تلقي شكسبير في الأدب العربي من خلال مأساة "هاملت"
pdf

المناجاة الرابعة نموذجا.

د. علي محدادي

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

الملخص:

لا يختلف اثنان على عالمية شكسبيروكثرة استقباله وتلقيه في كل الآداب وبكل اللغات. بل مايزال متربعا على عرشالمسرح العالمي إلى اليوم. وقد نالت مأساته الأشهر (هاملت) الحظ الأوفر منذلك.

     يسعى هذا المقال إلى الوقوف عند تلقي شكسبير في الأدب العربي من خلال مأساته هاملت والمناجاة الرابعة تحديدا.

Résumé:

Personne ne conteste que Shakespeare est l'un des écrivains les plus connus dans le monde entier, dans toutes les arts et toutes les langues. Il domine le théâtre mondial par sa tragédie célèbre «Hamlet».

Cet article cherche la réception de Shakespeare dans la littérature arabe à travers sa tragédie Hamlet, et spécifiquement la quatrième monologue.

تمهيد:

كتب شكسبير مأساة هاملت في المرحلة التي حفلت بمآسيه، وتأتي الثالثة في الترتيب الزمني بعد (يوليوس قيصر) وتليها مأساة ( عطيل ) مباشرة، وكانت كتابتها سنة 1601، وقد صدرت في الطبعة الأولى لآثار شكسبير المسرحية سنة 1623، والتي تعرف باسم الفوليو(FOLIO) "وهو كتاب من القطع الكبير حفظ لنا نصوص ما لا يقل عن ست عشرة مسرحية لم تكن نشرت قط من قبل، وثلاث أخرى كانت نشرت في طبعات مسروقة مشوهة، كما أعيد فيه نشر اثنتي عشر مسرحية" [1]. ويحتمل أن تكون قد نشرت من قبل ضمن المسرحيات التي نشرت بشكل أو بآخر إبان حياة شكسبير، وقد تكون - قياسا على مسرحية عطيل- وقد نشرت" لأول مرة في طبعة تعرف بالكوارتو الأول عام 1622 " [2].

وقد وردت في الفوليو الأول بعنوان: The Tragedy of Hamlet))، وتقع بين الصفحتين 152 و283 بما مقداره 131 صفحة، وهو حجم كبير بالقياس إلى المآسي الأخرى.

تشتمل مأساة هاملت -كعادة شكسبير في مآسيه-على خمسة فصول، ويتوزع  على هذه الفصول عشرون مشهدا: (ف1-5م)، (ف2-2م)، (ف3-4م)، (ف4-7م)، (ف5-2م). أما أحداث المسرحية فتقع في زمن غير معلوم في الدانمرك في القلعة المسماة آلسينور.

وتتلخص هذه المأساة في أن ملك الدنمرك النبيل ويدعى هاملت أيضا يلقى حتفه غيلة على يد أخيه كلوديوس، حيث يصب السم في أذنه وهو نائم بحديقة القصر ظهرا. ولا يكتفي كلوديوس بذلك فيتزوج غرترود زوجة أخيه الملك وأم

هاملت الابن، يتزوجها في عجلة غير محمودة، ويسطو بذلك على عرش أخيه وزوجته. ويصادف ذلك عودة هاملت الابن من بألمانيا حيث كان يدرس بجامعة ويتنبرغ[3]، فلا يستريح لخبر موت أبيه ميتة طبيعية، ولا للزواج العاجل خاصة من جهة أمه فقد ولّد في نفسه حزنا وقلقا.

ويأتيه شبح أبيه هاملت الملك فيخبره حكاية القتل غيلة بيد كلوديوس. ومنذ هذا الخبر وهاملت يفكر في الانتقام من عمه لأبيه، ويتحيّن الفرص لذلك لكنه يتوانى كثيرا ويتردد حتى يستغرق كامل المسرحية، ولا يتحقق الانتقام إلا آخرها.

