فلسفة الشعرية ومعالم النص في التراث النقدي والبلاغيpdf

 

أ. بالعجال عبد السلام

جامعة الوادي ( الجزائر)

الملخص :

تروم هذه المقالة إلى الكشف عن مفهوم الشعرية العربية في مسيرة ارتحالها وتطورها، بين أحضان التراث النقدي والبلاغي، بداية من طابعها الشفوي الإنشادي الذي يعتمد على ثقافة صوتية / سماعية كانت احتفالية موسومة بميسم الإنشاد والغناء، وهي شعرية خارج نصية تهتم بفضاء الصوت. ثم مع مرحلة الوعي الكتابي(التدوين)، تشكلت عند النقاد مفاهيم شعرية عربية، انطلقت من النص، ومنها تحددت معالمه وأركانه، كما صنعت أفق توقع لقارئ بسيط، قد جمعه المرزوقي في عمود الشعر، ومن خلال المثاقفة والترجمة، تأثر بعض النقاد بالفلسفة اليونانية، فاتخذوا من مفهوم الشعر ومن نظرية المحاكاة عند أفلاطون وأرسطو متكأ، للتوغل في أغوار النص وتحديد العناصر الفنية أو معالم الجمال أو الشعرية النابضة فيه.

Résumé

  Cet article vise à découvrir la notion de la poéticité arabe; et ce, en mettant l’accent sur le parcours de son évolution et de son développement au sein de l'héritage critique et rhétorique. Son début commence à partir de son étape orale basée sur la récitation et la culture audio / acoustique de la célébration, marquée par la domination de lyrique, de l’hymne et du chant. Il s’agissait d’une poéticité extratextuelle qui s’intéressait à l’esthéticité  du son et de l’acoustique.

A l’étape de la conscience de l’écrit, de nouvelles notions de poéticité ont été construites chez les critiques arabes. Ces notions se sont basées sur le texte dont les caractéristiques et les repères  ont été bien défis. Ce qui a créé, pour le simple lecteur, des horizons d'attente qu’El-Merzougui a organisé dans ce qui est appelé la colonne de poésie.         

Or, à travers l'acculturation et la traduction, certains auteurs et critiques, influencées par la philosophie grecque, se sont basé sur par la notion de simulation et de la poéticité dans les  théories de Platon et d’Aristote. Et ce, pour se plonger dans le profond  du texte pour en repérer les éléments esthétiques, ses bases littéraires et son potentiel de poéticité.   

أولا: الشعرية الإنشادية وفضاء الصوت

في البدء كان كلام العرب إلا بالمنثور بلا وزن ولا تقفية، لأغراضها في ذلك وتفاهمها، ثم اتفق في آخر كلامها مخارج وحروف استحليت وألفتها الأسماع، فلما كثر في كلامهم ذلك فطنوا له وتنبهوا عليه فغيروه من حال إلى حال فصار متآلف التأليف فسموه سجعا... ثم أنهم فطنوا للتأليف المتفق في أواخره فصار وزنا واحدا، فاستحلوه فصار شعرا بطويله وقصيره ورجزه وقصيده([1]). وكان له أثر في النفوس، حيث يسمو بها إلى الخصال الحميدة كالكرم والشجاعة، ثم إنه رسخ مشهدا ثقافيا مشحونا بمآثر العرب ومناقبهم تناقلته الأجيال، وقد اتخذه الرسول (ص) وسيلة لنصرة الإسلام، فأمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين.

وكان حسان بن ثابت يعي جيدا قيمة الشعر وقدرته على تبليغ الدعوة، وتشجيع المحاربين ورفع معنوياتهم، وخذلان المشركين وإحباطهم، ولم ينس ما لصوت الشاعر وانفعالات الجسد من تأثير في ذهن السامع ونفسه، فقال بيته المشهور :

تغنى  في كل  شعـر  أنت  قائله         إن الغـناء لهذا  الشعر  مضمار

و نقصد بالشعرية الإنشادية، وهي الشعرية الخارج نصية أو المحيط النصي هنا، ما يستطيع أن يضيفه الإنشاد؛ أي صوت الشاعر، وما يحيط به من حركات ولباس...الخ، والغناء؛ أي تلحين الشعر والترنم به، على الشعرية الثاوية داخل النص، من قوة في التأثير على المتلقي، أين تتولد شعرية التأثير، ويتشكل المدى أو الفضاء الصوتي للشاعر.

ورد في لسان العرب، مادة نشد، النَّشيدُ هو: رفعُ الصَوتِ، وكذلك المعرِّف يَرفعُ صوته بالتعريف، فسمي مُنْشِدا؛ ومن هذا إنشادُ الشعر أي رَفْعُ الصَوتِ([2]).

وجاء في مادة غنا أن التطريب هو الغِنَاءُ بالصَّوتِ، والغِنَاءُ بالكَسرِ من السَّماعِ وقد أرشد النبي(ص) بالتغني بالقرآن والجهر به وتزينه بالصوت([3]).

أما الغناء عند ابن خلدون فهو « تلحين الأشعار الموزونة، بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة معروفة، يوقع كل صوت منها توقيعا عند قطعة فيكون نغمة»([4]).

من خلال هذا المفاهيم اللغوية والاصطلاحية للإنشاد والغناء، يتضح أنهما يقومان على ثنائية الصوت والسماع، أي المنشد/ المبدع، والمتلقي/ الجمهور، فالحقل التأثيري للشعر عند إنشاده أو تلحينه أوسع مدى من قراءته مكتوبا، وقد قيل أن الشعر من فم قائله أحسن أو أجود، لأن صوت الشاعر يتناغم وينسجم مع إحساسه وانفعالاته، فيكون أصدق في التصوير، وأقرب إلى ذهن المتلقي وأكثر تأثيرا في نفسه. ويؤكد هذا ابن سينا في قوله عن التلحين أنه « أعظم كل شيء، وأشده تأثيرا في النفس»([5])

ولا مراء في أن الخاصية الشفوية الناتجة عن ثقافة نسقية، صوتية (إنشادية غنائية) ـ سماعية([6])، مكنت الشعر العربي من الشيوع والحفظ والاستمرارية والخلود، فقد لهج به العرب وأَلِفُوهُ وألَّفُوهُ في أجزاء متساوية على تناسب بينها في حروفها المتحركة والساكنة، ولهذا التناسب امتاز من بين كلامهم بحظ من الشرف والقداسة فجعلوه ديوانهم([7])

و تعمل المنظومة الثقافية للمجتمع الجاهلي على ترسيخ الفعل الثقافي للعملية الشعرية والمتمثل في حفظ الشعر من الضياع عن طريق الذاكرة والرواية، فقد كان الصوت بمثابة الروح لهذا الشعر، كان عبارة عن موسيقى جسدية، تتجاوز الكلام ويرتعش فيها المعنى المحموم بفتنة الانفعال، فالعلاقة حميمة بين الشاعر وصوته، ذلك الصوت الذي يتوغل في أعماق النفس ليسبح في فضاء الروح ويتجاوز الجسد في احتقان الكلمة الموسيقى/الكلمة النشيد، ومن هنا يظهر التوافق العميق بين قيم الكلام الصوتية في الشعر الجاهلي، ومكنوناته العاطفية والانفعالية([8]).

