لذة القراءة وتفكيك الإيديولوجيا عند رولان بارتpdf

 

مديحة  دبابي

جامعة محمد لمين دباغين سطيف ( الجزائر )

 

 


Résumé
           Le critique français Roland Barthe dans son « le plaisir du texte » essaye de pratiquer une différente critique,en occupant sur la question et la recherche des différentes perspectives pour la pratique de critique qui dépasse la fermeture structurale, le lecteur lit son texte avec avec un plaisir pour qu’il puisse réaliser la juissance comme un producteur du texte, le plaisir est une stratégie de lecture signifie souvent  la signification originelle référentielle des mots pour qu’il puisse récupérer une différente mémoire du texte, il montre son moralité et son génotexte au texte apparu, à travers la Trace se crée la distance esthétique, pendant l’évocation de l’improbable et la production de la signifiance, comme ça, il se crée une place pour la juissance et la lecture devient une éxpérience esthétique remodele la construction du texte sans une exploitation idéologique.

 الملخص :

يسعى الناقد الفرنسي رولان بارت في" لذة النص" إلى ممارسة نقديّة مختلفة ، منشغلا بالسؤال والبحث عن آفاق مختلفة للممارسة النقدية المتجاوزة للانغلاقالبنيوي، حيث يشتغل القارئ على النص بلذة حتى يحقق المتعة في كونه منتجا للنص، فاللذة إستراتيجية قرائية تعلّق باستمرار حضور الدلالة الأصلية المرجعية للكلمات كي يستعيد ذاكرة النّص اختلافا؛ فتكشف عن تخلّقه، وسيرورة تشكلّه من النّص التّكوين  إلى النّص الظاهر Kإذ عبر الأثرتخلق المسافة الجماليّة، عند استحضار المستبعد وتوليد الدلالة signifiance ، وإذ ذاك يكون مكان للمتعة قد خُلِق وتصبح القراءة تجربة جمالية تعيدتشكيل النص دون استثمار إيديولوجي.

الكلمات المفتاحية : النص ، التناص ، البنيوية ، القراءة ، المتعة ّ، اللذة ، الإيديولوجيا

تقديم:

إن الهمّ الذي يشغل بارت في "لذّة النّص" هو وضع حد للايدولوجيا*«إن المسألة هي تقويض كل إيديولوجيا» ([1]) والنص الحديث أزّم علاقة القارئ باللغة، بل جعل القارئ وجها لوجه في مشاهدة اللا-متجانس. لأنه ينفي إمكانية حضور المعنى، ويضع حدا لسلطة المعنى، وهيمنة الحضور.وهنا يتعين على القراءة النقدية أن تنطلق ابتداء من الفضح والتعرية والتقويض:« إن اللذة ليست عنصرا في النص، ولا هي مجرد بقية، كما لا تتوقف على منطق للفهم والإحساس،إنها زوغان، شيء ثوري، ولا يحمل الصفة المجتمعية في آن واحد.ولا تستطيع أية جماعة أن تتحمل عبئها،كما لا تستطيع ذلك أية عقلية، ولا أية لهجة فردية.هل اللذة شيء محايد؟إننا نرى جيدا أن لذة النص لذة فاضحة:لا لأنها أخلاقية، بل لأنها لا محل لها.»([2]) فاللذة إجراء نقدي في التعرية والفضح لتحرير عقل القارئ من كل الأوهام. وتحرير الدال من الارتباط بالمدلول المتعالي الواحد .

النص حسب المعجم النقدي البارتي يثير القارئ ويخيِّب أمله في الحصول على المعنى، فإن هذه الإثارة محفز لتفعيل اليقظة والانتباه «الإثارة تعني أن يبدأ نشاط العقل ليتصور كل الاحتمالات أو الفروض الممكنة التي تفسر الوقائع ،ومعنى هذا أن يحلّق العقل في آفاق الخيال ليتصور الاحتمالات والفروض.»([3]) هنا تغدو المهمة الفعلية للقراءة هي تسهيل عبور المكبوت، عن طريق "تحويله" وتيسير السيلان والجريان الحر للمعنى، لا ثباته ومن ثمة طغيانه ،يجب أن نضع بعين الاعتبار أن النص كائن تشكّل في رحم النّصوص السابقة، لكنه يخفي تاريخه وتعالقاته بهذه النصوص، التي تبقى مقروءة فيه كندبة محفورة في ذاكرته ،إنها أرشيف النص، وهنا تشتغل القراءة على ملاحقتها، من خلال تأخير ما يظهر من صوت واحد في هذا النص، الذي لا يكون إلا صوتا إيديولوجيا،على القارئ أن ينصت إليه ببرودة -حسب عبارة لنيتشه- إذ أن النص «لا ينظر إليه على أنه حامل لمعنى جاهز أحادي وإيديولوجي، ويوضح بارت هذا التصور قائلا إن المعنى هو الإيديولوجيا. وإن المعنى إذا ما تم، جفّ فتيبّس (Le sens Solidifiéوعليه فإن الإصغاء إلى مفردات النص المقروء، على أنها مفردات تحتوي معاني متناقضة ومتنافرة، في ذات المفردة الواحدة، وفي ذات النص الواحد، يعني أننا نقتفي آثار الاختلاف لغويا، والبحث عن الاختلاف، متّبعين آثاره التي تتضمنها المفردة الواحدة أو النص الواحد، يعني الإنصات المتأني لصوت الكينونة وهي تعلن عن حضورها عبر الحدث اللغوي.»([4]) وهنا تكون مهمة القراءةهي ملاحقة تاريخيّة النص، من خلال تفكيك ذاكرة الكلمات، وفك نسيج النص، وأنساقه المتقاطعة والمترابطة والمتضافرة،من خلال التقطيع وإعادة التركيب أو عبر الهدم والبناء.

