي حقيقة لاقت اهتماما على وجه الخصوص في أعقاب إعصار تسونامي الذي ضرب قارة آسيا سنة 2004 فعلى سبيل المثال عقب إعصار تسونامي تم جمع تبرعات تزيد 7 مليارات دولار لمساعدة المناطق التي أصابها الدمار في إقليم آتشيه بإندونيسيا، و لكن مجموعة مكافحة الفساد المسماة "غيراكان أنتي كوروبسي" قالت أن 30 في المائة من هذه المساعدات المالية قد سرقت و يقدر آخرون أن ربع ما يقدر بحوالي 50 ألف منزل من تلك التي أنشأت الضحايا قد انهارت بالفعل و يجب إعادة بنائها لأن 70 في المائة من الأخشاب التي استخدمت في البناء لم تكن مستوفية للمواصفات المطلوبة في قوانين البناء26.

8.2 الفساد مشكلة عابرة للحدود و يتقاطع مع الجريمة المنظمة:

في عالم اليوم الذي يتصف بالعولمة، يزداد الترابط بين الدول و الشركات و المعنيين في القطاع الخاص أكثر و أكثر من خلال التجارة و الاستثمار و العمليات المالية و الاتصالات، هذا يعني بأن الفساد في إحدى الدول يثير المخاوف في دول أخرى27. إن مثل هذا الفساد خطير للغاية، إذ أنه مرتبط بفوائد اقتصادية كبيرة و يضعف قدرة سلطات الدولة على الحفاظ على القانون و النظام 28. و بالإضافة إلى أنه جريمة في حد ذاته يهيء  الفساد بيئة تزيد من احتمال وقوع جرائم أخرى مثل الإتجار بالمخدرات، و يمكن أن تكون العلاقة تبادلية حيث أن الإتجار بالمخدرات يزيد أيضا من مستوى الفساد و ذلك من خلال تشجيع الرشوة و غسل الأموال.

و من خلال ما قدمناه عن آثار الفساد، يظهر أنه لا يوجد خلاف على ترابط الفساد و الفقر، لذلك لا يمكن تجاهل الفساد عند وضع سياسات معالجة الفقر و تعزيز الحكم الرشيد و تحسين الإدارة و وضع السياسات التنموية بصفة عامة.

3. الفساد بوصفه موضوعا متقاطعا مع التنمية و الحكم:  

إن الحكم الرشيد أساسي لتهيئة بيئة تعزز النمو الاقتصادي و تحد من الفقر، فالحكومة التي تستجيب بقدر أكبر لاحتياجات و رغبات الفقراء تستطيع أن تحسن نوعية معيشتهم، و يعد رفع مستوى إدارة الحكم عنصر رئيسي في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية للبلد. غير أن هذا الجانب (التنمية) يتعرض للخطر بفعل الفساد، فالتنمية تستلزم مؤسسات سليمة بعيدة عن الفساد، الذي يعد مشكلا من مشاكل سوء إدارة الحكم إن لم نقل أهمها، فالحكم الرشيد يقوم على المشاركة و الشفافية و المساءلة و تتحدد أولوياته الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية، بتوافق الآراء و تكون فيه لأفقر الشرائح و أضعفها كلمة في المسائل التي تمس رفاههم و في تخصيص الموارد الإنمائية، أما سوء إدارة الحكم الذي تستشري في ظله الرشوة و الفساد و سوء الإدارة فيكون له أثر معاكس.

تشير الدلائل إلى أن الفساد و ضعف التنمية وثيقا الصلة ببعضها البعض و يعزز كل منهما الآخر، إذ من المرجح أن يزدهر الفساد في ظل انتشار الفقر و ندرة الضوابط المؤسسية على السلطات، و عدم وضوح عملية صنع القرار، و ضعف المجتمع المدني و معاناة الاقتصاديات من التدهور البيئي الشديد29.

كما يحتاج تحقيق التنمية و التقدم الذي تنشده أي دولة إلى الأموال الكثيرة التي تمكنها من إقامة مشاريع البنية الأساسية و زيادة حجم استثماراتها في القطاعات و المشاريع المختلفة، الشيئ الذي يزيد من الناتج القومي، و يرتفع مستوى الرفاهية الاقتصادية و يتحقق ما تنشده من تنمية و تقدم.30 غير أن هذه الرفاهية التي تتآتى من وفرة الأموال لا يمكن تحقيقها في ظل حكم رديء فاسد، لا يعتمد الشفافية، و التوزيع العادل للمكاسب، و توضح نتائج أبحاث البنك الدولي أنه بمعالجة الفساد و تعزيز حكم القانون، يمكن للبلدان أن ترفع دخلها الوطني بمقدار أربعة أضعاف على المدى البعيد، و أن تخفض معدل وفيات الأطفال لديها بنسبة 75 في المائة،31 إن الفساد موضوع يتقاطع مع التنمية من خلال عدة أوجه يمكن شرحها فيما يلي:

1.3الفساد و النمو الاقتصادي:

إن القضاء على الفقر يتطلب تضافر عنصرين مترابطين هما النمو الاقتصادي و التنمية الاجتماعية بما في ذلك أوجه التقدم ذات الصلة بالسكان أما التحدي الحالي فيتمثل في محاولة تفادي المنحنى المقلوب (على شكل U) الذي تزداد فيه اللامساواة قبل أن تبدأ في التناقص و تفادي الفقر المدقع.32 و تزداد اللامساواة و الفقر و التهميش في ظل الفساد، الذي يؤثر على النمو الاقتصادي من خلال آليات متنوعة فهو يضعف الاستثمار الأجنبي و المحلي عن طريق زيادة فرص السعي للحصول على مزايا اقتصادية دون مراعاة مصلحة المجتمع، ما يخلق جوا من عدم اليقين، و يقلل الحوافز المشجعة للمستثمرين الأجانب و المحليين. و رغم الأضرار التي يسببها الفساد لأنشطة الشركات بشكل عام، تعاني المشروعات الاقتصادية الصغيرة و المتوسطة على وجه الخصوص من الفساد بوصفه العقبة الرئيسية أمام نشاطها33.