ولقد فاضت خميرة هذه الشعرية الخارج نصية أو محيط النص في مجالس وساحات وأسواق أدبية إلى جانب أنها في أصلها تجارية قوية، مثل سوق عكاظ، أغنى أسواق العرب بمنابر الأدب، يلتقي فيها الخطباء والدعاة والشعراء، وفيها نشأ النقد المشجع على التنافس والإجادة في الشعر. وكانت المجالس الشعرية لها طقوسها وقيمتها، فهذا النابغة الذبياني كانت تضرب له فيها قبة حمراء من جلد، فيأتيه الشعراء فيعرضون عليه أشعارهم، فما نوه به وحكم له طارت شهرته في الآفاق([9]) .

وللغناء دور في تصحيح أخطاء الشعر وتهذيبه وتجويده، فقد روى المرزباني في الموشح أنه لم يقو أحد من الطبقة الأولى ولا من أشبههم إلا النابغة في بيتين قوله:

    آمن آل ميت  رائح  أو  مغتدي              عجـلان ذا  زاد  وغيـر  مـزود

    زعـم البـوارح  أن  رحلتنا  غدا          وبذاك  خبـرنا الغـراب    الأسـود

وقوله:

سقـط  النصيف  ولم  تـرد  إسقاطه      فتـناولته واتقتـنا  بـالــيـد

بمخضب  رخـص  كأن  بنانه عـنم    يكـاد  مـن   اللطـافـة   يعقــد

فقدم المدينة فعيب عليه ذلك، فلم يأبه، حتى أسمعوه إياه في غناء...فقالوا للجارية إذا صرت إلى القافية فرتلي، فلما قالت (الغراب الأسود) و(باليد)، انتبه إليه النابغة فلم يعد إليه.  وقال: قدمت الحجاز وفي شعري صنعة، ورحلت عنها وأنا أشعر الناس([10]).      

يعد الشعر باعثا من بواعث اللذة والطرب، لذا اقترن إنشاده بالغناء، وأصبح الشعراء كالمغنين ولازمة من لوازم مجالس السمر والطرب([11]).        

كان الغناء في الحجاز وسيلة إعلامية وفضاء صوتيا شاسعا، فقد كان سببا في تهافت الشعراء على النصوص الغزلية، وإشاعة وشهرة الشاعر، فلذلك شجع الشعراء المغنين على الغناء بشعرهم وحثَّ المغنون الشعراء على النظم في الغزل للغناء به([12]).

وقد تشكلت قيمة المغنين ومكانتهم من خلال أدائهم وتلون أصواتهم، فأجزل لهم الشعراء العطاء، من بين هؤلاء عبد الله بن جعفر أحد الذين كانوا يبذلون المال الوفير لهؤلاء المغنين، فعاب معاوية عليه ذلك، حتى أسمعه غناء فطرب، فقال عبد الله بن جعفر: يا أمير المؤمنين إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان فهل ترى به بأسا؟ فقال: لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان([13])، وإخال أنه يقصد هنا بالحكمة؛ الجمال والعذوبة والجودة في الشعر والنغم، وكما أن في الشعر جيد ورديء، كذلك اللحن فيه الجيد المطرب والرديء المفسد؛ أي إذا دخل على الشعر الجيد أذهب تناسبه وتناغمه وجمَّدَ فيه صورته، ولم يفصح عن شحنات النص العاطفية،  فأغلقه ونفَّر بذلك المتلقي.

فهذه النظرية الموسيقية التي تطوق النص الشعري وتحضنه، يعرضها الفارابي وغيره من النقاد الفلاسفة الإسلاميين، وهي تتمحور في الألحان وما تضيفه على النص الشعري من جمال ومتعة وتقريب للمعنى عبر التخيلات والانفعالات، فالألحان عند الفارابي « صنفان منها ما ألف ليلحق الحواس منه لذة فقط، من غير أن يوقع في النفس شيئا آخر، ومنها ما ألف ليفيد النفس مع اللذة شيئا آخر من تخيلات أو انفعالات، ويكون بها محكيات أمور أخر، والصنف الأول قليل الغناء، والنافع منهما هو الصنف الثاني وهي الألحان الكاملة، وهذه هي التابعة أولا للأقاويل الشعرية»([14]).

وانظر إلى تأثير الشعر في سامعه وهيمنته عليه لمَّا ينشد ويتغنى به، كيف يرده من حال إلى حال وكيف يُقلِّب المواقف، فهذا عثمان بن حيان المري لما دخل واليا للوليد بن عبد الملك سنة93هـ إلى المدينة، كان من بين ولاة خلفاء بني أمية الذين يُضيِّقون على المغنين، فقد أجَّل أهل الغناء ثلاثا للخروج منها. « فأخذ ابن أبي عتيق سلاَّمة إليه في ثوب زاهدة فقال: اقرئي للأمير. فقرأت، فقال: فكيف لو سمعتها في صناعتها؟ فغنت فنزل عثمان بن حيان عن سريره حتى جلس بين يديها ثم قال: والله ما مثلك يخرج عن المدينة، فقال له بن أبي عتيق: يقول الناس أذن لسلاَّمة في المقام وأخرج غيرها، فقال عثمان قد أذنت لهم جميعا»([15])، فبقدر ما يحسن الإنشاد؛ حيث تعطى العبارات والألفاظ مقاماتها من التوقف والحركة والارتفاع بالصوت والانخفاض به، وحركة الجسد ووضعيته عند إنشاد الشعر، يحسن التأثير في نفس المتلقي ويعمق وتتكشف له حجب المعنى، هي علاقة حميمة بين ثلاثة معالم النص/ الصوت/ الجسد.

