التخلي عن الجنسية بين سلطة الدولة وإرادة الفردpdf

                                                                 

 أ/يسمينة لعجال                         

جامعة قاصدي مرباح ورقلة ) الجزائر (

الملخـص:

أقر المشرع نظام التخلي كتعبير إرادي من جانب الفرد، يعرب بموجبه صراحة عن نية التنازل عن جنسيته. إلا أن هذا لا يعني أن إرادة الفرد أصبحت تماثل إرادة الدولة، على هذا الصعيد، ذلك أن إرادة الأول لوحدها لا تمكنه من أن يتنازل عن جنسيته دون موافقة الدولة، وعلى هذا، يظهر التخلي عن الجنسية تارة كحق فردي، يبرز مبدأ سلطان الإرادة؛ وتارة أخرى، كحق للدولة  يخضع لسلطتيها التقديرية والتنظيمية اللتان تحدّان من إرادة الفرد .

Résumé:

Le législateur  a  approuvé  le  système  de  renoncer  à  la  nationalité en tant qu’expression volontaire  de l'individu  de  renoncer  à  sa nationalité.  Mais cela  ne  signifie  jamais  que  le  volonté  de  l'individu  serait  égale à  celle  de  l'Etat. La seule  volonté  du premier ne  permet  la  renonciation  sans  le  consentement  de  l'Etat,  ainsi  la  renonciation à la  nationalité se voit  parfois  comme  un  droit  individuel,  et  à  d'autres  moments  comme  un  droit  de  l'Etat soumis  à   ses pouvoirs  discrétionnaire et réglementaire qui  limitent  la  volonté  de  l'individu .

الكلمات المفتاحية: الجنسية، التخلي عن الجنسية ، تعدد الجنسيات، إنعدام الجنسية، الففد الإرادي للجنسية، إسترداد الجنسية.

إن الجنسية قديما كانت رابطة تلازم الإنسان منذ ولادته وحتى وفاته بحيث كان لا يملك الفرد الحق في تغييرها والتحلل منها باعتبارها علاقة دائمة لا تقبل التغيير والانفصام استنادا إلى مبدأ الولاء الدائم  إذ لم يكن في استطاعة الفرد أن يتخلى عن جنسيته، ومع تطور القواعد القانونية للدول والتحولات الإجتماعية والإقتصادية ، و تطور قواعد القانون الدولي ومساهمته في وضع أسس تنظيمية لمادة الجنسية تحول بعضها إلى إلتزامات تقع على عاتق الدول والبعض  الآخر كان بمثابة أسس توجيهية تستنير بها الدول عند تنظيمها لجنسيتها، أصبح التخلي عن الجنسية من جملة الحقوق التي تم إقرارها دوليا للفرد.

وحق الفرد في تغيير جنسيته يعبر عن الحرية الإيجابية له في مجال الجنسية بمعنى إمكانية تخليه  عن الجنسية الثابتة له باكتساب جنسية جديدة ، أو حقه في الانتقال من جنسية إلى أخرى ،ومما لاشك فيه أن الاعتراف بحق الفرد في تغيير جنسيته يحقق مصلحة الفرد  ومصلحة الدولة في أن واحد ، إذ إنه يحقق مصلحة الفرد باحترام إرادته في اكتساب جنسية جديدة وهجر الجنسية السابقة ، وهو ما لا يتعارض مع المفهوم الحقيقي للجنسية فهي تعبر عن الانتماء الروحي والعاطفي إلى دولة معينة فإذا فتر الشعور بذلك الانتماء ، ومال لصالح دولة أخرى  كان على دولته الأولى ، أن تمكنه من التخلي عن جنسيتها ليحصل على الجنسية التي يرغب فيها 1.

وهناك دعامتان يقوم عليهما التخلي، أولهما تعبير صريح من جانب الفرد يعرب فيه صراحة عن نيته في التنازل عن جنسيته. وثاني الدعامتين تتمثل في ضرورة استجابة الدولة لطلب الراغب في التخلي عن جنسيته، فإرادة الفرد وحدها لا تمكنه من أن بتنازل عن جنسيته دون موافقة الدولة ، وعلى ذلك  يظهر التخلي عن الجنسية تارة كحق فردي له مرتكزاته القانونية وأسسه التي تبرز مبدأ سلطان الإرادة ( I )، وتارة أخرى كحق للدولة  يخضع لسلطتها التقديرية ولاعتبارات تنظيمية تحد من إرادة الفرد ( II ).

I - التخلي حق فردي

إذا كان الحق في الجنسية من أهم الحقوق التي يجب أن تثبت للفرد منذ ولادته، نظرا لأهمية الجنسية في حياة  وما يترتب على انعدامها من مشكلات خطيرة على الفرد والدولة والمجتمع الدولي ، فإن الحق في أن يتخلى الفرد عن جنسيته، أصبح له نظام قانوني يحدد طبيعته وأسسه ومن خلال الوقوف عليها يتبين دور إرادة الفرد في تلك المسألة  فقد حدد المشرع الجزائري مجموعة من القواعد القانونية  لحالات ثبوت الحق في التخلي عن الجنسية ( أولا )، ومن خلال معالجة هذه النصوص سيتبين لنا دور الدولة من هذه الإرادة من خلال معالجة الإجراءات الإداربة( ثانيا)  لهذا النظام.

أولا : النظام القانوني للحق في التخلي عن الجنسية

حدد المشرع الجزائري في قانون الجنسية الحالي نظاما قانونيا كاملا لفقدان الجنسية الإرادي من حيث شروطه (1)، وإجراءاته الإدارية (2 ) .

