تجرِبة " مخلوف بوكروح " النقدية
pdf

من المؤتلِف إلى المختلِف

د.صورية غجاتي

قسم الآداب واللغة العربية

جامعة قسنطينة1) الجزائر)

تُعدّ تجربة "مخلوف بوكروح" من التجارب البارزة في النقد المسرحي الجزائري والعربي، وليس من باب المبالغة أن نقول إنها التجربة الوحيدة في هذا المجال في الجزائر التي تمكّنت من الإعلان عن وجودها بالبحث الجادّ، والاستقصاء، والإضافة، والتنوّع، والاستمرارية.

 ومما يدفعنا إلى الوقوف عند هذه التجربة إضافة إلى هذا، هو حجم التراكم النقدي الذي أفرزته؛ فإذا استثنينا المقالات الصحفية التي ضمّتها الصحف والمجلات، والمواقع الإلكترونية مؤخّراً، فإنّ مجمل الدراسات التي نشرها "مخلوف بوكروح" قد بلغ عددها ست دراسات([1])، تدرّج فيها من المؤتلف إلى المختلف، ومن الحيرة والترقيع المنهجي، إلى تبنّي أحدث المناهج، ومن التأريخ والتسليم بالحقائق التاريخية الثابتة، إلى إعادة النظر في التاريخ.وسنعمل فيما سيأتي على تجميع هذا التراكم النقدي، ووصفه، ومحاولة تحليل خطابه من أجل التعرف على ما يسكنه من تحوُّلات وإضافات نوعية، وما يتخلّله من هنّات.

1/ إسهاماته في النقد الصحفي:

بدأت هذه التجربة تتلمّس طريقها مع كتابة المقال الصحفي، في الصحافة المكتوبة متمثّلاً في بعض العناوين الصحفية التي كانت تصدر على استحياء لشموليتها، وعدم تخصّصها، وتمثيلها للإيديولوجيا السائدة، كمجلة "الجيش" في أواخر السبعينيات، وبدايات الثمانينيات.ومن الأمثلة على النقد الصحفي لديه، هذا المقال الذي نشره في أحد أعدادها بعنوان:" انطباعات حول مسرحية الاختيار"، وقد انتهج في قراءته لعرض المسرحية على منهجية بسيطة وواضحة اعتمد خطواتها لاحقاً في قراءاته للنصوص والعروض المسرحية على حدّ السواء في مصنّفاته الأولى؛ حيث استهلّها بعرضٍ مركّز عن فكرة ومضمون المسرحية، متوغّلاً في مساحات الإيديولوجيا فيها(بحكم سياسة المجلة)، ثمّ سارع إلى مناقشة النهاية مُراجعاً المخرِج في الطريقة التي اعتمدها في حسْمها؛ إذ فضّل لو تركها مفتوحة ليُشرِك المتفرّج في إنتاجها، معتقداً أنّ الرؤية الجمعية التي تُنادي بها فكرة المسرحية، تُعتبر مبرّراً لإشراك الجماعة في حلّ نهاية مسرحية تُنادي بهذا الطرح الإيديولوجي، فيقول:« بيد أنّ أوّل ملاحظة أسجّلها على موضوع المسرحية هي تلك النهاية التي جاءت بطريقة فردية رغم أنّ الدعوة كانت من أجل الرقابة الشعبية والعمل الجماعي المنظّم، فكانت النهاية بمثابة عنصر جديد لم يأت ضمن أحداث المسرحية منذ البداية ولم تمهّد له، وبذلك قد أقحم صاحب المسرحية في النهاية على الموضوع، الفكرة المتمثّلة في الضمير الفردي الذي خلّص البطل من المؤامرة التي حاكها اللّصوص، فسقطت المسرحية في فخّ الحل الجزئي المصطنع الذي فرضته عند النهاية من خلال وضع حدّ لمؤامرة اللّصوص وإعلان صوت البطل، وحبّذا لو ترك نجاح مؤامرة اللّصوص في البداية لكانت المسرحية أقوى تأثيراً، وترك النهاية مفتوحة لإرادة الشعب الذي سوف يناضل لإنقاذ البطل، أي ترك الحلّ للمشاهدين الذين سيفكّرون بلا شكّ في الحلّ النهائي ومحاكمة اللصوص، وحتى تكون المسرحية درساً يدعوا إلى النضال المستمّر »([2]).

ويُتابع موضّحاً:« إنّ المسرح لا يتطلّب بالضرورة حلّ القضايا والمشاكل التي يعرضها، فما يُمكن أن تُقدّمه المسرحية في هذا المجال هو حلّ جزئي، فالمطلوب هو ترك النهاية معلّقة للجمهور حتى يتحمّل مسؤولية التفكير في الحل الشامل، ولعلّ المسرح التعليمي الذي كان رائده الكاتب والشاعر الألماني "برتولد بريخت" إنما يسعى لتحقيق هذا الهدف:إيقاظ ضمير المتفرّج، وحثّه على البحث وإدراك المشاكل المطروحة »([3]) .

وهنا نعتقد بأنّ الناقد كان يبحث عن مدخلٍ هشٍّ في البناء الفني لهذه المسرحيـة يُمكّنه من إقحام الرؤية البريختية في قراءته لها([4])؛ حيث أنّنا لا نجد ضرورةً في إلزام المخرج بتعليق النهاية من أجل تحقيق فكرة "الجماعية" في حلّ القضايا المصيرية وهي الفكرة التي يُعالجها مضمون هذا العرض المسرحي؛ فقد يُحمِّل إحدى شخصياتها مهمّة حسم النهاية المطلوبة وينجح في التأثير على الجمهور الذي سوف يخرج متشبّعاً بهذه الروح، ساعياً لتطبيقها - بعد العرض - في حياته الاجتماعية.أما على مستوى الشكل؛ فقد كان الناقد حريصاً على الالتزام بشروط الكتابة النقدية الصحفية، ويظهر هذا في خطابه النقدي الذي بين أيدينا بدءاً من عنوانه الذي صدّره بكلمة " انطباعات" مروراً إلى مراعاته جمهور العامّة من القرّاء؛ حيث نزل به إلى مستوى إدراكه الفكري فجاء بسيطاً، متجرّداً من الكثافة المصطلحية أو متخفّفاً من ثِقلها؛ ويظهر ذلك واضحاً في تعرّض الناقد - عند مناقشته لدور المتفرّج في صُنع نهاية المسرحية - لمفهوم "المسرح الملحمي" ببساطة ومن دون تعقيد أو سقوط في فخّ التنظير؛ فركّز على غايته، وتجنّب حشو خِطابه بالمصطلحات المُرافِقة له والتي من شأنها أن تُرهق فكر المتلقّي البسيط.ونعدّدُ من هذه المصطلحات على سبيل المثال:( التغريب، الغستوس، كسر الإيهام، تحطيم الجدار الرابع، التقطيع، مبدأ التناقض،...إلخ).