 2.3الفساد و الفقر:

 عادة ما يعزز الفساد و الفقر بعضهما البعض، و من المحتمل أن تعاني البلدان المصابة بالفقر من الفساد، لأن الفساد هو أحد العوامل التي تفاقم الفقر في بلدان تكافح في ظل ضغوط النمو الاقتصادي والتحول الديمقراطي. و على نحو بديل، من الممكن أن تصبح البلدان التي تعاني من الفقر المزمن منابتا خصبة للفساد بسبب استمرار عدم المساواة الاجتماعية، و التفاوت في الدخل، و رداءة الحوافز الاقتصادية، و قد لا تكون البلدان الفقيرة قادرة على تخصيص مصادر تكفي لإنشاء و إنفاذ أطر قانونية فعالة و على نحو مماثل، فإن الإنسان عندما يكون محتاجا قد يميل إلى إسقاط المبادئ الأخلاقية من حساباته و يتورط بالفساد نتيجة ذلك. بالإضافة إلى ذلك، من المحتمل أن يفاقم الفساد عدم المساواة في الدخل الذي يرتبط بتباطؤ النمو الاقتصادي.

الشكل رقم (1): الروابط بين الفساد و الفقر:

 

المصدر: الفساد و التنمية، مرجع سابق، ص 15.

هناك نموذجان مفيدان في فهم أثر الفساد على الفقر و هما نموذج الاقتصاد و نموذج الحكم و يثبت كل من النموذجين أن الفساد يفاقم و يزيد الفقر نتيجة عوامل معقدة و متداخلة تشمل عوامل اقتصادية و أخرى مرتبطة بالحكم الرشيد34.

يظهر نموذج الاقتصاد أن الفساد يؤثر على الفقر من خلال تأثيره على عوامل النمو الاقتصادي، الأمر الذي يؤثر بدوره على مستويات الفقر. فهو يحول الاستثمار الحكومي عن الخدمات القيمة بالنسبة للمجتمع، كالتعليم و الرعاية الصحية و يضعف فرص الحصول على الخدمات بما فيها خدمات البنية الأساسية و يقلل من جودتها، أضف إلى ذلك أن الفساد يسمح لبعض الفئات بأن تستفيد أكثر من غيرها من خلال تشويه السياسات و الأطر الاقتصادية و القانونية المتصلة بها.

يجعل الفساد الأسر ذات الدخل المنخفض تنفق حصة كبيرة من دخلها على الرشي تفوق الحصص التي تدفعها الأسر ذات الدخل المتوسط أو المرتفع،35 و يقع عبئ الفساد الصغير بشكل غير متناسب على الفقراء (على سبيل المثال الفساد الصغير في مجال الصحة العامة أو جهاز الشرطة) و تشير العديد من دراسات الحالة، أنه من المتوقع أن يدفع الفقراء الرشى إلى المدرسين للحصول على معلومات معينة و الحصول على الزي المدرسي و المنح الدراسية ما يؤثر سلبا على حقهم في التعليم، و بالمثل رغم أن الرعاية الصحية تقدم مجانا في كثير من البلدان النامية، تؤكد التقارير أن المرضى الذين ينتظرون إجراء جراحة للقلب مضطرون لدفع رشى إلى موظفي المستشفى للتسريع بمجيء دورهم،36 كما يعوق الفساد تقدم نظام الضرائب و يزيد من عدم المساواة في الدخل و الثروة.

أما نموذج الحكم فيؤكد أن الفساد يؤثر على الفقر من خلال بسط نفوذه على مؤسسات الحكم، و التي تؤثر بدورها على مستويات الفقر فالفساد يقلل من قدرة الحكم، إذ أنه يضعف المؤسسات السياسية و مشاركة المواطنين  و يقلل من جودة الخدمات و البنية الحكومية و يقوض القدرة المؤسسية للحكومة على تقديم خدمات عامة عالية الجودة و يحول الاستثمار العام بعيدا عن تلبية المصلحة العامة و يجعله منصبا على مشروعات رؤوس الأموال و يضعف من الالتزام بأنظمة السلامة و الصحة الأمر الذي يزيد الفقر سوءا.

3.3الفقر و حقوق الإنسان:

يؤكد إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية الذي اعتمدته الجمعية العامة في قرارها41/128 المؤرخ في 01 ديسمبر 1986، أن الحق في التنمية من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف و بموجبه يحق لكل إنسان و لجميع الشعوب المشاركة و الإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية و اجتماعية و ثقافية و سياسية و التمتع بهذه التنمية التي يمكن فيها إعمال جميع حقوق الإنسان و الحريات الأساسية إعمالا تاما و يعتبر نظام الحكم متعارضا بشكل مباشر مع الحق في التنمية الوارد في هذا الإعلان عندما يمنع الإعمال التام للحقوق الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية.37 

و يؤدي انتشار الفساد إلى التمييز في الحصول على الخدمات العامة لصالح أولائك الذين لديهم إمكانية التأثير على السلطات أو المسؤولين لتحقيق مصالحهم الشخصية. كما يؤدي فساد القضاء إلى غياب المساواة أمام القانون و يحجب الناس عن حقوقهم القانونية التي يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و الاتفاقيات الدولية الخاصة بهذا الشأن كما تحجب الأنظمة السياسية الفاسدة الحق الأساسي في المشاركة السياسية و حرية التعبير و التداول على السلطة.