1- شروط الفقد الإرادي للجنسية

 كما وضع المشرع شروطا لتحديد أسس منح الجنسية فقد وضع أسس لفقد هذه الجنسية ، وقد يكون هذا الفقد إرادي ، وهو ما يتيح له من الأفضلية في اختيار التنازل عن جنسيته ، حيث تظهر إرادة الفرد وحريته في احتفاظه او عدم احتفاظه بجنسيته ، وهو الشئ الذي لا يتوفر في الحالة الأخرى من حالات فقدان الجنسية اللاإرادي حيث تنعدم إرادة الفرد في هذه الخصوص، أما في التخليفالاعتداد بإرادة الفرد يمكن إستقرائه في حالتين الأولى حالة إختياره بين جنسيتين ثبتتا له قبل بلوغ سن الرشد (أ)، أما الحالة الثانية فهي وضع إختيار الفرد لجنسية جديدة بعد بلوغ الرشد (ب).

أ - وضع الاختيار بين جنسيتين ثبتتا للفرد قبل بلوغ الرشد

وهي حالة اختيار الفرد بين جنسيته الأصلية وجنسية ثبتت له بالتبعية وهذه الصورة أقرها التشريع الجزائري حيث نصت عليها الفقرة الثانية من المادة 18 . وتفترض أن تكون للشخص جنسيتان أصليتان ، ووفقا للنص يشترط لفقدان الجنسية أن يكون طالب التخلي جزائريا قاصرا، وأن تكون له جنسية أجنبية أصلية، وأن يطلب التخلي عن الجنسية الجزائرية وتوافق الجهة المختصة على الطلب، وتصدر مرسوم التخلي2.

ب -  وضع  الإختيار بعد سن الرشد

ومجال هذا الوضع الجنسية المكتسبة  وهي الجنسية التي يمكن للدولة أن تمنحها للأجنبي ، ويكتسبها الفرد الأجنبي في تاريخ لاحق على الميلاد  وهو تاريخ بلوغه سن الرشد  ، وهي نتاج تقابل إرادة الفرد وإرادة الدولة المعنية3 وتبدو الإرادة الفردية في أغلب حالات الجنسية المكتسبة  في التشريعات المقارنة ،صريحة حيث تتمثل في تقديم طلب الاكتساب  أو ضمنية في النادر من هذه الحالات ، حيث لا يرفض الفرد الدخول في جنسية تقررت له بالاكتساب ، ويؤكد كثير من الكتاب أن تطلب الإرادة الفردية في مجال الجنسية المكتسبة ،إنما يمثل قاعدة من القواعد الأساسية في القانون الدولي في وضعه الراهن .4

وهذه الإرادة أعتبرها المشرع الجزائري شرط ليس فقط لدخول الأجنبي في الجنسية الجزائرية، بل هي شرط يجب توفره في حالة إختيار الجزائري التنازل عن جنسيته، نظرا لثبوت جنسية أخرى له، حيث استلزم ضرورة أن تكون الجنسية التي اختارها قد اكتسبت طواعية. وهذا ما جاءت به الفقرة الأولى من نص المادة 18 ( الأمر رقم 05/01 المؤرخ في 27 فبراير 2005 ): يفقد الجنسية الجزائرية: 1- الجزائري الذي اكتسب عن طواعية في الخارج جنسية أجنبية وأذن له بموجب مرسوم في التخلي عن الجنسية الجزائرية.

النص واضح في دلالته على أن في مقدور الشخص أن يغير جنسيته، على أنه يلزم حتى يترتب هذا الأثر الأخير، توافر شروط تتضح من عبارات النص ذاته:

-   الشرط الأول: أن يتم تجنس الجزائري بجنسية أجنبية بناء على عمل إرادي من جانبه، فالمادة السابقة ربطت بين فقد الشخص لجنسيته الجزائرية، وإنخراطه في جماعة جديدة بالتجنس بجنسية شعبها، وهو ما يعني تعبيرا عن هجر الفرد الجنسية الجزائرية، وهو الأمر الذي يعد قرينة على إنقطاع علاقته بالدولة ، وهذه القرينة هي نفسها مبرر الإنقضاء. وعليه فإذا كان إرتباطه بجنسية أخرى أجنبية ، لم يأت عن طريق التجنس  الذي يرتكن بطبيعته إلى عمل إرادي، فلا ينتج طلب التخلي أثره .

-   الشرط الثاني: طلب الإذن بالتخلي وفقا للإجراءات الإدارية المنصوص عليها المادة 25 من القانون المشار إليه أعلاه ، والمشرع الجزائري بإستلزامه لشرط الإذن المسبق ، قد عمد إلى إقامة التوازن بين أمرين حق الشخص في أن يتخلى عن جنسيته باعتبار ذلك من الحقوق الثابته له بعد هجر مبدأ الولاء الدائم لجنسية الدولة5. وحق الدولة في مراقبة الفرد بحيث لا يتخذ من تغيير الجنسية وسيلة للتخلص من إلتزاماته الوطنية.

أيضا هناك حالة أخرى للتخلي عن الجنسية الجزائرية بعد سن الرشد حددتها الفقرة الثالثة من المادة المذكوره أعلاه حيث قررت يفقد الجنسية الجزائرية 3- المرأة الجزائرية المتزوجة بأجنبي وتكتسب جراء زواجها جنسية زوجها وأذن لها بموجب مرسوم في التخلي عن الجنسية الجزائرية.