وواصل الناقد انطباعاته حول هذا العرض المسرحي في نقده لمستوى الإخراج فحكَم عليه بالفشل لا لشئ - حسب ظنّه - إلاّ لأنّ المخرج « لم يسبق له أن مارس الإخراج، لذا نجد أنّ المسرحية تفتقد الكثير من الجوانب الأساسية في محورتها وفنّياتها، تترك لنا في الأخير الانطباع بالمغامرة، لكن المسرح لا يقبل المغامرة لسدّ الفراغ؛ إذ أنّ عملية الإخراج المسرحي تتطلّب الخبرة والثقافة والتجربة.

وهذا ما ينفي في النهاية جدوى مثل هذه المسرحية التي تأتي دون مراعاة أية قواعد »([5]).وأوّل ملاحظة نسجّلها على هذه الصياغة النقدية، عدم لجوئها إلى مبرّرات فنية مقنِعة لما حملتْه من أحكامٍ نقدية؛ ذلك أن كاتبها لم يُوضّح لنا- مثلاً- ما الذي قصَده بقوله أنّ هذه المسرحيـة تفتقد إلى الكثير من الجوانب الأساسيـة في محورتها وفنياتها؟، وينسحب هذا التساؤل على حُكمه عليها أيضاً بأنها « مكتظّة بالروتين »([6])

وفي عبارات مُقتضبـة محمّلة بحججٍ نقدية غير مُقنعـة، يُعرّج الناقد على عنصري "الديكور"، و" التمثيل"، فيجعل العنصر الثـاني تابعاً للأوّل ومجـرّد صدى له، ويقضي بغياب « الانسجام بين عناصر العرض، لا سيما الديكور الذي لم يُعبّر إطلاقاً وبدون أيّ إخلاصٍ لمحتوى النص المسرحي، أدّت جميعاً إلى إخفاء المعاني المُدرجة ضمن الحوار.كلّ ذلك أثّر على الأداء عند الممثّلين والذين تعوّدنا على مساهماتهم الإيجابية في فهم وأداء الأدوار ومنهم خاصّة الممثّل "سيراط" »([7]).فكيف للديكور ولو لم يكن معبّراً ولا مُخلـصاً لمحتوى النـصّ، أن يُؤثّر- خاصّة- على أداء الممثلين؟

قد يعمل هذا العنصر المهّم - إن لم يُحسن استغلاله في إنتاج الدلالة المسرحية- على تضليل المتفرّج؛ فيستعص على هذا الأخير إدراك المعنى أو الرسالة التي يحمِلها النصّ، ولكنّه من غير المنطقي أن يتأثّر بسببه أداء الممثلّين.فالديكور، والسينوغرافيا، وغيرها من المفاهيم المتعلّقة بالفضاء المسرحي؛ هي مفاهيم جديدة تأخّر ظهورها عن التمثيل أقدم هذه المفاهيم وجذرها الذي تفرّعت عنه، ومن ثمّ فإنّ الممثّل الذي يُقيّده الديكور، ويحدُّ من سلطته ليس ممثّلاً في اعتقادنا، دون أن يعني هذا إنكار أهمية الديكور كعلامة سيميائية تُشارك في تعزيز معنى النصّ و توليد دلالاته. 

وفي مادّة صحفية أخرى غلب عليها طابع المراجعة النقدية السريعة، كتب " مخلوف بوكروح" في مجلّة (الجيش) تحت عنوان:" المسرح الجهوي بوهران بين التراجع والمراجعة" مقالاً قيّمَ فيه مسيرة المسرح الجهوي بوهران منذ أن طُبّقت عليه سياسة اللامركزية في شهر نوفمبر من سنة (1972) وفتَح أبوابه للجمهور، باعتماد منهج المقارنـة بين موسم مسرحي وآخر من حيث الإنتاج كمّاً ونوعاً.وقد اعتمد في هذا التقييم على شرح مضمون كلّ عمل، والاكتفاء بذكر عناوين المسرحيات التي لم ترق إلى المستوى الفني المطلوب من وجهته النقدية؛ فيقول – مثلاً- عن مسرحية "ديوان لملاّح" لولد عبد الرحمن كاكي: « وليس هناك الشئ الكثير الذي يُمكن أن يُقال عنها، فهي تُعتبر من الأعمال الفاشلة لولد عبد الرحمن كاكي وللمسرح الجهوي بوهران أيضاً »([8]).

ويعرِضُ لعملين آخرين بقوله: « ثالث عملٍ للمسرح الجهوي وهو "البئر المسموم" من تأليف محمّد أدار، وإخراج العباسي لخضر، وهي المسرحية الثانية للممثل أدار بعد "الأمخاخ" »([9]).ويُتابع: « تُعدّ مسرحية "حب الملوك" رابع عملٍ لمسرح وهران وهي من تأليف الصحافي جمعي عبد القادر، وإخراج الممثّل محمّد خلادي »([10]). وهكذا ساهم "مخلوف بوكروح" في النقد المسرحي الصحفي، ورغم الطابع السريع والمعالجة السطحية لهذه المقالات وهو أمرٌ اقتضته خصوصية الكتابة الإعلامية، فإنها مكّنت المهتمين من معرفة ما يجري في المشهد المسرحي الجزائري في حينه، كما أنها تُمثّل اليوم الذاكرة الحية لفترات من تاريخ مسرحنا ولا غنى عنها لكلّ باحث في هذا الحقل. 

2/"ملامح عن المسرح الجزائري" فاتحة البدايات:

يُعتبر كتاب "ملامح عن المسرح الجزائري" واحد من الدراسات التأسيسية في النقد المسرحي الجزائري، ويحتل موقع الصدارة ضمن المُنجز النقدي لهذا الناقد، ومع شكله المتواضع وحجمه الصغير؛ حيث لم يتجاوز عدد صفحاته الستين (إذا استثنينا الصفحات البيضاء، وصفحات الصور)، تمكّن الباحث من ضغط جملة من المحاور والقضايا المسرحية الجديرة بالمناقشة والتناول في هذا العدد المحدود من الصفحات.وككلّ البواكير والبدايات داخلت هذه الدراسة بعض الهنّات سجّلناها فيما يأتي:

- على مستوى المنهجية، افتقدت هذه الدراسة إلى أهمّ سمات الأكاديمية والمتمثّلة في ضرورة الصدور عن رؤية نقدية واضحة تؤطّرها، وتُعرّف القارئ بالحدود التي تتحرّك ضمنها.وقد غُيِّبت المقدّمة التي جرى التقليد على جعلها منبراً يحتضن تصريحات الباحث بشأن مفاصل بحثه وخطّته، والمنهج الذي عوّل عليه في عرض مادته.وعُوّضت بتمهيد بسط من خلاله موقفه من الجدل القائم حول قضية من أهم القضايا الإشكالية التي يعرفها النقد المسرحي العربي ألا وهي قضية التأصيل.

