حقيقة الصراع ووهم المكاشفة بين الروائي والراوي في رواية:pdf

" سأقذف نفسي أمامك "لـ: ديهية لويز.

د.هاجر مدقن

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

ملخص

  بين إملاءات التنظيرات السردية التي تقيم برزخ الفصل بين الروائي وصنيعته (الراوي)، وبين جهودنا اليائسة أحيانا في إقناع أنفسنا بمواجهة الراوي والتنكر للروائي في استكناهنا لمكونات النص، تحدث فوضى الأصوات وتتداخل المكاشفات وتنقسم ولاءات القراءة بين أبوية الروائي وأداء الراوي، ونقع بين حقيقة صراع (داخلي/ خارجي)، ووهم المكاشفة الذي تصنعه لعبة الخفاء والتجلي بين الروائي والراوي، وهو ما يشخص لنا إشكالية وواقعا في رواية: "سأقذف نفسي أمامك" للروائية الجزائرية " ديهية لويز"، والتي تتحدث عن هذا الواقع السردي- النصي بالذات في قولها:

< عندما تتجاوز الشخصيات الروائية شخصية الراوي، كيف يمكننا أن ننظر إلى الأمر؟
شخصيا أنا سعيدة بأن تتجاوزني شخصياتي الروائية، أن تعبر عن نفسها وتفرض حضورها بعيدا عن "خالقها" إن استطعت استعمال الكلمة... هناك أصدقاء ينادونني دائما بمريم، بطلة روايتي "سأقذف نفسي أمامك'، هذا لأن مريم أكثر حضورا لديهم مني، وهذا وحده يسعدني كثيرا.>[1]

إننا هنا رهن مجموعة من التكهنات التي يطرحها هذا النوع من العلاقة، ما يدفعنا إلى ممارسة نوع من الشك في قراءتنا للرواية تمليه إيهامية المؤلف.. فنتساءل: أي وهم يزرعه الكاتب ليحصد القارئ الشكوك؟ 

Résumé:

Entre les diktats de théories narratives qui évaluent l'isthme de séparation entre le romancier et sa création ( le narrateur), et entre nos efforts désespérés parfois à nous convaincre affronter le narrateur et dénier le romancier en essayant d’imaginer les composantes du texte, le lecteur se retrouve incapable de faire un choix comme il est perdu entre la paternité du romancier et la compétence du narrateur ; ce qui le mène a un conflit ( interne / externe), et l'illusion de l'ouverture, faite par la Transfiguration entre le romancier et le narrateur, ce qui diagnostique une problématique et une réalité dans le roman: "Je me jetterai en face de toi," par la romancière algérienne « Diah Louise» qui a commencé à parler de cette réalité narrative en disant plus précisément:

Lorsque les personnages du romancier dépassent le caractère de narrateur, comment pouvons-nous percevoir les choses?

Personnellement, je suis heureuse que mes personnages romanciers me dépassent, qu’ils s’imposent et s’expriment loin de leurs "Créateur", si je peux me permettre d’utiliser ce terme ... Il ya des amis qui me nomment  toujours Mariem, l'héroïne de mon roman « je me jetterai en face de toi», c'est parce que Mariem est plus présente dans leur tète que moi, et cela me rendait très heureuse

Nous sommes ici dans une spéculation imposé par ce type de relation, ce qui nous motive à exercer une sorte de suspicion dans notre lecture du roman dicté par l’illusion de l’auteur ... et on se pose la question: quelle illusion sème l’ écrivain afin que les lecteurs récoltent les doutes ?

الذات الراوية/ الروائية في الخطاب الروائي:

إن طبيعة العلاقة بين صانع النص الروائي وشخصياته- على أوجهها المتعددة التي تمليها طبيعة الرواية في حد ذاتها - تتسم بشئ من الجدلية التي تغذيها حقيقة/ أو لاحقيقة تواجده في صلب روايته، فقد < ظلت العلاقة بين أحداث السيرة الذاتية للروائي وأحداث روايته من أكثر وأشد المناطق التشكيلية الأجناسية التباسا في تلقي هذا الفن الغزير على مستوى إنتاجه وتداوله، فالكثير من الدارسين والنقاد والمشتغلين في حقل السرد يعتقد أن سيرة الروائي لابد أ تدخل في عمله الروائي بأشكال وسبل ورؤى وفضاءات مختلفة ومتباينة؛ إذ ليس بوسعه وهو يصوغ عالما روائيا مفتوحا من الأزمنة والأمكنة والأحداث والشخصيات والمواقف والمشاهد واللقطات، أن يتجاوز تجربته السير ذاتية، ويكتب كل ذلك من خارج ذاته ورؤيته وحياته وموقفه الذاتي الشخصي من العالم والأشياء >.[2]