هـامـلت:

يصوّر النقاد هاملت بأنه شخصية ذكية، تتسم بالفطنة وحدة الذكاء، وأحيانا أخرى بالغموض إلى جانب الفلسفة وتعقيد الخيال، وتذهب الآراء إلى أنه "مفكر نبيل قلق، يمثل بداية القرن السابع عشر،مرهف الحس، ميال للتفكير.ومع هذا فهاملت ليس إنسانا سلبيا"[4]رغم دلائل الحيرة والاضطراب والتردد، "إذ يعرف هدفه منذ البداية، وكل ما في الأمر أن ضميره يريد أن يتأكد"[5].

ويميل الشعراء إلى العثور في شخص هاملت على رجل شاعر يتصف بشاعرية فلسفية؛ يتأمل الكون ويتكلم بفصاحة نادرة ويتساءل عن مصيره، وفي تلك السمات وذلك التفكير، يجد الفلاسفة وعلماء النفس حاجتهم أيضا. وقد اشتهر المقطع الذي يتساءل فيه هاملت عن مصيره أكثر من شهرة (هاملت)، وبالقدر الذي فاقت به (هاملت) شهرة شكسبير.

وتساؤله ذلك يدفعه إلى تردده وتوانيه في الانتقام لأبيه، مما يذهب ببعض النقاد إلى القول بافتقاد هاملت للإرادة الحاسمة والتصميم القاطع، وهو ما يبرّر تأجيله تنفيذ انتقامه.

وحول فكرة الانتقام هذه يحتدم النقاش وتتسع دائرة الجدل، إذ لا يزال النقاد إلى اليوم يبحثون -دون هوادة-عن سبب تأخير الانتقام، وما زال غامضا في عرف كل من تصدوا لذلك، لأنهم، في وضعهم الحلولَ، كانوا إلى الاحتمال أقرب منهم إلى اليقين ولو تظاهروا بالجزم، حتى أغْربَ بعضهم في اتجاهه وجهةً أخرى؛ بقوله إن شكسبير نفسه يجهل سبب تردد هاملت في الانتقام لأبيه، والمذهب هذا يذهبه الدكتور عز الدين إسماعيل، حيث يضيف بأن صراع هاملت "النفسي الظاهر أمامنا في المسرحية هو حول فهم السبب في توانيه، لا حول القيمة الأخلاقية للمهمة الملقاة على عاتقه من الخارج "[6].

ومحاولات النقاد، في الإجابة عن السؤال المُـلحّ : ما الذي جعل هاملت يتوانى في الثأر لأبيه؟، يمكن تقسيمها إلى مجموعتين، والتفصيل فيها لكن لا مجال لذلك الآن، وحسبنا أن نؤكد أن شخصية هاملت اكتسبت طابع النموذج البشري، وصار لها وجود مستقل، وانطلقت من عقال العمل الأدبي. وليس بين أبطال شكسبير، شخصية لها من الجاذبية والاستئثار بالاهتمام بين القراء والمشاهدين، ما لهاملت.

تلقي مأساة هاملت ومكانتها :

أتيح لأعمال شكسبير المسرحية من الشهرة العالمية ما لم يتح إلا لقلة من الأعمال العظيمة، وميزة شكسبير أنه أصبح في حد ذاته لغة عالمية، فلا نظن أن هناك لغة من لغات العالم- بل وكثير من اللهجات-لم تترجم إليها أعماله، والأغرب أكثر أن شهرة هذه الأعمال فاقت شهرة شكسبير نفسه، فما أكثر الذين يعرفون ويتمثلون روميو وجولييت مثلا، لكن دون أن يعرفوا أنها لشكسبير.

وضمن أعمال شكسبير، التي خلدت عبر هذه القرون من الزمن، نجد أن مأساة هاملت قد تفردت كثيرا. ولم تنل مسرحية من مسرحيات شكسبير ما نالته شهرة وتمثيلا، " فقد أحرزت المسرحية نجاحا باهرا حين لعب ريتشارد بيرباج دور هاملت لأول مرة في مسرح الـGlobe  قبل 400 عام، وفي العام 1999 تم التصويت لها كأفضل عمل في احتفال الذكرى الألفية الذي تم في استفتاء صحفي" [7].