- تجنّب الباحث التصريح المباشر بالمنهج النقدي الذي تبنّاه، ومع ذلك نستطيع استشفافه والجزم بأنه تضافر بين المنهجين الاجتماعي والتاريخي بفضل جملة من المعطيات والقرائن؛ كإصراره على ربط المسرحية بالتحوّلات الجذرية في المجتمع الجزائري سواء على الصعيد السياسي أو الفكري والثقافي، و تركيزه أثناء دراسته للأعمال المختارة على الأفكار والمضامين والأبعاد الإيديولوجية.

وكذا الاستئناس بالمناسبة التاريخية، والصورة، والمُلحق، والوثيقة التاريخية.

- على مستوى الطرح والتناول، زاوج الباحث بين أسلوب طرح القضايا العامّة التي تخصّ الظاهرة المسرحية في نسختها الجزائرية، وأسلوب قراءة الأعمال المسرحية التي راعى في انتقائها التزامها بالقضايا الاجتماعية، والقضايا النضالية الوطنية والعربية والعالمية.

- بخصوص لغة الباحث، وجدناها لغة نقدية بسيطة، تُلامس المصطلح النقدي المسرحي باستحياء، فهي لا تختلف كثيراً عن لغة الخطاب النقدي الأدبي، بالإضافة إلى توظيفه لبعض المصطلحات غير الواضحة مثل:(التمثيل الكاريكاتوري، التمثيل الواقعي)، وعدم حرصه على توحيد المصطلح؛ كتوظيفه لعدة مصطلحات تفيد الدلالة نفسها منها:(الأشكال التمثيلية، الأشكال شبه المسرحية، الأشكال البدائية).

- يقرأ الباحث العروض كما لو كان يقرأ نصوصاً؛ ففي بعض الحالات لا نعرف إن كان بصدد قراءة عرض أم نصّ؟ ومن ذلك مثلاً قوله عن عرض مسرحية "الغولة":« إنها مسرحية نابعة من الواقع الثوري المبني على النقد الذاتي، وتعرضُ علينا نموذجاً من الأدب الغني بالفكاهة والروح الإنسانية المشبعة بعقل فطن وشعور بالقضايا الرئيسية الحالية »([11]).وكثيراً ما يركّز في قراءته على المضمون، مشيراً إشارة سطحية وعابرة إلى العناصر البنائية الأخرى:كالشخصيات، واللغـة والأسلوب، والبناء الدرامي، ومهمّشًا العناصر الفنية الثابتة المكوّنة لكلّ عرض مسرحي؛ كالتمثيل، والديكور، والإخراج، والأزياء، والإضاءة...إلخ، وأحياناً يُجمل الحديث عن أهمّ ثلاثة عناصر منها وهي:التمثيل، والإخراج، والديكور في سطرٍ واحد، ويقيّمها تقييماً انطباعياً كقوله عنها مثلاً بأنها كانت "رائعة" كما ورد ذلك في تحليله لعرض مسرحية "الغولة" عندما صاغ هذا الحكم الانطباعي:« وتشتمل المسرحية على لوحات مختلفة يربط بينها موضوع أساسي هو تشييد الجزائر من جديد، فكانت هذه اللوحات رائعة من ناحية التمثيل والإخراج والديكور »([12]).

وأمثلة هذا النّوع من الأحكام كثيرة، نكتفي بما قدّمناه منها.إنّ رصدَنا لبعض الهنات التي وقع فيها الباحث في هذه الدراسة، لا ينقص إطلاقاً من قيمتها النقدية، ويُحسب لها أنها من الدراسات الرائدة التي حاولت الخروج بالخطاب النقدي المسرحي في الجزائر إلى الاستقلالية بعد أن كان يُفرد له فصل أو مبحث ضمن الدراسات الأدبية، ويُنظر إلى المسرح كواحد من الفنون الأدبية، بسبب الاقتصار على دراسة وتحليل العنصر اللّغوي فيه وهو النصّ.

3/ بين الفن الرابع والسُّلطة الرابعة:

من التجارب المتميّزة للباحث/ الناقد "مخلوف بوكروح" في مجال الدراسات المسرحية، دراسته الموسومة بـ"الصحافة والمسرح" ، نظراً لما أضافته من تنوّع لتجربته النقدية الخاصّة من جهة، وللتجربة النقدية المسرحية في الجزائر عامة من جهة ثانية.وسنسعى فيما سيأتي للقيام بعملية توصيف للكتاب، ثمّ محاولة تفسير العلاقة بين قطبي "الصحافة"، و"المسرح" استدلالاً بما ورد من تصريحات الباحث في مقدّمة كتابه. 

جاءت هذه الدراسة في قسمين؛ تناول القسم الأوّل منها نوع وحجم التغطـية بالسنتمتر المربّع، وبحَث الثاني في مستوى هذه التغطـية ومدى توفيقها في تحليل العمل الفـنّي.ولأنّ هذا النوع من الدراسات يلجأ إلى توظيف بيانات تُصبّ في جداول خاصّـة، فقد كانت مناهـج « الوصف، والتحليل، والمقارنة »([13])، أنسب المناهج في التعامل معها. ومن خلال هذين القسمين حاول الباحث أن ينظر في علاقة الصحافة بالمسرح، وبالتحديد تقديم دراسة عن دور الصحافة الجزائرية المكتوبة ممثّلة في عشرة صحف وطنية يومية وأسبوعية باللّغتين العربية والفرنسية([14])، في التعريف بالعروض المسرحية التي كان يُقدّمها المسرح الوطني الجزائري خلال فترة حُدّدت بالعقد الأول من الاستقلال.

وتنبع أهمية البحث في علاقة الصحافة بالمسرح، من أهميتهما كوسيطين هامين في نشر الوعي لدى المتلقّي؛ فهما بمثابة السلطتين الخطيرتين اللّتين تملكان إمكانية السيطرة على وعي هذا الأخير، وربما يكون كان هذا هو السبب الذي جعل الباحث يُفضّل اللّون الأحمر لعنوان الدراسة الذي جاء على خلفية تزاوَج فيها البياضُ بالسواد بما فيها اسمه والعنوان الفرعي لدراسته، (هذا إذا افترضنا أنّ الباحث قد تدخّل فعلاً في اختيار غلاف دراسته).

