حجاج التمثيل في النحو العربي من خلال كتاب سيبويه
pdf

 (دراسة نقدية)

 

 

د.عمارية حاكم

جامعة الدكتور مولاي الطاهر سعيدة )الجزئر )

الملخص:

التمثيل هو نوع من الحجاج نعني به التشبيه بكل أنواعه، والاستعارة بكل أنواعها، وهذا النوع من الحجاج هو الأنسب للتواصل اللغوي وللمتلقي، وحجاج التمثيل نوعان حجاج عقلي، وحجاج تمثيلي يقول طه عبد الرحمن :" لا يخفى على ذي بصيرة أن نموذج الحجاج هو قياس التمثيل، إذ المعروف انه هو الاستدلال الذي يختص بالخطاب الطبيعي في مقابل البرهان الذي هو الاستدلال الذي يختص بالقول الصناعي." ولقد حدده العلماء والفقهاء الذين تعاملوا مع الخطاب القرآني بأنه: "إثبات حكم واحد جزئي لثبوته في جزئي آخر، لمعنى مشترك بينهما، والفقهاء يسمونه قياسا ...". أما وظيفته فقد حددها ابن وهب بقوله: " أما الحكماء والأدباء، فلا يزالون يضربون الأمثال، ويبينون للناس تصرف الأفعال بالنظائر والأشباه والاشكال... والمثل مقرون بالحجة" وسعيا من سيبويه لتفادي كل لبس أو غموض قد يصيب التراكيب اللغوية المستعملة في كلام العرب من قبل غير العربي، وتوضيحا للمعاني النحوية لبعض التراكيب، استخدم في مواضع متفرقة من كتابه عبارات كثيرة كقوله: "تمثيل ولا يتكلم به"، " ولكن أردت ان أمثل لك"، " تمثيل وإن كان لا يستعمل في الكلام" وكلها لا تخلوا من الجذر المعجمي (م، ث، ل) الذي هو الأساس في كل عباراته التي يمثل لكل واحد منها.

وضمن ما جاء في كتاب سيبويه من أمثلته التي كانت تمهيدا لظهور أصول بلاغية تمثلها عن وعي البلاغيون الذين جاؤوا بعده، كعبد القاهر الجرجاني والجاحظ وابن جني  وغيرهم.

سأعالج في ورقتي البحثية حجاج التمثيل في النحو العربي كونه المقوم الأساس للغة التي تكتب بها كل الآداب ومعظم الفنون في كل مجالات الحياة، لأوضح الأسباب التي جعلت سيبويه يستخدم التمثيل استخداما واسعا وربطه بالمعنى، ولأبين كذلك قيمة التمثيل ووظيفته قديما وحديثا.

Résumé

La représentation est une sorte de pèlerins que nous entendons par l'analogie de toutes sortes, et la métaphore de toutes sortes, et ce genre de pèlerins est la langue la plus appropriée pour communiquer et le destinataire, et la représentation des pèlerins sont deux pèlerins mentale, et les pèlerins représentant Taha Abdul Rahman dit: "Il n'y a pas de secret avec la vision que le modèle des pèlerins est une mesure de représentation , il est connu comme heuristiques, qui gère le discours normale en échange d'une preuve de ce qui est l'inférence, qui gère dicton industrielle. " Les scientifiques et les chercheurs qui ont traité avec le discours coranique définie comme: "de prouver une seule disposition en partie à être prouvé dans la dernière partie, de la signification d'un joint entre eux, et que les chercheurs appellent analogie ...". Le travail a été identifié par le fils du don, en disant: "Les sages, hommes de lettres, pas toujours en fouettant proverbes, et la consistance du peuple

comportés actes isotopes et goûts et formes ... et les idéaux couplés avec l'argument" à la poursuite de Sibawayh d'éviter toute ambiguïté susceptible d'affecter les structures linguistiques utilisées dans la langue des Arabes par non-arabe, et la clarification des significations de grammaire certaines compositions, utilisés dans différents endroits dans le livre sont nombreuses expressions comme disant: "la représentation ne parle pas», «mais je voulais vous représenter», «représentation si elle ne pas utiliser les mots« qui sont tous pas renoncé à la racine lexicale ( m, W, L), qui est la base de tous les mots qui représentent chacune et chacun d'entre eux.

Dans le cadre de ce qui est venu dans le livre des exemples Sibawayh de ce qui était un prélude à l'émergence d'un actif rhétoriques représentés consciemment Albulagjun qui sont venus après lui, un esclave omnipotent Jerjani et le thon obèse et de récolter les fils et autres.

Je vais aborder dans les documents de recherche pèlerins représentation dans la grammaire arabe étant libellés base de la langue que vous écrivez sur toute la littérature et la plupart des arts dans tous les domaines de la vie, afin d'expliquer les raisons pour lesquelles Sibawayh utilise la représentation largement utilisé et lié dans le sens, et d'Abyan ainsi que la représentation de la valeur et de la fonction d'ancien et de moderne.

مقدمة:

سعياً مني لإثراء هذا الملتقى، وحباً مني لإحياء تراثنا العربي الأصيل، ارتأيت أن أعالج في ورقتي البحثية جانباً رأيت أنه مهمل، أو لم يأخذ حظه الأوفر من الدراسات اللغوية والنقدية الحديثة كما هو الشأن بالنسبة للرواية والشعر، ألا وهو جانب النحو العربي الذي قام الباحثون بتفكيك أبوابه وشواهده؛ إذ منهم من اهتم بقواعده وضبط أحكامه، ومنهم من شرح شواهده الشعرية، ومنهم من درس منهجه في الاحتجاج بالقراءات القرآنية والاحتجاج لها، ومنهم من تعرض لأصوله ومصادر مادته، حيث أجمع كثير منهم على أن مادة النحو العربي مادة جامدة وثابتة اعتماداً على ثبوت قواعده، والالتزام بأحكامه التي تحكم سلامة اللغة العربية وفصاحتها.

وتثبيتاً مني على اتفاق نظريات لغوية ونقدية حديثة مع ما جاء في كتاب سيبويه، فنظريات التواصل، ونظريات الحجاج، والنظرية التداولية واللسانيات الاجتماعية، ونظريات أخرى لا يسمح المقام لذكرها كلها، فضلت أن أعالج حجاج التمثيل في النحو العربي من خلال كتاب سيبويه وهو حجاج من بين أنواع شتى من الحجج الواردة في الكتاب، فما مفهوم الحجاج أولاًَ؟ وما مفهوم التمثيل ثانياً؟ وما وظيفة التمثيل في الدراسات اللغوية وعلى رأسها النحو العربي؟

مفهوم الحجاج:

لا أحد يجادل في أننا نعيش عصر التواصل والحجاج، في عالم مشرع على أصناف الدعاوى والحجج، "بحيث غدت الحجة والمعلومة عصب حياة المجتمعات المعاصرة في مجالات الإشهار، والدعاية، والقضاء، والسينما، والبيداغوجيا، والإيديولوجيا، والسيكولوجيا، واللائحة طويلة تصل إلى تواصل العامة، بل إن التواصل الإنساني جملة قائم على الحجاج إلى حد أن المرء ليسلم بأنه "لا تواصل من غير حجاج ولا حجاج من غير تواصل"([1]).