هذا التداخل بين ما يكتبه الروائي وبين حياته وموقفه الذاتي مما حوله هو ما يلقي بظلاله على واقع قراءة الذات في الرواية، أو الذات البطلة، وهو ما يدخلها في نفق من التسميات والسمات التي تتفاوت درجات تشخيصها والحكم عليها.

ذات المؤلف/ الشخصية البطلة بين الحقيقة والمغالطة:

  تقع رواية ضمير المتكلم في منطقة شائكة التصنيف بين رواية السيرة الذاتية (السير ذاتية) والرواية العادية التي لا تتعدى عرضا يتبناه صوت / سارد واحد، يكون في الغالب هو الشخصية البطلة، وهذا التصنيف الشائك يوقعنا إما في دائرة "الراوي الجامع" < بوصفه راويا ذاتيا متفردا ومهيمنا على أكثر من صعيد، فهو ينتمي أولا- ضمن مرجعية سير ذاتية يؤكدها الميثاق السير ذاتي- إلى منطقة المؤلف، ويهيمن ثانيا على مقدرات السرد الميداني المحتشد في القصة ويوجه ميكانيزماته بحسب رؤيته ومقولته القصصية، ويشتغل كأداة حكائية فاعلةفي كينونة التشكيل السردي. ويحرس بعد ذلك بقية الشخصيات المرتبطة به –عبر أبعاد ومسافات مختلفة – ارتباطا مصيريا، ويحيط بها ويرعاها، ويوزع الأدوار عليها، على النحو الذي يبدو وكأن ظلاله الطاغية – بطبقاتها المتعددة والمتداخلة – تنتشر على مساحة القص وما حولها ( ما قبل النص وفي أثنائه وما بعده )، وتفرض أنموذجها النوعي على مناخ الخطاب كليا، بحيث تتشكل صفة (الجامع) المحيطة الضامة باستثمار قوة التشكيل والحضور والفعل والهيمنة والتسلط في كل مستويات السرد ومجرياته، وبكل محطاته وطبقاته >.[3]  

أو في دائرة "البطل الإشكالي" < الذي يقوم ببحث منحط، أو شيطاني بتعبير لوكاش، عن قيم أصيلة في عالم منحط >.[4]

وهذا وإن أوهم القارئ بجانب من وجه الحقيقة، إلا أنه يكشف له جانب المغالطة من جهة أخرى، وهي   < المتعلقة بمفهوم الشخصية، فقد جاءتنا من التقليد النقدي القديم الذي عودنا على النظر إلى الشخصية كما لو كانت خلاصة من التجارب المعاشة أو المنعكسة، أي مزيجا من افتراضات المؤلف. وهذا الفهم هو الذي أدى في كثير من الأحيان بالقراء والنقاد إلى المطابقة بين المؤلف والشخصية التخيلية خصوصا في روايات ضمير المتكلم، وقد سبق وأن لاحظ بلزاك ذلك في مقدمة روايته "Lys dans la valle" حين أكد أنه في عدة مقاطع من العمل الروائي يجعل الروائي الشخصية تحكي باسمه... ولكن استقلال ضمير المتكلم ليس من دون خطر على المؤلف فهناك كثير من الناس يحلو لهم جعل الكاتب مشاركا في الأحاسيس التي يلحقها بشخصياته، وإذا حدث واستعمل المؤلف ضمير المتكلم فإن كل الناس تقريبا سيسعون إلى الخلط بين المؤلف والراوي >.[5] لهذا نجد الكاتبة تسارع في أحد تعليقاتها على صفحتها في الفايسبوك إلى قطع الطريق أمام هذه الأسئلة، أو إلى تأجيجها في مكاشفة (ملغومة) – إن جاز لنا القول – قائلة:

< عندما تتجاوز الشخصيات الروائية شخصية الراوي، كيف يمكننا أن ننظر إلى الأمر؟ شخصيا أنا سعيدة بأن تتجاوزني شخصياتي الروائية، أن تعبر عن نفسها وتفرض حضورها بعيدا عن "خالقها" إن استطعت استعمال الكلمة... هناك أصدقاء ينادونني دائما بمريم، بطلة روايتي "سأقذف نفسي أمامك"، هذا لأن مريم أكثر حضورا لديهم مني، وهذا وحده يسعدني كثيرا >.[6]

لكننا وقد حضر مصطلح التجاوز هنا نتساءل:

-هل حقا تجاوزت الشخصية الروائية الكاتبةَ هنا؟ أم اختزلتها؟ أم احتوتها؟

إن حضور الكاتبة في شخصيتها "مريم"، وتجاوز "مريم" لصانعتها باختزالها فيها؛ لهو صراع ولعبة مكاشفة لا تظهر أطرافه عيانا، لكنها صخب أسئلة، وعتبة واحدة لمداخل عديدة.

لهذا يحضر السؤال التالي بإلحاح – والحال هذه -:

لماذا علينا أن نطمئن كثيرا إلى الضرورة السردية التي تقضي بفصل الروائي عن نصوصه وشخوص هذه النصوص؟

جدل الراوي/الروائي والقراءة الساذجة:

" إذا كنت تصدق كل ما تقرأ فالأفضل أن لا تقرأ أبدا ". هكذا تقول هذه العبارة الشهيرة لأحد الكتاب المشاهير(أنيس منصور). التوجه نحو تصديق المكتوب الروائي أو عدمه يجر عملية القراءة وتأويل المقروء نحو جدل الخفاء والتجلي الذي تمارسه شخصية الراوي في رسمها لملامح وأقدار شخوصها لاسيما الشخصية الساردة، لكن يبقى الربط بينهما سذاجة؛ < فغني عن البيان أن الشخصية الروائية ليست هي المؤلف الواقعي لسبب بسيط هو أن الشخصية محض خيال يبدعه المؤلف لغاية فنية محددة يسعى إليها. وتؤدي القراءة الساذجة، من جانبها إلى سوء التأويل ذاك حين تخلط بين الشخصيات التخيلية والأشخاص الأحياء أو تطابق بينهما. وهكذا ننسى، كما يقول تودوروف، أن قضية الشخصية هي قبل كل شئ قضية لسانية. فالشخصيات لا وجود لها خارج الكلمات لأنها ليست سوى "كائنات من ورق"، ومع ذلك فإن رفض وجود أية علاقة بين الشخصية والشخص يصبح أمرا لا معنى له: وذلك أن الشخصيات تمثل الأشخاص فعلا ولكن ذلك يتم طبقا لصياغات خاصة بالتخيل. وعلى هذا النحو يمكن القول بأن الشخصية الروائية ليست سوى مجموعة من الكلمات، لا أقل ولا أكثر، أي شيئا اتفاقيا أو "خديعة أدبية" يستعملها الروائي عندما يخلق شخصية ويكسبها قدرة إيحائية كبيرة بهذا القدر أو ذاك >.[7]

وقد يقابل مصطلحَ "الخديعة الأدبية" ذا البعد الإيحائيمصطلحُ "التقنية" الذي أطلقه "بوث" في إشارته إلى زاوية الرؤية: < هي مسألة تقنية ووسيلة من الوسائل لبلوغ غايات طموحة >.[8] والغاية الطموحة تعبِّر عن تجاوز معين لما هو كائن، أو تعبر عما هو في إمكان الكاتب.[9] وقد يقابله مصطلح أكثر تقنية وإغراقا في التنظير البنيوي المعاصر، وهو مصطلح "الدليل" وإن كان أكثر ارتباطا بالشخصية الحكائية.