كما أنّ كلاًّ من "الصحافة"، و"المسرح" ينتميان إلى حقل معرفي واحد هو الذيوع والانتشار والتواصل، وكلاهما بحاجة إلى الآخر؛ ومن هذا المنظور نظر الباحث إلى العلاقة بين هذين القطبين، وحاول البرهنة على أنّ « عملية النقد الفنّي للأعمال الفنية عملية اتّصالية وذلك لما تقوم به من وظائف تُسهم في استكمال العملية الاتصالية العامة وتحقيق أهدافها، يقوم خلالها الناقد الفني في وسائل الاتّصال(الصحف بصفة خاصة) بدور المتلقي في علاقته بالعمل الفني، ومرسِل أو قائم بالاتّصال مرة أخرى في علاقته بجمهور المتلقين والمؤسسة الإنتاجية، سواء تمثل الدور الأخير في تقويم الأعمال الفنية من خلال المعايير والأسس الفنية الأكاديمية، أو تمثل في عملية إرشاد وتوجيه جمهور المتلقين إلى الانتقاء والتعرض المقصود إلى الأعمال الفنـية المعروضة »([15]).وكان الباحث قد تطرّق في مقدّمة دراسته إلى تطوّر مفهوم "النقد المسرحي" من قبل القرن العشرين، أي قبل ظهور فنّ "الإخراج" إلى الآن.وأشار إلى دور الصحافة في بلورة هذا المفهوم، وظهور الصحفي المتخصّص في النقد المسرحي.

وخرجت الدراسة في الأخير بنتيجة تقضي بضُعف التغطية الإعلامية للمسرح؛ حيث أثبت الباحث أنّ « الصحافة الوطنية المكتوبة تابعت النشاط المسرحي، لكن هذا الاهتمام كان على الصعيد الكمّي، وهذا ما يجعل صعوبة تقويم هذا الاهتمام المحدود وغير المنسجم للتغطية الإعلامية للمسرح ونوعها خاصة في هذه الفترة التي تميّزت على الصعيد الثقافي بقلّة الحركة الثقافية والمسرحية الواسعة والمستمرّة، يُمكن أن تكون محلّ اهتمام ومتابعة من طرف الصحافة؛ أي أنّ قلّة الإنتاج المسرحي ومحدودية رواجه سبب من أسباب ضعف التغطية الإعلامية، وعدم قدرتها على توجيه الحركة المسرحية »([16]).وبهذه النتيجة المتوقّعة، أكّدت دراسة "مخلوف بوكروح" حول التغطية الإعلامية للعرض المسرحي في الجزائر، انعدام النقد الفنّي الذي يُعدّ أحد الاختصاصات الأساسية، ومن ثمّ غياب الصحفي المتخصّص في هذا المجال؛ فالصحافي الذي أخذ على عاتقه مهمة الكتابة حول النشاط المسرحي، لم يكن مختصّاً ولم يتلق تكويناً أكاديمياً في هذا المجال([17]).

وبالإضافة إلى عدم قدرة الصحفي/الناقد على تناول النشاط المسرحي تناولاً جاداً ينطلق من خلفية معرفية بأصول نقد هذا الفن، ويعتمد مهارات التوغّل في تركيبة العرض المسرحي، بل عدم تمرّسه على هذه الوظيفة التي يقوم بها إمّا هوايةً، أو تكليفاً.عدم قدرته أيضاً على التفريق بين الأنواع الصحفية من(خبر، وتقرير، ومقال)؛ أي أنه « غير متمكّن من الوسيلة التي يكتب بها؛ ذلك أنّ لكلّ نوع صحفي خصوصيته ومقدرته على حمل نوع مختلف من الرسائل»([18]).وإذا كان هذا الصحفي فاقداًلمفاتيح التحكّم في أصول وقواعد هاتين الوسيلتين، فإنه يستحيل تأثيره على المتلقّي، والأهم من كلّ ذلك أنه سيتحوّل إلى خطر على الحركة المسرحية من جهة، وعلى المتلقّي الذي يتذوق هذا الفن ويحتاج إلى من يُعينه في اختياره لما يُشاهد من عروض من جهة أخرى.

وكعادته في ختم دراساته، يدعوا الباحث إلى ضرورة تطوير وتعميق البحث في هذا المجال؛ أي علاقة الصحافة بالمسرح بهدف تصحيح وتوجيه الحركة المسرحية مستقبلاً. 

والحقيقة أنه وإن لم يكن للباحث شرف الريادة في البحث في علاقة الصحافة بالأعمال الفنية؛ حيث سُبق إليها من طرف الكثير من الباحثين في الجزائر وفي الوطن العربي، فإنّ مجمل الجهود التي بذلها بإرادة وصبر الباحث "النبّاشة" (كما يشاء الباحث والناقد المسرحي المغربي "عبد الرحمن بن زيدان" تسميته) في تقليب ركام أرشيف الصحف الجزائرية، يُعتبر من إيجابيات هذه الدراسة؛ وتكمن ايجابيتها أيضاً في إخراج الدراسة المسرحية في الجزائر من دهاليز التكرار والاجترار الذي طبعها ردحاً من الزمن.

4/ "نزاهة المشتاق" وكسر المسلّمات:

في زمن سلّم فيه الدرس النقدي العربي بذلك التاريخ الذي ضُبطت فيه بدايات المسرح العربي بنص "البخيل" المُقتبس على يد "مارون النقاش" سنة(1848)، أو بتلك الفرجات الشعبية الشفوية الموروثة التي اصطُلِح على تسميتها بالظواهر المسرحية، في تغييب تام للنص المؤلف والمطبوع الذي ظلّ التسليم قائماً بأنه الحلقة المفقودة من تاريخ المسرح العربي.جاء هذا الكتاب محاولة علمية جادّة لإعادة النظر في جميع تلك المسلّمات، وخلخلة الأحكام المطلقة الجاهزة التي ترفض منهج الشك وتقصُر الأدوات الإجرائية لأصحابها عن النبش في أعماق التاريخ ونفض الغبار عن مخبوئه.لقد اعتمد صاحب هذا الكتاب تقنية الحفر الأركيولوجي في الذاكرة الشعبية، مدلّلاً بالوثيقة المكتوبة عن وجود نصّ مسرحي عربي مطبوع عنوانه:"نزاهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق" لكاتبه الجزائري المولد، الفرنسي الجنسية، اليهودي المُعتقد والديانة "ابراهام دنينوس"([19]).

حمل الغلاف الخارجي للكتاب صورة عن صفحة من مخطوط المسرحية مكتوبة بالخطّ المغربي القديم، تمّ محو جزء منها وكُتب على هذا المحو عنوان المسرحية المذكور سابقاً.في أعلى الغلاف كُتب اسم المؤلف:ابراهام دنينوس، وفي أسفله وبعد العنوان مباشرة وضِعت بين قوسين العبارة التالية:(أوّل نص مسرحي عربي حديث تأليفاً وطباعةً)، تلتها عبارة أخرى توضيحية حدّدت نوع الدراسة واسم صاحبها كما يلي:تحقيق وتقديم:مخلوف بوكروح.