1-     بارت وتقويض البنيوية :

جسد المشروع الحداثي النقدي( البنيوية) ثورة معرفية على المناهج السياقية [ التاريخية، الاجتماعية والنفسية ] أو الخطاب النقدي ما قبل الحداثي، الذي حصر خطاب النقد في البحث عن المدلول والانشغال بالمؤلف والتاريخ والسياق الاجتماعي في تفسير النص، حيث كان انطباعيا معياريا وهو الأمر الذي ثارت ضده البنيوية. التي اعتبرت أن اللغة لا تنقل الواقع ولا تمثل الخارج. فتفسير النص مشغول ببنية اللغة ذاتها وليس فيما هو خارج عنها. 

يرتكز خطاب النقد البنيوي على السؤال الابستيمولوجي/ المعرفي : كيف يقول النص ما يقوله. ولا تهتم بمن قال النص فمقولة "موت المؤلف" أهم مرتكز في البنيوية : جاءت تمردا وثورة على الدراسة النفسية والاجتماعية التي كانت تُعنى همها بالبحث في البيليوغرافيا ونفسية المؤلف، ولا تهتم بلغة النص فهي تؤمن بعدم إمكان وجود ذات وراء الموضوع تقبض على المعنى. فاذأصبح خطاب النقد مع موجة الحركة البنيوية أو المشروع الحداثي ممارسة نقدية عقلية، إذ ركزت النظر في بنية اللغة وإقصاء السياق الخارجي، حيث تأسست على مقولة النظام اللغوي، وأرست قواعد الموضوعية، وركنت البنيوية إلى الرؤية الداخلية/الباطنية للنص، انطلاقا من ثنائيات متضادة (الدال، المدلول)،(اللغة ، الكلام)، (التزامن، التعاقب)... وأغلقت النص وأقفلت على التاريخ. وحصرت النص ضمن اللحظة زمنية محددة، وهي ثنائيات أخذها خطاب النقد عن الدراسات اللسانية مع "دو سوسير"، لمقاربة النص من أجل الوصول إلى دراسة علمية موضوعية حيث اعتبر دي سوسير أن علم اللغة هو الدراسة العلمية للغة في ثورة اللسانيات على الدراسة التاريخية الفيلولوجية للغة، فكان الدرس اللساني أهم معين استقى منه خطاب النقد مفاهيمه مع البنيوية، من أجل الوصول إلى مقاربة النص مقاربة علمية ، حيث أغرت علوم الطبيعة البنيوية خاصة إهمالها للجانب الإنساني والتاريخي والوصول إلى نتائج قارة وتركيزها على الموضوعية والدقة.

رهنت البنيوية النص تحت رحمة الثنائيات المتضادة، وحِدَّة المنهج العلمي. وشُغِفَت بإنكار التاريخ والدراسة التاريخية؛ فهي ممارسة لازمنية .وأنكرت المعرفة الحدسية والقلبية ، لأجل علمنة خطاب النقد وابتغاء الموضوعية الحقة في علوم إنسانية .  فأصبح خطاب النقد "علم الأدب". وتواطأ أهلها وروادها على التأسيس لهذا العلم وفق منهج يبرر عقليا ، حيث يرجع اختلاف النصوص إلى بنية سابقة أولى هي اللغة /logos/ العقل الكلي نظير التفكير العقلي في الفلسفة. أي أن كل ما في الكون يدل على الواحد - أو بتعبير الفلاسفة اليونانيين :عقل كلي - أي التأسيس لمقولة المطابقة ونفي الاختلاف ؛ ومطابقة الدال للمدلول أو منطق العلامة عند "دو سوسير" الذي اعتبر الدال والمدلول كوجهي ورقة واحدة  .

لكن هل الوصول إلى حقيقة قارة أمر ممكن؟ هل الوصول إلى بنية أولى سابقة تقبض على المختلف أمر ممكن؟ أم أن الحداثة النقدية تغالط نفسها بقدرة العقل في الوصول إلى الحقيقة إلى بنية سابقة متعالية؟ وهل سيتواصل الزعم بإنكار فاعلية القراءة، التي أضحت فاعلية كتابية حيث بشر أهلها بمولد القراءة الشعرية "تودوروف"، ومقولة "بارت" أن موت المؤلف مرهون بمولد القارئ. وإشراك "ريفاتير " القارئ في مراقبة انزياحات النص.فكانت إرهاصات وبشارة مولد القارئ قد ولدت من رحم البنيوية ذاتها .فألح نقاد ما بعد البنيوية على لا-انغلاق البنية ،وعلى دخول القارئ في إنتاج الدلالة، وتوصلوا إلى أن المعنى أبدا لا يستنفد ، بل إن الأمر بين البنية والقارئ قد أحيل إلى اللعب كإستراتيجية في خلق النص من جديد  وهو:نص القارئ .

ثار على البنيوية أهلها وروادها، فالنص ليس مغلقا فقد قضى مفهوم 'التناص' على النسق المغلق، وقضى الاختلاف على المعنى الأحادي وكما يقول بارت :'' ليس النقد هو العلم''[5]وها نحن على أعتاب التأويل والكتابة فقد « غادر النقد من مضائقه الابستيمولوجية والتشريعية إلى فضاءات التقويم الجينالوجي بخطواته ونتائجه على فروع الثقافة المتعددة » ([6]) فالناقد ما بعد البنيوي قد غادر أرض الثنائيات الميتافيزيقية التي يتم على أساس منها الحكم، وأصبح عمله خلخلة هذه الثنائيات، ومعانقة الواقع التراجيدي في اللغة متدفقا إلى أعماق النص. مبينا خصوصية لغته وشما/رسما على جسد لغته الخاصة.''النقد يشطر المعاني ويأتي بلغة ثانية فيجعلها تحوم فوق لغة العمل الأول''[7]حيث آل خطاب النقد إلى استكناه طبقات وثنيات النص.وكونه التخيلي الذي يتناص مع لا نهائية ووفرة من النصوص .