وفضلا عن القيمة الأدبية الفنية والتعبير الصادق عن العواطف الإنسانية الخالدة التي تميزت بها (هاملت)، فإن تأثيرها العالمي " يرجع إلى الطريقة التي جمع بها المؤلف المبدع بين قصة ذات ظروف خاصة وبين صفات ذات أهمية عامة دائمة"[8]، حتى إن كل عصر من العصور كان يرى في هاملت صورة من صوره، "إذ وضع شكسبير يده على سمات إنسانية واسعة الانتشار"[9].

وما زالت الدراسات تترى وتتوالى إلى الآن؛ تتأمل (هاملت)، وتعيد تفسيرها من جديد. وقد "بلغت الدراسات التي تناولتها في الفترة ما بين 1870-1930 ما يربو على الألفين وذلك باستثناء المقالات التي نشرتها الصحف والمجلات"[10] ويقول الناقد البولندي (يان كوت)، ثالث الثلاثة[11] الذين رسخت دراستهم الشكسبيرية: "راجع بيبليوغرافية الأطروحات والدراسات التي كتبت عن (هاملت) تجد أنها ضعف حجم دليل التلفون لأي عاصمة كبرى…تفاسير وشروح وتعليقات لا تعد ولا تحصى مازالت تنهال على هاملت" [12].

وقبل أن نلتفت إلى تلقي (هاملت ) في أدبنا العربي، نعرّج على تلقيها في عالم التمثيل والسينما، فقريبا من ريتشارد بيرباج (1576-1619) الذي أدى دور هاملت، لأول مرة جنبا إلى جنب مع شكسبير الذي أدى دور الشبح، نجد " توماس بترتون (1635-1733) ودافيد جارك (1717-1779)، وإدموند كين (1787-1833)" [13]. أما حديثا فنجد أسماء لامعة اشتهرت بتقديمها لشخصية (هاملت) منهم: "سير جون جيلجود وسير لورانس أوليفييه وكريستوفر بلامر وريتشارد بيرتون وجان لوي بلور" [14]، ومايكل بيننغتون (عام1984)، ومارك رايلانس،وريتشارد مكايب، وبول رايس (عام 2000). وقد كان سير لورنس أوليفييه أشهر هاملت في السينما العالمية منذ فترة فيلمه المعروض(عام 1948)، " وفي عالم الأفلام توجد ستون نسخة سينمائية لهاملت… ويقال إن فيلم كينيث براناه (العام 1995)كان مشابها لانفجار هائل حيث أن المخرج لم ينس أي تفصيل، وقد اختار موقعا ساحرا لفيلمه وهو قصر بلينهايم" [15].

وطبعا لم يقتصر تأثير هذه المسرحية على الغرب، فإن الرواج الذي لاقته هناك امتد إلى شتى أنحاء العالم. فمثلت (هاملت) في أغلب المسارح؛ إما بمحافظة على النص الأصلي وإطارها التاريخي، أو بمحاكاة معدلة.

أما أدبنا العربي فإنه لم يكن أقل احتفاء (بهاملت)، وقد نالت فيه من الحظوة ما بوأها مكانتها الحقيقية. ورغم أنه من العسير تتبع كل الترجمات والتلخيصات والمحاكايات التي تناولت هذه المسرحية، بسبب الفراغ الواضح في مكتباتنا وافتقارها إلى الأعمال الببليوغرافية التي تسهِّل على الدارسين هذه المهمة الشاقة، فإننا نذكر ما تم التوصل إليه أثناء القراءة والبحث والمطالعات السابقة له. فمن أوائل الترجمات نجد "ترجمة إبراهيم زكي بك لقصص شكسبير التي وضعها شارلس وماري لام [Charles and Mary Lamp] (حوالي 1898م) وكذلك (على مسرح التمثيل) لإسماعيل عبد المنعم (1913)"[16]، الذي لخص فيه سبعا من مآسي شكسبير من بينها (هاملت).

وقد قام طانيوس عبده[17] أيضا بترجمتها " عن الفرنسية [غير أنه] تصرف في بعض مشاهدها وأضاف إلى النهاية عودة الشبح ليأمر هاملت بالصعود إلى العرش"[18]، فابتعد بها عن جوهرها المأساوي الإنساني عندما عز عليه أن يضحّي بهاملت…فلم يدعه يتجرع كأس السم" [19] في حين أن مأساة هاملت لم تكن تصلح لها أية نهاية أخرى سوى تلك الفاجعة التي وضعها شكسبير. وقد قام بترجمة المسرحية كذلك كل من فرح أنطون  وسامي الجرديني[20].