تصدّر الكتاب مقدّمة بسط فيها الباحث أهمّ الآراء حول بدايات تشكّل التجربة المسرحية العربية لأبرز النقاد العرب والأجانب الذين خاضوا في مناقشة هذه المسألة، ومنهم:(يعقوب لاندو، محمّد يوسف نجم، محي الدين بشتارزي، علي الراعي)، وروّاد هذا المسرح حسب التاريخ السابق وهم:(مارون النقاش، يعقوب صنّوع، عبد الرحمن الشرقاوي..) وعرض آراءهم التي لم تخرج عمّا يلي:

- أنّ طبيعة الثقافة العربية، وتركيبة العقلية الشرقية بتخلّفها وجمودها قد حالتا دون وجود فنّ راق كفن المسرح.

- ولذا فإنّ المسرح العربي قد نشأ عبر آلية النقل، وكان نسخة من المسرح الأوروبي.

- عامل اللغة الذي اعتبره "جاك بيرك" واحدا من المعوّقات، لأنه نظر إليها كلغة جامدة لا تصلح في البناء التراجيدي للدراما.

وبعد وقوفه عند هذه الآراء التي سلّمت بعدم وجود المسرح بمفهومه الحديث في الثقافة العربية، انتقل إلى الحديث عن التجارب الرائدة في الاقتباس والترجمة واستلهام التراث العربي والإسلامي في التأليف المسرحي العربي.

ومن العام انتقل الباحث إلى الخاص؛ متعرّضاً بالتفصيل للتجربة المسرحية في الجزائر، ومركّزا على نشوء هذه التجربة في علاقاتها بالاحتلالين العثماني ثم الفرنسي وكيف أنّ الاحتلال الأوّل عمل على تسييد ثقافته ولغته على حساب اللغة العربية وثقافتها، وسياسات الاحتلال الثاني في مسخ الهوية العربية والإسلامية للشعب الجزائري؛ فكان هدفه من الاحتلال إيديولوجياً وعقائدياً، ولولا الروابط الدينية واللغوية، والمساعي السياسية والوطنية التي وحّدت بين فئات هذا الشعب على اختلافها، لتمكّن هذا الاحتلال من تحقيق غايته التي خطّط لها منذ البداية.

ويتبنى الباحث بخصوص بدايات التجربة المسرحية في الجزائر الرأي القائل ببزوغ فجرها مع مطلع القرن العشرين، معتمداً في ذلك على أبرز الدراسات الغربية والعربية والجزائرية التي تطرق أصحابها إلى هذه التجربة واتفقوا حول تلك البداية وهي: "المسرحية في الأدب العربي الحديث(1847-1914)" لمحمد يوسف نجم، و"المسرح والسينما عند العرب" ليعقوب لاندو، و"المسرح في الوطن العربي" لعلي الراعي، و"ألف عام وعام على المسرح العربي" لتمارا الكساندروفنا بوتيتسيفا، و"مذكرات" محي الدين بشتارزي، وعبد القادر جغلول..

وغيرها.وذكر الباحث بأنّ هذه الدراسات لم تغفل الإشارة إلى مسرحية "البخيل" لمارون النقاش، ولم تشر إلى المسرحية موضوع التحقيق رغم أنها كتبت في الفترة نفسها، ويستثني من هؤلاء الباحث "أبو القاسم سعد الله" الذي كان قد أشار إليها إشارة عابرة في مصنّفه"تاريخ الجزائر الثقافي".ويُعلّل ذلك بالاعتقاد الذي لحق بالتجربة المسرحية الجزائرية من أنها ولدت ونشأت مرتبطة بالعرض في غياب النص، فيقول:« أمّا فيما يتعلّق بمسرحية أبراهام دنينوس، فنذكر مرة أخرى عدم تعرّض الدراسات العربية والأجنبية لهذه المسرحية، إذ تشير معظم الدراسات أنّ البدايات الأولى للمسرح الجزائري ارتبطت بالعرض؛ أي بالممارسة بالاعتماد في غالب الأحيان على نصوص محلية ولم تعتمد على النصوص المنشورة، أو على التراث المسرحي الأوروبي، باستثناء المسرح الفرنسي تحديداً.وكانت العروض الجزائرية تعتمد على ما يمكن أن أُطلق عليه "النصوص الوظيفية"، التي كانت تُكتب لتقدّم فوق الركح، ولم يكن الغرض من كتابتها النشر، وقد تميزت الحركة المسرحـية منذ ظهورها بغياب النص المطبوع، واستمرت هذه الظاهرة بعد الاستقلال وإلى اليوم؛ إذ يُعدّ النص المطبوع الحلقة المفقودة في النشاط المسرحي الجزائري، ومن هنا تُشكّل مسرحية دنينوس حدثاً هاماً باعتبارها تعدّ أول مسرحية عربية مطبوعة »([20]).

ثمّ استعرض الباحث مراحل تطوّر التجربة المسرحية الجزائرية بالتركيز على نقاط الاتّفاق بينها وبين نظيرتها في المشرق العربي، وقام برصدها كالتالي:

- على مستوى لغة الحوار وجمالياته، سجّل تميزّها بالإغراق في السجع الثقيل، والتكلّف في الصور البيانية.

- في أسلوب التعامل مع التراث العربي، لم تختلف التجربة المسرحية الجزائرية في هذا الجانب عن نظيرتها المشرقية، كما اتّفقت معها في الاقتباس من المسرح الفرنسي.

- ارتبط العرض بالغناء دون أن يكون لذلك مبرّراً فنياً، أو موضوعياً عدا منح العرض طابعاً فرجوياً لجذب المتلقي.

- أنّ المسرحية الجزائرية كتبت بالعربية الفصحى والعامية الدارجة، ورغم وجود من هو مثقّف ثقافة فرنسية من بين كتّابها، غير أنّه فضّل كتابة مسرحياته بحروف لاتينية وتُنطق نطقاً عربياً.

- أنّ المسرح الجزائري ارتبط بالأغلبية الساحقة من المتلقين الشعبيين، ولم يكن يتوجّه بخطابه إلى النخبة المثقفة.