ولئن شهدت الدراسات الحجاجية الغربية إطراءا متواصلا بحكم الأجواء الديمقراطية التي أفسدتها، فإن نظيرتها العربية لا تزال غريبة وفي حكم النادرة، علما بأن المناولة الحجاجية لا تخلو من فاعلية في هتك أسرار الخطاب، واستجلاء خباياه، وترسيخ قيم الحوار والإقناع واحترام الاختلاف، بل وأكثر من ذلك، إذ يمكن القول بأن هذا المجال المعرفي المتصل بالحجاج لا يشكل جانبا من معرفة الحاضر، بل سيكون جانبا من جوانب معرفة المستقبل أيضا([2]).

1.  اللغة والحجاج:

يقول الدكتور محمد الولي(*): "إذا كان من المخجل ألا يتمكن الإنسان من الدفاع عن نفسه بالقوة العضلية، فإنه من العبث ألا يتمكن من الدفاع عن نفسه بالكلمة، إذ بها لا بالقوة العضلية يتميز الإنسان"([3])، وعلى هذا الأساس، فالحجاج هو توجيه خطاب إلى متلق ما، لأجل تعديل رأيه أو سلوكه أو هما معا، وهو لا يقوم إلا بالكلام المتألف من معجم اللغة([4]).

فمن خلال التجارب اليومية وقف الإنسان على مجموعة من العلاقات بفضل التقنيات التبليغية التي يستعملها، والتي تمس حقولا معرفية متنوعة: نفسية وثقافية واجتماعية وسياسية وعلمية، كانت وراء استخلاص قواعد تَهُمُّ كل المجالات التي تدخل في النشاط الإنساني، انطلاقا من اللغة التي يستعملها والتي تعينهعلى بلورة تلك القواعد، حتى يتسنَّى له استعمالها في مجالات أخرى، إلى درجة أن بعض الدارسين اعتبروا القواعد الصورية والطبيعية مستمدة من اللغة([5])، بحيث تجسد اللغة هذا التفاعل الحاصل بين قدرات الإنسان وعناصر الطبيعة وكياناتها.

وإذا صَحَّ أن اللغة هي مادة الحجاج، صَحَّ معها أن الفكر هو الآلة التي تقوم بتحديد المبادئ والقواعد داخل أنساق تصورية، تعبر عن العلاقات التي تنظم تلك المبادئ والقواعد، كما نجدها في تحليل الخطاب([6]).

أهمية الحجاج:

وتعود أهمية الحجاج في الدراسات المعاصرة إلى العودة القوية للبلاغة تحت تسمية "البلاغة الجديدة" حيث ركزت على جانبين هما: "البيان والحجاج" كوسيلة أساسية من وسائل الإقناع، ولعل في اختلاف مستويات التلقي ما يؤكد هذه الصفة الحجاجية للخطاب البلاغي، وذلك يجعل أي قول مدعم صالحا أو مقبولا بمختلف الوسائل، ومن خلال مختلف الصيغ اللغوية، على اعتبار أن هذه الصيغ هي أفعال كلام تمارس وظيفة التأثير من خلال قوتها الكلامية التي تتجلى بدورها من خلال طرائق منطقية في البناء وترابط العلاقات الاستدلالية التي يمثل الحجاج أبرز مظاهرها([7]).

لقد صار الحجاج في الدراسات اللغوية والبلاغية الحديثة أوسع مجالا، إذ لا يقتصر دوره على التوظيف الانتقائي باعتباره عنصرا خارجيا ثانويا يوظف فقط في مواقف تواصلية معينة، بل تحول مع تيار التداولية المدمجة في الدراسات اللسانية إلى عنصر كامن في اللغة، إن من حيث بنيته أو من حيث وظيفته، وبذلك أصبح الحجاج فعلا كلاميا تجب دراسته في نطاق دراسة اللغة لا في البحث عما هو واقع خارجها، وهذا ما يدعو إلى اعتبار اللغة مسرحا للمحاورة والتحاج بين الذوات المتواصلة، إذ تنحصر وظيفة اللغة في دلالة الأقوال على التوجيهات الحجاجية الناتجة عنها([8]).

ونشير إلى أن كل حجاج يستمد معناه وحدوده ووظائفه من مرجعية خطابية محددة، ومن خصوصية الحقل التواصلي الذي يكتنفه، ولا غرو والحال هذه أن نجد حجاجا خطابيا (لسانيا)، وحجاجا خطابيا (بلاغيا)، وآخر قضائيا، وغيره سياسيا، وآخر فلسفيا وما إلى ذلك، وتبعا لذلك يصبح الحجاج -عمليا- بعدا من أبعاد الخطاب الإنساني المتاح باللغة المكتوبة والمنطوقة([9]).

وانطلاقا من البعد الإقناعي للحجاج، ومراعاةً لطبيعته التداولية التواصلية التي تستثمر كل ما قد يساعد المتلقي على الاقتناع، عرَّف طه عبد الرحمن الحجاج قائلا: "وَحَدُّهُ الحجاج، أنه فعالية تداولية جدلية، فهو تداولي لأن طابعه الفكري مقامي واجتماعي، إذ يأخذ بعين الاعتبار مقتضيات الحال من معارف مشتركة ومطالب إخبارية وتوجهات ظرفية، ويهدف إلى الاشتراك جماعيا في إنشاء معرفة علمية إنشاءًا موجها بقدر الحاجة، وهو أيضا جدلي، لأن هدفه إقناعي قائم بلوغه على التزام صور استدلالية أوسع وأغنى من البنيات البرهانية الضيقة"([10]).

وهكذا، فإن المُسْتَدِلَّ يثبت دعواه من خلال تقنيات استدلالية غير صورية، وهي التقنيات الحجاجية لما تَتَّسِمُ به من فعالية جدلية تبتعد عن صرامة البرهان وحسابيته الآلية، وذلك من خلال أخذها بالتفاضل والتراتب، أو بالتناقض الذي لا يخرج عن نطاق العقل الذي بسببه يحصل الإقناع، عكس البرهان الذي قد يستوي دليله ولكن ينعدم معه اقتناع المخاطب([11]).