يقوِّض بارت في "لذة النص" الفلسفة العقلانية التي شكلت الجذور المعرفية التي تأسس عليها النقد البنيوي؛ عبر صيغة الإنكار الجذري لقوانين القراءة العقلانية البنيوية ومسلماتها وبديهياتها وترسانتها المفاهيمية، ومنظومتها المصطلحية العقلانية، التي تقصي كل فاعلية للقارئ في إنتاج الدلالات، إذ تعتبر النّص بنية مغلقة على ذاتها، تحقق اكتفاء ذاتيا، ولا تحتاج إلى الآخر/القارئ في إنتاج الدلالة، وقراءة النص.وترفض تعدّد المعنى، لكنها تغفل عن حقيقة أن من يتحكم في إنتاج النص الظاهر (Pheno-texte ) هي أنساق تحتية أو النص الباطن ((Géno -texte أو بلغة التحليل النفسي(لذات عضوية مستقلة )، تتفاعل فيما بيينها في الأعماق، فالنص نسيج بتعبير "بارت" من نصوص ثقافية، ومحمّل بأصداء نصوص سابقة أو مايشكل (المكبوت )، وهو الأمر الذي يحفز على قراءة تسبر أغواره وتفكِّك ترسّباته « فبارت الملتزم بالدفاع عن الطروحات التي تتضمنها أعماله الاستثنائية، عازم في كل مرة ينتبه فيها إلى ظاهرة أو طفرة، على متابعة المسكوت عنه، بحداثة لا ترحم عماوة المركز. فهو متعدد التساؤلات، وحاضر في ما يبدو للمؤسسة الأدبية أو الثقافية هامشيا أو عديم الجدوى. لقد وفر بارت للقراء مؤشرات أخرى للاحتكام إلى التغيير في شجرة النسب المفاهيمية، وفي الكينونة ذاتها للأخلاقية النقدية ،لم يكن مصالحاولا مهادنا، وإنما قارئا نموذجيا للتصدعات الممكنة لما تصنعه الخطابات المتناقضة أو المتماثلة.»([8])

2-     لذة القراءة :.قارئ اللذة النصية .

يعمل بارت في لذة النص على التمهيد لدخول القارئ في اللعبة النصية تجعله يتفلّت ويتحرر من طغيان المعنى الشمولي ويقرا النص دون استثمار إيديولوجي، بل تغدو القراءة مشغولة ومنهمكة في البحث عن أثر (Trace ) النصوص في هذا النص، قراءة تهتّم بعلاقة تكوّن النص في رحم الثقافة التي تخلّق فيها باعتباره منتوجا ثقافيا، ومحاولة إنتاج إشارات المكبوت، واستقصاء تعالقات الرّغبة، بقطع المعنى الأصلي المرجعي للكلمات وفتح النّص « علينا أن نعمل على نهج قراءة تعددية للنص، والاعتراف باشتراك الألفاظ، وتعدد المعاني وإقامة فعلية لنقد تعددي، وفتح النص على البعد الرمزي.» ([9])حيث يصبح مفهوم اللذة مقلقا للإيديولوجيا؛ حين يتحول قارئ اللذة إلى محب وعاشق للنص، ومتجول في ليل النص التحتي، فيعيد خلق النص واسترجاع المكبوت إلى الحياة، وإعادة خلق النص ''القراءة تحب العمل ولذا فهي تقيم معه علاقة أساسها الرغبة '' [10]  ، قارئ لا يشغل نفسه بالبحث عن المدلول ومضمون الخطابات بقدر ما يشغل نفسه بالبحث عن كيف تشكّل هذا النص «فالتحليلات السوسيو–إيديولوجية تتأسس على حصر بحثها في المدلول، وتنسى تلك التحليلات الوجه الأخر الرائع للكتابة أي المتعة التي يمكن أن تنفجر عبر قرون خارج نصوص كتبت تمجيدا لأكثر الفلسفات كآبة وشؤما.»([11]) فالمتعة تنشأ في ملاحقة آثار النص ؛أي محاولة بلورة ممارسة نصية قوامها النقد والتحليل وليس الوصول إلى حقيقة ثابتة وهي القراءة السوسيولوجية التي تهتم بسياقات النّص الاجتماعية التاريخية والنفسية أكثر من اهتمامها بلغة النص وبنياته التحتية .