الشخصية كدليل والتعدد القرائي:

  لا تكتمل ملامح الشخصية إلا بانتهاء النص، ومع ذلك فملامحها تتعدد بتعدد القراء واختلاف تحليلاتهم وتعدد مصادرهم الإخبارية.* ومن هنا تتبين وجهة نظر التحليل البنائي المعاصر للشخصية على أنها < بمثابة دليل (Signe)له وجهان أحدهما دال (Signifiant)، والآخر مدلول (Signifié)، وهي تتميز عن الدليل اللغوي اللساني من حيث إنها ليست جاهزة سلفا، ولكنها تحول إلى دليل فقط ساعة بنائها في النص، في حين أن الدليل اللغوي له وجود جاهز من قبل، باستثناء الحالة التي يكون فيها منزاحا عن معناه الأصلي كما هو الشأن في الاستعمال البلاغي مثلا. وتكون الشخصية بمثابة دال من حيث أنها تتخذ عدة أسماء أو صفات تلخص هويتها. أما الشخصية كمدلول، فهي مجموع ما يقال عنها بواسطة جمل متفرقة في النص أو بواسطة تصريحاتها، ولأقوالها، وسلوكها. وهكذا فإن صورتها لا تكتمل إلا عندما يكون النص الحكائي قد بلغ نهايته، ولم يعد هناك شئ يقال في الموضوع >.[10] والمُلاحِظ للسرد السير ذاتي، يجد أن هذه الثنائية تكاد تكون الوجه الأبرز والسائد لنموذج الشخصية الرئيسة خاصة، ولعل هذا ما يفتح قوس الهوية في السرد السير ذاتي ولا يغلقه، فهذا النوع الروائي الذي نستطيع أن نطلق عليه كذلك تسمية " أدب الاعتراف "، < يقترن بالهوية، سواء أكانت هوية فردية أو جماعية، فلا يمكن انتزاع الكاتب من الحاضنة الاجتماعية والثقافية التي يشتبك بها؛ ذلك أن أدبه يقوم بمهمة تمثيلها، وبيان موقعه فيها، فلا يطرح موضوع الهوية في السرد والاعتراف بها، إلا على خلفية مركبة من الأسئلة الشخصية والجماعية، وتبادل المواقع فيما بينهما؛ فالكاتب منبثق من سياق ثقافي، وتجد الإشكاليات المثارة كافة في مجتمعه درجة من الحضور في مدونته السردية >.[11] لهذا يصطنع الروائي في رواياته الشبيهة منطقة ساخنة يتأجج فيها صراع حقيقي يأبى أن يخفيه كاملا وأن يكشفه كاملا، فيخلق هامشا واسعا للمراوغة والمكاشفة، ينطلق فيه من أسئلة منبعها الذات ووسيلتها الراوي أو السارد، وهو ما تواجهنا به الكاتبة على لسان "مريم" (هي) في مخيال القارئ، مريم الدليل الذي يرصف لَبِنَاته أسئلةً مسترسلة، متراكمة، متلاحقة، تبحث لها عن ملامح تسمها، وقوالب تشكل ماءها المنصب شلال غضب وثورة وقهر وحيرة:

-        ما جدوى البقاء في حياة ليست لنا أية سلطة عليها؟

-   لماذا نتمسك بكل هذا الخراب الذي يستوطن بداخلنا أعواما طويلة ويتراكم مع كل يوم يمضي؟ كيف أفسر علاقتي بالوجود؟ هذا إن كنت موجودة أصلا!

طبعا.. ما معنى وجود بلا معنى؟ وجود وكفى؟ ألا يساوي هذا الوجود في النهاية العدم؟

لم أتصور أني سأبدأ الكتابة بهذه الأسئلة الصعبة والمقلقة في الآن ذاته، لكن لا بد من طرحها؛ فعلي أن أجد جوابا يقنعني، أو يرضيني لأستمر. لكن أستمر في ماذا؟ في الوجود وكفى؟![12]

أسئلة وجودية، بل هو سؤال الهوية متفردا منفردا فرديا مفتتا في الجماعة، سرعان ما ينفلت من قبضة الذات إلى كف الوطن، الجميع، العنوان الكبير الذي قد تنسحق تحته الفردية أو قد تتشكل، والذي قد تنفلت من تحته عنوانا ذاتيا هاربا، أو قد تعود عنوانا مكملا مكتملا به < .. بل في الحياة، إن تمكنت من عبر هذا المتنفس الجديد الذي اكتشفته للتو (ألا وهو الكتابة) من حل هذا اللغز المحير لمعضلة وجودي، أو بالأحرى إثبات هذا الوجود بأية طريقة؛ علني بعد ذلك أتمكن من الخروج من هذه القوقعة الداخلية العميقة التي أدخلني فيها هذا الوطن بخيباته المتكررة، وأمراضه المستعصية.