§   تقنية التمثيل Analogie:

التمثيل نوع من الحجاج نعني به التشبيه والاستعارة وهذا النوع من الحجة هو الأنسب للتواصل اللغوي وللمتلقي، ويوضح لنا "طه عبد الرحمن" الفرق بين الحجاج العقلي وبين الحجاج التمثيلي بقوله: "لا يخفى على ذي بصيرة أن نموذج الحجاج هو قياس التمثيل، إذ المعروف أنه هو الاستدلال التي يختص بالخطاب الطبيعي في مقابل البرهان الذي هو الاستدلال الذي يختص بالقول الصناعي"([12]).

والتمثيل عند العلماء القدماء الذين تعاملوا مع الخطاب القرآني هو "إثبات حكم واحد جزئي لثبوته في جزئي آخر، بمعنى مشترك بينهما، والفقهاء يسمونه قياسا، والجزئي الأول فرعا والثاني أصلا، والمشترك عِلَّةً وجامعًا، كما يقال، العالم مؤلف، فهو حادث كالبيت، يعني حادث لأنه مؤلف، وهذه العلة موجودة في العلم، فيكون حادثا"([13]).

هذا عن مفهومهم للتمثيل، أم عن تحدديهم للوظيفة، فنشير إلى أن ابن وهب هو الذي بينها وذلك بقوله: "أما الحكماء والأدباء، فلا يزالون يضربون الأمثال، ويبينون للناس تصرف الأحوال بالنظائر والأشباه والأشكال، ويرون هذا النوع من القول أنجع مطلبا وأقرب مذهبا، ولذلك قال الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾"(*)، وإنما فعلت العلماء ذلك لأن الخبر في نفسه إذا كان ممكنا فهو يحتاج إلى ما يدل عليه وعلى صحته، والمثل مقرون بالحجة([14])".

وقريبا من هذا ما ذهب إليه عبد القاهر الجرجاني حينما قال: "واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورتها الأصلية إلى صورته كساها أبهة... ورفع أقدارها وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس وأعظم؛ وإن كان ذما كان مسه أوجع وميسمه ألذع... وإن كان حجاجا كان برهانه أنور وسلطانه أقهر"([15])، وقد ردد المعنى نفسه في (الشافية)، إذ وسيلة إدراك الصورة التمثيلية في نظر عبد القاهر الجرجاني "هي المعاينة أو الإدراك الحسي الذي هو أكثر أثرا في تقرير المعاني في النفس، من إدراك اللغة المجردة عن التصوير إدراكا عقليا، فالإدراك الأول أشبه بالعلم الضروري الذي تأنس به النفس وتطمئن اطمئنانا لا تجده مع العلم النظري"([16]).

ولحجية التمثيل شأن عظيم في هتك الحجب عن المعاني وإبراز ما خفي من الحقائق، يقول الزمخشري في هذا الشأن: "ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المثال والنظائر، شأن ليس بالخفي في إبراز جليات المعاني ورفع الستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المُتَيَقِّن، والغائب كأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الأول، وقمع لصورة الجامع الأبي([17])... وهناك بعد آخر للمعرفة الحسية كامن في النفوس، فهي في ذلك تعود إلى تجربتها الأولى في العالم"([18]).

فالإنسان يبدأ أولا باستقبال المعلومات حول العالم الذي هو من حوله عن طريق الحواس، ثم يعمل فيها بعد ذلك نظره، مثال ذلك مرحلة الطفولة ومرحلة البلوغ عند الإنسان.

ومن هنا، فإن كل ما له علاقة بالمشابهة يدخل تحت مفهوم التمثيل،ونقصد بذلك التشبيه بكل أنواعه، والاستعارة بكل أنواعها والتي هي أدخل في هذا الباب من غيرها، وذلك أن الاستعارة تتميز عن باقي أنواع التمثيل بالتجريد وبدرجة الإمتاع([19])، كما تعد الكناية من وسائل الحجاج، وقد قال الجرجاني عنها: "أما الكناية فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح، أنّ كل عاقل يعلم إذا رجع إن نفسه أن إثبات الصفة بإثبات دليلها وإيجابها بما هو شاهد في وجودها، آكِدٌ وأبلغُ في الدعوى من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجا غفلا، وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف، وبحيث لا يشك ولا يظن بالمخبر التجوز الغلط"([20]).

وصفوة القول، إن التمثيل هو طريقة حجاجية تعلو قيمتها على مفهوم المشابهة، وذلك أن التمثيل لا يرتبط بعلاقة المشابهة دائما، وإنما يرتبط بتشابه العلاقة بين أشياء ما كان لها أن تكون مترابطة أبدا([21])، ومن ثمة اعتبر عاملا أساسا في عملية الإبداع، وهو قريب من الحجاج المقارني دون أن تكون له علاقة بالمنطق الصوري، لأنه لا يطرح معادلة صورية خالصة، ولكنه ينطلق من التجربة بهدف إفهام فكرة أو العمل على أن تكون الفكرة مقبولة، وذلك بنقلها من مجال مغاير، جريا على مبدأ الاستعارة([22]).

إن الأساس في التمثيل يكمن في العلاقة بين الموضوع والحامل (وجه الشبه Phore) وتوتر العلاقة بينهما، مثال: "مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس" وذلك أن التمثيل بصفة عامة يعتبر منبعا للإبداع والأفكار الجديدة، وأصلا لكل الصور التخيلية، غير أنه قد يكون خاطئا أو مرفوضا، أو غير مفهوم في الواقع إذا خرج عن إطاره التداولي، إذ لا يمكن إقامة علاقة المشابهة انطلاقا من الخصائص العامة الملازمة، وإنما يتم عن طريق تفكيك الأجزاء الدقيقة لمكوني التمثيل (الموضوع والحامل Phore)، واستعمال الخيال للربط بينهما كالمشابهة بين الطفل والبراءة أو المشابهة بين سيولة التيار الكهربائي وسيولة الغازات([23]).

وبناءا على ما سبق ذكره، يمكن استحضار الخلاصة التي خرج بها الجاحظ في هذا الباب والتوجيه الذي أشار به على مربي النشء "بأن لا يشغلوا قلب الصبي بالنحو إلا بقدر ما يؤدي به إلى السلامة من فاحش اللحن، وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به، ومذهل عما هو أرد عليه منه من رواية المثل والشاهد والخبر الصادق والتعبير البارع"([24]).

§    تقنية المثل (Exemple):

نشير إلى أن هناك من يفرق بين المثل والتمثيل، وباعتبار أن المثل (Exemple) وسيلة ناجعة للتعبير عن القيم والحقائق التي تختزل التجارب الإنسانية، وهو نوع من الاستدلال يقوم بنقلة نوعية من خلال الجمع بين الاستقراء والمشابهة عن طريق الحدس، حيث يستعمل كقيمة رمزية بمثابة مسلمات قيمية تستجيب للقضايا المطروحة عن طريق المرور من العام إلى الخاص أو العكس، بهدف التدليل على قضية ما أو المساهمة في تأسيس قاعدة خاصة تكون بمثابة حالة مجردة تجعل المستمع يستند خلالها إلى أطروحة معينة([25]).