وبرصده لهذه الخصوصيات التي طبعت التجربة المسرحية العربية عموماً، وصل الباحث إلى حجر الزاوية في هذه المقدمة ألا وهو تأكيد غياب الاهتمام بالنصّ المسرحي المؤلّف والمطبوع، والتركيز على جانب الفرجة المسرحية في الدرس النقدي العربي، ليجعل من اكتشـافه أو إعادة اكتشافه لهذا النـص حدثاً علمياً هاماً في تاريخ المسرح العـربي؛ حيث يقول عن هذه التجربة:« إنّ اكتشاف المسرحية يُعتبر حدثاً هاماً في تاريخ الدراما العربية، لأنه لم يسبق للدارسين أن اهتموا بأول مسرحية عربية مطبوعة، سواء في الدراسات التي قام بها باحثون عرب، أو باحثون أجانب؛ ذلك أنّ الدراسات تشير إلى الممارسات، ولم تشر إلى موضوع النشر.ومن جهة أخرى فإنّ هذا الاكتشاف يعيد النظر في الاعتقاد السائد بأن المسرح العربي بدأ من المشرق العربي في منتصف القرن التاسع عشر، في حين لم يعرف المغرب العربي المسرح في هذه الفترة، علماً أنّ مارون النقاش قدّم مسرحيته الأولى في عام 1847 في بيروت، أي في نفس السنة التي طبع فيها دنينوس مسرحيته في مدينة الجزائر »([21])

واحتراماً منه لتقاليد الأمانة العلمية وأصولها، أقرّ الباحث بفضل من سبقه من الباحثين الجزائريين والأجانب الذين تعرّضوا لهذا النصّ إمّا بالتحليل المستفيض من زاوية نظرهم وأهدافهم من الدراسة، أو بالإشارة العابرة؛ حيث صرّح قائلاً:« ويعود الفضل في اكتشاف النصّ إلى الباحث البريطاني فيليب سادجروف أستاذ ورئيس الدراسات الشرقية بجامعة مانشيستر.ويذكر الباحث أنّ كاتبها كان مترجماً بالمحكمة الأهلية حوالي 1847.ويبدو أنّ هذه المسرحية هي عمله الوحيد المنشور.أمّا أبو القاسم سعد الله فيذكر أنّ الكاتب ولد عام 1798وتوفي في1872 بالجزائر، ويذكر أنه كان مترجماً في محكمة التجارة في باريس»([22])، وعاد مرة أخرى في خاتمة المقدمة إلى التنويه بفضل هؤلاء الباحثين بقوله:« وفي الأخير نذكر أنّ الباحثين ف.سادجروف، وك.موريه حقّقا النصّ ونشراه مع مجموعة من النصوص العربية في كتاب"jewish contributions to nineteenth century arabic théâtre" وقد استفدنا كثيراً من الدراسة القيّمة المنشورة في هذا الكتاب التي تفضّل الزميل الأستاذ فنّي عاشور بترجمتها لنا، وننبّه القارئ أننا لم نكرر ما قام به هذان الباحثان فقد شكلْنا النصّ حتى تسهل قراءته، وشرحنا المفردات التي قد تستعص على القارئ الجزائري والعربي، وحرصنا أن يخرج النص قريباً من الصيغـة التي قدّمه بها الكاتب دنينوس في الطبـعة الحجرية »([23]).

 بعد هذا التقديم التوضيحي عمد الباحث إلى تحقيق نص المسرحية وتحليل مستواه اللغوي التركيبي، وخرج من هذه الخطوة الإجرائية بالملاحظات التالية:

- أن المسرحية وظّفت المثل الشعبي، واعتمدت على السجع الثقيل وموسيقى الكلمات، وقد كانت هذه  الخصائص بمثابة الحيل البلاغية التي غطّت بها على ضعف حبكتها.

- عكست غزارة الأمثال اهتمام دنينوس بالذاكرة الشعبية الشفوية الجزائرية.

- قام الكاتب بتأثيث بعض مقاطع نصّه الحوارية بالشعر الشعبي.

- اهتمامه بموضوع الحبّ.

- الاقتباس من التراث العربي؛ حيث وظّف أشعاراً مقتبسة من ألف ليلة وليلة وكشف الأسرار، واستوحى بعض المواقف من القرآن الكريم.

- إدراج مقاطع مطوّلة من الشعر الشعبي الملحون والمغنّى.

- اعتماد أسلوب الأشعار الفصيحة كي تصبح عادية، والانتقال بكلّ تلقائية من النثر المسجوع إلى الشعر الموزون المقفى.

- وظّف الكاتب لهجة مدينة الجزائر في القرن التاسع عشر، واهتمّ بوضع الإرشادات المسرحية.

وخلص الباحث بعد تسجيله لهذه الملاحظات، إلى تأكيد جزائرية هذا النصّ المسرحي الذي لم يكن تقليداً للمسرح الأوروبي سوى في طريقة تقسيمه إلى فصول.

وبهذا الفتح النقدي الذي انطلق بزاد علمي جادّ، قوامه منهج الشكّ والتشكيك في كلّ المسلّمات والحقائق المطلقة والنتائج النهائية لإعادة النظر في تاريخ المسرح العربي، بإعادة كتابته استناداً إلى الوثيقة المكتوبة.دخل الدرس النقدي العربي عبر الباحث/ الناقد الجزائري مرحلة جديدة، هي مرحلة طرح الأسئلة بدلاً من الركون إلى الأجوبة النهائية، وكما قال الباحث المغربي "عبد الرحمن بن زيدان":« إنّ توسع دائرة البحث عن الحلقة المفقودة من تاريخ المسرح العربي، ودعم كلّ الأحكام حول تاريخ هذا المسرح بالوثيقة الناطقة بتاريخيتها، وتخليص النقد المسرحي من الأحكام الجاهزة، والتعميم، والفرضيات التي لم تكن تُفضي سوى للمغالطات في المنهج، والرؤية والنتائج المتوصّل إليها.كلّها عمليات لا يمكن ضبط اشتغالها إلاّ بتبنّي المناهج العلمية التي توظّف توظيفاً سليماً من أجل بناء حقيقة الوثيقة، وتقديمها بالشكل الذي يراعي نسبية القراءة والمقروء، ونسبية الاستقراء أثناء تتبّعه لإضفاء الموضوعية على موضوع البحث.وما نراه اليوم من توجّه في النقد المسرحي والبحوث الميدانية، وقراءة النصوص المخطوطة إلاّ نوعــــاً من أنواع تقديم المقدّمات الأســاسية لبناء أطروحات جديدة حول تاريخ المسرح العربي »([24]).ويمتدّ هذا التوجّه الجديد في النقد المسرحي الذي يعتمد المناهج العلمية المناسبة، ويُوظفها توظيفاً سليماً في قراءة الظاهرة المسرحية في الجزائر عند هذا الباحث، إلى دراسات أخرى ميدانية اهتمّت بظاهرة هامّة في التركيبة المسرحية ألا وهي ظاهرة الجمهور، كما سيتبيّن في المحطّة الموالية ضمن هذه التجربة النقدية.