والبادي من هذا النص أن المشرع الجزائري لم يرتب على زواج الجزائرية من أجنبي إنقضاء الجنسية الجزائرية بقوة القانون بالنسبة لها، كما يلاحظ أنه لم ينكر كل أثر لزواجها من  فيما يتعلق بزوال جنسيتها، حيث  تظهر إرادة الفرد في التخلي عن الجنسية  ولنفس العلة وهي الدخول في جنسية أخرى ، وهو ما يؤكد وجود قرينة إنفصام رابطتها بالدولة الجزائرية.

ولكن ما يلاحظ على هذه الحالة أن المشرع لم يشير إلى ضرورة أن يكون دخول المرأة في جنسية زوجها بناء على عمل إرادي منها، بالرغم من أن هناك إحتمال لأن تكتسب المرأة جنسية زوجها بقوة القانون في حالة ما إذا كان التشريع يأخذ بمبدأ وحدة الجنسية في العائلة ، فالزوجة في هذه الحالة تدخل في جنسية زوجها بقوة القانون وبدون إبداء إرداتها في هذا الخصوص6. وإذا كان التشريع يأخذ بمبدأ استقلال الجنسية في العائلة فإن الدخول في جنسية الزوج يتطلب موافقتها وإعلان إرادتها. وهو الأمر الذي إكتساب الجنسية إرادي في بعض التشريعات وغير إرادي في البعض الآخر. ومع ذلك لم يعتد المشرع بمسألة الإكتساب الإرادي للجنسية الأجنبية في هذا الفرض وأكتفى فقط بأن تكون دخلت في جنسية زوجها.

ج- وضع الإختيار خلال سنتين ابتداء من بلوغ سن الرشد

وتعتبر هذه الحالة الأخيرة التي جاءت بها المادة 18 في فقرتها الرابعة حيث نصت على أن يفقد الجنسية الجزائرية" الجزائري الذي يعلن تخليه عن الجنسية الجزائرية في الحالة المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 17 أعلاه" حيث أكدت هي الأخرى ثبوت هذا الحق لأولاد المتجنس بالجنسية الجزائرية، و أمتدت آثار هذا التجنس إليهم وعليه يجوز لهم التنازل عن الجنسية الجزائرية المفروضة عليهم، خلال سنتين ابتداء من بلوغهم سن الرشد . حيث نصت الفقرة الثانية من المادة 20 من القانون المذكور أعلاه" على بدأ آثار فقدان الجنسية الجزائرية " في الحالة المنصوص عليها في الفقرة 4 من المادة 18 أعلاه، ابتداء من يوم ثبوت تاريخ الطلب المقدم بصفة قانونية من قبل المعني بالأمر و الموجه إلى وزير العدل.

 وعلى ذلك فهذه الحالة من حالات التخلي عن الجنسية الجزائرية تتميز ببعض الأمور أولا وجود نطاق زمني للإستفادة من هذه الحالة وهو مدة عامين من بداية سن الرشد ، أي أن بعد مرور هذه المدة لا يستطيعوا أن يتنازلوا عن الجنسية الجزائرية تأسيسا على هذه المادة، ثانيا تميزت بظهور سلطان الإرادة أكثر من الحالات التي حددها المشرع لفقدان الجنسية حيث ورد لفظ " حرية " على إطلاقه ولم يشترط فيه على غرار النصوص السابقة شرط الإذن بالتخلي بموجب مرسوم بل اكتفى بإعلان التخلي لفقده الجنسية، ولم يتوقف على سلطة الإدارة التقديرية.في هذا الخصوص.

2       - التخلي الآثار والإجراءات  

قرر المشرع الجزائري أن يتم التخلي عن الجنسية وفق أصول ومقتضيات شكلية (أ) ، من خلال نص المادة 25، التي تعد ذات المادة التي توضح الإجراءات الإدراية لكافة طلبات الجنسية، كما حدد موعد بدء سريان أثر فقدان الجنسية الجزائرية (ب) من خلال نص المادة 20 .

أ‌-      الإجراءات الإدارية    

ويدخل التخلي عن الجنسية ضمن الإجراءات الإدارية في مسائل الجنسية والتي نصت عليها المادة (25): وترفع طلبات اكتساب الجنسية الجزائرية ، أو التخلي عنها أو إستردادها إلى وزبر العدل ، مصحوبة بالعقود و الوثائق والمستندات التي تثبت استيفاء الشروط القانونية.

وتضيف المادة 26 : إذا لم تتوفر الشروط القانونية، يعلن وزير العدل عدم قابلية الطلب بموجب مقرر معلل، يبلغ  إلى المعني، ويمكن وزير العدل رغم توفر الشروط القانونية أن يرفض الطلب بموجب قرار يبلغ إلى المعني.

 والتصريحات المقدمة للتنازل عن الجنسية الجزائرية، إلى وزير العدل مصحوبة بالشهادات والوثائق والمستندات التي من شأنها أن تثبت أن الطلب، أو التصريح تتوفر فيه الشروط القانونية المطلوبة، أن تسمح بالبت فيما كان الطلب يستوجب مبررا من الوجهة الوطنية7 .

وباعتبار حالات الفقد المذكورة في المادة (18) تتوقف على تعبير المعني صراحة عن رغبته في التخلي عن الجنسية الجزائرية،  لذلك يوجه طلبه إلى وزير العدل، مؤكدا رغبته في التخلي عن الجنسية الجزائرية، ومرفقا بالوثائق المثبتة لتوافر شروط الفقد حسب كل حاله كتقديم القاصر، وثيقة تفيد تمتعه بجنسية دولة أخرى.