ينظر بارت للنقد بوصفه كتابة؛ الناقد عن بارت قارئ يكتب [12] ؛الكتابة كممارسة تجاوز مستمر، بقطع رأس الإيديولوجيا في مراحل متعاقبة من مسيرة القارئ داخل العالم التحتي أو الكون الدلالي للنص، من خلال تجاوز الصوت القريب والمعنى المثالي الذي يبدو في النص لأول وهلة، أثناء القراءة الحفرية، فإذا كانت اللغة عند بارت فاشية كما يقول، بل إن السلطة تخترق اللغة يقول: «إن كانت السلطة متعددة في الفضاء الاجتماعي، فهي بالمقابل، ممتدة في الزمان التاريخي.وعندما نبعدها وندفعها هنا، سرعان ما تظهر هنالك؛ وهي لا تزول البتة قم ضدها بثورة بغية القضاء عليها، وسرعان ما تنبعث وتنبت في حالة جديدة، ومرد هذه المكابدة والظهور في كل مكان، هو أن السلطة جرثومة عالقة بجهاز يخترق المجتمع ويرتبط بتاريخ البشرية في مجموعه، وليس بالتاريخ السياسي وحده. هذا الشيء الذي ترتسم فيه السلطة، ومنذ الأزل، هو اللغة .»([13]) بما أن السلطة عالقة باللغة، فإن الأمر إذن يقتضي الشك والريبة فيما يقوله النص، ويجب إعمال الفكر في الأوهام التي تسكن النص.لأن السلطة مجسدة في منظومة سائلة زئبقية، فالشك من أصغر وحدة صوتية إلى النص بوصفه علامة كليّة «إن اللغة التي أتكلمها في قرارة نفسي، لا تنتمي إلى عصري، إنها بطبيعتها عرضة للشك الإيديولوجي، فإذن إلى جانب هذه اللغة ينبغي أن أصارع.»([14])وهذه هي المهمة الفعلية في حرب العلامات، المصارعة والمقاومة، أمام هيمنة السلطة الخفية التي تدخل في التكوين الباطني للفرد/النص، ذلك أن « فعل الإدراك، لا يعني تشكيلا منسجما للأشياء والمواضيع: وإنما يعني سفرا لاكتشاف العالم.» ([15]) وعبر هذه القراءة يتعرف الكائن على حدوده، وعلى ذاكرته الطفلية ورغباته التي تقبع في العقل الباطن، أو التي ركمها الكبت في الذاكرة، عندما يصبح النّص إثارة عنيفة لآثار تحتفظ بها ذاكرة القارئلم يستطع الوعي أن يلغيها كليا، إنما سجنها في اللاشعور. تصبح القراءة تنقيبا في ذاكرة النص وذاكرة القارئ في الوقت نفسه والتحرر من وهم ارتباط الدال بمعنى مرجعي سابق ويتجاوز هذه الأوهام من ثمة، إن الذي يهم بارت تحديدا هو تحرير الدال/ الجسد من الارتباط بالمعنى الواحد السابق والقبلي.

3-     السـكن في الـنص :توليد الدلالة

إن البيولوجيا المحتكم إليها في "إنتاج النص" عند "بارت"تبدأ من "نسيج" العنكبوت، وجدل اللذة والموت، إلى تماهي الحرباء بالمحيط الذي توجد فيه، خاصة إذا داهمته الأخطار وقدرة  ذلك الكائن على الانفصال عن جزء من جسده أثناء تعرضه للخطر. ومتابعة هذه البيولوجيا النصية، هو ما يحدد اختلاف النص، كما يحدد نزهة القارئ في اختلافها، ولعل الجامع بين هاتين الخاصيتين للنص عند "بارت" هو درء الخطر عن الذات أو باعتبارها إجراءات دفاعية، تقاوم من خلالها الكائنات الحية الخطر الواقعي، أي الحفاظ على الذات وهو المطلب العقلاني بامتياز لكائنات غير عاقلة.  

من النسيج إلى التماهي يتكوّن النص فريدا مختلفا له خصوصياته، فالنص مفتوح على لانهائية النصوص، نسيج من ملصقات كثيرة قديمة وحديثة، وهي ما تجعل المعنى ممتنعا على الحضور، إن لم نقل مستحيلا. وما يعني القارئ هو ملاحقة هذا التشّكل، من خلال مبدأ عقلي/مبدأ اللذة في بنيات لاواعية/لاعاقلة (الأنساق التحتية اللامرئية ). فهي القراءة التنبيه إلى إن خلف الحضور هناك شيء ما ينسحب وينزلق. إن في كلام الذات الراهن شيء تصمت عنه ولا تقوله. فالنص يكرس« التراجع اللانهائي للمدلول، النص تمددي مجاله مجال الدال، ولا ينبغي تصور الدال على أنه "الجزء الأول من المعنى" وحامله المادي وإنما هذا الذي يأتي بعد حين،وبالمثل فإن لا نهائية الدال لا تحيل إلى ما يعجز اللسان عن التعبير عنه(أي إلى مدلول لا يمكن إن يجد التعبير عنه)وإنما إلى فكرة اللعب.إن التوليد الدائم للدال داخل مجال النص (أو لنقل الذي مجاله النص)لا يتم وفق نمو عضوي، أو حسب طريق تأويلي ،وإنما وفق حركة تسلسلية للتداخل والتغير.»([16]) فيتم في كل جهد قرائي تقويض وتحطيم الارتباط بين الدال والمدلول الذي يعتبرهما "دوسوسير" كوجهي ورقة واحدة، في عملية توليدية تحويلية ،قراءة تشتغل على السياقات/ الوضعيات المختلفة التي يكون فيها الدال/الجسد، بشكل يجعل حضور معنى واحد مستحيلا

يخفي النص الظاهر وراءه نصا مكبوتا، أو لانهائية من النصوص تم تحويرها ومعالجتها فخرجت نصا جديدا- النص الظاهر المتماسك المنسجم ،باعتباره المنتج النهائي لتلك الإنتاجية.ومتى ما وقعت يد العاشق/القارئ على ذلك النظام فترجه وتحركه، لتطل على الأعماق الدفينة والمكبوتة والسيرورات المنتجة لنظام اللذة النصية.من خلال مبدأ اللذة، فإنها لا محالة تدرك الفاعلية والدينامية النصية في معالجة النصوص الثقافية وتخريجها جديدة، وهذه الملاحقة والوصف، لإنتاجية النص هي بالنسبة إلى ذات القارئ تشكيل لهويتها (الهوية السردية ) فمطلب القارئ هو تحقيق ذاته في بحثه النهم عن الآخر الذي يستعصي على الظهور.