أكيد.. لا بد من إيجاد مسؤول عن هذه الفوضى التي تعيش بداخلي أو أعيش وسطها، لا أدري أي منهما الأصح ولا يهم كثيرا. لا بد أن ألقي اللوم على الوطن، على الآخرين، على اللعنة التي أصابتني من القدر من يوم قرر أن يتفنن في رسم لوحته الكئيبة على حياتي. >[13]

وهو كذلك سؤال هوية داخلية منكفئة، مرتابة، متخوفة من المناطق المظلمة التي تنزوي في طياتها عقدة الصراع وحله ووهمه، وجه الحقيقة وقفاها، مرآة الحقيقة والمغالطة معا < لكن سؤالا آخر يلح علي في هذه اللحظة: لماذا أكتب؟ ألا يمكن للكتابة أن تورطني أكثر في الدهاليز الخفية بداخلي، وتحملني إلى تلك المتاهات المعقدة أين لا عودة منها ولا شفاء يرجى؟!>[14]   

 في هذه الأسئلة تتخبط مريم الساردة في ديهية الكاتبة.. تتستر الكاتبة تحت عباءة مريم، ربما اتقاء شبهة الاعتراف كما يطلق عليها "عبد الله إبراهيم" < لكن أدب الاعتراف محط شبهة وموضوع ارتياب؛ لأن الجمهور لم يتمرس في قبول الحقائق السردية والواقعية، فيرى في جرأة الكاتب على كشف المستور سلوكا غير مقبول، وإفراطا في فضح المجهول. >[15]، وربما الأمر أكبر من هذا وأخطر؛ < فالاعتراف محاط بكثير من ضروب الحذر في مجتمعات تقليدية تتخيل أنها بلا أخطاء، فتبالغ في ذكر نعم الله عليها، وكأنها هبات خُصَّت بها دون سواها، وتتحاشى ذكر عيوبها، وتتوهم أنها تطهرت من الآثام التي واظبت على اقترافها مجتمعات أخرى>.[16] فكيف إذا كان المعترف امرأة، أنثى؟؟!!

سرد الأنثى/ الروائية/ الراوية:

< إن الكتابة الأنثوية تعكس الطبيعة الداخلية للمرأة، وهكذا يصبح النص والبطلة والأنثى فيه امتدادا نرجسيا للمؤلفة >.[17] هكذا تشخص "سعاد المانع" علاقة المرأة بما تكتب، انصهار مع واقع خارجي/ داخلي، وامتزاج حتى التماهي بالأسئلة الكبرى والقضايا العويصة، المريرة، الواقع بكل تكشفاته.. ولعل هذا التشخيص هو الذي يملي شروط الكتابة النسوية كما تظهر هنا:

1-    التحيز للأنثى عوض التحيز للآخر وهو الشئ السائد في الرواية غير النسوية.

2-     تقديم صورة نزيهة ومجردة للمرأة على وفق الدور الذي تنهض به في الحياة اليومية.

3-     نبذ الصورة النمطية السائدة للمرأة من حيث هي عاجزة ولا تعنى بغير التافه والمبتذل والعاطفي.

4-   إبداء روح الثورة والتمرد والإفصاح عما يلحق بالمرأة من غبن عن طريق الأب والأخ والأسرة والعائلة وأخيرا المجتمع بتقاليده وعاداته الموروثة ومعنقداته التي تقلل من شأنها، سواء باعتبارها ندا مساويا للآخر، أو باعتبارها كيانا حرا له من المطالب والحقوق ما للآخر من مطالب وحقوق.

5-     التركيز على الدور الذي تستطيع أن تضطلع به المرأة إذا أعطيت الفرصة الضرورية المناسبة لذلك.[18]

إن قراءة متعمقة وجادة لرواية " سأقذف نفسي أمامك "، تضعنا أمام كثير من الوقائع والمساءلات التي نسجتها يد الواقع، وتفننت في تشكيلها وهندستها بما يجعلها طرحا متشعبا يمكن أن تختصره أهم أسئلة الكاتبة/ الساردة، وتحولاتها في النص، وتفاعلها مع ما اختارته تارة، ومع ما أملي عليها غالبا.