ويسلم الطلب إلى السلطة المختصة وزارة العدل، أو يسلم إلى ممثلي الجزائر الدبلوماسيين،في الخارج لقاء وصل تسليم يعتبر تاريخا للطلب8.

ب - آثار التخلي

 حدد المشرع الجزائري في المادة 20 ( الأمر رقم 05/ 01 المؤرخ في 27 فبراير 2005 ) آثار هذا الفقد  " يبدأ أثر فقدان الجنسية الجزائرية : 1- في الحالات المنصوص عليها في الفقرات 1و2و3 من المادة 18 أعلاه، ابتداء من نشر المرسوم الذي يأذن للمعني بالأمر في التنازل عن الجنسية الجزائرية في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية. بل أن المادة 20  في فقرتها الثانية من نفس القانون المشار إليه أعلاه أوضحت أثر فقدان الجنسية الجزائرية وبيان إختلاف هذا الأثر عندما جاءت صياغتها في فقرتين متتاليتين، الفقرة الأولى جمعت بين الحالات الثلاث التي يجب ان يكون فيها اذن التخلي بناء على مرسوم منشور في الجريدة الرسمية وهو ما يؤكد ، أن إرادة الفرد تلعب دورا فقط ينتهي عن تقديم طلب التخلي لتظهر سلطة الدولة التقديرية في هذا الخصوص والتي يمكن إستظهارها بوضوح في صياغة الفقرة الأولى من المادة 20 "" .

والنص على تاريخ سريان الموافقة على طلب التخلي عن الجنسية الجزائرية في الحالات المنصوص عليها في الفقرات 1و2و3 من المادة 18 ابتداء من نشر المرسوم في الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية الذي يأذن للشخص المعني بالأمر في التنازل عن الجنسية الجزائرية، وبمجرد صدور المرسوم يفقد الشخص الجنسية الجزائرية من تاريخه، وتنقطع صلته بالدولة الجزائرية ويصبح أجنبيا تحكم وضعيته القوانين الخاصة بوضعية الأجانب وبالنظر لكون حالات الفقد ذات أثر رجعي، فقد حرص المشرع على صيانة حقوق الغير المتعامل مع من فقد الجنسية الجزائرية ، حفاظا عليها بالنص على الاعتداد بالحالة الظاهرة الجزائرية ، ولو كانت الجنسية الجزائرية قد زالت عن الشخص المعني وقت التعامل المادة(8)الفقرة الثانية والمادة الثالثة من قانون الجنسية الساري9..

وما يلاحظ في بشأن إرادة الفرد في هذا الخصوص ، أنها أقتصرت على تقديم طلب التخلي أما النتائج المترتبة على التخلي وهي فقدان الشخص لجنسيته ، فهي خارج نطاق هذه الإرادة . بل أن توفر الإرادة وتحقق الشروط القانونية في الشخص طالب التخلي  غير كافية لقطع رابطة الجنسية بين الفرد والدولة فالمسألة برمتها  تتوقف على سلطة الدولة التقديرية ، وهو الأمر الذي سنقوم بمعالجته تفصيلا في النقطة التالية.

II  - إرادة الفرد وحاجز السلطة التقديرية

إذا كنا قد  أوضحنا طبيعة النظام القانوني للحق في التخلي عن الجنسية كحق فردي يثبت  متى توافرت شروطه ، وظهر سلطان الإرادة جليا في هذا الشأن ، أي في السماح  للشخص  بالتنازل عن جنسيته وفقا للشروط القانونية التي أوضحناها ، والدولة  عندما وضعت هذا التنظيم لم تكن تتنازل عن إراداتها أو قدرتها في التحكم في رابطة الجنسية لصالح الفرد بل أن إقرارها لنظام التخلي أخضعته للسلطة التقديرية للإدارة10. وهو الأمر الذي يطرح تساؤلا حول حدود هذه السلطة ( أولا ) ، ومدى تقيدها بالأهداف التشريعية لنظام التخلي، والتي تمثل أساس تحقيق الغاية في القرار وتجعله في منأى عن عيب إساءة استعمال السلطة( ثانيا).

أولا : القيود الواردة على السلطة التقديرية

كما أوضحنا سابقا أن جهة الإدارة هي المنوط بها إصدار الإذن بالتخلي عن الجنسية، إذا توفرت الشروط اللازمة، ويبقى مع ذلك للدولة سلطاتها التقديرية لإعمال هذا الفقد، وبالرجوع إلى نص المادة 26 من قانون الجنسية تظهر لنا مسألتين غاية في الأهمية ، المسألة الأولى تتعلق بالسبب في القرار برفض الطلب (1 ) ، حيث نصت في فقرتها الأولى على أنه في حالة رفض الطلب لعدم استيفاء الشروط يجب أن يكون معللا ، وفي الفقرة الثانية تراجعت وأعفت الوزير من تعليل القرار في حالة الرفض بالرغم من استكمال الشروط، أما المسألة الثانية فتتعلق بالسلطة التقديرية والتي يمكن أن تتحول إلى عيب في القرار تبرز تعسف الإدارة (2) وتعرض هذا القرار للإلغاء.