إن الدينامية التي نتحدث عنها هي توليد الدلالة تبعا للنشاط المزدوج أو الرغبة الأوديبية المحرمة تحريما مضاعفا أقصد رغبة في الأم/البناء/الحب ورغبة ضد الأب/الهدم/الموت؛ إقامة علاقة إيروسية مع الأم/النصوص، وهدم وعلاقة عدوانية تجاه السلطة/النظام اللغوي /الأب « وتبعا لطبيعة النص المزدوجة (التفكيك والبناء) فإن النص المتعدد المستويات يعتبر إنتاجية Productivité كما ترى "جوليا كريستيفا"، تهدف إلى إنتاج دلالة متواصلة Signifiance» ([17])إن التوليد الدلالي هو الفسحة من الزمان، التي يتم فيها تأخير المعنى المرجعي للكلمات، والالتفات إلى الأصداء المحملة داخلها، والتي يشتغل فيها القارئ موظفا/مفعلا جسده في فعل المعرفة، والبحث عن الآخر.إن هذه الفسحة هي الناتجة عن التأخير/التعليق الفينومينولوجي للمعنى الكلي الشمولي الإيديولوجي.إنها الفسحة التي يتيح القارئ فيها لذاته الاشتغال والفعل الدينامي في توليد الدلالة Signifiance بإيقاظها وجعل الدلالة في حالة صيرورة وسيلان،بغياب منتج النص، فـ«اللاحقة "ance " تؤكد على مفهوم سير العلمية، الاشتغال الدائم »([18]) انزلاق المدلولات وسيلانها من دال إلى دال دون انغلاق النص .

هو المنطق الذي يحكم مبدأ اللذة، من حيث هي السيلان الحر للطاقة/المعنى، في الجهاز النفسي /النصي.أي الانشغال بتورّق الدلالة أوالصيغة المتعددة للدلالة، وبقدرات الجسد اللانهائية في توليد الدلالة وانجاز الرغبة. فهمّالكتابة هو زيادة انفتاح النص، والمشاركة في ذلك الفعل الدلالي التوليدي، بمعنى جعل النص /النسيج الاجتماعي من طبقات دلالية متعددة ومن لغات ثقافية كثيرة ،بنية دينامية من غير تمركز ومفاضلة أي عادلة ([19]) يحكمها منطق الاختلاف في الواحد المتعدد فهو النص الجمع( Le texte pluriel ) وتنجرف معها الذات في فعل اللعب –الكتابة المقوض للايدولوجيا داخل هذا النسيج .وهو الإمكانية الوحيدة التي من خلالها يشتغل جسد القارئ في البحث عن حدود المعرفة أو إمكانات المعرفة بلغة كانط ، لأن من غير خلق فسحة زمنية، وتأخير حضور المعنى، وإلغاء أي امتياز لـ الآن والحاضر. لاأظن أنه بالإمكان اشتغال الجسد ،ومن أجل اشتغال مبدأ اللذة داخل الجهاز اللغوي/النص، كما تشتغل داخل الجهاز النفسي، المهم هنا هو كيفية اشتغال مبدأ اللذة وتحقيق الإشباع والمتعة والرضى. إذن فلأجل هذه الغاية يجب أن نثوّر الآلة المفكرة /الجسد في فعل القراءة .

4-     المسافة الجمالية ومتعة النص المتداخل :

ينشغل خطاب النقد المعاصر باستكشاف تضاعيف النّص، وفض مستغلقاته ومجاهيله، والإبحار في لا نهائية النّصوص. ، فلا يجد الخطاب النّقدي والحال هذه، إلا فصل الدال عن المدلول المتعالي المتجاوز، كي يستعيد ذاكرة النّص اختلافا. إذ عبر الآثار تخلق المسافة الجماليّة، عند استحضار المستبعد. كتابة تشتغل على النّص ضمن جدل الحضور والغياب، لتكشف عن تخلّقه، وسيرورة تشكلّه من النّص التّكوين Géno- texte إلى النّص الظاهر phéno- texte .

من أجل ذلكانزاح الخطاب النقدي عن قراءة البنية السّطحية، والبحث عن الثّابت العقلي وراء الظاهرة،إلى الدخول في محاورة العالم الدلالي للنص، فهي القراءة التي لا يغريها منطوق النص؛ بل لعبه الدّلالي وتقنّعه البلاغي، وتناقضاته وصمته. فيدخل في صراع ومقاومة مع النص، تدفعه نحو مزيد من الإبحار والتّرحل في دهاليزه وعوالمه الباطنيّة ،بحثا عمّا يكفل له مواصلة عبوره واختراقاته وتجاوزاته نحو مناطق الصّمت في النّص. فالنّاقد يعيد خلق النّص؛بقراءة لاواعي النص؛أو ماهو مقموع من أصوات و لغات في أرشيفات النص، وبما هي سابقة لتشكّل النّص الظاهر الذي يظهر ويبدو عقلانيا متكاملا متناسقا، أو بعبارة وجيزة ملاحقة آثار النص. حينها تصبح القراءة تكوينا للنّص، وإعادة تشكيله من جديد، وخلخلة لهذا الوعي وهز لبينة النّص، حتى نفسح مجالا لعودة المكبوت، الذي يشوّش على الوعي/العقل وعلى حضور المعنى المركزيّ، وإفساح المجال لتنقّل وحركة المعنى وسيرورته فـ « النّقد المقترح بقوّة في السّنوات الأخيرة، هو نقد ينصرف إلى قوى العمل، التي تتحرّك باستمرار في كل نص ،تقيم داخل هذا النّص متحيّنة الفرص لإحداث حركة انقلابيّة مفاجئة بمجرد عثورها على توتّرات تهزّ انتظام الدّلالة التي بدا أنّ النّص يسير في طريقها لأوّل وهلة.» ([20]). أي إنّ للخطاب النّقدي استراتيجيات خاصة للانغراس في لاوعي النّص، لتقويض سلطة الرقابة، التي تتدخل بطريقة لا شعورية في إنتاج هذا النص.