 وكان الغناء بالشعر أشبه بالإعلان أو الإشهار الإعلامي، فيشهر الشاعر نفسه أو غيره، أو يقدم إشهارا تجاريا لسلعة ما، فهذا « مسكين الدارمي وقد تنسك لتاجر عراقي لم يبع خمره السود فقال: ما تجعل لي على أن أحتال لك بحيلة تبيعها كلها على حكمك؟ قال: ما شئت...فقال شعرا رفعه إلى صديق له من المغنين فغنى به:

      قل للمليحـة في  الخمار  الأسـود     مــاذا  فعـلت  بزاهــد  متعـبد

فشاع هذا الغناء في المدينة وقالوا: قد رجع الدارمي، وتعشق صاحبة الخمار الأسود فلم تبق مليحة بالمدينة إلا اشترت خمارا أسودا...» ([16])، هنا يتجلى مدى انتشارية الإرسالية النصية من خلال موسيقى البيت المطربة و الترددات الصوتية الشجية المتناغمة المنبعثة من حنجرة المنشد أو المغني.

ثانيا: أغوار الشعرية وفلسفة الجمال

تتوهج الطاقة الشعرية عندما يستعر فيها الجمال لترسم معالم النص وحدوده؛ ذلك حينما تتوحد الجماليات التي يتنفس بها الكون الشعري، لتتفجر في الفن مهما كان نوعه؛ فالجمال هو ما يصنع من الجميل جميلا، وهو نفسه ما تنص عليه محاكاة المحاكاة عند أرسطو، ومزية المحاكاة تتجلى في كونها صفة للفنون الجميلة دون غيرها من الفنون والعلوم([17])

ويبدو أن الجمال يأتي من الفلسفة عند استفزازه ومناوشته، إنه التجلي الذي يستتر بطاقية الخفاء؛ حيث تحدث الضبابية وتستحيل الرؤية والفهم، إلا بعد طول عناء وكد للذهن في سبيل اجتياز النسيج العنكبوتي للفلسفة، وعند الشروع في كشف الجمال تحدث الغبطة واللذة بشحنة من التطهير والسمو(*).

فما قدمه أفلاطون لمفهوم الجمال على أنه «الشيء الذي تكون به الأشياء الجميلة جميلة»([18])، هو منطلق الشعراءوالنقاد في الوصول إلى ماهية الشعرية؛ إذ لا تجاهل لما قاله أرسطو في قيمة الشعر بأنه « أقرب إلى الفلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ»([19])،والشاعر في محاكاته  للأشياء، يسبح في الكليات بدلا من الجزئيات التي ألف التاريخ قولها([20]).

لقد بحث الشاعر عن جمال الأشياء من خلال محاكاتها - كذلك الأمر بالنسبة لأصحاب الفنون الجميلة- فهو إما أن يحاكيها في واقعها كما تقال أو ترى، وإما أن يستشرف المستقبل، فيحاكيها كما يجب أن تكون سواء سبق وقوعها أو لم تقع بعد، واللغة هي التي يعبر بها عنها، آخذا بأصلها الشائع أو مستخدما غريبها، أو مستدعيا المستعار، وقد يستبيح التلاعب في أصل اللغة بوجوه مختلفة، مبديا شعرية وجمالا فوق جمال الأشياء ([21]).

إن المحاكاة عند أرسطو إضاءة للشعرية، وكشف عنها من خلال الجمال المحاكى؛ إذ الشعرية - لديه- هي «فن المحاكاة والتمثيل »([22])، أو علامة العبقرية المميزة([23])، إنها محاولة جادة « لدراسة الفن الأدبي بوصفه خلقاكلاميا»([24])،ولتفسير التأثيرات الأدبية التي رسّخت بدورها طبيعة المحاكاة في النفس البشرية.

فأرسطو بهذا المفهوم للشعرية، يحاول أن يحدث خلخلة في مفهوم الشعر كرؤية تجاوزية، وهذا من منطلق تعميم الشعرية على كافة الأجناس الأدبية؛ ذلك ما يفصح عنه بادئ بدء، عنوان كتابه"فن الشعر" حيث المقصود بالدراسة ليس الشعر كفن قائم بذاته، وإنما العناصر الفنية الجمالية التي انبثقت عن الشعر، فحاكتها، وتشرّبت منها الأجناس الأدبية الأخرى، وطبعت بها، فهي أقرب إلى الشعر.

ويدعم التفسير السابق ما أدركه (نورثروب فرايNorthrop Frye ) عند تصويره لانطلاقة أرسطو في شعريته على « أن هناك أبنية كلية للشعر يمكن إدراكها، وهي ليست الشعر نفسه ولا تجربته وإنما هي الشعرية (poetics)...فمراتبية الأجناس الأدبية تخضع إلى معيار تفضيلي محدد»([25])، ولربما اتسع عنوان كتابه، عندما وفَّق فيه بين مصطلحي "الفن"و"الشعر "ليشمل العناصر التي تجعل في الأثر الأدبي طابعا شعريا، أو بالأحرى قوامه الشعرية؛ ذلك أن الشعر عند الفلاسفة اليونان- فيما يبدو- هو الفن الخاضع للمحاكاة([26])،وبخاصة الجميل منه.

لقد ركّز أرسطو على الجمال كعتبة للشعرية في دخولها للفنون، وفي فرزه للأجناس الأدبية، حتى أنه لمّا أحسّ بخطر التشويش والمنافسة للشعرية من طرف البلاغة، راح يفصل ويميز بينهما، فاعتبر الأولى فن المحاكاة والتمثيل، أما الثانية فهي فن الإقناع ([27]).

وكأنه بهذا التصور يستشف ما سيحصل مستقبلا من دمج بينهما « فقد وجدت الشعرية نفسها تبتلعها البلاغة التي تهتم بالخصوصية الجمالية(...)»([28])، وألفى فن الإقناع نفسه مشتركا، لا مناص منه بينهما.

بيد أن الوسيلة مختلفة؛ إذ هي في الشعرية التمثيل، وفي البلاغة الكلام، ومع هذا فإنه  « ليبدو من الصعب أن نرسم خطا حدوديا دقيقا بين النظامين»([29])،لاتفاقهما في خلق الجمال كهدف منشود ومتوقع لدى المتلقي. 