1       - مشروعية السبب

 يعرف التسبيب بأنه الإفصاح عن الأسباب القانونية والواقعية التي تبرر القرار الإداري وبالتالي يكون القرار مسببا إذا أفصح بنفسه عن الأسباب التي أستند إليها مصدر القرار، فالتسبيب هو التعبير الشكلي عن أسباب القرار ومن ثم فهو ينتمي إلى المشروعية الخارجية للقرار وتتفاوت سلطة الإدارة في التسبيب حسب السلطة التي خولها لها المشرع، إذ قد يلزمها بمقتضى النص التشريعي بضرورة تسبيب القرار الصادر منها، وهنا تكون سلطتها مقيدة ويتحتم عليها تسبيب قرارها و إلا كان مفتقدا لشرط جوهري لازم لصحته.

أما الأحوال التي يخلو فيها الأمر من التزام بالتسبيب، فالأصل إن الإدارة غير ملزمة بتسبيب قراراتها، إلا إذا قامت به اختيارا، وهنا يخضع القرار من حيث تسبيبه لرقابة القضاء، كالقرار الذي يلزم القانون الإداره بتسبيبه سواء بسواء.

وبتطبيق تلك القواعد على تظهر نص المادة 26 من قانون الجنسية نجد أنه تم تحدد صلاحيات سلطة وزير العدل في قبول أو رفض الطلبات المتعلقة بالجنسية بما فيها طلبات التخلي، ويفرق بين حالتين ، الأولى  حالة الرفض لعدم توفر الشروط اللازمة في الطلب ، حيث يلتزم أن يبلغ المعني  هذا الرفض بموجب قرار معلل ، أما الحالة الثانية هي والرفض رغم توفر الشروط فالنص لم يلزم الوزير بإبداء سبب الرفض، ويبقى القرار صحيحا. و بالرغم من أن نصوص قانون الجنسية لم تلزم الإدارة بتسبيب قرارتها بالرفض في حالة توفر الشروط ، فإن هذا لا يعني أن سلطة الإدارة مطلقة في إصدار هذه القرارات، فيجب أن يكون لديها أسباب جدية وحقيقية فعدم الإلتزام بالتسبيب ليس معناه إلغاء فكرة السبب في القرار الإداري، وإنما يظل هذا الركن قائما دائما لتعلقه بالمشروعية الداخلية للقرار، وإلا كان باطلا لتخلف ركن جوهري من أركانه. كل ما هنالك أن القضاء يفترض أن القرار الذي لا يلزم الإدارة بتسبيبه يقوم على سبب صحيح ومشروع إلى أن يثبت العكس.

2       - عيب إساءة إستعمال السلطة

 السلطة التقديرية هي المجال الخصيب لعيب إساءة استعمال السلطة، فعندما تمارس الإدارة سلطة تقديرية ويحق لها اتخاذ القرار من عدمه يصبح للبحث عن النوايا أهمية عملية، تتمثل في إلغاء التصرف المستقى من بواعث لا يقرها القانون ويتخذ عيب الانحراف بالسلطة إحدى الصور التالية.الأولى تحقيق غاية بعيدة عن المصلحة العامة. وأهم تطبيقات هذه الصورة تحقيق نفع شخصي أو محاباة الغير أو اتخاذ القرار الإداري وسيلة للإنتقام من شخص ما أو مجموعة أشخاص11.

أما الصورة الثانية فهي الإنحراف عن قاعدة تخصيص الأهداف. وتكمل هذه الصورة الصورة السابقة ومعناها أن القرار الإداري يجب أن يستهدف إلى جانب المصلحة العامة- بشكل عام – نفس الهدف الذي حدده له القانون فلا يكفي في هذا أن يكون الهدف متعلقا بالمصلحة العامة في أي صورة بل يجب أن يكون الهدف متعلقا بالمصلحة العامة في أي صورة بل يجب أن يكون هو ذات الهدف الذي حدده القانون12.  فقاعدة تخصيص الأهداف التي تقيد القرار الإداري بالغاية المخصصة التي رسمت له، فإذا خرج القرار عن هذه الغاية، ولو كان هدفه هو تحقيق المصلحة العامة في ذاتها، كان القرار مشوبا بعيب الإنحراف بالسلطة ووقع باطل ،أي أنه إذا حدد القانون الأهداف التي يتعين بلوغها لا تملك الإدارة – وهي بسبيل ممارسة نشاطها- الخروج على هذه الأهداف، ولو كان مسعاها يحقق في النهاية المصلحة العامة بمعناها الواسع، ولا يزيل أو ينفي هذه المخالفة نبل المقاصد التي دفعت الإدارة إلى التجاوز عن قاعدة تخصيص الأهداف13.

أما الصورة الثالثة هي إساءة استعمال الإجراءات وتتميز هذه الصورة بمشروعية الغرض الذي تسعى إليه الإدارة . وسبب إلغاء قرارها يرجع إلى سلوكها في تحقيق هذا الغرض، طريقا إجرائيا مغايرا لذلك الواجب السير فيه. وتتبع الإدارة هذا المسلك لإخفاء مسعاها الحقيقي، أو لإختصار الإجراءات الواجب إتباعها، وهو ما يترجم عادة إلى تقلص الضمانات المقررة للأفراد. وعلى ذلك فهذه السلطة التقديرية التي منحها المشرع للإدارة من خلال النص السابق ليست مطلقة، وإنما تتقيد بما رسمه المشرع من أهداف تلتزم الإدارة بتنفيذها، ولا يحق لها أن تحيد عنها وإلا تعرضت قراراتها للإلغاء.