من الإجراءات المهمة للتفكير النقدي اليقظ "التعليق الفينومينولوجي "Epochو الإبوخية هي أحد الإجراءات الهوسرلية في الوصف الفينومينولوجي([21]) وتعني وضع المعاني المسبقة والأفكار القبلية بين أقواس حيث يتم تعليق المعنى المرجعي، فنتمكن من الوصف الفينومينولوجي المحايد ، من خلالها تعلّق الذات كل يقينياتها وكل المفاهيم وتضع المعاني السابقة بين قوسين ،وتتوقف عن إطلاق الأحكام ، والاستجابات المتسرعة إلى حين، وهذا التعليق أو الأبوخية وإرجاء حضور المعنى هي التي تخلق مسافة زمانية يستطيع فيها القارئ توليدالدلالة "Signifiance"، فالتعليق/الإبوخية « يجعل من تجربة الإدراك تجربة انفتاح على التعبير، كما هو قائم في الموضوعات المحسوسة، وفي اختلافها، وتشظيها ،وفي هذه التجربة بالذات ،يتم إدراك الفاصل اللامرئي بين الموضوع المحسوس ودلالاته، وليس في بداهة أولية تصور العالم، التي يقيمها الوعي في عزلته، وفي هذا الفاصل اللامرئي، تتم رؤية الاختلاف بين المحسوس والمعنى ،في انزياحاته اللانهائية وفي عدم تبنيه لاقامة ثابتة.  »([22]) هذا التعليق الفينومينولوجي للقيم والمدلول المرجعي، يجعل القراءة محايدة. وعليه تتطهر ذاكرة القارئ  من معاني مرجعية عالقة بالدوال تسهم في تقييد حركيتها، بالتالي إزاحة أي تلوث إيديولوجي يعلق بالكلمات. لأن اللغة خزان لا نهائي ومستودع لا ينضب من الكلمات.فإمكانية استيقاظ الدلالات التي ترقد تحت كل كلمة ، تجعل تقويض الإيديولوجيا على أوجّه. فكما قال "بارت" تتأتى لذة النص من بعض التصادمات أو الانقطاعات، فاللسان يعاد توزيعه وإعادة التوزيع هذه تحصل دائما بواسطة الانقطاعات ([23]).فكل علامة لا تحيل إلى مدلول مرجعي واقعي وإنما هذا الغياب والنسيان للأصل.لابد من أن نقرأ ما وراء النص، باعتباره صيرورة تاريخية.لأن هذا النص ليس إلا نسخة ، فكل علامة/نص تخفي في لاشعورها كلمات خافية، تغيب وتضيع في عالم الغياب، هي ليست حاضرة نتيجة للكبت والقمع .فإذا أردنا أن نقرأ مؤلفي اليوم يقول بارت فينبغي على القارئ « استرجاع الفراغ الذي كانت تمارس فيه قراءات قديمة» ([24]) أصبح من اللازم على القراءة الحفر والنبش في تاريخ اللغة ،وذاكرة الكلمات ودلالتها المختلفة والتنافر والتناقضات التي تدخل في صميم تكوين الكلمات والجملة والحكاية والتي تختفي داخل الكلمة الحاضرة والنص الذي يخفي النصوص الغائبة بمعنى آخر ملاحقة"تورق الدلالة" وليس المدلول في ذاته.

تظهر النصوص الغائبة مقروءة في النص لكنها مقروءة بين السطور لأنها ممنوعة من الظهور والعبور إلى سطح النص، وهي التي تثير ذاكرة القارئ وما تحتفظ به من آثار ذاكرية، تساعده على استرجاع ما مر بخبرته من نصوص وشفرات ولغات وأصوات« مع كاتب المتعة(وقارئه) يبتدئ النص الذي لا يطاق، النص المستحيل هذا النص يقع خارج اللذة ، خارج النقد إلا إذا اعتراه نص متعة آخر:لا يمكنكم أن تتكلموا"عن" مثل ذلك النص مافي استطاعتكم، هو أن تتكلموا"فيه" فحسب، على طريقته أن تنخرطوا في سرقة أدبية ولهانة، أن تؤكدوا على نحو هستيري خواء المتعة (وليس إن تعيدوا كسابق العهد المستبد بكم حرفية اللذة) » ([25]) فالنص بما هو تناص يثير ويقلب ذاكرة القارئ .

 بوصفه علامة فوقية ليس النص نسقا بسيطا يحيل إلى ذاته أو بنية مغلقة ومكتفية بذاتها – المزاعم البنيوية - بل إن النص لعبة اختلافات مستمرة ، فالنظرة السكونية البنيوية دراسة لا تقيم اهتماما للطبيعة الزمانية للغة ،ترى أن النص بنية لا زمنية، نظام مغلق. لكن الردة الكبرى التي حدثت مع تيارات مابعد البنيوية هي المقولة التي روج لها أهلها أن البنية غير مكتملة وغير مكتفية بذاتها.فالنص لعبة اختلافات وليس نظام اختلاف، فإضافة إلى الاختلاف (Différence) وهو عمل الخطاب الداخلي ، هناك تأخير مستمر أو إرجاء (Différance) والتي تتم على مستوى محور الغياب ويضرب في عمق تاريخ اللغة والطبيعة الزمنية للكلمات وهنا تبدأ المتعة « ما توقعه المتعة من تمزق عميق على اللغة وليس على مجرد زمانية قراءتها»([26]). ، فكل كلمة ، جملة أو النص تختزن جملة من الكلمات /النصوص الغائبة في البينة السطحية للنص، تجعل القراءة تنقيبا في العماء والغياب بل تصبح القراءة تعويما لهذه العلامة الكلية/النص في النسق الذي نشأ ضمنه، فيجب الاشتغال على تلك الإحالات والانحرافات والنسيان المضاعف في صميم النص الظاهر والحاضر ..