ثم جاء الشاعر مطران خليل مطران الذي، رغم نجاحه في نقل ما انطوت عليه المأساة من معان فلسفية ومشاعر عميقة ورؤى وأفكار بلغة شعرية راقية[21]، إلا أنه " أباح لنفسه أن يتصرف في الأصل تصرفا كبيرا، بالحذف تارة والتلخيص تارة أخرى"[22].

وهناك ترجمات أخرى بقلم "جورج ميرزا وأمين الحداد ونجيب الحداد"[23]، غير أن نسخها ضائعة بحكم أن الترجمات، في أول أمرها، لم تكن لنقل الآثار الأدبية بقدر ما كانت تلبية لحاجة المسرح والتمثيل، فمعظمها كان مخطوطا وظل كذلك ولم يجد طريقه إلى الطباعة، بل لم يتجاوز في أغلب الأحيان المترجم والمخرج والممثلين.

ونجد من بين المترجمين حديثا غازي جمال، ثم جبرا إبراهيم جبرا[24] الذي يعد من أدق المترجمين وأوثقهم، وهو من الأمانة بحيث يترك الخطأ الذي يرد في النص الأصلي كما هو ويشير إليه. وما عدا هذا نجد ترجمات تنشر دون ذكر اسم المترجم كالذي أصدرته دار مكتبة الحياة.كما نجد أن(هاملت) قد نالت حظا في السلاسل المسرحية المتخصصة ومنها السلسلة التي أصدرتها الدار القومية للطباعة(مصر)، والسلسلة التي تصدرها وزارة الإعلام الكويتي بعنوان:(المسرح العالمي)[25].

أما حظ هاملت من التمثيل على المسرح العربي فإنه يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهي فترة الاهتمام العربي بالمسرح. وأول تقديم لهذه المسرحية، فيما توفر لدينا، قامت به جمعية نزهة العائلات[26] سنة 1897 ، وقد قامت بتمثيلها أيضا فرقة الشيخ سلامة حجازي التي تعرف بالجوق، وكانت المسرحية الأولى التي تم بها افتتاح دار التمثيل العربي وكان ذلك يوم الثلاثاء الثامن أغسطس[27] سنة 1905م، وقد قام الشيخ سلامة حجازي نفسه بأداء دور هاملت. وتوالى تمثيلها بعد ذلك أثناء رحلة الفرقة إلى لبنان وسوريا سنة 1906، ثم بعد عودتها سنة1909 إلى مصر.

وقد تأثر بعض الأدباء العرب بهذه المأساة، فاستلهموا منها أعمالا أخرى وثيقة الصلة بها، ونسجوا على أساسها رؤاهم،"وجدنا ممدوح عدوان يكتب (هاملت يستيقظ متأخرا) ومحمود أبو دومة يتناولها في مسرحية (رقصة العقارب) وعباس أحمد يستلهمها في مسرحية (الناس والأرض) ورأفت الدويري في مسرحية (الكل في واحد) "[28] وجواد الأسدي في مسرحيته شباك أوفيليا. وحتى في السيرة الذاتية فما أكثر ما استلهمها جبرا إبراهيم جبرا في سيرته (شارع الأميرات) خاصة في اختيار العناوين التي تتقاطع كثيرا مع شخصيات (هاملت).

ونحسب أن إشعاعها لن يتوقف، بل إنه سيزداد تنوعا وثراء، خاصة مع التوجهات الجديدة للأدب والنقد عامة، والمقارن منهما بصفة خاصة؛ إذ صار النُّـزوع إلى الجمع بين مختلف التيارات والاتجاهات، وهو ما سيُسقِط كثيرا من الحواجز التي تكرِّس محدودية الدراسات والمقاربات.