مثال: يداك أوكتا وفوك نفخ، وهي تعني أنك مسؤول عن قضية (وهي حكاية تاريخية تمثل تجربة معينة لشخص مسؤول عن فعله)، ويتضح أن الهدف من المثل هو تقوية درجة التصديق بقاعدة أو فكرة أو أطروحة معلومة، تقدم ما يوضح القول العام ويقوي حضوره في الذهن([26])، وتدعى هذه الأمثلة بالقوالب الجاهزة، يتم تخزينها في ذاكرة الإنسان، يستحضرها كلما استدعى المقام ما يشابهها أو ما هو في حاجة إلى تأكيد فكرته.

وكان أرسطو قد أجرى المثال على وحدات قولية تشترك في قيامها على علاقة المشابهة، بقصد الإخبار عن الأحداث التي وقعت لتأكيد موضوع القول، وقد وجد هذا التوظيف امتدادا واسعا داخل الخطابة العربية، حيث يرجع "الخفاجي" أساس المثل إلى كونه: "ماثلا في خاطر الإنسان أبدا وشاخصا وأعون شيء على البيان"([27]).

وفي السياق نفسه يؤكد "الزمخشري" "أن الأمثال هي زيادة في الكشف وتتميما للبيان..." ([28])، ويكون الغرض كما يقول السيوطي "تصور المعاني بصورة الأشخاص لأنها أثبتت في الأذهان، لاستعانة الذهن فيها بالحواس، ومن ثم كان الغرض بالمثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالمشاهد"([29]).

حجاج التمثيل في كتاب سيبويه:

قلنا بأن التمثيل نوع من الحجاج نعني به التشبيه بكل أنواعه والاستعارة بكل أنواعها، وهذا النوع من الحجة هو الأنسب للتواصل اللغوي وللمتلقي، يدعم هذا الرأي قول طه عبد الرحمن: "لا تخفى على ذي بصيرة أن نموذج الحجاج هو قياس التمثيل، إذ المعروف أنه هو الاستدلال الذي يختص بالخطاب الطبيعي في مقابل البرهان الذي هو الاستدلال الذي يختص بالقول الصناعي"([30])، أما العلماء والأدباء فإنهم يضربون الأمثال لوعيهم أن الخبر في نفسه إذا كان ممكنا فهو يحتاج إلى ما يدل عليه وعلى صحته، والمثل مقرون بالحجة([31])، ولحجية التمثيل شأن عظيم في هتك الحجب عن المعاني وإبراز ما خفي من الحقائق.

وسعيا منه لتفادي كل لبس أو غموض قد يصيب التراكيب اللغوية المستعملة في كلام العرب من قبل غير العربي، وتوضيحا للمعاني النحوية لبعض التراكيب، استخدم سيبويه في مواضع متفرقة عبارة "تمثيل ولا يتكلم به"، بالإضافة إلى عبارات أخرى تصب في هذا  السعي وهي:

1.      ولكن أردت أن أمثل لك([32]).

2.      تمثيل ولا يتكلم به([33]).

3.      تمثيل وإن كان لا يستعمل في الكلام([34]).

4.      تمثيل وإن لم يتكلم به([35]).

5.      تمثيل وإن كان يقبح في الكلام([36]).

6.      تمثيل ولكنه لم يستعمل في الكلام([37]).

7.      تمثيل ولكنهم لا يتكلمون بها([38]).

8.      لأمثل لك([39]).

9.      وإنما ذكرت ذلك للتمثيل([40]).

فالملاحظ أن الجذر المعجمي (م، ث، ل) هو الأساس في كل تلك العبارات، ويليه الجذر المعجمي (ك، ل، م)، وهدف سيبويه من الإشارة إلى تلك العبارات؛ هو الكشف عن المقصود من تلك التراكيب المستعملة في كلام العرب، وهذا العمل له صلة بما يقوله النحويون بخصوص البنية العميقة (Deep structure)، وذلك أن شأنهم من وراء الحديث عن البنية هو بيان المقصود من التعبيرات المكتوبة أو المنطوقة، ولذلك يمكن بيان التحويل الذي يؤدي إلى ظهور الكلام على "السطح" وهو الذي يتعامل معه اللغوي([41]).

واعتمادا على التحويل، وجدنا سيبويه يقول إنَّ "بهراً" معناها "بهرك اللهُ"، ونحوها "سقيا ورعيا" المقصود بهما "سقاك الله سقيا ورعاك الله رعيا"، ويمكن إظهار هذا المعنى حسب الشكل التالي([42]):

M080701

ولقد عقد سيبويه بابا بعنوان "هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره استغناءًا عنه"، ثم أتبعه بقوله: "وسأمثله لك مظهرا لتعلم ما أرادوا إن شاء الله تعالى"([43]).

أشرنا في أكثر من موضع بأن العرب تحذف وتضمر اختصارا واستخفافا لعلمها أن المخاطب بكلامها يدرك مقصودها، وهذا الذي يريد سيبويه أن يؤكده للمتلقي لكتابه، إذ وجدناه يبين المقصود بالإضمار عن طريق التمثيل بالمظهر نفسه الذي يدل عليه الكلام، وقد بدأ بـ"هذا باب ما جرى منه على الأمر والتحذير": "وذلك قولك إذا كنت تحذر: إياك كأنك قلت: إياك نحّ، وإياك باعد، وإياك اتق، وما أشبه ذا، ومن ذلك أن تقول: نَفْسَكَ يَا فلان، أي: اِتَّقِ نَفْسَكَ، إلا أن هذا لا يجوز فيه إظهار ما أضمرت، ولكن ذكرته لأمثل لك ما يُظْهرُ إضماره، ومن ذلك أيضا: إياك والأسدَ، وإيَّايَ والشرَّ، كأنه قال: إِيَّاكَ فَاتَّقَيْنَ والأسد، وكأنه قال: إياي لأتقين الشر، فإياي ومتقىً والأسدُ والشرُ متقيان، فكلاهما مفعول ومفعول معه"([44]).