 الإرجاء الذي تمارسه القراءة باعتباره إستراتيجية تأخير حضور المعنى هوبشكل آخر: الإشارة إلى الغياب، ومضمر النص ،والحفر في سجل غياب والمكبوت النصي، أي الاشتغال على تقويض ميتافيزيقا الحضور والصوت الأبوي الذي يتكلم للوهلة الأولى في النص.؛انه التلذذ بالمماطلة وهو حفر في الكلمات عن الغياب، عن النسيان عن المكبوت، في أعماق النص. فالإرجاء هو رغبة في استعادة الماضي في اللحظة الراهنة، .فالنص كالذاكرة تتكون من أرشيفات مرتبة زمنيا ومتسلسلة، فأي حدث راهن يثير الذاكرة أو المادة المكبوتة يجعل الذكريات تتداعى ،الشيء نفسه بالنسبة للذاكرة النصية، تحريك البينة السطحية وإثارتها، يجعل المعاني المختبئة والدلالات النائمة والنصوص الغائبة تتداعى. من خلال تأخير حضور المعنى المركزي ، فمعنى البحث في ذاكرة النص واسترجاع مضمر النص، هو النبش في تاريخ اللغة والاشتقاقات اللغوية عن معنى مختلف غائب مضطهد . وهنا تحل متعة القراءة

ينسج النص الحاضر تعالقات خفية في الماضي مع مجموعة من النصوص، التي تظل غائبة في هذا النص الحاضر، الذي يطمرها في سجل اللاوعي، فيبقى المعنى مختلفا عبر سلسلة التركيب/الحضور، كما يبقى مرجأ عبر سلسلة الاستبدالات/الغياب، فيستحيل حضور المعنى، وتبدأ على النص أعراض عدم الاستقرار والقلق ويبقى المعنى مؤجلا ضمن نظام الاختلاف.وهنا يشبهها بارت لعبة اليد الساخنة: «فالإثارة تأتي كما هي الحال في لعبة اليد الساخنة ليس من مضاعفة سرعة حركة الأحداث، بل من نوع من اللغط العمودي (عمودية اللغة، وعمودية تحطيمها) ففي اللحظة التي تقفز فيها كل يد (مختلفة) فوق اليد الأخرى (وليس حين تقفز بعدها، يحدث الثقب ويجرف معه الذات المنخرطة في اللعبة» ([27]) فأمام انزلاق المعنى تحت الدوال ،واللعبة الهيرقليطية للنص (الهدم والبناء )تنخرط الذات–القارئ في لعبة الدوال والمدلولات لعبة الإحالة تراكب الكلمات و النصوص فوق بعضها البعض التي ترقد وتغفو تحت الحرف، الكلمة، الجملة ،النص وليس تتابعها في التركيب اللغوي، لأن الأولى تعطينا لا تعدد المعنى أما تتابع الكلمات فإنه يهدف إلى الوصول إلى معنى واحد.على القارئ أن يستعيدها أن يشير إليها بتحريك الكلمات وزحزحتها عن أماكنها ،وخلخلة حروفها حتى ترن كلمات و النصوص الغائبة ،إنه الدخول في لعب الدوال والمدلولات .و البحث عن آثار النص اللاشعورية .

الأمر الذي يقتضي خبرة فينومينولوجية بالنص؛ اتخاذ إستراتيجية في تأخير وإرجاء حضور المعنى،أي تعليق الدلالة المرجعية للكلمات ووضع كل الاعتقادات و الحكام السابقة بين قوسين ، وليس تحطيمها ، فقط تأخيرها إلى حين«مهما نقل فإننا لن نوفي أبدا قوة تعليق اللذة حقها ، إنها فعلا تعليق توقف يجمد بعيدا كل القيم المقبولة (التي تقبلها الذات نفسها ) أن اللذة شيء محايد (أكثر إشكال المس الشيطاني انحرافا) أو على الأقل ما تعلقه اللذة هو القيمة المدلولة» ([28]) فاللذة كإستراتيجية قرائية تعلق باستمرار حضور الدلالة الأصلية المرجعية للكلمات. لأن هذا التعليق يمكن القارئ من الوصول إلى أماكن الرغبة اللاواعية، أو التي تختبئ في خلفية وعي النص ،والتي تحشر بين الفجوات وبين السطور وخلف الخيال، فالنص رمزي لا ينقل حقيقة الأشياء أو كما قال بارت لا يسمي الأشياء أنما يعيد خلق الكلمات .

خاتمة :

القراءة عند بارت هي رحلة النبش والحفر عن الغائب/ المكبوت/ المنسي/ المهمش.الأمر الذي يقتضي العودة إلى الوراء والحفر في المنابع وهتك الأقنعة،وعدم السقوط في الاعتقاد Doxa، فالقراءة هي الرجوع إلى الوراء إلى خلفية النص، قراءة تحتفي بتعدد المعنى وتدخل في اللعب اللغوي كقراءة منزهة عن كل منفعة،  فاللعب بالكلمات والحروف والنصوص يحتوي على رغبة مزدوجة:تقويض الإيديولوجيا إي تحرير النص من الإيديولوجيا هذا من ناحية ،والحصول على المتعة من ناحية أخرى باستقلالية الدال عن المعنى المرجعي المدفون في القاموس، إثر تلاقح الكلمات وإخراج وميلاد كلمات جديدة تكون المتعة أكثر توفرا ومجانية. فالذي يسعى  بارت تحديدا هو تحرير الدال/ الجسد من الارتباط بالمعنى الواحد السابق والقبلي. وتغدو مهمة القراءةمن ثم، ملاحقة تاريخيّة النص، من خلال تفكيك ذاكرة الكلمات، وفك نسيج النص، وأنساقه المتقاطعة والمترابطة والمتضافرة،من خلال التقطيع وإعادة التركيب أو عبر الهدم والبناء.