المناجاة الرابعة:

يحتاج الكاتب إلى أسلوب آخر من أساليب اللغة المسرحية، يقابل الحوار ويحل محله، حين يخص الأمر تفكيرا سريا أو انتواء خطيرا، أو تعليقا ساخرا مما لا يصرح به في الحديث العادي، وهذا ما يسمى بالحديث الجانبي عموما، وقد يكون حتى بين شخصيتين في حضور شخصيات أخرى. ويكون عادة لنقل معلومات في " عبارات قصيرة على مشهد من الشخصيات الأخرى لكي يطلع المشاهد على بعض الحقائق التي لابد أن تظل تلك الشخصيات الأخرى جاهلة بها"[29]، فإذا طال ذلك الحديث إلى النفس، واستغرق وقتا مهما من المسرحية، وكانت الشخصية التي تؤديه قائمةً وحدَها على المسرح، فإنه يصير مناجاة حقيقية، ويطلق عليه أحيانا نجوى النفس.

وأسلوب المناجاة[30] يقصد منه النفاذ إلى أعماق النفس صاحبة الحديث،ومعرفة الأفكار التي تدور بخلدها. ويقوم هذا الأسلوب بخلق همزة وصل بين تفكير الشخصية والمُشاهد، فيكشف لنا الحقائق، ويُظهِر لنا ما يشعر به الشخص تجاه بعض القضايا المهمة. وهو"من أهم الوسائل التي يستعين بها المؤلف الدرامي، يستعين بذلك على التعمق بنا في المنابع الخفية لطبيعة الشخص،وعلى عرض هذه المنابع التي ينشأ عنها السلوك"[31]، وفضلا عن ذلك، فإن هذا الأسلوب يعطينا بُعدًا ثالثا للشخصية؛ لأن المشاهد يكون قد حكم، من وجهة نظره، على ما يراه من مشاهد درامية تجري عن طريق الحركة والحوار، ولكن المناجيَ نفسَه يعبّر عن مشاعره الداخلية في لحظة من اللحظات، دون رُوَاءٍ أو تزييف، وبهذا يعطي للمشاهد فرصة أفضل كي يتعمق في الشخصية أكثر، وقد حدث هذا كثيرا في مأساة هاملت خاصة مع هاملت وكلوديوس، وهي تبلغ في مجموعها سبعا.

وتعد مناجاة هاملت الرابعة "من أشهر ما عرف من نجوى النفس في المسرحيات الكبرى"[32]، وقد تخطت هذه المناجاة آفاق (هاملت) وآفاق شكسبير نفسِه، وهي التي يقول فيها[33]:

HAMLET:

To be, or not to be: that is the question:

Whether 'tis nobler in the mind to suffer

The slings and arrows of outrageous fortune

Or to take arms against a sea of troubles

And by opposing end them. To die, to sleep;

No more--and by a sleep to say we end

The heartache, and the thousand natural shocks

That flesh is heir to. 'Tis a consummation

Devoutly to be wished. To die, to sleep;

To sleep--perchance to dream: ay, there's the rub;

For in that sleep of death what dreams may come

When we have shuffled off this mortal coil,

Must give us pause. There's the respect

That makes calamity of so long life;

For who would bear the whips and scorns of time,

The' oppressor's wrong, the proud man's contumely

The pangs of despised love, the law's delay,

The insolence of office, and the spurns

That patient merit of the unworthy takes,

When he himself might his quietus make

With a bare bodkin? Who would fardels bear,

To grunt and sweat under a weary life,

But that the dread of something after death,

The undiscovered country, from whose bourn

No traveller returns, puzzles the will,

And makes us rather bear those ills we have

Than fly to others that we know not of?

Thus conscience does make cowards of us all;

And thus the native hue of resolution

Is sicklied o'er with the pale cast of thought,

And enterprise of great pitch and moment

With this regard their currents turn awry,

And lose the name of action. - Soft you now!

The fair Ophelia! Nymph, in thy orisons

Be all my sins remembere'd.

وقد ترجمها جبرا ابراهيم جبرا إلى النص التالي:

يقول هاملت:

         أ أكون أم لا أكون ؟ ذلك هو السؤال

         أمن الأنبل للنفس أن يصبر المرء على

         مقاليع الدهر اللئيم وسهامه

         أم يشهر السلاح على بحر الهموم،

         وبصدها ينهيها ؟ نموت.. ننام ..

         وما من شيء بعد.. أ نقول بهذه النومة ننهي

         لوعة القلب، وآلاف الصدمات التي

         من الطبيعة تعرض لهذا الجسد ؟ غاية

         ما أحر ما نشتهي . نموت.. ننام..