4.3الفساد و الحكم الرشيد:

رغم اختلاف الصلاحيات و الرؤى و الأولويات بين مختلف البلدان، يتعاظم اتفاق أعضاء مجتمع التنمية على وجود علاقة سببية بين الحكم الرشيد و بين التنمية و ينظر إلى الفساد بشكل متزايد على أنه ناتج عن ضعف في الحكم في وقت تتشكل فيه لغة موحدة تربط بين قضايا الفساد و بين الحكم الرشيد و التنمية.

يعد الفساد مسألة تدبير حكومي بالدرجة الأولى- أي مسألة فشل المؤسسات في أداء مهمتها. فالمؤسسات الضعيفة تعجز عن تزويد المجتمع بإطار للعمليات التنافسية و تعرقل الإجراءات المشروعة التي تربط بين المجالين السياسي و الاقتصادي. و يتبين من الأدلة المكتسبة من التجربة انه كلما كانت القوى السياسية و الاقتصادية المتنافسة منغلقة على نفسها خارج النظام، كلما كان الأرجح أن يتفشى الفساد و تقل التنمية المستدامة. فالفساد يقوض المؤسسات و إجراءات وضع السياسات العامة، و يحول دون ضمان أبسط الحقوق الاقتصادية و حقوق الملكية، و يربك علاقة التضافر التي يحتمل أن تقوم بينها و هذا ما يجعل نشوء الفساد أكثر احتمالا38

إن الحكم الرشيد أساسي لتهيئة بيئة تعزز النمو الإقتصادي و تحد من  الفقر. فالحكومة التي تستجيب بقدر أكبر لإحتياجات و رغبات الفقراء تستطيع أن تحسن نوعية عيشهم، و يشكل رفع مستوى إدارة الحكم عنصر رئيسي في التنمية الإقتصادية و السياسية للبلد. غير أن هذين الجانبين من التنمية يتعرضان للخطر بفعل الفساد الذي يشوه الإقتصاد، و يحول الموارد الشحيحة أصلا من الخدمات الحيوية إلى أشياء من قبيل تسديد الديون التي راكمها المسؤولون الحكوميون الفاسدون. و تتضرر خزائن الحكومة بتدهور إيراداتها الناجم عن فقدان الضرائب و الرسوم الجمركية. و يعرض المستثمرون المحليون و الأجانب عن الاسواق التي لا يمكن توقع تكاليفها.و يمثل الساسة غير النزيهين مصالح بلدانهم في الداخل و الخارج تمثيلا ناقصا إذ يظهرون كنخب تتشبت بالسلطة بأي وسيلة كانت لإستغلال  فرص الفساد.39

عموما يمكن تلخيص أهم التقاطعات بين الفساد و التنمية و الحكم في الجدول التالي:

الجدول رقم (1): أهم التقاطعات بين الفساد و التنمية و الحكم:

التـنميـة المسـتـدامـــة

النمو الإقتصادي

الفقر/اللامساواة

الحكم

حقوق الإنسان

الجنوسية

البيئة

الفــــســــاد

-  يحبط الإستثمار و المساعدات

 

-  يزيد من عدم الثقة و عدم القابلية للتوقع في بيئة الأعمال

 

 

-  يشوه السياسات الإقتصادية

-   يقوض جهود تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية

 

-  يرفع تكلفة الخدمات العامة و يقلل من جودتها

 

-   يفاقم من تدهور الدخل و غيره من حالات عدم المساواة

-    ينتقص من حكم القانون و يضعف القيم الأخلاقية

 

-    يقوض شرعية الحكومة من خلال تقليل ثقة الشعب في الحكومة

 

-    يضعف القواعد المؤسسة عن طريق إضعاف المساءلة و الشفافية و النزاهة

-     يعزز التمييز

 

-     يمنع التمتع بالحقوق الأساسية بما فيها الحقوق في الحصول على الخدمات الإجتماعية

-  يزيد من الإبتزاز الجنسي

 

-  يؤثر على المرأة بصورة غير متكافئة من حيث إمكانية حصولها على الخدمات العامة الاساسية

 

-      يضعف الحوكمة البيئية و يضعف من صرامة القوانين

المصدر: الفساد و التنمية ، مرجع سابق، ص 19أصحاب المشاريع علة

4. الفساد و الحكم الراشد و أثرهما على الفقر، تحليل و تقييم، إشارة إلى حالة الجزائر:

شكل الفساد أهم  عنصر في الإنحطاط الذي ألم بالمجتمع و في الخلل الذي أصاب البلاد على جميع المستويات (الإقتصادية ، السياسية، الإجتماعية....)، كما أدى إلى إضعاف دور الدولة نتج عنه سوء إدارة شؤون البلاد، مما إنعكس سلبا على مسار التنمية، و قوض إرساء دعائم الحكم الراشد المبنية على الشفافية و المساءلة و التنافسية، و زاد من حدة الفقر. فبالرغم من الاموال الطائلة التي خصصت لتدعيم التنمية و لرفع المستوى المعيشي للسكان، إلا أن الواقع يعكس صورة مغايرة تماما لهذا الإتجاه، تمثلت في زيادة عدد الفقراء و إرتفاع معدلات الجريمة و إستشراء الرشوة، و إدراج الجزائر ضمن  الدول الأكثر فسادا في سلم ترتيب المنظمات في هذا المجال، و هو ما أدى إلى وضع إجراءات و تدابير قانونية قصد مكافحة الفساد من أجل التمكين لأطر الحكم الراشد، الذي يعتبر ركيزة أساسية لمحاربة الفقر و القضاء عليه.