ولمّا كانت البلاغة فنا للفصاحة والبيان وضربا من الجمال، لم تكن حكرا على الخطابة أو الشعر فحسب، بل كانت ملح الأجناس الأدبية ونكهتها، والأم الرءوم  لشعريتها والشاهد على شرعيتها، فقد اندفعت الشعرية أول ما اندفعت من رحم البلاغة الأرسطية، ثم تلبست بلبوس البلاغة العربية، لتكون أسبق من الأسلوبية أو منافسا لها في وراثتها، فيقال شعرنة(*) البلاغة في مقابل ما اصطلح عليه محمد عبد المطلب بأسلبة البلاغة([30]).

لقد ابتلعتها وهي لا تزال محلقة في معارج الفن والإبداع، لتلدها من جديد في الشعر بلون من الحداثة، تندى بالجمالية الساحرة، فهي على بسيط من القول   «خصائص العناصر التي تجعل من الشعر شعرا... العناصر الظاهرة والخفية...وليس شيئا آخر»([31])،إنك تؤمن بها فتتذوقها، تدركها ولا تكاد تدركها؛ لأن «من الأشياء أشياء تحيط بها المعرفة ولا تؤديها الصفة»([32])،لتميّزها أو لعظمتها أو لقوة سحرها، و عندها يتسع الإدراك لاستيعاب الشيء حال الفجائية به، فترتعش الدهشة في النفس، لتعجز من ثمة على وصفه كما يدرك أو يحسّ؛ فالله سبحانه وتعالى لعظمته وجلاله تدركه المعرفة ولا تؤديه الصفة.

إن أرسطو من خلال جهده التنظيري، في كتابه  "فن الشعر" يثبت دقة  الشعرية، بل يجعل منها أساسا، تقوم عليه الشعريات التي تلتها في المصطلح والمفهوم([33]).

ويبدو أن الفلاسفة المسلمين؛ أمثال الفارابي، وابن سينا، وابن رشد، حاولوا قراءة وشرح ما قاله أرسطو في نظرية الشعر انطلاقا من كتابه "فن الشعر"، مستحضرين في فكرهم خصوصية الشعر العربي.

فللنفس البشرية علاقة وطيدة مع الشعر من حيث التوازن والانسجام؛ ذلك أنّه وليد الفطرة الإنسانية. هذا الأمر الذي لا يكاد يتناطح فيه اثنان، توافق فيه الفلاسفة المسلمون مع أرسطو، وهو ما حملهم على تأكيده والتدليل عنه، من خلال بحثهم في المحاكاة، وفي قابلية النفس للانسجام والتوافق والإيقاع([34])، وبعد بحثهم وتعقيبهم على ما قاله أرسطو، توصّلوا إلى أن الشعرية أو الشاعرية نابعة من الخاصيتين السابقتين؛ ذلك أن المحاكاة ينجرّ عنها الالتذاذ، أما غريزة حب الإيقاع والنغم، فهي التي تجعل النفس تألف الانسجام والتوافق على موجات الشعر المنتظمة، لذا كانت الصناعة لازبة بالشعر وشائعة فيه، على غيره من الصنائع القياسية، فالشعرية إذن منبع الشعر ومولِّده في قوة الإنسان([35])

كما أنهم أكّدوا على عنصر التخييل كأساس للشعرية، بعد ربطه بقوى النفس البشرية، استنادا لمعادلة المحاكاة التي تتجلى فعاليتها الجمالية في اهتمامهم بالقول الشعري وما يميزه من الصور الشعرية القائمة على القوة المتخيلة، التي تكمن قدرتها في خلق المفارقة بين التجانس والموافقة، والمغايرة والاختلاف للمدرك أو المحسوس، فهي كما قال الفارابي: «...حاكمة على المحسوسات ومتحكمة عليها، وذلك أنها تفرد بعضها عن بعض، وتركب بعضها إلى بعض، تركيبات مختلفة، يتفق في بعضها أن تكون موافقة لما حسّ، وفي بعضها أن تكون مخالفة للمحسوس»([36])، ويوافق ابن رشد الفارابي في قوله بمخالفة المحسوس وتصور ما لم يحس بعدُ([37]).

فالقول الشعري إجمالا هو « الكلام الذي يعتمد على التخييل»([38]) وقد صرّح بهذا الفلاسفة المسلمون، من ذلك قول ابن رشد:« الأقاويل الشّعرية هي الأقاويل المخيّلة»([39])،وبقدر ما هي في الشعر والنثر على السّواء، كان التخييل شعرية في القول الشعري، لا خصيصة لصيقة بالشعر فقط.

ولما كان التخييل خاصية في القول الشعري، ومكوّنا أساسيا للصورة الشعرية عند الفلاسفة المسلمين، أمكن له التأثير في مسار اللغة ليعدل بها عن المألوف، وفي هذه السبيل تأتي الشعرية «...من غير المتوقع، أو خيبة الانتظار...»([40])، كما أن «القول الشعري هو المغيّر [يكسر النمط المألوف و يخرق أفق التوقع ليحدث خيبة الانتظار والدهشة لدى القارئ وتحصل الشعرية] أنه إذا غير القول الحقيقي [ وابتعد عن المبتذل من الكلام] سمي شعرا أو قولا شعريا، ووجد له فعل الشعر...»([41])، ووافق النفس وكان له فيها قبولا فـ «الصّادق – من القول- إذا حرّف عن العادة وألحق به شيء تستأنس به النفس...»([42])، وبالتالي تكون الشعرية لدى الفلاسفة المسلمين منبثقة من التخييل(*) والعدول(*)، أو هي التخييل والعدول والفعل الشعري.

ثالثا: هندسة الشعرية ونسيج النص

تخبر جهود الجاحظ، والآمدي، وعبد القاهر الجرجاني، وابن طباطبا العلوي والقرطاجني وغيرهم من النقاد والبلاغيين في ضمن مفهومهم للشعر، بقيمة الشعرية وفسيفساء هندستها؛ إذ هي إسهامات جادة تبحث في  الحدود أو المعالم الجمالية للأدب، وهو ما فرض على الشعرية أن تتفرّق إلى شعريات، بعد أن حصرها الآمدي في عمود الشعر ويظهر ذلك في موازنته بين أبي تمام والبحتري، هذا العمود الذي كانت بوادره عند القاضي الجرجاني ثم الآمدي، وانتهى إلى المرزوقي فحدّده في سبعة أبواب ولكل باب معيار، هي «...شرف المعنى وصحته، وجزالةاللفظ واستقامته، والإصابة في الوصف، ومن اجتماع هذه الأسباب الثلاثة، كثرة سوائر الأمثال وشوارد الأبيات، والمقاربة في التشبيه، والتحام أجزاء النظم والتئامها على تخير من لذيذ الوزن، ومناسبة المستعار للمستعار له، ومشاكلة اللفظ للمعنى وشدة اقتضائها للقافية حتى لا تكون منافرة بينهما، فهذه سبعة أبواب هي عمود الشعر ولكل باب معيار»([43])، فالعمود بهذه الأبواب والمعايير، شعرية عامة كاملة العناصر، تعكس جماليات الشعر في مكوناته، ثم إن في كل فقرة من عموده شعرية خاصة، وهذا الملحظ المهم يعكسه الاختلاف في منابع الشعرية.