مريم المتكلمة البطلة.. المعايشة لمواجع وطنها وسطوة قيمه وقمعه: < أجلس على نافذة غرفتي المطلة على جبال جرجرة الشامخة، أرتشف قهوتي المرة مثل عادتي القديمة، منذ قررت قتل ما يمثل بالنسبة للآخرين خطوطا حمراءليس على الفتاة تجاوزها.. فلم يعد يهمني شئ، لا يهمني سوى مطاردة السكينة والهدوء؛ علَّ قلبي يمتلئ بالحياة من جديد >[19]، لتنتفض من شرنقة الصمت وتنساب لتملأ بما تسرد دوائر مفرغة، مبهمة، تاريخ يبدأ من المرأة إلى الوطن ليعود إلى المرأة من بوابة الوطن أيضا:

-    < لكن هذا الوطن عودنا أن لا يقدم توضيحات عن الجنون الذي يصيبه كل مرة، منذ أن طردنا المستعمر، ما يزال يتخبط في أنفاق من الغموض وعلامات الاستفهام التي تنتشر في أرجائه مثل الأوبئة.. >.[20]

-   < منذ متى تشاركين في المظاهرات، وسط العشرات من الشبان؟ (...) منذ أن قتلوا شابا في ربيع عمره، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تقديم سبب واحد يمنحهم الحق في تحديد حياته عند تسعة عشر عاما.. منذ أن أصبح التعالي على البسطاء اللعبة المفضلة لدى هذه الجرذان التي تحتمي بزيها الأخضر، لتفرض قوانينها كما تشاء ومتى تشاء، دون أن يتمكن أحد من التفوه بشئ، ... >.[21]

-        < وما شأنك أنت بكل هذه السياسة والتفلسف في أمور تتجاوزك وتتجاوز غيرك؟

-    لو أن كمال كان ابنك، ما كنت لتقولي هذا.. لو كان كمال أو غيره من الذين أطفئوهم إلى الأبد فلذة كبدك، ما كنت لتقولي إن الأمر لا يعنيني أو يتجاوزني.. هذه هي الهفوة التي نرتكبها، نحاول التستر بالصمت الجبان، ونقول إن الأمر لا يعنينا.. لذلك ما زلنا نتخبط في العالم الثالث.. مازلنا نرى الظلم يتغدى ويتعشى بينناولا نحرك ساكنا.. ما زلنا نرى الجثث تسقط أمامنا وكان شيئا لم يكن،وكأن هذه الدماء ليست دماء جزائرية تسيل دون أن نعرف السبب، ولا من وراء هذا الخراب.. لو أنك كنت للحظة واحدة مكان أولئك الأمهات اللواتي يرثين أبناءهن لكنت الأولى في تلك الصفوف، تطلبين ثأر ابنك..>.[22]

-    < تؤرقني هذه الذاكرة اللعينة، تعيد إلي الحلم الجميل الذي كنت أحمله مع غيري في أننا يمكن أن نصنع التاريخ بأحرف من ذهب، لكننا رسمناه بالدم، ومع ذلك رُفضنا في قاموس الشهداء.. مع ذلك تنكر الوطن لدم أبنائه، وتنكر لنا التاريخ بالصمت الجبان و.. بالنسيان.. >.[23]

تبني مريم قصتها على تيمة واحدة: الربيع.