مع إرتفاع الدعوات المنادية بضرورة الإقلاع عن أساليب الحكم السيئ التي توظف القمع و الفساد في الوطن العربي، إنخرطت النخب الحاكمة في مشاريع إصلاحية تجميلية زادت من الطين بلة، فغدا الفساد نظاما موازيا للدولة، أفرغت كل عملية للتطوير الإقتصادي أو الإجتماعي من محتواها، خاصة في دول غنية مثل الجزائر ، و أكسبها صفة التنمية الجزئية، بدل التنمية الشاملة، و التنمية المادية عوض التنمية الإنسانية، فأضحت الأقلية تملك و الغالبية تعيش حالة الفقر و الإذلال اليومي، لذا من حق الأغلبية أن تثور لإقتناءهم بأنه ليس من القدر أن تكون الدولة غنية و الشعب فقيرا، بل نظام الفساد هو المسؤول عن فساد الدولة و المجتمع.40

و في هذا الإطار يدفعنا الحديث عن بيئة الفساد إلى القول بأن ترتيب الجزائر بين الدول الأكثر فسادا يعكس وجود أوضاع سياسية، و إقتصادية و إجتماعية ثقافية غير سليمة تشكل المناخ الذي ينمو فيه الفساد، و هذا العائق يقف أمام تحقيق أي مشروع للإصلاح. فحسب ترتيب مؤشرات الفساد عن  منظمة الشفافية الدولية سنة 2009، فإن الجزائر و بالرغم من الإجراءات الصارمة المتخذة بخصوص محاربة الفساد و ردعه، صنفها التقرير في المرتبة 111 ضمن الدول الأكثر فسادا في العالم، على غرار العراق والسودان.41و يربط جل المحللين الأوضاع المؤزومة تلك، بإرث تاريخي ناجم عن السيطرة الإستعمارية الطويلة و المتميزة و بظروف بناء الدولة بعد الإستقلال.42 

إن الأوضاع السياسية و الأمنية غير المستقرة التي عرفتها البلاد منذ الإستقلال و المتمثلة في أزمة الشرعية فجرت أزمة إستقرار سياسي و أمني تجلى في عد م إستقرار القيادة السياسية و ظهور العنف المسلح و إنتشار الفوضى، فبعد فترة طويلة من إلإستقرار، دخلت البلاد مرحلة إنتقالية شهدت تقلبات على مستوى الهيئات العليا للدولة، كشف عن عمق الأزمة السياسية و الصراع داخل دواليب النظام حول كيفية إدارة الأزمة. و شكلت هذه الوضعية بيئة خصبة لنمو الفساد الذي يعتبر أحد أهم أسباب الفقر، فقد أتاحت هذه الوضعية لجماعات المصالح المرتبطة بالنخبة الحاكمة من إستغلال الفترة الإنتقالية التي تمثلت في تصحيح و هيكلة الإقتصاد الوطني للسرقة و النهب، كما أدى عدم إستقرار الحكومات و بروز ظاهرة التغيرات المستمرة، بالكثير من المسؤولين الحكوميين إلى البحث عن طرق غير مشروعة لتأمين مستقبلهم، وإغتنام فرصة وجودهم في مناصب المسؤولية لتحقيق أغراضهم الشخصية، التي تبرز في مشاريع تجارية و عقارية، و عليه صارت المناصب السياسية وسيلة للإثراء.43

و هو ما إنعكس سلبا على فئة عريضة من المجتمع الجزائري، خصوصا الفقراء منهم الذين عانوا من ويلات الأزمة التي أجبرتهم في العديد من  مناطق الوطن على ترك منازلهم و أراضيهم، ليسقطوا في مستنقع الفساد السياسي  الذي زاد وضعهم سوءا. و الذي نشأ عن سيطرة نخب فكرية لا تخضع لضوابط موضوعية تحددها المصلحة العامة للدولة، بل لمصالح فردية و عشائرية، الشئ الذي أوجد نظاما تملؤه عناصر مرتشية تتلون بمختلف الألوان السياسية، مسايرة الظروف و المناسبات44.

إن هذا الوضع أوجد نفورا من المشاركة السياسية لدى فئة عريضة من السكان، فهؤلاء لم تعد لديهم قناعة بأن التغيير يمكن أن يحدث عن طريق الانتخابات، بل لم تعد لديهم الثقة بالمنتخبين، و بالتالي فقدت العملية الانتخابية دورها في المحاسبة و التغيير و صارت المقاطعة سلوكا معبرا عن أزمة الحكم، فالمواطن صارت لديه قناعة بأن أعضاء البرلمان و الذين من المفروض أن يمثلوا انشغالات الأمة، ما هم إلا دمى لا تعلم من التشريع إلى رفع اليد أو خفضها، فهم يمثلون مصالح شخصية لا غير. و لا يخفى على الجميع أن البرلمان صار وجهة الانتهازيين الفاسدين الذين يبحثون عن الجاه بعد المال. فهذه الوضعية دفعت بالمواطنين إلى فقد الإحساس بالحرية السياسية التي تتجمع حول فكرة أساسية هي حق المواطنين في المشاركة و الحكم و الشؤون العامة للدولة بحسبان أن السيادة هي للشعب مصدر للسلطات جميعا.45 و تعتبر المشاركة السياسية بعدا أساسيا من أبعاد التنمية، فهي مطلبا ضروريا و بدونها تصبح خيارات كثيرة غير متاحة، أي ضرورة مشاركة كل الأطراف، بمن فيهم الفقراء، في صياغة سياسات عامة أفضل لدعم النمو و تخفيض عدد الفقراء.46

و تواجه قضية المشاركة في الجزائر عقبات عديدة بعضها قانوني و بعضها سياسي و بعضها اجتماعي ثقافي، حيث تقضي العديد من الممارسات إلى إقصاء و تهميش العديد من الفئات الاجتماعية و في مقدمتها الفقراء .و لا يقف الأمر عند هذا الحد فبالإضافة إلى وجود الفساد السياسي يظهر أيضا الفساد الاقتصادي كباب من أبواب الفساد في الجزائر، فالاعتماد على الاقتصاد الريعي جعل من الدولة أداة وظيفتها توزيع المنافع على أفراد المجتمع و عليه تحدد  دورها كمؤسسة لتوزيع المنافع على أفراد المجتمع.