ثانيا: التخلي ومبدأ الواقعية

إن الهدف أو الغاية التي ينشدها المشرع من تقرير نظام التخلي عن الجنسية، وجعل السلطة التقديرية للدولة تلعب دورا أساسيا في أن ينتج التخلي أثره، ليصبح دور الفرد منحصرا في الفرض الذي يتقدم فيه طالبا التنازل عن جنسيته، يمكن ملاحظته من خلال مراجعة نص المادة18 (من الأمر رقم 05/01 المؤرخ في 27 فيراير 2005 ) . فكافة الحالات التي أوردها المشرع كان يرمي من ورائها إلى تلافي ظاهرة إزدواج الجنسية والتأكيد على جدية رابطة الجنسية بين الدولة والفرد(1) ، أيضا تتجلى أهمية هذه الرابطة لدى المشرع من خلال نص المادة 14 حيث تتضح رغبة المشرع في فتح باب الإسترداد لإسترداد الجنسية التي تم التخلي في حالة وجود قرينة على عدم قدرته على الإنفصال عن الجماعة الوطنية(2 ) .

1-  جدية الرابطة ومنع الإزدواج

من أهم الأهداف التي يسعى إليها نظام التخلي عن الجنسية الحد من حالات إزدواج الجنسية، والتي ترتبط أصلا بحق أصيل آخر، هو حقه في تغيير جنسيته14، ولا توجد في الواقع دولة في المجتمع الحديث تحرم الفرد بصفة مطلقة من الحق في تغيير جنسيته إذا أراد ذلك ، ويترتب على قيام الفرد بإستعمال حقه السابق تراكم الجنسيات عليه، وذلك في الفرض الذي يكتسب فيه جنسية جديدة دون أن تزول عنه الجنسية القديمة.

  بإستقراء كل حالات التخلي نجد أنها تضمنت شرط هام تكرر في فقراتها الأربع وهو وجود جنسية أجنبية ثابتة للجزائري وتكفلت الفقرات بشرح طبيعة ونوع هذه الجنسية، فكل الأشخاص الذين خاطبتهم نصوص المادة 18 لديهم جنسية أخرى ، من هذه الزاوية تطرح مسألة إزدواج الجنسية وتأثيرها على ولاء الفرد ، فرابطة الجنسية هي رابطة قانونية وسياسية وروحية بين الفرد والدولة، ويجب أن يراعى في تكييفها أنها صفة قانونية تحدد حالة الأشخاص، وهي أيضا وليدة شعور قومي بالإنتماء إلى جماعة سياسية معينة15، ولذا يجب أن أن يفسح المشرع مكانة لإرادة الفرد لتغييرها، إذا ما تبين له إنفصام هذه العلاقة كقرينة على انقطاع تلك الرابطة ، وفي حالة ثبوت العكس يحق للدولة الرفض.

فالتخلي كنظام قانوني يسعى  إلى إعمال مبدأ الواقعية كأساس لمنح الجنسية ومفاده أن تكون فكرة الجنسية مستندة إلى رابطة حقيقية أي مبنية على وجود صلة قوية تكشف عن ارتباط الشخص الفعلي بشعب هذه الدولة التي يحمل جنسيتها16 ، وقد صاغت محكمة العدل الدولية في قضية نوتابوم هذا المبدأ في حكمها في 6 أفريل 1955 بحيث" تكون الجنسية التي يحملها الشخص قانونا مستندة إلى رابطة فعلية تربط الشخص باقليم الدولة التي يحمل تابعيتها، ومن هذا المنطلق رأت المحكمة ضرورة أن تكون الرابطة حقيقية وواقعية حتى يمكن أن تنتج هذه الجنسية أثارها، وإذا كان مبدأ الواقعية أو الرابطة الجدية بين الدولة والجنسية، هو قيد على حريتها في منح جنسيتها وفي تقرير زوالها.

ومن هنا تظهر سلطة الدولة التقديرية في التحقق من وجود هذه الرابطة أو عدم وجودها، فهي التي تحدد مواطنيها، وهي الطرف المانح للجنسية، ومن هذه المنطلق يحق لها أن ترفض طلب التخلي إذا كان الشخص من الناحية الواقعية لم ينفصل عنها، بل يريد أن يتهرب على سبيل المثال من بعض الإلتزامات المفروضة عليه تجاهها، وتجري الدول في إجماع  وتواتر على احترام هذا المبدأ17. 

فحق  الفرد في تغيير جنسيته لا يعطيه حرية الجمع بين أكثر من جنسية ، فتعدد الجنسيات يصاحبه مشكلات معقدة تتعارض مع مصلحة الفرد نفسه، ومع مصلحة الدولة التي يتمتع بجنسياتها على السواء كما يتعارض ذلك التعدد مع مفهوم فكرة الجنسية ذاتها ، التي تعني الانتماء والإخلاص للوطن الذي لا يقبل انقساما أو تجزئه .

2-جدية الرابطة وتقرير نظام الإسترداد

إذا كان المشرع قد أستهدف من خلال نظام التخلي الحد من ظاهرة تعدد الجنسيات ، وتأسيس رابطة الجنسية وفقا لوجود علاقة واقعية تنم عن وحدة ولاء الشخص للدولة، وجعل لإرادة الأفراد دورا مقيدا فيها فلا يمنح التخلي إلا إذا توافرت جنسية أخرى للفرد، هذا الشرط يظهر أيضا وإن كان بطريق غير مباشر حرص المشرع ألا يكون الفرد عديم الجنسية، وهذا ما يمكن تأكيده من خلال نص المادة (14) من قانون الجنسية : "يمكن استرداد الجنسية الجزائرية بموجب مرسوم لكل شخص كان متمتعا بها كجنسية أصلية وفقدها وذلك عن طريق تقديم طلب بعد (18) شهرا على الأقل من الإقامة المعتادة والمنتظمة في الجزائر" 18.