*  - الإيديولوجيا: Idéologieوتعني علم الأفكار واستخدم المصطلح نابليون بونابرت، تعبيرا عن كافة الأفكار التي تصوغ الجمهورية ،تعددت معانيها فتأتي تارة بمعنى العقيدة والمذهب أو منظومة الأفكار. واعتبرها"ماركس" نوعا من الوهم يحجب العقل ويعوق المرء عن إدراك الواقع والحقيقة، واعتبرها "باشلار" نسق كلامي تجاهد جماعة ما  في أن تحقق عبره قيمة بعينها، باستخدام السلطة داخل مجتمع بعينه. ينظر : فرج عبد القادر طه وآخرون:موسوعة علم النفس والتحليل النفسي،ط1دار سعاد الصباح،الكويت1993 ،ص 133.

 وهي عند بارت في لذة النص : الفكرة من حيث هي سائدة .

 ويعرفها رشيد بن مالك::'' الايديولوجيا مجموع من الأفكار، والصور، والسلوكات  المشتركة  بين مجموعة من الأفراد  يشكلون وحدة، طبقة ،أودولة  في المجالات  الثقافية والروحية كالسياسة والدين، والإبداع الفني، وذلك  لطمأنة الفرد من جهة، و لإجباره على الخضوع  للأنظمة التي تعكس الإيديولوجيا من جهة أخرى" - رشيد بن مالك :قاموس مصطلحات التحليل السيميائي  للنصوص ،عربي  ، انجليزي ،فرنسي ، دار الحكمة ،الجزائر،2000،ص88.

[1] - رولان بارت: لذة النص ،تر فؤاد صفا و الحسين سحبان، ط2 ،دار توبقال للنشر، المغرب،2001، ص 37 .

[2] - المرجع نفسه  ص ص 29،30.

[3] - ماهر عبد القادر محمد : فلسفة العلوم، المنطق الاستقرائي،دار المعرفة الجامعية ،ج1، مصر،دط،  1998 ،ص 65

[4]  - عبد العزيز بن عرفة : الدال و الاستبدال، ط1،المركز الثقافي العربي ، 1993، ص  ص 33 ، 34 .

[5]  -رولان بارت: نقد وحقيقة تر منذر عياشي، ط1، مركز الإنماء الحضاري ،لبنان .1994،ص101

[6] ـ عبد الرزاق بلعقروز : تحولات الفكر الفلسفي المعاصر، أسئلة المفهوم والمعنى والتواصل ، ط1، منشورات الاختلاف، الجزائر والدار العربية للعلوم ناشرون ، لبنان ، 2009.  ص112

[7] - بارت:  نقد وحقيقة  ، ص102

[8] - بختي بن عودة : ظاهرة  الكتابة في النقد الجديد ، الجديد ،مقاربة تأويلية "الخطيبي نموذجا " ، دط ،منشورات مديرية الثقافة،الجزائر.دت ، ص ص 92 ، 93 .

[9] -بارت : درس السيميولوجيا ، تر :عبد السلام بنعبد العالي، ط3، دار توبقال للنشر. المغرب، 1993،  ص 78.

[10]- بارت : نقد وحقيقة  ،ص 118

[11] - بارت : لذة النص ، ص 43 .

[12]- ينظر ،بارت  نقد وحقيقة ، ص ،ص 115،118

[13] -بارت : درس السيميولوجيا ،ص12

[14] -بارت : لذة النص ، تر محمد الرفرافي ومحمد خير بقاعي، مجلة العرب والفكر العالمي ،ع 37،مركز الإنماء القومي، بيروت، 1990.، ص  24 .

[15] -عمر مهيبل وآخرون : كوجيتو الجسد ،،دراسات في فلسفة موريس ميرلوبونتي. ط1، منشورات الاختلاف الجزائر،2003 ، ص80.

[16] - بارت : درس السيميولوجيا ،ص 62.

[17] -  حسين خمري : نظرية النص،،من بنية المعنى إلى سيميائية الدال،ط7،الدار العربية لعلوم ناشرون،لبنان، ومنشورات الاختلاف، الجزائر،2007، ص 276

[18] - ميشال  أرفيه  وآخرون : السيميائية ، ص 92

[19] -ينظر بارت : لذة النص، تر: فؤاد صفا  و الحسين سحبان ، ص 58

[20]ـ أحمد البنكي: دريدا عربيا، قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لبنان،ط1،2005 ،ص30.

[21] -الفينومينولوجيا : Phenomenology أو الظاهراتية، تدل عادة على الفلسفة التي طورها ادموند هوسرل (1891- 1931) الذي أسس مذهب الظاهريات التي أرادت جعل الفلسفة علما دقيقا عن طريق البدء بداية محايدة أو تعليق كل معلوماتي السابقة ووصف ماهية الظواهر على نحو ما يتناولها الوعي فقد حاول أن يبتكر منهجا للوصف التفصيلي الدقيق للأنواع المختلفة من الموضوعات في ماهيتها الخالصة  فلب هذا المذهب هو الوصف لأنه يقدم لنا وصفا تفصيليا لماهية الظاهرة على نحو ما تعطى للوعي وحاول المصالحة بمقولة "كل وعي هو وعي بشيء ما" بين المثالية و الواقعية .
. ينظر
جون ماكوري : الوجوديّة ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام مراجعة: د. فؤاد زكريا سلسلة عالم المعرفة الكويت ،المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب .1982.ص ص 25 ،312

[22] -عمر مهيبل وآخرون: كوجيتو الجسد،ص72 .

[23] - ينظر :بارت :لذة النص ،تر: فؤاد صفا  و الحسين سحبان ،  ص 16.

[24] - المرجع نفسه،  ص  21 .

[25] - المرجع نفسه ، ص  28 

[26] -  المرجع نفسه  ص 20.

[27] -المرجع نفسه ،  ص  21 .

[28]  - المرجع نفسه ، ص  63 .