 لقد ساهم الريع النفطي في خلق عقلية ريعية لدى النخبة الحاكمة، و صارت لديه نظرة خاصة للعائد بدون أي جهد، و بكل الطرق، مهما تكن مشروعة أو غير مشروعة. و اكتسبت الطبقة السياسية بدورها تلك النظرة إذ تراجع الفكر العقلاني لديها، و صعدت قيم الشطارة و النهب و الاحتيال. و هكذا يأخذ الفساد السياسي شكل البحث عن الريع ساعده في ذلك النظام السياسي الأحادي، و النمط الاقتصادي الموجه في مرحلة أولى، ثم الأوضاع السياسية و الأمنية غير المستقرة، و الفوضى الاقتصادية خلال العشرية الماضية، حيث وفرت المناخ الملائم لتطور سلوك البحث عن الريع حيث صار لدى الجميع عقلية اللهث وراء الريع47 .

و في نفس السياق أكد السيد بن بيتور في ندوة حول الفقر، نظمها فرع منظمة الشفافية الدولية بالجزائر48 أن الصيغ الاقتصادية التي تعتمدها الحكومة في مختلف القطاعات، على أساس التنمية و التطوير، لا يمكنها إلا أن توسع دائرة الفقر في الجزائر ووصف السياسات المتبعة بسياسات تفقير المواطنين. فسوء التسيير و الفساد و انعدام النقاش بشأن كيفية تسيير الثروة و اللاشفافية في إدارة شؤون المواطنين، سيؤدي حتما إلى مزيد من الفقر وسط شرائح المجتمع.و في إشارة إلى تسيير الموارد النفطية، قال: للأسف نحن نعمل على توفير عوامل التفقير، مقدما تحليلا اقتصاديا للظاهرة في صلتها ب "الريع" مشيرا بأن كل برميل من البترول يخرج دون الاستفادة من عائداته في إرساء مشاريع ذات جدوى و ملموسة، موضحا أنه لا توجد أرقام مدققة حول الفقر في الجزائر، و ما توفر منها غير ذات مصداقية، مؤكدا وجود وعي جديد بخطورة الظاهرة، بفضل انتشار المعلومات، عن طريق التكنولوجيات الحديثة.

و ربط الظاهرة في شموليتها بعوامل أخرى ووصف الجزائر بأنها بلد مصدر لثلاثية مهمة و هي الثروة و الرأسمال البشري و الرأسمال المالي، مشيرا بالنسبة للمتغير الأول أن هناك 100 خبير جزائري في الخارج مقابل خبير أجنبي واحد في الجزائر في إشارة إلى هروب الكفاءات من الوضع المتردي في البلاد أما الثروة، فقال إن الجزائر تصدر ما قيمته 100 دولار، مقابل استيرادها ما قيمته 250 دولار، موضحا أن كل دولار يدخل الخزينة يرافقه خروج 30 دولار و عزا الخلل إلى سوء التسيير و الفساد و عوامل أخرى تتصل بالحكم غير الراشد.49

و ترى مؤسسات مالية دولية أن ظاهرة الفساد و الرشوة ازدادت مؤخرا بعد أن انطلقت المشاريع الكبرى الخاصة بالبنى التحتية، و التي رصدت لها أموال طائلة، غير أنه و بالرغم من الزيادة في حجم الانفاق إلا أن السلطات الجزائرية لم تنجح في التقليل من نسبة الفقراء في البلاد. و في هذا الشأن يقول السيد جيلالي حجاج، ممثل الشفافية الدولية بالجزائر أن كل المعلومات التي صدرت عن البنك الدولي و مراكز الدراسات الدولية و الجزائرية، تتساءل عن سبب وجود نسبة كبيرة من الفقراء في واحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط و الغاز في العالم، و تربط ذلك بانتشار الفساد، و هو ما جعل المواطن العادي يفقد الثقة في أجهزة الدولة و يزيد من حدة الاحتجاجات و الاضرابات. و يتخوف بعض الدراسيين للشأن الجزائري من فشل استغلال الطفرة المالية التي تشهدها الجزائر، مما قد يفاقم من المشاكل الاجتماعية و السياسية في البلاد، خاصة بعد ظهور طبقة للأثرياء الجدد تقابلها طبقة واسعة من الفقراء و العاطلين عن العمل50.

للعلم فإن ظاهرة الفساد في الجزائر ليست حديثة العهد و لا ترتبط كما يظن البعض بعملية الإنفتاح الاقتصادي أو اقتصاد السوق، فقد عرفت مرحلة التصنيع في الجزائر خلال السبعينات الكثير من قضايا الفساد، نذكر على سبيل المثال قضية مركب الأصنام للبلاستيك51، الذي شهد عدة مشاكل على مستوى التشغيل و الاستثمار حيث تسلمت الجزائر أجهزة مستعملة أعيد دهنها و تغليفها بدلا من أن تسلم أجهزة جديدة كما كان متفق عليه مع المنتج الفرنسي و انتهت أعمال الانشاء عام 1978، و لم يبدأ المركب بالعمل إلا عام 1982، و بعد مدة أحرقت هذه الوحدة لوجود بعض الوثائق الحساسة التي كان يمكن ان تورط بعض المسؤولين.