ويناط بالاسترداد حسب هذه المادة للسلطة التقديرية للدولة، فبإمكانها السماح للشخص باسترداد جنسيته أو الرفض، وفي حالة قبول طلبه يتم الاسترداد بموجب مرسوم، وهذا ما يجعل الاسترداد منحه من الدولة 19.

وإعمال السلطة التقديرية سالفة الذكر، إنما يفيد إمكانية رفضها لبعض طلبات الإسترداد، وفقا لظروف كل حالة وللملائمات المعتبرة لديها، وللمصالح المطروحة في وقت تقديم الطلب، أيضا بالنظر إلى ماهية الجنسية الأجنبية التي أكتسبها الجزائري المعني، ومضمون المادة 14 على هذا النحو يرجعنا إلى ما قررته المادة 18 من تقرير سلطة تقديرية واسعة لوزير العدل ، في قبول أو رفض طلبات التخلي عن الجنسية، وهو ما تم تقريره مرة أخرى في نص المادة 14 حيث جعل إمكانية الرجوع إلى الجنسية الجزائرية يتوقف على هذه السلطة ، وإن كانت كما سبق وأوضحنا ليست مطلقة بل مقيدة ببعض التوجهات ، والإدارة إذ تمارس تقديرها إنما تقيم في الواقع توازنا بين مجموعة من الشروط والعناصر المتطلبة فيأتي قرارها ترجمة لمجموعة الشروط التي قد تتحقق بنسب متفاوتة طالما أن الصورة النهائية تؤكد إنفصال الشخص عن الجماعة الوطنية ، كما هو في حالة طلبه للتخلي عن جنسيته ، أو في حالة طلبه إستردادها.

وعلى ذلك تعتبر الجنسية التي أستردها الشخص جنسية مكتسبة، وتجعله يتمتع بجميع الحقوق المتعلقة بالصفة الجزائرية من تاريخ اكتسابها، وذلك وفقا للمادة (15) من قانون الجنسية أن استرداد الجنسية الجزائرية يحدث أثره في عودة الصفة الوطنية للشخص.

وفيما يتعلق بشروط الإستفادة من نص المادة 14 المشار إليه أعلاه نجد أن المشرع عند إقراره لنظام التخلي والمنصوص عليه في المادة 18 إكتفى بأن يكون طالب التخلي عن الجنسية جزائريا حيث أكتفى بكلمة "الجزائري"، أو "المرأة الجزائرية " ، بدون أن يشترط لإعمال النص أن يكون طالب التخلي جزائريا أصيلا أو طارئا حيث منح الحق في التخلي لكل من يحمل الجنسية الجزائرية بغض النظر عن نوعها. في حين إشترط الجنسية الجزائرية الأصلية في طالب الإسترداد ، أي الأشخاص الذين اكتسبوا الجنسية وفقا لنص المادة (6 ) و المادة (7) من الأمر رقم 05 /01 المؤرخ في 27 فبراير 2005 " وهذا يؤكد على أن نظام الإسترداد يعالج  الآثار السلبية الناتجة عن إقرار المشرع لنظام التخلي، و هي انفصال الشخص عن جماعته الوطنية، حيث يسمح لهؤلاء بالعودة إلى جنسيتهم السابقة ، ولم يمنح المشرع هذا الحق إلا للوطني الأصيل. أما الوطني الطارئ فلا يمكن له الإستفادة بهذا النص حيث يعتبر تخليه عن الجنسية الجزائرية بعد إكتسابها قرينة على ضعف الرابطة بينه وبين الدولة الجزائرية . ويبقى دور السلطة التقديرية للإدارة للتأكد من وجود هذه الرابطة لقبول طلب الإسترداد حتى للوطني الأصيل. ويحق لها قبول أو رفض طلب الإسترداد إذا ما قدرت سلامة هذا الموقف.

ترتيبا على كل ما تقدم، نخلص إلى أن حق الفرد في تغيير جنسيته مقيد بعدة قيود ، بعضها يحقق مصلحة الفرد ذاته و بعضها الآخر يحقق مصلحة الدولة ، وهذه القيود تهدف إلى حماية الفرد عند استعماله لحقه في تغيير جنسيته من إحدى ثلاث زوايا وهي تجنيب الفرد الوقوع في مشكلة انعدام الجنسية، ، أو تفادي عدم الاعتداد بجنسية الفرد على المستوى الدولي ، أو على المستوى الداخلي و تجنيب الفرد الوقوع في مشكلة ازدواج الجنسية  ذلك أن حق الفرد في تغيير جنسيته  لا يسوغ له مطلقا هجر الجنسية التي يحملها دون اكتساب جنسية جديدة لأن ذلك معناه وقوعه في وضع انعدام جنسية ، وهو وضع يترتب عليه صعوبات كثيرة تهدد وجوده في أية دولة  وتصعب حل المشكلات المتعلقة بأحواله الشخصية عندما يجب حسمها وفقا لقانون الجنسية ، من أجل ذلك تقيد التشريعات المقارنة حق الفرد في تغيير جنسيته بحيث تعلق زوال جنسيتها عن الوطني ، على تمام اكتسابه للجنسية الجديدة بحيث يكون تاريخ فقد الجنسية الوطنية هو تاريخ اكتساب الجنسية الجديدة .