فهي عند الجاحظ، شعرية البيان؛ ذلك أنه أحدث نقلة نوعية في أهم مراكز النقد من خلال « تحويل الشعرية العربية في فترتها الشفوية من شعرية الفحولة(الأصمعي- الجمحي) إلى شعرية البيان؛ أي من البحث عن كليات نابعة من خارج الخطاب إلى إنتاج كليات منبثقة من داخل الخطاب نفسه، باعتباره خطابا يهدف إلى الإفصاح بأفضل أسلوب»([44])، ولكن أين تتجلى شعرية البيان لدى الجاحظ، أفي اللفظ أم في المعنى؟.

لا بدّ أن الجاحظ على كثرة آرائه في الشعر، أراد أن يفتح العقدة ويوسع الأفق النقدي بداية من رؤيته للشعر على أنه «صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير»([45])، فهو يجمع في هذا المفهوم بين ثلاث شعريات على الأقل؛ شعرية الصناعة، وشعرية النسج؛ حيث النص تشابك منتظم بين خطوط السّدى والنّير، ثم الشعرية الناتجة عن التصوير؛ حيث التلاعب بألوان من التخييل، والعناصر البلاغية.

كما أنه يثير شعرية جديدة كامنة في اللفظ، من خلال تغليبه واهتمامه بالألفاظ على حساب المعاني؛ ذلكأنها لدى كل أديب تسبح في فيض وعيه، لا تحتاج منه إلاّ صوغها في ألفاظ تبحر بها إلى جنة النص، أين يحفظ اللفظ ماءه؛ أي رونقه وجماله، فالأصل في الشعر أن يأتي على« إقامة الوزن، وتخير اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع،وجودةالسبك»([46])، لذا كانت شعرية اللفظ عند الجاحظ في كثرة الماء، الذي يعَدُّ بالنسبة له الخاصية الشعرية(*) لكل العناصر التي يتألف منها الكلام.

وشعرية البيان عند الجاحظ، حسب رأي عمر أوكان، تؤدي مهمة واحدة، تكمن في  «البحث عن القواعد التي تتيح الجودة أو الحسن في الكلام؛ أي البحث عن الوظيفة البلاغية فيه، والابتعاد عن الوظيفة الإبلاغية التي ليس لها أي دور في شاعرية القول(...)»([47])، وبه تصبح الوظيفة البلاغية عند الجاحظ، مقابلة للوظيفة الشعرية عند جاكبسون(Jakobson)، وربما تحتويها لورودها في كل الكلام، وأنظمة التواصل بما فيها الرمزية والسيميائية([48]).

ولكن على خلاف هذا القول، إذا تمعن الدارس في ما قاله الجاحظ عن البيان والتبيين، يجد أن شعرية البيان لا تكتمل إلا بالتبيين، وأن الوظيفة الإبلاغية لا تنفصل بأي حال عن الوظيفة البلاغية؛ ذلك أن «...مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع، إنما هو الفهم والإفهام، فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع»([49])؛ فشعرية البيان تظهر وتكتمل حال وقوع الفهم لدى المتلقي.

 ولقد اتخذ ابن طباطبا من النظم معيارا لتمييز الشعر عن النثر، فخصّه به، ورفض العدول عن جهته، طالبا الاعتدال بين عناصر الشعر، وهذا في قوله «الشعر أسعدك الله- كلام منظوم، بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم، بما خُصَّ به من النظم الذي إن عُدل عن جهته مجّته الأسماع، وفسد على الذوق. ونظمه معلوم محدود...»([50])، ولكن بعض من النقاد المعاصرين، يلوون عنق المفهوم برؤيتهم المعاصرة، محمّلين ابن طباطبا ما لا يقصد قوله، فيدّعون - حسب زعمهم أنه يجعل من الانزياح أو العدول محقّقا للشعرية([51])، وهذا عكس ما جاء في مفهومه للشعر، الذي يخصّه فيه بحسن النظم، بعيدا عن العدول الذي ينفر الأسماع، ويفسد الذوق.     

الشعرية عند ابن طباطبا إذن، هي ما يكسب المتلقي لذّة أو هزّة من خلال الفهم(*) الذي يدرك في العقل، والوسيلة إلى شعرية الإبداع التي اهتم بها ابن طباطبا ورحب بها، جمال الشعر الذي لا يحصل عنده إلا بالاعتدال(*) في النظم؛ أي الانتظام اللغوي المتميز للشكل وهو أساس التمييز في الشعر([52]).      

كما أن الشعرية عند ابن طباطبا، نابعة من الديباجة في حسنها واعتدالها، فهو « يطلق على الشعرية "حسن الديباجة"»([53])، من منطلق أن « الشعر هو ما إن عُرِّي من معنى بديع لم يُعرَّ من حسن الديباجة. وما خالف هذا فليس بشعر»([54])، فحسن الديباجة، شعرية لا يمكن الاستغناء عنها في ما ينبغي أن يسمى شعرا، أمّا المعنى البديع فلا يضر بجمال الشعر إن عري منه.

ولقد أسس عبد القاهر الجرجاني بلاغته النصية، انطلاقا من نظرية النظم أين تكمن الشعرية، حيث «...تجعل الكلام الأدبي مخالفا للكلام العادي انطلاقا من نظمه، بل اختلاف الكلام الأدبي ذاته في درجات الأدبية انطلاقا من هذا النظم نفسه؛ فالنظم(*) إذن، هو جوهر الشاعرية في القول الفني »([55])، فهو  مصطلح مرادف للشّعرية عند الجرجاني في بلاغته النّصية، حيث هو عمل داخل نصّي، يبحث في اختيار الألفاظ وتأليفها، ويتم إسقاط محور الاختيار على محور التأليف لخلق الشعرية، وذلك بإحداث المفارقة اللغوية في محور الاختيار أو الانسجام في محور التأليف.