و ينظر إلى مشاريع النخبة الحاكمة في هذه الفترة على أنها مشاريع جنونية في بعض الأحيان،  يقصد بها الإبهار، و كثيرا ما استنزفت ثروات الشعب بتكاليفها الباهضة و المبالغ فيها، و لعلها كانت المدخل الوحيد للسرقة و الاختلاس و الاغتراف من ثروات الشعب و الاثراء السريع، فقد كان هناك على سبيل المثال مصانع و مؤسسات على الورق فيها عمال و موظفون و تعتمد لها الميزانيات و الاعتمادات المالية التي تجدد كل عام. كما اتضح أن السياسة التي اتخذت على عاتقها تشييد هياكل غير منتجة بمليارات الدولارات المستنزفة من ثروات الشعب و سياسة استيراد المواد الاستهلاكية غير الضرورية، هي سياسة تكون قد قادت الجزائر إلى تدهور الوضع الاجتماعي العام52.

و في الوقت الحالي و في ظل الإنفتاح الاقتصادي الذي تميزته الفوضى و العراقيل البيروقراطية، فإنه يظهر تخلف الإدارة الحكومية و مستوياتها في تنفيذ خطة للإصلاح الإداري بإتجاه تحديث القوانين و الهياكل، فما تزال الإدارة تعاني مركزية شديدة في اتخاذ القرار و انجاز المهام، و ترتبط تلك المركزية بيروقراطية مكلفة و زائدة تتميز بطول الإجراءات و الروتين الإداري و التنفيذ بحرفية القوانين، من جهة و من جهة أخرى تسيطر مظاهر خرق القانون، خاصة الإدارة المحلية التي صارت تفتقد الجوارية و القرب من المواطن53 .

الفساد في الجزائر أصبح واقعا مرئيا يعيشه المجتمع يوميا نتج عنه ارتفاع درجة التفاوت في المداخيل و الخدمات الأساسية بين مختلف مناطق البلاد، و إذا استمر هذا الوضع على حاله فإن أعداد كبيرة سوف تدخل في عداد الفقراء، ينجر عنه حالة من اليأس تصبح فيها هذه الفئات لا تكترث بالقيم الأخلاقية و تدخل في زمرة المفسدين، و هو ما قد يؤدي إلى تفاقم الفساد الذي يشكل تهديدا داخليا كبيرا على أركان الدولة.

5. تقييم المؤشرات الخاصة بالحكامة و أثرها على الفقر:

جدول رقم 2: مؤشرات الحكم في الجزائر (النوعية المؤسساتية 1996 - 2007):

مؤشر الحكم

التمثيل و المساءلة

الإستقرار السياسي

فعالية الحكومة

النوعية  التنظيمية

حكم القانون

ظبط الفساد

نوعية المؤسسات

النوعية المؤسساتية لسنة 1996

1,36-

2,44-

0,39-

0,94-

1,21-

0,37-

1,12-

النوعية المؤسساتية لسنة 2007

1,01-

1,18-

0,52-

0,66-

0,72-

0,46-

0,76-

إتجاه الإصلاحات المؤسساتية (التغير في مؤشرات الحكم بين العامين 1996 و 2007

0,35

1,26

0,13-

0,28

0,49

0,10-

0,36

المصدر: من إعداد الطالب من خلال:

-   تقرير التنمية الإنسانية في البلدان العربية/برنامج الأمم المتحدة الإنمائي(PNUD)/مؤشرات الحكم الخاصة بالبنك الدولي 2008.

-   التقديرات بين -2,5  و+2,5 ، كلما كانت أعلى كلما كانت أفضل.

-   تشير الفوارق الإيجابية إلى تحسينات في بعد الحكم في حين أن الفوارق السلبية ترمز إلى تدهور في هذا البعد

إن القراءة المتأنية للجدول أعلاه تؤكد تصنيف الجزائر في خانة الدول المتواضعة، رغم تحسن المؤشرات المشار إليها أعلاه خلال سنة 2007 مقارنة بسنة 1996، و تظهر النتائج أن الجزائر أظهرت تحسنا في خمس مؤشرات من ضمن سبعة ما بين سنوات 1996 و 2007، و قد يرجع ذلك إلى الإستقرار السياسي و إلى تحسن الوضع الأمني في  البلاد نتيجة النجاح الذي حققته الدولة في محاربة الإرهاب.

غير أن النتائج تظهر تراجع في فعالية الحكومة و زيادة الفساد  و هي نتيجة منطقية إلى حد بعيد، فبنقص فعالية الحكومة يزداد الفساد، فالجهاز الحكومي غير الفعال يؤدي إلى تراجع دور الهيئات الرقابية، ما يؤدي إلى إستفحال الرشوة  و التهرب و التحويلات غير المشروعة، و إستغلال النفوذ و المساس بالمال العام.

عموما و بالرغم من الإستقرار السياسي فقد تميزت هذه الفترة بقلة فعالية الحكومية و يرجع ذلك إلى تعاقب الحكومات في هذه الفترة مما يقلل في فعاليتها، يضاف إلى ذلك أن الحكومات تغيرت لكن ببقاء نفس التركيبة، فهي حكومات تغيير المناصب لا غير، و هو الشئ الذي أدى إلى زيادة الفساد، خصوصا إذا علمنا أن فترة الألفينات تميزت بضخ أموال طائلة من طرف الدولة في إطار برنامج الإنعاش الإقتصادي، و بالنظر إلى درجات الفساد هذه يظهر أن هناك أموال طائلة لم تستفد منها طبقات فقيرة و هو الشئ الذي لم يسمح بخفض معدلات الفقر بدرجات كافية.