5/ ظاهرة الجمهور وموقعها في خطابه النقدي:

  5-1/جذورها في النظرية الدرامية:

من المعلوم أنّ ظاهرة الاهتمام بالجمهور المسرحي ظاهرة قديمة، بدأت تظهر بوادرها مع فجر النظرية الدرامية التي تُعدّ نظرية المحاكاة الأرسطية أقدمها وأهمها على الإطلاق، فكانت الدراما في إنتاجها وتلقيها القاعدة التي تأسست عليها تلك النظرية، مسنودة بمجموعة من المفاهيم من قبيل:(المحاكاة، التمثّل، الإيهام، الخوف، الشفقة...إلخ)، ويؤطّرها مفهوم "التطهير/catharsis"([25]) المفهوم الأكثر ارتباطاً بعنصر الجمهور وفِعل التلقّي لديه.و قد طرح أرسطو هذا المفهوم في كتبه "فنّ الشعر"، و"علم البلاغة"، و"السياسة" بأسلوب متفاوت؛ حيث ذكره في كتابه "فنّ الشعر" بشكل سريع وعابر مرتين(في الفصلين السادس، والحادي عشر)، وأورده في كتابه "علم البلاغة" وربطه بمشاعر الخوف والشفقة اللذين يشعر بهما المتفرّج حين يتمثّل نفسه مكان البطل المأساوي، كما  ربطه بالموسيقى من منظور طبّي بحت في كتابه "السياسة"؛ فقد اعتبر الموسيقى العنيفة صالحة لعلاج بعض الحالات المرَضية التي يكون المريض فيها مسكوناً بالأرواح من منطلق أنّ هذا النوع من الموسيقى يُحكِم سيطرته على المستمع، ويتملّكه، ويحقّق النشوة الانفعالية واللّذة فيكون بمثابة العلاج الذي يُطهّره ويُنقّيه مما علق بنفسه من أرواح شرّيرة([26]).ولم يتوقّف هدف التطهير عند العلاج بالنسبة لأرسطو، بل تعداه إلى تحقيق المتعة لدى المتلقّي؛ متعة جمالية ترتبط بالبناء الخيالي الذي تسمح به التراجيديا من خلال تحقيق المحاكاة والإيهام المسرحي، ومتعة نفسية تتولّد عن عملية التطهير([27]).ورغم ما هو بادٍ على هذا المفهوم من وضوح وعدم تعقيد، غير أنه أثار جدلاً كبيراً عند النقاد حول كيفية حدوثه، فذهبوا في تفسيره مذاهب شتّى نُعدّد منها([28]):

1- التفسير المقارن:ومنطلق هذا التفسير أنّ "أفلاطون" هاجم التراجيديا بدعوى أنها تُثير في النفس عاطفتي الخوف والشفقة؛ هذه الإثارة التي تجعل المُشاهد للتراجيديا ضعيفاً من الناحية الانفعالية، فقام أرسطو بالردّ على أستاذه وأوضح له أنّ إثارة هاتين العاطفتين في نفس المُشاهد يُخلّصه منهما، ومن ثم يقع التطهير الذي يجعل الشخص أكثر صحةً من الناحية الانفعالية مما كان عليه من قبل.

2- النظرية السادية:وفحواها أنّ التطهير يحدث في نفس مُشاهد التراجيديا عندما يتمتع برؤية الآخرين يتعذبون، وتتضاعف تلك المتعة حين يتحقّق المُشاهد من أنّ ما يُشاهده على خشبة المسرح ليس إلاّ تمثيلاً.

3- النظرية الإحلالية:وتقول بأنّ المتفرّج عادة ما يتمثل نفسه في إحدى الشخصيات التراجيدية التي تُعاني العذاب، وبنهاية المسرحية يُداخل المتفرّج نوع من الفرح مبعثه شعوران:

أ / أنّ الأحداث المفجعة لم تحدث له حقيقة.

ب/ أنّ متاعبه الشخصية ليست كارثية قياساً إلى تلك التي شاهدها، ويمكن حدوثها للآخرين.

4- النظرية التعليمية:التي تذهب إلى القول بتعلُّم المتفرج من المصير الذي يؤول إليه البطل الشرير؛ فهو عندما يرى معاناة البطل يخاف ويشفق عليه، ثمّ يتجنّب كل المشاعر التي كانتسبباً في هلاكه.وباختصار، فإنّ مفهوم التطهير وبالرغم من ارتباطه ارتباطا مباشراً بذات المتلقّي غير أنه لم يتم النظر من خلاله إلى هذا الأخير كقطب فاعل في العمليـة المسرحية، فقد ظلّ يُنظر إليه كمتلق سلبي تُختبر بواسطته درجة قوة تأثير التراجيديا؛ فقد ذكره أرسطو في سياق تعريفه لها كنوعٍ مسرحي.

وبناء على هذا الارتباط الوثيق بين حدوث التطهير والبنية الدرامية للتراجيديا.كما خطّط لها أرسطو، وحدّد مسارها الذي اختار له أن يبدأ بالمحاكاة، مروراً بالإيهام، والتمثّل، والخوف، والشفقة، وصولاً إلى التطهير.وهذا الترتيب نادراً ما يحدث في الأشكال المسرحية التجريبية الحديثة التي ظهرت في ظروف مختلفة عن تلك التي نبعت منها التراجيديا؛ لذلك كان لهذه الأخيرة بنيتها الدرامية المُغايرة، ومن ثمّ تأثيرها المُغاير.وهو ما أدّى إلى حتمية تراجع مفهوم التطهير الذي أعلن إفلاسه نظراً لعجزه عن وصف التأثير الذي تحدثه الأشكال المسرحية المخترِقة للتقاليد الدرامية الأرسطية، مخلّفاً الساحة لمفهوم آخر يَفترض وعياً أعمق، وفاعلية أكبر للمتلقي أثناء وبعد العرض.ونقصد به مفهوم "التغريب/ Aliénation" الذي كان للكاتب والمخرج الألماني "برتولد بريخت" فضل إدخاله إلى مجال المسرح([29])،مواجهاً به المفهوم السابق الناتج عن "تمثُّل" المتفرّج بالبطل التراجيدي بعد إيهامه بأنّ ما يُشاهده حقيقي، وهو ما يُشكّل حسب رأيه مظهراً من مظاهر الاستلاب الذي يتعرض له المتفرّج.فاقترح مصطلح "الإنكار"(وإن لم يُسمِّه) بديلاً لمصطلح" الإيهام"، أو ما يُطلق عليه أيضاً تسمية "كسر الإيهام"، منطلقاً من مبدأ جمالي وإيديولوجي يتكئ على تغريب المألوف، مما يجعل المتفرّج في موقع المُدرك الواعي لما يُشاهد، ثمّ المحلّل والمناقش، فتشتغل بذلك طاقاته الإدراكية عوضاً عن استقبال ما يُشاهده بطريقة آلية سلبية.