-   الربيع المنتظر.. ربيع الخيبة: < كيف يمكن للربيع أن يغير من حلته هكذا، ويتحول من أجمل الفصول إلى بركان مدمر لا يخلف وراءه سوى الرماد؟ أن يتغير من ظاهرة طبيعية إلى ظاهرة بشرية بأسوأ كوارثها الممكنة؟ هكذا كان ذلك الربيع الذي بدأ في 2001 ولم يدم ثلاثة أشهر، لكنه قرن حسب التقويم الزمني للدمار.. >.[24]

-   الربيع الأسود.. ربيع الدم: < من كان ليعرف في ربيع 2001 أن الأحلام لا تتحقق؟ أن الموت قريب كل هذا القررب إلى حد أن لا نعرف الحي فينا من الميت؟ من كان ليستوعب شيئا مما حدث في الوقت المناسب حتى لا ينجر وراء الخطأ؟ من كان ليفهم أن المعارك لا تجلب سوى المزيد من الألم؟ لكن لا أحد كان يعرف، لذلك أصبح الربيع شتاءً قاتما يمطر دما! >.[25]

إن تيمة الربيع المتكررة في الرواية لهي واقع حقيقي مرير عاشته منطقة القبائل الأمازيغية في الجزائر، واقع تنتمي إليه الروائية وتسرده بحرقة متناهية الراوية. ومن هذه التيمة اليقظة النابضة في النص تتناسل تيمات الموت والحياة، اليأس والأمل:

 عمر: الحبيب، الزوج، الثائر، المتفرد، الأمل الضائع، حلم الوطن المغتال: < كان عمر وحده يعرف أن ذلك الربيع سيكون أكثر سوادا من ليالي الشتاء.. وحده كان يقول إننا على وشك الدخول في مرحلة صعبة، لن نخرج منها إذا لم نعرف كيف نتخلص من تلك الجهات التي تتحكم فينا لقضاء مصالحها، كان يقول إن في هذا الوطن لا يحدث شئ بالصدفة، هناك دائما من يقف وراء الأحداث، هناك من يصنعها للوصول إلى هدفه مهما كانت الوسائل والطرق.. >.[26]

< كان وحده الرجل الذي يفكر ضد التيار.. له آراء مختلفة دائما؛ لأنه يرفض أن يكون مثل غيره.. وكان ذلك ما يجعل منه رجلا شهيا حدّ العشق>.[27]

< هاهو هذا الوطن الذي كان يؤمن به حد الهذيان، يغدر به بطريقة بشعة ويرميه أمام النفايات، يدعه يموت في صمت غير آبه بشئ، تاتيه الرصاصة التي تضع حدا لأحلامه في هذه الأرض التي لا ترتوي إلا من دماء أبنائها. كيف لي أن أؤمن بكلماتك المتفائلة عنه بعد أن أخرس صوتك وقلمك إلى الأبد؟!>.[28]

وعمر الابن، الأمل القادم، المستقبل الوطن الواعد، السبب الوحيد للحياة: < ..، إنه كنزي الوحيد المتبقي من خراب حياتي، الهدية الأخيرة لزوج سرقه الموت مني.. ابني الذي لم أعد أريد غيره سببا كافيا لأستمر في الحياة، وأناديه من جديد عمر على اسم والده، ..>.[29]

  قد يكون انهيار جزء من التاريخ والقناعات والأحلام سببا للسقوط، نار تأتي على كل أمل أو وهم، كما قد يكون هو نفسه انبعاثة فينق مازال يرى بصيصا يبقيه.. لكن ماذا لو انهار التاريخ كله؛ ليكشف أن الأب ما كان سوى زوج أمٍّ.. فتبررت محاولة اغتصابه لها، وصار لأزماتها وتحولات حياتها وتمردها ووعيها المبكر منطق معقول.. ولتكتشف فجأة أنها ابنة التاريخ نفسه.. ابنة أحد أبطالها وكتابها المفضلين المنفيين والمناضلين في الخارج..  اكتشاف تأرخ بموته وخبر ينعيه على صفحة جريدة في يد أمها المأزومة..

  انهيار جعل من فكرة الموت انتحارا حلا، مهربا وخيارا أخيرا، تحديا أمام الاستسلام لواقع أمرّ..  

   <... أتوقف عند حافة الطريق على بعد خطوة واحدة منه، أتذكر كلمات فرجينيا وولف: "سأقذف بنفسي أمامك غير مقهورة أيها الموت، ولن أستسلم". وأتساءل: ماذا لو ألقيت بنفسي وسط هذا الطريق وتعثر جسدي بين عجلات السيارات؟ >.[30] ماذا لو تعثر الموت إذن؟

نهاية مفتوحة بسؤال.. كبداية جاءت مفتوحة بأكثر من سؤال..