وفي مقابل شعرية اللفظ عند الجاحظ، يضيف الجرجاني شعريته في المعنى،  والتي تنبجس من نظرية "معنى المعنى"حيث « ...المعنى الأول هو ما يفهم من النص عند ذكره، والمعنى الثانوي أن يكون المعنى الأول معبّرا إلى المعنى الثاني، كالكناية، والمجاز، والتشبيه، وما فيها من صور الجمال والخيال...، والفضيلة ترجع إلى المعنى الثانوي عند عبد القاهر الجرجاني»([56])، الذي يقترب في معنى المعنى من محاكاة المحاكاة لدى أرسطو.

كما اعتبر الجرجاني، إضافة إلى لغة المفارقة، الظواهر التعبيرية كالجناس والغموض، وبخاصّة الحذف مما يدخل في مفهوم الشعرية([57])، لما تساهم به من إدخال لمسات جمالية ذات أثر مباشر في توسيع دائرة الفضاء الشعري.

ولا ريب في ما تقدمه البلاغة من جماليات للنص الأدبي، وهذا ما أكّده ابن المعتز في كتابه "البديع"، وقدامة ابن جعفر في كتابه "نقد الشعر"،0وريريت. الشعرية والحداثة. ص ص  أين تصبح الوجوه البلاغية مثيرةً للشعرية، وربما مرادفة للشعرية عند قدامة، حسب زعم عمر أوكان([58]).

ولكن على خلاف هذا الزعم، فإن شعرية الشعر، عند قدامة، تنضج بموافقة الشعر لصفات الجودة في عناصره الأربعة التي حدّدها له في مفهومه، وهي: اللفظ، الوزن، القافية، والمعنى. وتكتمل هذه الشعرية بائتلاف عناصر الشعر فيما بينها، حيث يحدث ما يمكن تسميته بشعرية الائتلاف([59]).

وإذا كان للوزن والقافية أهمية بالغة عند قدامة، مما يجعلهما ثنائية مرشحة لاحتواء الشعرية، فإن بعض النقاد يعتبرهما أمرا معتادا يتشابه الشعراء في استخدامه؛ إذ لا يضيف جديدا على الشعر، وهو ما صرّح به الجرجاني في قوله: « ليس بالوزن ما كان الكلام كلاما، ولا به كل الكلام خيرا من كلام »([60])، فهو هنا لا يؤمن بالوزن كمقياس تفضيلي بين الكلام، ولا يعتبره محققا للشعرية والتَميُّز في الكلام، وقد وافق القرطاجني رأي الجرجاني ودعمه؛ حيث نفى أن يكون كل «...كلام مقفى موزون شعر...»([61])

وما زعمه القرطاجني في الوزن والقافية، ليس من قبيل الاستخفاف بهما، وبمن يرون فيهما شعرية، بحكم أن الشعر عنده « كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره ما قصد تكريهه، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه(...)»([62])، غير أنه ينبذ اكتفاء المتلقي بالوزن والقافية، لتمييزه الشعر عن غيره من الكلام، مستأنسا في ذلك بالطبع، متجاهلا القصد في الشعر وأثره في النفس من خلال التخييل، الذي أوكله مهمة التحبيب والتكريه فيها، وقدّمه على الوزن والقافية كشعرية في القول الشعري، حيث لا يكون القول قولا شعريا سواء في الشعر أو النثر إلا به « فما كان من الأقاويل مبنيا على تخييل، وموجودة في المحاكاة فهو يعد قولا  شعريا»([63])، لذلك كان التخييل عند القرطاجني نبضا للقصيدة، وشعرية متدفقة في صورها، فهو« القانون الشعري أو الكلية البلاغية التي تؤسس شعرية القصيدة العربية وشاعريتها (...)»([64])، وفي هذا عودة إلى أرسطو في عنايته بالتخييل والمحاكاة، وصدى لشعرية الفلاسفة المسلمين تقريبا.

يبدو أن الشعرية في أصولها الفلسفية، والنقدية، والبلاغية عند القدماء شعريات، وهي التي تحدد معالم النص الشعري الجيد، فهي عند أفلاطون الجمال، وعند أرسطو فن المحاكاة والتمثيل، لتزدوج عند الفلاسفة المسلمين بين التّخييل والعدول، ثم يؤكدها القرطاجني في التّخييل، ويجمعها الآمدي في عمود الشعر، أما الجاحظ فمن غير المستطاع تحديد الشعرية عنده، لتشعبها هي ذاتها إلى شعريات؛ ذلك أن كل كلمة في مقولاته تصلح نظرية للشعر([65])، لذا كان البيان لديه مستودع الشعرية الذي تنبثق منه شعرياته الصغرى الخاصة بالعناصر؛ كالتصوير، والنسج، وكثرة الماء في اللفظ، أو حتى بين عناصر الشعر...الخ.

وتتجلّى الشّعرية عند الجرجاني في النظم، والمفارقة اللغوية أو التماثل والانسجام في محور التأليف، كما هي في بعض الظّواهر اللغوية كالحذف مثلا. ويرسم ابن المعتز وقدامة حدودها في الوجوه البلاغية، والوزن والقافية، ثم هي عند ابن طباطبا في الاعتدال، وحسن الديباجة، ويزعم النّقاد المعاصرون أنها عنده- كامنة في العدول. فهذه العناصر ترسم في توافق جمالي حدود النص أو أركانه ومعالمه وتُفعِّل نبضه، وتبقى الشعرية عند القدماء نصا مفتوحا قابلا للقراءة المتجددة.



الإحالات:

([1])ـينظر: محمد زغلول سلام. تاريخ النقد الأدبي والبلاغة حتى نهاية القرن الرابع الهجري. منشأة المعارف. ص 40.

([2])ـ ابن منظور. لسان العرب. تح، عبد الله علي الكبير وآخرون، دار المعارف، 1119، القاهرة. ص4422.

([3])ـ ينظر: نفسه. ص3308 ـ 3309.

([4])ـ عبد الرحمن بن خلدون. المقدمة. د ط، دار الفكر، بيروت ـ لبنان، 2004م. ص405.

([5])ـ ابن سينا. فن الشعر من كتاب الشفاء، ضمن كتاب فن الشعر لأرسطو، تحقيق عبد الرحمان بدوي، ط2، دار الثقافة، بيروت، 1973م. ص180.

([6])ـ ينظر: أدونيس. الشعرية العربية. ط3، دار الآداب، بيروت، 200م. ص5.

([7])ـ ينظر: ابن خلدون. المقدمة. ص408.

([8])ـ ينظر: أدونيس.الشعرية العربية. ص5 ـ 6.