أيضا تفادي عدم الاعتداد بالجنسية التي يرغبها الفرد على المستوى الدولي  ذلك لأن حق  الفرد في تغيير جنسيته لا يعطيه حرية الجمع بين أكثر من جنسية ، فتعدد الجنسيات يصاحبه مشكلات معقدة تتعارض مع مصلحة الفرد نفسه، ومع مصلحة الدولة التي يتمتع بجنسياتها على السواء ، كما يتعارض ذلك التعدد مع مفهوم فكرة الجنسية ذاتها ، التي تعني الانتماء والإخلاص للوطن الذي لا يقبل انقساما أو تجزئه.

أما عن القيود التي تفرضها الدولة الأصلية أي الدولة المراد الخروج من جنسيتها، نجد أنه يتعين على الفرد مراعاة ما تضعه تلك الدولة من شروط تحقق مصالحها ، وتكفل جدية رغبة الفرد في الخروج من جنسيتها فقد لا تقر له التخلص من جنسيتها،إلى جنسية جديدة إذا كان لا يزال مقيما على إقليمها ، أو إذا كان يريد التنازل عن جنسيته دون أن يقصد الحصول على جنسية جديدة.

أما القيود التي تفرضها الدولة الجديدة أي الدولة المراد الدخول في جنسيتها فهي تنطلق من مبدأ حرية الدولة في مجال الجنسية ، وهذا يخولها الحق في أن تمنح جنسيتها لمن تشاء، وتحجبها عمن تشاء ، مستلهمة في ذلك مصالحها المختلفة ، فإنه يتعين على الفرد الراغب في الحصول على جنسيتها أن يلتزم بما تضعه من شروط للتجنس ، سواء في ذلك الشروط المتعلقة بالإقامة في إقليمها  والإلمام بلغتها ، ووجود وسيلة مشروعة للكسب ، وغيرها من الشروط..

وفي ضوء ما تقدم يمكن القول نجد أن  الإرادة الفردية تظهر في مجال تغيير الجنسية، مع اتفاقها في ضرورة تقييد هذا التغيير بقيود تحقق مصلحة الفرد ومصلحة الدولة في وقت واحد  وطبيعي أن تختلف تلك القيود من دولة إلى أخرى ، وفقا للاعتبارات التي تسعى كل دولة لتحقيقها ، وهكذا يتضح أن مسلك المشرع الجزائري  يتوافق مع الأصول المثالية التي يجب أن تسود في مجال الجنسية ، وأحد تلك الأصول هو عدم إنكار حق الفرد في تغيير جنسيته. ذلك التخلي الذي يتحقق بتوافق إرادة الدولة و إرادة الفرد مع مراعاة نوع من التراتيبية في هذا الخصوص .

الهوامــــش:

[1].أحمد عبد الكريم سلامة، "مبدأ الواقعية والقانون الدولي العام للجنسية"، تأملات على ضوء، أحكام القانون الدولي الحديث، دار النهضة العربية القاهرة. ص 145

2 راجع الطيب زروتي ، الوسيط في الجنسية الجزائرية، الطبعة الثانية 2010 ص 418.

3- ا أحمد قسمت الجداوي، "حرية الدولة في مجال الجنسية ، دراسة تأصيلية" 1979 بدون دار نشر، ص 336.

4- E. BOURBOUSSON, traite général de la nationalité ,Paris,1931,P 1,2,3.

5 - عكاشة محمد عبد العال، أحكام الجنسية المصرية ، دراسة مقارنة، دار الجامعة الجديدة، 1993 ، ص 212.

6- Niboyet, Traité de Droit International privé Français, tome 1, édition2, 1947 ,P .265.

7 - الطيب زروتي ، الوسيط في الجنسية الجزائرية، الطبعة الثانية، 2010 ، ص474 وما بعدها.

8ـ الطيب زروتي، المرجع السابق ، ص 496.

9ـ محمد سعادي، القانون الدولي الخاص وتطبيقاته في النظام القانوني الجزائري،  دار الخلدونية ، الطبعة الأولى، ص 216 ،226.

10- Loussouran  et Bourel , Droit  international  privé, 3edition ,1980,P 675 .

 11- جورج فودال، بيار دلفوفيه، القانون الإداري، الجزء الثاني، ترجمة منصور القاضي ، الطبعة الأولى، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2001 ، ص 177.

12 - مصطفى أبو زيد، قضاء الإلغاء، شروط القبول- أوجه الإلغاء، دار المطبوعات الجامعية، 2001 ص 334 .

13- فتحي فكري، وجيز دعوى الإلغاء، طبقا لأحكام القضاء ، بدون دار نشر ، ص 278 .

14- هشام خالد ، المركز القانوني لمتعدد الجنسية، دار الفكر الجامعي، 2001، ص 48.

15-Louis-Lucas, Le code de la nationalité .1946. P7.

16- عكاشة محمد عبد العال، الجنسية ومركز الأجانب في تشريعات الدول العربية، الدار الجامعية،1987 ، ص 46 .

17ـ فؤاد عبد المنعم رياض  ، سامية راشد  ، في تنازع القوانين وتنازع الاختصاص القضائي الدولي،   1987 ص 54.

18ـ راجع نصوص القانون منشور أيضا في سلسلة القانون في متناول ، وخدمة المجتمع مولود ديدان ديسمبر 2006 /جامعة بو دواو.

19ـ أعراب بلقاسم ،القانون الدولي الخاص الجزائري تنازع الاختصاص القضائي الدولي، الجنسية الجزء الثاني ، دار هومة الطبعة الخامسة 2008،  ص 228 وما بعدها.