والأمثلة التي استعملها سيبويه في هذا الباب كثيرة، منها: رأسَهُ والحائط ومعناها: خل أودع رأسه والحائط، ومثلها: شأنك والحج والمقصود بها: عليك شأنك مع الحج، وكذلك قوله: امرأ نفسه كأنه قال: دع امرأً مع نفسه، وكذلك: أهلك والليل، أي: بادر أهلك قبل الليل، وإنما المعنى أن تحذره من أن يدركه الليل، والليل محذر منه، كما كان الأسد محتفظا منه... وإنما حذفوا في هذه الأشياء حتى ثنوا لكثرتها في كلامهم واستغناءًا بما يرون من الحال، وبما جرى من الذكر، فصار المفعولُ الأولُ بدلاً من الَفْظِ بالفِعْلِ حين صار عندهم مثل: إياك، ولم يكن مثل: إياك لو أفردته، لأنه لم يكثر في كلامهم كَثْرَةَ إِيَّاكَ، فشبهت بإياك حيث طال الكلام وكان كثيرًا في الكلام"([45]).

لقد استخدم سيبويه التمثيل استعمالا واسعا وربطه بالمعنى؛ وذلك لتوضيح القواعد الخاصة باستعمال العرب للغتهم، راميا إلى بعد تواصلي هو تقريب تلك القواعد لأذهان المتكلمين باللغة والمستعملين لها.

وإذا كان التمثيل تقنية حجاجية تعلو قيمتها على مفهوم المشابهة لارتباط التمثيل بتشابه العلاقة بين أشياء ما كان لها أن تكون مترابطة بغرض إفهام فكرة، أو العمل على أن تكون تلك الفكرة مقبولة، سعى سيبويه إلى حجية التمثيل دون إدراك منه، بأنه بهذا العمل يمهد لظهور أصول بلاغية تمثلها عن وعي البلاغيون الذي أتوا من بعده، ونهلوا من كتابه واقتبسوا من شواهده للتدليل على استنباطاتهم الذوقية الجمالية التي لا تغادر النحو الذي يُقَوِّمُ اعوجاجها، ويضمن سلامتها ويوضح مرادها.

1)   التشبيه:

حظي هذا الفن البياني بكثير من العناية والاهتمام، ولأنه من الناحية النفسية شيء مركوز في طباع كل البشر، يلجئون إليه لإبراز المعنى وتوكيده في نفس المتلقي، وهو قديم في الأداء الأدبي وفي تقدير الأدباء والنقاد العرب، حتى غدت البراعة في صياغته دليلا على البراعة في النظم وعلامة على التميز([46]).

فكان طبيعيا أن يلتفت إليه اللغويون والنحويون، وذلك أن الوسائل الموصلة إليه لغوية، وكان أول ملفت لهذا الفن هو كثرته في الشعر الجاهلي، لذلك التفت إليه الخليل بن أحمد الفراهيدي، غير أنه لم يتعمق في أبعاده التواصلية، دليلنا في ذلك ما أورده سيبويه في (هذا باب ما ينتصب فيه المصدر المشبه به على إضمار الفعل المتروك إظهاره) حيث يقول: "وزعم الخليل -رحمه الله- أنه يجوز أن يقول الرجل: هذا رجل أخو زيد، إذا أردت أن تشبهه بأخي زيد، وهذا قبيح ضعيف لا يجوز إلا في موضع الاضطرار، ولو جاز هذا لقلت: هذا قصيرٌ الطويلُ، تريد: مثل الطويل، فلم يجز هذا، كما قبح أن تكون المعرفة حالا إلا في الشعر، وهو في الصفة أقبح، لأنك تنقض ما تكلمت به..." ([47]).

يستنبط من هذا الكلام علتان:

الأولى: نحوية تقعيدية، حيث لا يجوز أن توصف النكرة بالمعرفة، كما لا يصح أن توصف المعرفة بالنكرة، بل يراعى التطابق فيما بينهما كما هو معروف ومقرر في قواعد اللغة([48]).

والثانية: وهي علة بلاغية تتضح من مثاله: هذا قصيرٌ الطويلُ، وهذا قبيح، إذ لا يصح لا لغة كما لا يصح بلاغة "لأنك تنقض ما تكلمت به"، ولو تكلم به متكلم على قبحه لكان ناقضا لكلامه، مُلْغِزًا في إفهامه حاجته، مبتعدا عن الصحة اللغوية الجارية على سنن اللغة وطرائق متكلميها، بالإضافة إلى عدم تحقيق ذلك التركيب لمعنى التشبيه الذي أراده الخليل([49]).

وانطلاقا من وعيه للبعد التواصلي للتشبيه تطرق سيبويه إلى بيان بعض مسائله التي تقوم على الاتساع والحذف والإيجاز مشيرا إلى كل أدواته، غير أن عمله هذا لا يخرج عن حدود منطلقه اللغوي، وذلك أن المصطلحات البلاغية لم تكن متناولة في عصره كما هي الآن، وعلى هذا الأساس فهو يشير إلى (الكاف) بوصفها أداة تفيد التشبيه ذاكرا ذلك في (باب الجر)، حيث يقول: "..وإذا قلت: أنت كعبد الله، أضفت إلى عبد الله الشبه بالكاف"([50])، وفي "باب عدة ما يكون عليه الكلام"، يقول سيبويه: "وكاف الجر التي تجيء للتشبيه، وذلك قولك: أنت كزيدٍ"([51])، ويشير أيضا إلى "أن ناسا من العرب إذا اضطروا في الشعر جعلوها -أي الكاف- بمنزلة مثل، قال الراجز وهو حميد الأرقط:

فَصِيرُوا مثل كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ

وقال خطام المجاشعي:

ومَالياتٍ ككما بُؤْثَفَيْنِ"([52]).

ولقد جاز الجمع بين الكاف ومثل -فيما ذهب إليه الأعلم الشنتمري- لاختلاف لفظيهما مع ما في ذلك من المبالغة في التشبيه([53]).

ومن أدوات التشبيه إضافة إلى (الكاف)، (كأن)، مثل وأخواتها كما في قوله: "ومن النعت أيضا: مررت برجل مثلك، فمثلك نعت على أنك قلت: هو رجل كما أنك رجل، ويكون نعتا أيضا على أنه لم يزد عليك ولم ينقص عنك في شيء من الأمور، ومثله: مررت برجل مثلك، أي: صورته شبيهةُ بصورتك، وكذلك مررت برجل ضربك وشبهك ومثلك ونحوك: يجرين في المعنى والإعراب مجرىً واحداً"([54]).

ومن صور التشبيه التي ذكرها سيبويه قوله: "ومثله في الاتساع؛ قوله عز وجل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا كَمَثَلِ الَّذِيْ يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُوْنَ.([55])، فلم يُشَبَّهُوا -بما ينعق- وهو الراعي وإنما شُبِّهُوا بالمنعوق به، -وإنما المعنى- مثلكم ومثل الذين كفروا كمثل الناعق  والمنعوق به الذي لا يسمع، ولكنه جاء على سعة الكلام والإيجاز لعلم المخاطب بالمعنى"([56])، ودون تصريح منه أشار سيبويه إلى ما يسمى عند البلاغيين تشبيه التمثيل الذي يقوم على تشبيه شيئين بشيئين، كما هو جلي في الآية الكريمة، أي: تشبيه الداعي والكفار بالراعي مع الغنم، ولكنه اكتفى بذكر الكفار من المشبه والراعي من المشبه به، فدل على ما أبقى ، وهذا ما قصد إليه سيبويه([57]).