  إن الصراع الذي صنعته حقائق النص والواقع وكذا أوهام المكاشفة لهو في الأخير ما يجعل من مريم البطلة/ الظل/ الراوية/ الروائية صورة للجزائر، لجزء من الجزائر الجريحة والربيعية، في مصيرها الذي يرفع قدمه ليثب إلى مستقبل لا يعلم ما سيكون عليه واقعه.

مريم الفتاة الجزائرية الأمازيغية الثائرة ضد واقع المجتمع والوطن، الفتاة الطامحة، الناجية، المنبعثة من أتون ملتهب، غائرة الجرح، متعبة النفس، تمتزج فيها مكونات وطن ومجتمع بعاداته وثقافته وتناقضاته وقهره وتقلباته وانهياراته وطوارئه.

مريم غرفة واسعة مؤثثة بأرفف فارغة، ضع عليها ما شئت فهو هي.

مراجع البحث:

ديهية لويز، سأقذف نفسي أمامك (رواية)، منشورات الاختلاف، الجزائر، منشورات ضفاف، بيروت، ط1، 2013.

محمد صابر عبيد، التشكيل السردي، المصطلح والإجراء، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، العراق، دط، 2011. 

حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، الفضاء، الزمن، الشخصية، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، ط2، 2009.

حميد لحمداني، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، ط3، 2000.

عبد الله إبراهيم، السرد، والاعتراف، والهوية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لبنان، ط1، 2011.

سعيد يقطين، قضايا الرواية العربية الجديدة، الوجود والحدود، منشورات الاختلاف، الجزائر، والدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، ط1، 2012.

[1]  إبراهيم خليل، بنية النص الروائي، منشورات الاختلاف، الجزائر، والدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، ط1، 2010.



[1]يوم 29/12/2013.. صفحة الفيسبوك: https://www.facebook.com/lamia.coco.52

[2] محمد صابر عبيد، التشكيل السردي، المصطلح والإجراء، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، العراق، دط، 2011، ص: 109.

[3]  نفسه، ص: 63.

[4]  حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي، الفضاء، الزمن، الشخصية، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، ط2، 2009م، ص: 209.

[5]  حسن بحراوي، السابق، ص: 212.

[6]  يوم 29/12/2013.. صفحة الفيسبوك: https://www.facebook.com/lamia.coco.52

[7]  حسن بحراوي، نفسه، ص: 213.

[8]  حميد لحمداني، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، ط3، 2000م، ص: 46.

[9]  نفسه، ص: 46.

*  ما يخبر به الراوي، ما تخبر به الشخصيات ذاتها، ما يستنتجه القارئ من أخبار عن طريق سلوك الشخصيات، حميد لحمداني، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، ص: 51.

[10]   حميد لحمداني، بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، ص: 51.

[11]   عبد الله إبراهيم، السرد، والاعتراف، والهوية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لبنان، ط1، 2011، ص:05.

[12]   ديهية لويز، سأقذف نفسي أمامك (رواية)، منشورات الاختلاف، الجزائر، منشورات ضفاف، بيروت، ط1، 2013، ص: 5. 

[13]   الرواية، ص: 5.

[14] الرواية، ص: 6.

[15]  عبد الله إبراهيم، السرد، والاعتراف، والهوية، ص: 5.

[16]  نفسه، ص: 5.

[17]  سعيد يقطين، قضايا الرواية العربية الجديدة، الوجود والحدود، منشورات الاختلاف، الجزائر، والدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، ط1، 2012، ص: 207.

[18]  إبراهيم خليل، بنية النص الروائي، منشورات الاختلاف، الجزائر، والدار العربية للعلوم ناشرون، لبنان، ط1، 2010، ص ص: 290، 291. 

[19] الرواية، ص: 46.

[20]  الرواية، ص: 47.

[21]  الرواية، ص ص: 48، 49.

[22]  الرواية، ص ص: 49، 50.

[23]  الرواية، ص: 51.

[24]  الرواية، ص ص: 52، 53.

[25]  الرواية، ص: 52.

[26]الرواية، ص: 53.

[27]  الرواية، ص: 53.

[28]  الرواية، ص:119.

[29]  الرواية، ص: 122.

[30]  الرواية، ص: 144.