([9])ـ ينظر: قصي الحسين. النقد الأدبي عند العرب واليونان معالمه وأعلامه. ط1، المؤسسة الحديثة للكتاب، طرابلس ـ لبنان، 2003. ص15.

([10])ـ ينظر: أبو عبيد الله محمد بن عمران، المرزباني(384هـ). الموشح. تحقيق علي محمد البجاوي، القاهرة، 1956م . ص45.

([11])ـ ينظر: محمد زغلول سلام. تاريخ النقد الأدبي والبلاغة حتى نهاية القرن الرابع الهجري. ص37.

([12])ـ ينظر: داوود سلوم. سوسيولوجيا النقد العربي القديم. ط1، مؤسسة المختار، القاهرة، 2002. ص105.

([13])ـ ينظر: ابن عبد ربه. العقد الفريد. تحقيق أحمد أمين وآخرون، ط3، القاهرة، 1965، ج4. ص9

([14])ـ ينظر: الأخضر جمعي. نظرية الشعر عند الفلاسفة الإسلاميين. ط1، ديوان المطبوعات الجامعية. 1999. ص143. نقله عن كتاب الموسيقى للفارابي. ص1179ـ 1180.

([15])ـ أبو الفرج الأصفهاني. كتاب الأغاني. تحقيق عبد الستار فراج. دار الثقافة، بيروت، 1955ـ 1961، ج 8 . ص341.

([16])ـ ابن عبد ربه. العقد الفريد. ج4. ص96.

([17])- ينظر: أرسطو طاليس. في الشعر. نقل بشر متى بن يونس الغنائي، ترجمة وتحقيق، شكري عياد. ط1، دار الكتاب العربي، القاهرة، 1386هـ - 1967م. ص هـ.

(*)-يأتيالسموعند لونجينوسمرادفًا للفظ العظمة. ومصادر السمو هي:1- القدرة على استيعاب أفكارجديدة، 2- العواطف الجياشة، 3- محسِّنات بلاغية قوية، 4- اختيار ألفاظ معبرةونبيلة، 5- تكوين الجمل بطريقة انسيابية. أما أرسطوفهويعتقد أنالمأساة تؤثر على المشاهد عن طريق إيقاظ عاطفتي الشفقة والخوف، ثم تنقيته وتطهيرهمنهما. وقد أطلقأرسطو على هذه العملية اسمالتطهير.( ينظر: ناظم عودة خضر. الأصول المعرفية لنظرية التلقي. ط1، دار الشروق،1997م ).

([18])- جون كوهين. النظرية الشعرية ( بناء لغة الشعر، اللغة العليا). ط1، ترجمة وتقديم وتعليق، أحمد درويش. دار غريب ، 2000م. ج2. ص259.

([19])-  أرسطو طاليس. في الشعر. ص64.

([20]) ينظر: نفسه. ص ن.

([21])- ينظر: نفسه. ص142.

([22])جونثن كاللر. مدخل وجيز إلى نظرية الأدب. تر، خميسي بوغرارة. ط1، منشورات مخبر الترجمة في الأدب واللسانيات، جامعة قسنطينة،2007م. ص57.

([23]) ينظر: مشري بن خليفة. بناء القصيدة في النقد العربي الحديث. رسالة ماجستير. معهد الآداب واللغة العربية، جامعة الجزائر،1994م. ص50.

([24]) أوزوالد ديكرو، وجان ماري سشايفر. القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان. تر، منذر عياشي. ط2، المركز الثقافي العربي، 2007م. ص176.

([25])- حسن ناظم. مفاهيم الشعرية، دراسة مقارنة في الأصول والمنهج والمفاهيم. ط1، المركز الثقافي العربي، 1994م. ص23.

([26])- ينظر: أرسطو طاليس. في الشعر. ص هـ. 

([27])ـ  ينظر: جونثن كاللر. مدخل وجيز إلى نظرية الأدب. ص65.

([28])ـ أوزوالد ديكرو، وجان ماري سشايفر.القاموس الموسوعي الجديد لعلوم اللسان. ص178.

([29])-  نفسه. ص ن.

(*)- ليس المقصود بشعرنة البلاغة- هنا-  تحويل البلاغة إلى الشعر وحبسها فيه، دون غيره من الأجناس الأدبية- من منطلق المفهوم العام- وإنما تحويل البلاغة إلى الشعرية كمصطلح حداثي يجمع كل ما يبحث عن الجمالي في الأدب وحتى في الفنون الأخرى، كما أن مصطلح الشّعرنة يقابل – مؤخرا-  عند يوسف وغليسي، في كتابه" إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد" مصطلح الشعرية، وتحدث عنها الغذامي أيضا، في كتابه " النقد الثقافي" بوصفها ناتجا نسقيا، بوصفها قيمة شعرية في الأصل ولكنها انتقلت لتشمل الذات الثقافية والقيم الحضارية.

([30])- ينظر: محمد عبد المطلب. البلاغة والأسلوبية. ط1، مكتبة لبنان ناشرون، الشركة المصرية العالمية للنشرـ لونجمان، 1994م. ص ص1، 259.

([31])- أحسن مزدور. مقاربة سيميائية في قراءة الشعر والرواية. ط1، مكتبة الآداب، القاهرة، 1425هـ - 2005م. ص65.

([32])- الآمدي. الموازنة بين الطائيين. تح، محمد محي الدين عبد الحميد. ط5، دار المسيرة، بيروت، 1987م. ص37.

([33])- ينظر: نبيل راغب موسوعة النظريات الأدبية. ط1، الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان، 2003م. ص378. وينظر: حسن ناظم. مفاهيم الشعرية، دراسة مقارنة في الأصول والمنهج والمفاهيم. ص25.

([34])- ينظر: الأخضر جمعي. نظرية الشعر عند الفلاسفة الإسلاميين. ط1، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1999م. ص56.

([35])- ينظر: ابن سينا. فن الشعر من كتاب الشفاء ( ضمن كتاب فن الشعر لأرسطو). تح، عبد الرحمان بدوي. ط2، دار الثقافة، بيروت، 1973م. ص171، 172. وينظر: الفارابي. كتاب الحروف. تح، محسن مهدي. ط1، دار المشرق، بيروت، 1970م. ص142.

([36])- الفارابي. كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة. تح، ألبير نصري نادر. ط4، دار المشرق، بيروت، 1982م. ص89.

([37])- ينظر: ابن رشد. تلخيص كتاب النفس. تح، أحمد فؤاد الأهواني. ط1، النهضة المصرية، القاهرة، 1950م. ص60.