ولقد نبه سيبويه إلى أن في الآية حذفا واختصارا بدلالة علم المخاطب بالمعنى، ولولا هذه القرينة ما جاز الحذف تجنبا للبس الذي قد يتعرض إليه المخاطب، إذ ظاهر التشبيه يوحي بتشبيه الكفار بالراعي، وليس بمعقول أن يشبه الكافر بالداعي إلى الإيمان، ولكن المعقول هو تشبيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالراعي مع غنمه التي لا تعي دعاءه أو نداءه.

"وفي هذا باب يختار فيه الرفع" يورد سيبويه نوعا آخر من التشبيه يدعى بالتشبيه المؤكد القائم على حذف الأداة([58]) عند بعض البلاغيين وبالتشبيه البليغ([59]) عند بعضهم الآخر، وهو أن يتساوى المشبه والمشبه به في الصفة، أي استغراق المشبه في المشبه به أو العكس وكأنه هو، ومن ذلك قوله: "وأما: له صوتٌ صوتُ حمارٍ، فقد علمت أن صوت حمار ليس الصوت الأول، وإنما جاز لك رفعه على سعة الكلام، كما جاز لك أن تقول: ما أنت إلا سيرٌ"([60])،والعلة في رفع الصوت الثاني حسب سيبويه تكمن في إضمار (مثل) مستدلا على حكمه الإعرابي هذا، بإضمار المضاف في قوله تعالى: [واسَأَلِ القَرْيَةَ]، حيث أضمر لفظ (أهل) فحل محله المضاف إليه (القرية) وأخذ حكم النصب مع أن من حقه الجر، والملاحظ في هذا التشبيه أن المتكلم أراد أن يخبر المستمع بأن لفلان صوتا قبيحا هو نفس صوت الحمار، فجرى هذا الأمر على سعة الكلام أو المبالغة في التشبيه.

وسعيا في إقناع المخاطب يورد سيبويه نصا آخر ليؤكد أن العرب كانت تستعمل تقنية التشبيه في كلامها لأغراض متعددة، يظهر هذا في قوله: "هذا باب ما شبه من الأماكن المختصة بالمكان غير المختص"، "وقد زعم يونس أن ناسا من العرب يقولون: هو مني مزجر الكلب، يجعلونه بمنزلة مرأى ومسمع، وكذلك مقعد ومناط، يجعلونه هو الأول، فيجري كقول الشاعر وهو الأخطل:

وأنتَ مكانُكَ من وائلٍ          مكان القُرادِ من إسْتِ الجملِ

وإنما حسن الرفع هاهنا، لأنه جعل الآخر هو الأول كقولك: له رأسٌ رأسُ حمارٍ، ولو جعل الآخر ظرفا جاز، ولكن الشاعر أراد أن يشبه مكانه بذلك المكان"([61])، والمراد من البيت أن الأخطل يجعل مكان مهجوه كعب بن جعيل التغلبي من قبيلة  وائل شبيها بمكان القراد من إست الجمل في الخسة والدناءة مبالغة في التشبيه، وعلى هذا المعنى أجاز سيبويه الرفع في البيت([62]).

وبعد هذا العرض لتقنية التشبيه، نشير إلى أن سيبويه لم يتجه في تناوله للتشبيه اتجاه البلاغيين من حيث تفريع مسائلة والإبانة عن أغراضه، ولكن يكفيه أنه أشار إلى جل أدواته المتمثلة في (الكاف)، (كأن) على لسان الخليل([63])، ومثل وأخواتها، ونص صراحة على أنها تأتي للتشبيه كما أشار إلى بعض أنواعه -السابق ذكرها- فقط أنه لم يتمثلها اصطلاحا كاصطلاح البلاغيين.

2)       المجاز والاستعارة:

لم يشر سيبويه إلى مصطلحي المجاز والاستعارة صراحة، ولكنه ألمح إلى ذلك في "هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة"، حيث قسم الكلام -كمال سبق الذكر- إلى خمسة أقسام في قوله: "فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب"([64]).

وقد فسر هذه الأقسام الخمسة كل حدة، معللا تفسيره بما يوحي فهمه للحقيقة والمجاز فهما فطريا، يقول([65]):

1.      فأما المستقيم الحسن: فقولك: أتيتك أمس وسآتيك غدا

2.      وأما المحال: فأن تنقض أول كلامك بآخره، فتقول: أتيتك غدا وسآتيك أمس.

3.      وأما المستقيم الكذب فقولك: حملت الجبل وشربت ماء البحر ونحوه.

4.      وأما المستقيم القبيح فأن تضع اللفظ في غير موضعه نحو قولك: قد زيداً رأيت وكي زيداً يأتيك.

5.      وأما المحال الكذب فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس".

يستخلص من هذا القول، إن الكلام من حيث البناء والتركيب اللغوي ومطابقته للواقع، أو عدم مطابقته ينقسم إلى قسمين، مستقيم ومحال، فضابط القسم الأول (المستقيم) هو إمكانية الوقوع مع تفاوت في هذه الإمكانية، و(الحسن) منه كلام جرى على المألوف في البناء والتركيب و(الكذب منه) ينطوي على ادعاء ما لا يمكن حدوثه، أما (القبيح) فهو تركيب يخل بنظام اللغة دون داع إليه، وأما (المحال) "فهو ادعاء وقوع الحدث قبل وقته، وهذا ممتنع، أو ادعاء وقوعه بعد فوات ظروفه، وهذا ممتنع كذلك، و(المحال الكذب)" كما تدل عليه عبارته، فيه من المحال زائد ادعاء ما لم يجر به طبع أو عادة([66]).

فندرك أن القسم الأول بنوعيه (الحسن) و(الكذب) يوحي بطريقة فطرية إلى الفرق بين الحقيقة والمجاز، إذ المستقيم الحسن هو ما جرى مجرى سنن العرب في كلامها؛ أي على سنة اللغة في تراكيبها مع مطابقته لواقع المتكلم ومعتقده، أما المستقيم الكذب فهو ما وافق سنن اللغة العربية في نظمها إلا أنه يخالف في وقوعه العقل والعادة معا([67]).