         ننام . وإذا حلمنا ؟ أجل لعمري ، هناك العقبة

         فما قد نراه في سبات الموت من رؤى،

         وقد ألقينا بفانيات التلافيف هذه عنا،

         يوقفنا للتروي.

         ذلك ما يجعل طامة من حياة طويلة كهذه.

         وإلا فمن ذا الذي يقبل صاغرا سياط الزمان ومهاناته،

         ويرضخ لظلم المستبد، ويسكت عن زراية المتغطرس،

         وأوجاع الهوى المردود على نفسه، ومماطلات القضاء

         وصلافة أولي المناصب، والازدراء الذي

         يلقاه ذو الجدارة والجلد من كل من لا خير فيه،

         لو كان في مقدوره تسديد حسابه

         بخنجر مسلول ؟ من منا يتحمل عبأه الباهظ

         لاهثا يعرق تحت وقر من الحياة،

         لولا أن الخوف من أمر قد يلي الموت،

         ذلك القطر المجهول الذي من وراء حدوده

         لا يعود مسافر، يثبط عزم الإرادة

ويجعلنا نؤثر تحمّل المكروه الذي نعرفه

على الهرب منه إلى المكروه الذي لا نعرفه ؟

ألا هكذا يجعل التأمل منا جبناء جميعا،

وما في العزم من لون أصيل يكتسي

بصفرة عليلة من التوجس والقلق.

ومشاريع الوزن والشأن ينثني

مجراها اعوجاجا بذلك،

وتفقد اسم الفعل والتنفيذ.[34]  .

إنـها أصدق تصوير لنفسية هاملت،وقد ظهرت براعة شكسبير في هذه المناجاة بما حمّلها من كشفٍ نفسيٍّ مثير،وبما اختاره من عبارات تشتد توترا وتفيض شاعرية.لقد صوّر لنا شخصية هاملت وما تعانيه حتى لَنشعر بضخامة الأمر على عقله الذي لم يحتمل، فاحتدمت في نفسه تلك الانفعالات الباطنية العنيفة المتلاطمة، وحتى إن المشاهد لَينسى طول القطعة،بل لا يضيره أن تطول أكثر ما دامت توفر تلك المتعة التي لا يمكن، في مثلها، أن يعوضها الحوار. والغريب حقا أن تلك النجوى،وهي حديث هاملت إلى نفسه، تصل من درجة سحرها وتأثيرها أن تصير حديثا إلى كل قارئ أو مشاهد يخاطب نفسَه البشرية، فيعيش عمق اللحظة التي يعيشها هاملت،وتجعل من كلٍّ مثالا لهاملت.

وقد استأثرت هذه المناجاة باهتمام كثير من الأدباء والنقاد، ومنهم من ترجمها لوحدها فلاقت رواجا،كما أشرنا، يفوق (هاملت) وشكسبير. وقد جاءت تراجمهم صيغا مختلفة لحيرة واحدة، ونخص بالذكر منهم -في أدبنا العربي- ثلاثة أعلام لهم باع كبير في الأدب والنقد، واطلاع واسع على الأدب الإنجليزي، وخبرة به لا تنكر. وهم: الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه: (ساعات بين الكتب)، والدكتور عبد القادر القط في كتابه: (من فنون الأدب -المسرحية)، والدكتور عز الدين إسماعيل في كتابه: (التفسير النفسي للأدب). هذا فضلا طبعا عن ترجمة جبرا[35].

يقول العقاد في ترجمة تلك القطعة:

نحيا أو نموت تلك هي الحيرة. لا ندري أهو أنبل منا وأكرم أن نحمل الضيم من دهر عسوف نصبر على رجومه وسهامه أم نهيب بأنفسنا إلى الثورة على ذلك الخصم الموار بالمتاعب والآلام فنستريح منها ؟… [36]

و يقول الدكتور القُط في ذلك:

أكون أولا أكون ..هذه هي القضية !