([38])- أحمد مطلوب. معجم مصطلحات النقد العربي القديم. ط1، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت- لبنان، 2001م. ص ص325.

([39])- ابن رشد. كتاب الشعر، تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر( ضمن كتاب فن الشعر لأرسطو). تح، عبد الرحمان بدوي. ط2، دار الثقافة، بيروت، 1973م. ص201.

([40])- بشير تاوريريت. محاضرات في مناهج النقد الأدبي المعاصر. ط1، دار الفجر، 1428هـ- 2006م. ص156.

([41])- ابن رشد. كتاب الشعر. ص242.

(*)- التخييل هو أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل، أو معانيه أو أسلوبه ونظامه، وتقوم في خياله صورة أو صور ينفعل لتخيلها وتصورها أو نتصور شيء آخر بها، انفعالا من غير رؤية إلى جهة الانبساط أو الانقباض. ( ينظر: حازم القرطاجني. منهاج البلغاء وسراج الأدباء. ص89).

(*)- العدول لفظة عربية استعملها البلاغيون في سياق محدد، وهي من المصطلحات التي تترجم الأسلوب، الذي يعني عند فاليري "انزياح بالنسبة إلى معيار" ويقابلها من المصطلحات الانزياح والانحراف وخرق السنن والانتهاك والمخالفة والشذوذ والبعد والفجوة والمجاوزة... ما يقارب 60 مصطلحا( ينظر: يوسف وغليسي. إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد. ط1، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، 2008م. ص ص204-211).

([42])- ابن سينا. فن الشعر. ص162.

([43])- أبو علي، أحمد بن محمد المرزوقي. شرح ديوان الحماسة. تح، أحمد أمين، عبد السلام هارون. ط1، القاهرة، 1951م. ج1. ص9.

([44])- عمر أوكان. اللّغة والخطاب. ط1، إفريقيا الشرق، 2001م. ص112.

([45])- أبو عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ. كتاب الحيوان. تح، عبد السلام هارون. ط1، القاهرة، 1938- 1945م. ج3. ص131.

([46])- نفسه. ص ص131، 132.

(*)- يمكن تفسير مائية اللفظ، أو كثرة الماء بين العناصر، كشعرية حاصلة من تلاحم وتضام عناصر الشعر وجاذبيتها، بالخاصية الشعرية في النبات؛ حيث يسري الماء داخل التربة صاعدا إلى جذور النبات، بسبب التوتر السطحي والتجاذب بين عناصره، ولدقة الشعيرات الماصّة أيضا. 

([47])- عمر أوكان. اللّغة والخطاب. ص ص112، 113.

([48])- ينظر: نفسه. ص ن.

([49])- أبو عثمان، عمر بن بحر الجاحظ. البيان والتبيين. تح، عبد السلام هارون. ط7، مكتبة الخانجي، القاهرة، مطبعة المدني، 1418هـ - 1998م. ج1. ص76.

([50])- محمد بن احمد بن طباطبا العلوي. عيار الشعر. تح، عباس عبد الستار ومراجعة نعيم زرزور. ط2، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، 2005م. ص9.

([51])- ينظر: بشير تاوريريت. الشعرية والحداثة. ط1، دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا، 2008م. ص24.

(*)- لقد جعل ابن طباطبا الفهم الثاقب عيارا للشعر في قوله: « وعيار الشعر أن يُورَدَ على الفهم الثاقب، فما قبله واصطفاه فهو واف، وما مجه ونفاه فهو ناقص» ( ابن طباطبا. عيار الشعر. ص20).

(*)- وتحدث ابن طباطبا عن علة حسن الشعر وقبول الفهم إياه حيث لخصه بعد الشرح والتمثيل في قوله: «وعلة كل حسن مقبول الاعتدال، كما أن علة كل قبيح منفي الاضطراب » ( نفسه. ص21). ثم يضيف علة أخرى لم يخرج فيها عن الاعتدال، وهي موافقة الشعر للحال التي يعد معناه لها؛ كالمدح في حال المفاخرة، والغزل والنسيب عند شكوى العاشق. ويحصل حسن الشعر واعتداله عند ابن طباطبا بـاجتماع ما يأتي:

- لطف المعنى وصحته

- حلاوة اللفظ وعذوبته

- تمام البيان

- اعتدال الوزن وصحته ( ينظر: نفسه. ص22)

([52])- ينظر: جابر عصفور. مفهوم الشعر. ط1، المركز العربي للثقافة والفنون، 1982م. ص38.

([53])-علي رحماني. مقال موسوم بـ « شعرية الخطاب السردي في رواية "عابر سرير" لأحلام مستغانمي». مجلة المخبر. منشورات قسم الأدب العربي، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة محمد خيضر، بسكرة- الجزائر، ع3، 2006م. ص325

(*)- النظم كان عند الجاحظ قبل الجرجاني، وكان عند إبراهيم ابن سيار النظام أستاذ الجاحظ قبلهما جميعا، وهو أمر مختلف عما كان عند الجرجاني؛ أي بنية النص لغويا، بلاغيا، جماليا. بينما الجرجاني ركز على النظم من حيث الوحدات اللغوية والنحوية، فهو عنده توخي معاني النحو في ما بين الكلم.

([54])-  ابن طباطبا. عيار الشعر. ص23.

([55])  عمر أوكان. اللّغة والخطاب. ص115.

([56])ـ محمد رمضان الجربي. الأدب المقارن. ط1، دار الهدى، 2002. ص50.

([57]) ينظر: عبد القاهر الجرجاني. دلائل الإعجاز. تح، عبد السلام محمد هارون. ط1، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1984م. ص146.

([58])  ينظر: عمر أوكان. اللّغة والخطاب. ص113.

([59]) ينظر: أبو الفرج، قدامة بن جعفر. نقد الشعر. تح، محمد عبد المنعم خفاجى. ط1، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان. دت. ص64- 170.

([60])  الجرجاني. دلائل الإعجاز.  ص474.

([61])حازم القرطاجني. منهاج البلغاء وسراج الأدباء. تح، محمد الحبيب بن الخوجة. ط1، تونس، د ت. ص26.

([62]) نفسه. ص71.

([63]) نفسه. ص67.

([64]) عمر أوكان. اللّغة والخطاب. ص118.

([65]) ينظر: عبد المالك مرتاض. بنية الخطاب الشعري، دراسة تشريحية لقصيدة "أشجان يمانية". ط1، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1995م. ص5.