وانطلاقا من وعي سيبويه من أن هناك كلاما مقبولا وآخر مردودا من حيث الظاهر، أيقنا أن مصطلح (الكذب) عنده لا يعني الكذب الخلقي؛ وإنما قد يعني به المبالغة أو التخيل الفني القائم على الادعاء، ولعله يكون قد تفطن إلى أن لفظ الكذب قد يحسبه متلق ما (الكذب الخلقي) فتركه ووضع مكانه مصطلح (الاتساع) الذي له علاقة بالمجاز ليدرج تحته كل التراكيب التي انزاحت عن أصل وضعها، ولعل هذا الرأي ساعد البلاغيين في اكتشاف مباحثهم البيانية القائمة على المجاز؛ كالاستعارة بكل أنواعها، وكذا الكناية بالإضافة إلى الألوان البديعية ليكتمل علم البلاغة الذي لا تقوم دعائمه إلا بالنحو.

ولعل سيبويه يكون قد أدرك أن هناك صورا من التراكيب يتسع لها صدر اللغة وعقول متكلميها إذا صرفت عن ظاهرها، لذلك أورد مثاله في قسم المستقيم الكذب: حملت الجبل، إذ أن هذه العبارة تمثل مقالة لا يدعيها إلا إنسان يعاني من أمرٍ جللٍ، وحملٍ ثقيلٍ مُلْقًى على كاهله، فيكون صاحب هذا الإدعاء قد شبه حاله وهيئته وهو يتحمل ما يتحمل من اللغوب والنصب، بحالة من يحمل جبلاً، وذلك أن كليهما يحمل عبئا ثقيلا، والقرينة هنا محققة بالاستحالة، أي استحالة أن يتصور أن يحمل إنسان ما -كائنا من كان- جبلاً([68]).

الآن أصبح واضحا أن الخطوة التي خطا بها سيبويه بمثاله "حملت الجبل" تشير إلى ما يسميه البلاغيون "التمثيل القائم على حد الاستعارة" كعبد القاهر الجرجاني([69])، ومعناه تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أكثر، ثم تدخل المشبهة في جنس المشبه بها مبالغة في التشبيه، فتذكر بلفظها من غير تغيير بوجه من الوجوه، ومتى فشا استعمال هذا التمثيل سمي مثلاً، ولذلك لا تغير الأمثال([70]).

ومن النصوص والأمثلة التي تدل على فهم صاحب الكتاب لمصطلح الاستعارة المكنية فهما فطريا ما ذكره في "هذا باب ما جرى من الأسماء مجرى المصادر التي يدعى بها"، حين قال: ... ويدلك على أنه يريد به الداهية قوله: وهو عامر ابن الأحوص:

وَدَاهِيَةٍ مِنْ دَوَاهِي المَنُو               نَ تَرْهَبُهَا النَّاسُ لاَ فَا لَهَا

فجعل للداهية فما حدثنا بذلك من يوثق به"([71]).

يفهم من بيت الأحوص أنه قد شبه الداهية بحيوان مفترس قوي، ثم حذف المشبه وأتى بشيء من لوازمه وهو الفم الذي يعد قرينة للمكنية، أما إثبات الفم للداهية فهو من قبيل الاستعارة التخييلية مبالغة في التشبيه([72])، فالواضح أن سيبويه ومن يوثق به قد تجاوز مدلول اللفظ الظاهر السطحي إلى بنيته العميقة، إذ أدرك أن إثبات الفم للداهية فيه تشبيه لها بذي فم، فعدل باللفظ الظاهر عن جهته على طريقة الاستعارة.

وفي الكتاب إشارات كثيرة لأوجه الاستعارة لا يمكن الوقوف عليها كلها، وذلك أن ما نود الكشف عنه هو تقنيات التبليغ التي كانت مستعملة في كلام العرب في عصره ذي اللغة النقية الخالصة الفصيحة البعيدة عن اللحن والفساد، بالإضافة إلى التقنيات التبليغية المتعلقة به شخصيا في كيفية معالجته لكلام العرب، ثم طريقة عرضه لنصوص كتابه.

3)       الكناية:

الكناية في اصطلاح البلاغيين هي: "لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادة معناه الحقيقي"([73])، وفي "هذا باب يكون فيه الاسم بعدما يحذف منه الهاء بمنزلة اسم ينصرف في الكلام لم يكن فيه (هاء) قط"، يقول سيبويه: "وأما قول العرب يافُلُ أَقْبِلْ، فإنهم لم يجعلوه اسما حذفوا منه شيئا يثبت فيه في غير النداء، ولكنهم بنوا الاسم على حرفين... وهذا الاسم بني على حرفين...، اختص به النداء، وإنما بني على حرفين لأن النداء موضع تخفيف، ولم يُجِزْ في غير النداء، لأنه جعل اسما لا يكون إلا كناية لمنادى، نحو: يا هناه، ومعناه يا رجل، وأما فلان فإنما هو كناية عن اسم سمي به المتحدث عنه خاص غالب، وقد اضطر الشاعر، فبناه على حرفين في هذا المعنى، قال أبو النجم:

في لجَّةٍ أَمْسِكْ فُلانًا عَنْ فُلْ"([74]).

يوحي هذا النص بأنه إذ أراد متكلم أن يتحدث مع إنسان ولا يعرف اسمه تحديدا، فإنه يلجأ للاسم الغالب الخاص الذي يكنى به الآدميون، فيقول: فلانٌ للمذكر وفلانة للمؤنث كناية عنهما، وقد يخفف لفظ فلان في النداء فيصير (فُلُ) وذلك أن النداء موضع تخفيف.

والملاحظ أن أبا النجم قد استعملها في غير النداء ضرورة؛ لأنه يجوز للشاعر ما لا يجوز للناثر، وكأنه أراد بلفظ (فل) دلالة على معنى التخفيف، أما إذا ما أراد المتكلم كناية غير الآدميين، فإنه يلحق بهما الألف واللام فيقول: الفلان والفلانة. ([75])

وكما حظي التشبيه والاستعارة باهتمام سيبويه، كذلك الأمر بالنسبة لتقنية الكناية التي وجدت صداها الكبير في الكتاب، ولاشك في تلك الأمثلة التي تمثل بها سيبويه مما سمعه عن العرب، أنها قد توحي بوجه من التأويل والتفسير، وخاصة فهمه الفطري للكناية، فإذا قلت: "هو مني منزلة الشغاف، وهو مني منزلة الولد، فإنما أردت أن تجعله في ذلك المكان"، وهي كناية عن القرب القلبي وشدة الحب.

وبعد هذا التحليل نخلص إلى أن حجاج التمثيل بكل أنواعه: تشبيها واستعارة وكناية قد وجد صداه في كتاب سيبويه، وكأنه كان على دراية من أنه سيؤاخذ إذا لم يورد كل ما له علاقة باستعمال العرب للغتهم، وهو بهذا العمل يعد وفيا ومخلصا في عملية النقل والوصف العلمي، يدلنا على ذلك حرصه الشديد على تدوين كل ما سمعه من شيوخه وما سمعه هو نفسه من العرب المحيطين به، فكأنه مزدوج المهمة: مصوِّر وناقل للحدث بصدق في الآن ذاته.