أيهما أنبل في العقل، أن أتحمل قذائف القدر الغاشم وسهامه، أو أشهر السلاح في وجه خضم من المتاعب، وبمواجهتها أضع حدا لها؟ … [37]

أما عز الدين إسماعيل فيقول:

أ كائن أنا أم غير كائن ؟ تلك هي المسألة، أي الحالتين أمثلُ بالنفس ؟ أتحمل الرجم بالمقاليع، وتلقي سهام الحظ الأنكد ؟ أم النهوض لمكافحة المصائب ولو كانت بحرا عجاجا… [38].

وهي كما نرى كلها قطع رائعة رغم اختلافها، إذ الحيرة -كما أسلفنا-واحدة؛ فلفظة (the question ) ترجمت باختلاف تام باختلاف التلقي والاستقبال؛ فقد رأى جبرا أنها السؤال الذي بمعنى الإشكال، ورأى العقاد أنها الحيرة التي هي من التردد، ورأى القط أنها القضية ويشتبه ذلك مع الإشكال، ورأى عز الدين إسماعيل أنها المسألة وهي التي تحتمل الإشكال أيضا. وهذا مما يضاف في ميزان تلقي(هاملت).

وإن كان لنا أن نبيح لأنفسنا المفاضلة بينها، فإننا نأنس ميلا إلى ترجمة العقاد؛ فنحن نراه في هذه القطعة، على قصرها، يولي اهتمامه الكبير للمعنى. فلم يستخدم لفظ الكينونة، ولكنه استخدم ما يعنيه في السياق، وهو ما يرمي إليه شكسبير. إذ المسألة مسألة حياة أو موت، وهاملت كما يتضح من كل المقاطع، يفكر في الانتحار، ولذلك رأيناه يبحث مسألة الموت وما بعده. ثم إن لغة العقاد أقرب إلى فصاحة شكسبير رغم أنه صاغها نثرا، والعذر في ذلك أن النجوى أقرب إلى الخاطرة.

الهـوامـش والإحــالات:



[1] - شكسبير، وليم: مأساة كريولانس، ت جبرا إبراهيم جبرا، ط2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،1981،مقدمة المترجم،ص5.

[2] - شكسبير، وليم: مأساة عطيل، ت جبرا إبراهيم جبرا، ط2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،1981، مقدمة المترجم، ص6.

[3] - هي الجامعة نفسها التي تخرج منها فاوست، مما يشير إلى احتمال استفادته من مارلو كما ذهب بعض النقاد.

[4] - شكسبير، وليم: هاملت متبوع بـ: عطيل، تقديم أبي العيد دودو، موفم للنشر، الجزائر، 1994، التقديم.              

[5] - نفسه.

[6] - إسماعيل، عز الدين: التفسير النفسي للأدب، ط4 ، دار العودة، بيروت، 1981، ص142.

[7] - مقال موسوم ب:هاملت ما يزال فوق القمة، هيئة التحرير:جريدة الفنون، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، أبريل2001، ص11.

[8] - نيكول، ألارديس:المسرحية العالمية ،ترجمة محمود حامد شوكت، المؤسسة المصرية العامة، ج2، ص49.

[9] - نفسه.

[10] - صليحة، نهاد: شكسبيريات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999، ص126.

[11] - الأول: ا. س. برادلي في كتابه التراجيديا الشكسبيرية، والثاني: جون دوفر ولسون: (ما الذي يحدث في هاملت).

[12] - كوت، يان: - شكسبير معاصرنا، ص 73، ت جبرا إبراهيم جبرا، ط2، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1980.

[13] - صليحة، نهاد: شكسبيريات، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1999، ص 126.

[14] - نفسه.

[15] - مقال موسوم بـ: هاملت ما يزال فوق القمة، هيئة التحرير:جريدة الفنون، مرجع سابق، ص11.

[16] - نجم، محمد يوسف: المسرحية في الأدب العربي الحديث (1847 - 1914)، ط3، دار الثقافة، بيروت، 1980، ص259.

[17] - يعد طانيوس عبده من المكثرين في الترجمة فقد ترجم 701 مسرحية غير أنه كان صاحب مدية في التشويه والحذف والتحوير.

[18] - حمروش، أحمد: - المسرح في الكواليس، ص 118 ، مؤسسة روز اليوسف، مصر، 1965.

[19] - نجم، محمد يوسف: المرجع السابق، ص 198 - 242.