الخاتمة:

يؤدي الفساد في ظل غياب الحكم الراشد إلى نتائج سياسية  إقتصادية و إجتماعية في غاية الخطورة، تمس الجميع خصوصا الفقراء، و ذلك من خلال حصولهم على أدنى مستويات الخدمة الإجتماعية و إبعادهم عن المشاركة السياسية و إضعافهم، كما يؤدي الفساد إلى نشر ثقافة الفساد والقابلية للفساد و هو  أمر خطير على المجتمع و على علاقات الأفراد و على الدولة في حد ذاتها.و من خلال ما سبق يظهر أن الآليات و الأسس التي وضعتها الجزائر لتعزيز الحكم الراشد قد تفشل إذا لم تأخذ مسألة مكافحة الفساد بجدية و وضوح، و معه سيزيد وضع الفقراء سوءا، و تبين بعض المؤشرات للسنوات الأخيرة تراجع في فعالية الحكومة و زيادة الفساد و هي نتيجة منطقية إلى حد بعيد، فمع نقص فعالية الحكومة يزداد الفساد. فالجهاز الحكومي غير الفعال يؤدي إلى تراجع دور الهيئات الرقابية مما يؤدي إلى استفحال الظواهر غير المشروعة ومنه الفقر.

الهوامـــش:

[1]. إدماج مكافحة الفساد في التنمية، مذكرة تطبيقية حول مكافحة الفساد، برنامج الامم المتحدة الإنمائي (UNDP) ديسمبر 2008، ص 02.

2. مكافحة  الفساد لتحسين إدارة الحكم، برنامج الامم المتحدة الإنمائي (UNDP) ، نيويورك 13 نوفمبر 1998، ص 09.

3. سمير التنير : الفقر و الفساد في العالم العربي، دار الساقي، لبنان، 2009، ص 15.

4. الفساد و التنمية، مكافحة الفساد من اجل الحد من الفقر، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ديسمبر 2008، ص 6، 7.

5. نفس المرجع، ص 6، 7.

6.كيمبرلي آن إليوت:  الفساد و الإقتصاد العالمي، ترجمة جمال إمام، مركز الأهرام للترجمة و النشر، القاهرة، 2000، ص 123.

7. نفس المرجع ، ص 125

8.مي فريد، الفساد : رؤية نظرية: مجلة السياسة الدولية، في باب الإقتصاد الدولي و البيئة، العدد 134، 2001، ص 225.

9. سمير التنير، مرجع سابق، ص23.

10. عامر خياط، سبل إرساء  معايير و ممارسة الوقاية من الفساد، مداخلة تم إلقاءها في ورشة العمل التي أقامتها الأمانة العامة للجامعة العربية بعنوان " الإستراتجيات الوطنية لمكافحة الفساد" في القاهرة خلال الفترة 18-21 جوان 2011، ص 02.

11. إمنصوران سهيلة، الفساد الإقتصادي و إشكالية الحكم الراشد و علاقتهما بالنمو الإقتصادي، حالة الجزائر، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر 2005/2006.، ص 178.

12. نفس المرجع، ص 179.

13. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)،الفساد و الحكم الرشيد، ورقة مناقشة رقم (03)، ، نيويورك 1987، ص 06.

14. كيمرلي آن إليوت، مرجع سابق، ص 125.

15. إمنصوران سهيلة، مرجع سابق، ص 179، 180.

16. الفساد و التنمية، مرجع سابق، ص 08.

17. مكافحة الفساد لتحسين إدارة الحكم، مرجع سابق، ص 5.

18. أنظر علي الطالقاتي، مرجع سابق، www.annaba.org

19. الفساد و الحكم الرشيد، مرجع سابق، ص 07.

 

20. نفس المرجع، ص 48.

21IBID

22- الفساد و التنمية، مرجع سابق ص 12.

23.الفساد و التنمية، مرجع سابق، ص 10

24. سمير التنير، مرجع سابق، ص 30

25- الفساد و التنمية، مرجع سابق ص10.

26- نفس المرجع ص 10.

27- اتفاقيات مكافحة الفساد في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، اتفاقيات مكافحة الفساد في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا: دور المجتمع المدني في إنجاح الاتفاقيات، منظمة الشفافة الدولية (TIhttp://www.transparency.org ص 05

28- الفساد و التنمية مرجع سابق ص10.

29- الفساد و التنمية، مرجع سابق ص 12.

30- بيلي ابراهيم أحمد العليمي،   هذا هو الفقر، أبعاده، أسبابه، مآسيه، نظرة إقتصادية إسلامية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، جامعة القاهرة، الطبعة الأولى أكتوبر 2003، طنطا 2003 ص435.

31.NAZARIO-olga, Astrategy against corruption caricom conferene on the caribbeah:Washington dc 19-21 june 2007:

http://sitereresoures.world bank.org/intoecs/resources/nazariopaper.pdz;pp6-7.

32- سمير التنير، مرجع سابق ص 61.

33-الفساد و التنمية، مرجع سابق ص 12.

34CHET WYND ERIC, ETAL, CORRUPTION AND POVERTY : AREVIEW OF RECENT LITERATURE, january 2003, http//www.U4-no/pdf/? FILE/DOCUMENT/LITERTAURE/CORRUPTION-AND POVERTY.PDF du 06.11.2008. 

35IBID

36Pilapitiya, thusitha, the impact of corruption on the human rights based approch to developement, UNDP, OSLO governance centre 2004, http://www.UNDP.ORG/OSLOCENTRE/DOCOJ/THUSITHANFINAL/PDF DU 06.11.08

37.الفساد و التنمية، مرجع سابق ص 16.