المراجع:

القرآن الكريم

([1])- الحجاج مفهومه ومجالاته، دراسة نظرية وتطبيقية في البلاغة الجديدة، عبد النبي ذاكر، مجلة عالم الفكر، المجلد 40، العدد 02، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2011، ص: 07، وينظر كذلك: حوار حول الحجاج، أبو بكر العزاوي، الأحمدية للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2010، ص: 108

([2])- الحجاج، مفهومه ومجالاته، عبد النبي ذاكر، ص: 07

(*)-كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس، فاس، المغرب

([3])- مدخل إلى الحجاج، (أفلاطون وأرسطو وشايم بريلمان)، د. محمد الولي، مجلة عالم الفكر، المجلد 40، العدد 02، ص: 11

([4])-مدخل إلى الحجاج، د. محمد الولي، ص: 11

([5])- ينظر:  Logique et connaissance scientifique, p: 381

([6])- إشكالات التواصل والحجاج، عبد السلام عشير، ص: 113

([7])- نفسه، ص: 69

([8])-الاستدلال الحجاجي التداولي وآليات اشتغاله، د. رضوان الرقبي، ص: 68

([9])-ينظر: الحجاج والاستدلال الحجاجي، أ. حبيب أعراب، مجلة عالم الفكر، مجلد 30، العدد 01، المجلس الوطني للثقافة والآداب والفنون، الكويت، 2001، ص: 98

([10])- في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، د. طه عبد الرحمن، ص: 65

([11])- نفسه

([12])- اللسان الميزان، ص: 232

([13])- التعريفات، الجرجاني علي بن محمد، تح: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط4، 1998، ص: 423

(*)- سورة الزمر، الآية: 27

([14])- البرهان في وجوه البيان، ابن وهب (أبو الحسن إسحاق بن إبراهيم ت4هـ)، تح: جفني محمد شريف، مكتبة الشباب، مصر، دط، دت، ص: 42

([15])- أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ)، تقديم: رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، دط، دت، ص: 92

([16])- الرسالة الشافية ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، عبد القاهر الجرجاني، تح: محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، مصر، ط2، 1968، ص: 117

([17])- الكشاف، الزمخشري، ج1، ص: 72

([18])- البلاغة العربية أصولها وامتداداتها، محمد العمري، ص: 394

([19])- آليات التواصل في الخطاب القرآني، ص: 191-192

([20])-دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني، تح: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2001، ص: 54

([21])- Traité de l’argumentation, p: 50

([22])-إشكالات التواصل والحجاج، عبد السلام عشير، ص: 126

([23])- نفسه، ص: 127

([24])- رسائل الجاحظ، الجاحظ، تح: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، مصر، دط، دت، ج3، ص: 38

([25])- Traité de l’argumentation, Pérélman et Tytéca, p: 489

([26])- إشكالات التواصل والحجاج، عبد السلام عشير، ص: 122

([27])- البرهان في علوم القرآن، الزركشي (بدر الدين محمد بن عبد الله)، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1972، ج1، ص: 417

([28])- الكشاف، الزمخشري، ج1، ص: 72

([29])- الإتقان في علوم القرآن، السيوطي (جلال الدين عبد الرحمن ت911هـ)، تقديم وتعليق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط5، 2002، ج2، ص: 67

([30])- اللسان والميزان، ص: 232

([31])- ينظر: البرهان في وجوه القرآن، ص: 42

([32])- الكتاب، ج1، ص: 300

([33])- نفسه، ص: 312، ج2، ص: 118، ج3، ص: 28

([34])- نفسه، ج1، ص: 353

([35])- نفسه، ج1، ص: 375-376، ج2، ص: 171، ج2، ص: 278-279، ج3، ص: 34

([36])-نفسه، ج2، ص: 19

([37])- نفسه، ج1، ص: 374

([38])-نفسه، ج2، ص: 281

([39])- نفسه، ج2، ص: 348

([40])-نفسه، ج2، ص: 387

([41])- التراكيب غير الصحيحة نحويا في كتاب سيبويه، دراسة لغوية، د. محمود سليمان ياقوت، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، د.ط، 1985، ص: 158

([42])- الكتاب، ج1، ص: 357

([43])- نفسه، ص: 273

([44])-الكتاب، ج1، ص: 273-274

([45])- نفسه، ص: 274-275

([46])- ينظر: بلاغة أرسطو بين العرب واليونان، د. إبراهيم سلامة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط2، 1985، ص: 271

([47])- الكتاب، ج1، ص: 261

([48])- ينظر: الكتاب، ج1، ص: 361 وما بعدها

([49])- الأصول البلاغية في كتاب سيبويه وأثرها في البحث البلاغي، د. أحمد سعد محمد، ص: 309

([50])- الكتاب، ج1، ص: 421

([51])- نفسه، ج4، ص: 218

([52])- نفسه، ج1، ص: 32-408

([53])- ينظر: هامش الكتاب، ج1، ص: 13

([54])- الكتاب، ج1، ص: 423-424

([55])- سورة البقرة، الآية: 171

([56])- الكتاب، ج1، ص: 212

([57])- إعراب القرآن المنسوب للزجاج، ج1، ص: 47

([58])- ينظر: بغية الإيضاح للقزويني، تحقيق وشرح: الشيخ عبد المتعال الصعيدي، مكتبة الآداب بالقاهرة، د.ط، د.ت، ج3، ص: 76

([59])-بغية الإيضاح، ج3، ص: 72

([60])- الكتاب، ج1، ص: 363

([61])- نفسه، ص: 364

([62])- الأصول البلاغية في كتاب سيبويه، ص: 313

([63])- ينظر: الكتاب، ج3، ص: 151

([64])- الكتاب، ج1، ص: 25

([65])-نفسه، ص: 25

([66])- المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين المنع والإجازة، د. عبد العظيم المطغى، مكتبة وهبة، ط1، 1985، ص: 07

([67])- الأصول البلاغية في كتاب سيبويه، ص: 317

([68])-نفسه، ص: 318

([69])- ينظر: دلائل الإعجاز، ص: 430

([70])- ينظر: بغية الإيضاح، ج3، ص: 146-147-151

([71])- الكتاب، ج1، ص: 316

([72])- ينظر: مفتاح العلوم، السكاكي، مطبعة مصطفى الحلبي، ط1، 1937، ص: 156

([73])- بغية الإيضاح، ج3، ص: 173

([74])- الكتاب، ج2، ص: 248

([75])- الكتاب، ج1، ص: 409-410