[20] - تعد ترجمة سامي الجرديني من الترجمات الدقيقة النادرة في أدبنا العربي.

[21] - يقول مطران في مقدمة ترجمته: "رئي لإبراز محاسنها…ألا تترك فصولها كما هي في الأصل لأن فيها إطالة لا تواتي الزمن …و لما كانت قيمتها في الأقوال،والحكم والتحليلات النفسية التي لم يسبق شكسبير أحد إليها، وبدت فيها براعته حتى أصبحت قصة هملت أعظم وأبلغ مسرحية بالإجماع فكل ما ورد في الحوار، وهو يتضمن هذه المعاني السامية ترجم بحرفه، وبكل دقة"،انظر: هملت، ط7، دار المعارف، مصر، 1976، ص5.

[22] - نجم، محمد يوسف: المرجع السابق، ص 260 . وقد قام مطران بدمج الفصول الخمسة للمسرحية في أربعة، واختصر مشاهدها العشرين إلى أحد عشر مشهدا كما يلي: (5 إلى 5) . (2 إلى 3) . (4 إلى 1) . (2 إلى 0).

[23] - نفسه.

[24] - يعد جبرا إبراهيم جبرا من أندر المتخصصين في أدبنا العربي في ترجمة الأدب الشكسبيري، فقد ترجم خمسا من المآسي العظيمة هي هاملت، عطيل، الملك لير، مكبث، كريولانس، بالإضافة إلى ملهاة العاصفة، وهي ترجمات دقيقة أمينة زوّدها بأشهر الدراسات النقدية التي تناولتها، وقد ترجم أشهر كتب النقد الشكسبيري بترجمته كتاب: (شكسبير معاصرنا) للناقد البولوني يان كوت، وكتاب: (شكسبير والإنسان المتوحد) للناقد ديلون جانيت، وكتاب: (ما الذي يحدث في هاملت) للناقد الشكسبيري المتخصص جون دوفر ولسون الذي يعد في طبقة أساتذة جيرا؛ حيث إن جبرا درس عند زملائه الأساتذة: ستانلي بينيت وجون بينيت وجورج رايلندز (مخرج هاملت التي قدمتها جمعية مارلو الشهيرة عام 1932 )، وهذا عندما ذهب إلى جامعة كمبردج خريف 1940 لدراسة الأدب الإنجليزي.

[25] - أمكن معرفة ذلك بالإطلاع على الفهرسين، أما سلسلة المسرح العالمي فأصبحت تسمى إبداعات عالمية وما زالت تصدر إلى الآن.

[26] - انظر: نجم، محمد يوسف: المرجع السابق، ص179.

[27] - نجم، محمد يوسف: المرجع السابق، ص138.

[28] - صليحة، نهاد: مرجع سابق، ص127.

[29] - القط، عبد القادر: مرجع سابق، ص38.

[30] - يذهب الدكتور محمد مندور إلى أن المناجاة حيلة احتاجها الكلاسيكيون لتعويض أغاني الجوقة السائدة في المسرح القديم وقد سبقهم إليها شكسبير بعبقريته وإلهامه. انظر مندور، محمد: الكلاسيكية والأصول الفنية للدراما، ص72.

[31] - أمين، أحمد: النقد الأدبي، موفم للنشر، الجزائر، 1992، ص183.

[32] - القط، عبد القادر: مرجع سابق، ص36.

[33]- Shakespeare, William : Hamlet, Editions Talantikit, ?, Béjaia, 2003, p60-61.                    

[34] - شكسبير، وليم: المصدر السابق نفسه، (3 ، 1 )، ص96.

[35]- من التراجم أيضا ما قام به الأديب العراقي صلاح نيازي وقد شفعها بآرائه في الترجمات السابقة، لكن لم نحصل عليها إلا من النت ولم تتوفر في كتاب مطبوع.

[36] - العقاد، عباس محمود: - ساعات بين الكتب، المكتبة العصرية، بيروت، ؟، ص337 .

[37] - القط، عبد القادر: مرجع سابق ص36.

[38] - إسماعيل، عز الدين: التفسير النفسي للأدب، ط4، دار العودة، بيروت، 1981، ص142.