38 مكافحة الفساد لتحسين إدارة الحكم، مرجع سابق ص 12.

39. مكافحة الفساد لتحسين إدارة الحكم، مرجع سابق، ص 13.

40. محمد حليم ليمام، ظاهرة الفساد السياسي في الجزائر، مقال منشور في مجلة المستقبل العربي، 2011، ص 49

41 . www .dw .world.de /dw/article/htm/ du 31/10/10

42. محمد حليم ليمام، مرجع سابق، ص 53

43. نفس المرجع، ص 54.

44العياشي عنصر، سوسيولوجيا الديمقراطية و التمرد بالجزائر، القاهرة، دار الأمين 1999، ص 232.

45 شايف جار الله، دور المشاركة السياسية في ترقية حقوق الانسان في اليمن، مذكرة ماجستير، كلية العلوم السياسية، جامعة الجزائر، 2006، ص 42.

46مجلة التمويل و التنمية، العدد (02)، صندوق النقد الدولي (FMI)، جوان 2005، ص 20.

47. محمد حليم ليمام، مرجع سابق ص 56.

48http ://elkhabar.com/ar/politique/233932.html du 25.11.2011.

49 .opcit.

50 .http://www.dw –world.de/dw/article/htm,opcit.

.51امنصوران سهيلة، مرجع سابق، ص 209.

52بلقاسم سلاطنية ، سامية حميدي، العنف و الفقر في المجتمع الجزائري، دار الفجر للنشر و التوزيع 2008، القاهرة، مصر 2008  ص 56.

53. محمد حليم ليمام، مرجع سابق، ص 56.

المراجع:

- اتفاقيات مكافحة الفساد في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا، اتفاقيات مكافحة الفساد في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا: دور المجتمع المدني في إنجاح الاتفاقيات، منظمة الشفافة الدولية (TIhttp://www.transparency.org

-  إدماج مكافحة الفساد في التنمية، مذكرة تطبيقية حول مكافحة الفساد، برنامج الامم المتحدة الإنمائي (UNDP) ديسمبر 2008.

-إمنصوران سهيلة، الفساد الإقتصادي و إشكالية الحكم الراشد و علاقتهما بالنمو الإقتصادي، حالة الجزائر، رسالة ماجستير، جامعة الجزائر 2005/2006.،   .

-  بلقاسم سلاطنية، أ سامية حميدي، العنف و الفقر في المجتمع الجزائري، دار الفجر للنشر و التوزيع 2008، القاهرة، مصر 2008  .

- بيلي إبراهيم أحمد العليمي، هذا هو الفقر، أبعاده، أسبابه، مآسيه، نظرة إقتصادية إسلامية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، جامعة القاهرة، الطبعة الأولى أكتوبر 2003، طنطا 2003.

-  تقرير التنمية الإنسانية في البلدان العربية/برنامج الأمم المتحدة الإنمائي(PNUD)/مؤشرات الحكم الخاصة بالبنك الدولي 2008.

-  سمير التنير : الفقر و الفساد في العالم العربي، دار الساقي، لبنان، 2009.

-  شايف جار الله، دور المشاركة السياسية في ترقية حقوق الانسان في اليمن، مذكرة ماجستير، كلية العلوم السياسية، جامعة الجزائر، 2006.

-عامر خياط، سبل إرساء  معايير و ممارسة الوقاية من الفساد، مداخلة تم إلقاءها في ورشة العمل التي أقامتها الأمانة العامة للجامعة العربية بعنوان " الإستراتجيات الوطنية لمكافحة الفساد" في القاهرة خلال الفترة 18-21 جوان 2011.

-  العياشي عنصر، سوسيولوجيا الديمقراطية و التمرد بالجزائر، القاهرة، دار الأمين 1999.

-  الفساد و التنمية، مكافحة الفساد من اجل الحد من الفقر، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) ، ديسمبر 2008.

-  كيمبرلي آن إليوت:  الفساد و الإقتصاد العالمي، ترجمة جمال إمام، مركز الأهرام للترجمة و النشر، القاهرة، 2000.

-  مجلة التمويل و التنمية، العدد (02)، صندوق النقد الدولي (FMI)، جوان 2005.

-  محمد حليم ليمام، ظاهرة الفساد السياسي في الجزائر، مقال منشور في مجلة المستقبل العربي، 2011.

-  مكافحة  الفساد لتحسين إدارة الحكم، برنامج الامم المتحدة الإنمائي (UNDP) ، نيويورك 13 نوفمبر 1998.

-  مي فريد، الفساد : رؤية نظرية: مجلة السياسة الدولية، في باب الإقتصاد الدولي و البيئة، العدد 134، 2001.

 

-       CHET WYND ERIC, ETAL, CORRUPTION AND POVERTY : AREVIEW OF RECENT LITERATURE, january 2003, http//www.U4-no/pdf/? FILE/DOCUMENT/LITERTAURE/CORRUPTION-AND POVERTY.PDF du 06.11.2008. 

-       http ://elkhabar.com/ar/politique/233932.html du 25.11.2011.

-       http://www.dw –world.de/dw/article/htm

-       NAZARIO-olga, Astrategy against corruption caricom conferene on the caribbeah:Washington dc 19-21 june 2007: http://sitereresoures.world bank.org/intoecs/resources/nazariopaper.pdz;

-       Pilapitiya, thusitha, the impact of corruption on the human rights based approch to developement, UNDP, OSLO governance centre 2004, http://www.UNDP.ORG/OSLOCENTRE/DOCOJ/THUSITHANFINAL/PDF DU 06.11.08

-        www .dw .world.de /dw/article/htm/ du 31/10/10

-       www.annaba.org