5-2/ موقعها في النقد المسرحي الجزائري:

لم تغب قضية الجمهور عن اهتمامات الدرس النقدي المسرحي الجزائري منذ بدايات تشكّله؛ فقد كانت دائمة الحضور في مناقشاته خاصة تلك التي تناولت أزمة المسرح.ولا غرابة في ذلك لأنّه لا مسرح دون جمهور، وهناك مقولة شائعة في الوسط المسرحي تؤكّد أنّ الجمهور هو النصف الأفضل والأخطر من العرض، مما يعني أنّ حياة العرض المسرحي تكمن في استجابة الجمهور الكاملة له([30]).ويُعتبر "عبد الله ركيبي" من أوائل النقاد الجزائريين الذين أدلوا بدلوهم في هذه المسألة، لكنه وقف عند حدّ ملامسة السطح منها ولم يتعمّق في مناقشتها، حيث اكتفى بتأكيد قيمة الجمهور كطرف فاعل في العملية المسرحية، وذهب إلى تقرير حقيقة غيابه عن المشهد المسرحي في بدايات نشأة التجربة المسرحية الجزائرية، اعتقاداً من هذا الجمهور أنه من التقاليد الدخيلة الخاصة بالمعمّرين، ما دفعه إلى التوجّس خيفة منه وهو ما حال دون ترسيخ المسرح كسلوك اجتماعي في البيئة الجزائرية([31]).وقد لاحظنا أنّ هذا الناقد قد وقف عند عتبة هذه المسألة مكتفياً بتوصيفها.ويبدو أنها لم تكن موضوع مناقشته من البدء؛ ولكنه قام باستدعائها في سياق مناقشة قضية أخرى لصيقة بها ولا يمكن بأي حال فصلها عنها وهي قضية ترسيخ المسرح كتقليد متّبع في الثقافة الجزائرية والعوائق التي حالت دون ذلك، ثمّ الوقوف على أنّ إدبار الجمهور عن ارتياد قاعات المسرح هو السبب الجوهري في عدم ترسيخ تقاليد مسرحية لديه.وبذلك، نظر"عبد الله ركيبي" إلى الجمهور من زاوية ضيقة بالرغم من إدراكه لأهميته؛ فلم ير فيه سوى مشجباً يُعلّق عليه كل المشاكل التي تحول دون سيرورة وتطوّر المسرح في الجزائر.ويتأكّد هذا الزعم، عندما يذهب هذا الناقد إلى القول بأنّ هذا العائق ما إن تلاشى حتى ظهر آخر تمثّل في البحث عن اللغة المناسبة لمخاطبة هذا الجمهور في ظرف تفشت فيه الأمية، وسادت الثقافة الأجنبية على وسائل الإعلام والثقافة والاتصال([32]).

وأقبل "محمد الطاهر فضلاء" على مناقشة هذه القضية من الموقع نفسه؛ أي من الخارج دائماً، مع اختلاف بسيط تمثل في رفضه تحميل الجمهور تبعات المشاكل التي تعوق ترسيخ تقاليد مسرحية في المجتمع الجزائري، معتقداً أنّ هذا الحكم يتضمن حكماً آخر يقضي بتغييب الوعي الثقافي عن جمهورنا وهو ما لا يُمكن قبوله - من وجهة نظره - لا سيما في عصرنا هذا الذي اتّسعت فيه المدارك على المدى الثقافي الأوسع، ولذا من الأجدى البحث عن الدوافع الكامنة وراء هذا العزوف من طرف الجمهور، عوضاً عن إصدار أحكام تعسّفية في حقّه([33]).ثم ختم مناقشته بتوجيه دعوة إلى المهتمين بالمسرح إلى توطيد العزم على البحث عن الأسباب التي صرفت جمهورنا عن هذا المسرح،وأكّد بأن الحل ليس عسيراً إذا توفرت الإرادة، وصدقت العزيمة، مستشهداً بمقولة "توفيق الحكيم" أنّ المسرح هو أقصر طرق الأدب للوصول إلى الجمهور، ولكنه أكثرها امتلاء بالعوائق والصخور([34]).

لا يختلف هذا الطرح كثيراً عن الذي قدّمه "أحمد بيوض" حول ذات القضية ألا وهي غياب جمهورنا عن مسارحنا، لكنه ذهب في تفسير هذا الغياب مذهباً مختلفاً؛ حيث أرجعه إلى إستراتيجية خاصة انتهجها المسرح الجزائري في مرحلة مبكّرة، كان هدفه منها كسب ثقته بنفسه أولاً قبل انطلاقه في بناء قاعدة شعبية له عبر أنحاء الوطن([35]).ولا ندري ماذا كان يقصد الناقد بكسْبِ المسرح لثقته بنفسه؟ وكيف يمكن أن ينطلق بعيداً عن جمهوره، أو يرسّخ أسسه بدون وجود قاعدة شعبية له؟ وهل يمكن فصل ثقته بنفسه- مهما كان المراد بها - عن ثقة الجمهور به، وعلى العموم فإن الطابع الصحفي بتوقيعاته العجلى، وتعميماته المجافية لعنصري التحليل المعمّق، والنقاش الهادي، هو ما طبع عرض "أحمد بيوض" لقضية الجمهور المسرحي.

وفي اتجاه معاكس لهذا الطرح جاء رأي الباحث "مخلوف بوكروح" حول هذه المسألة؛ إذ أكّد أنّ المسرح الجزائري لم يكن هدفه الوصـول إلى المستوى الفني الجيد، بقدر ما كان هدفـه أن يلتحمبالجمهور وأن تزداد قاعدته وأن يرتبط به الناس ويألفوه([36]).وبالرغم من مساعي مسرحنا لتحقيق هذا الهدف بتنظيـمه لزيارات خارج العاصمة كانت وجهتها مدناً جزائريـة عديدة، بقي الفشل يطارده بسبب تكتّل سلسلة من المعوقات منها، استحالة أن تُغطي فرقة مسرحية واحدة كامل القطر الجزائريفمن الطبيعي أن تتوفر لكل مدينة فرقتها الخاصة، ثم ما أسماه بمسألة البنايات (أو الشكل المعماري الحالي) التي اعتبرها أشكالاً مخيفة يقف جمهورنا أمامها مشدوهاً؛ لأنها لا تشبه أُطر الحفل أو الفرجة في تقاليدنا الثقافية والحضارية الموروثة([37]).وإن كنا نوافق الناقد بخصوص الجزئية التي ذهب فيها إلى القول بعدم التعويل على فرقة مسرحية واحدة في خلق جمهور مسرحي جزائري على نطاق واسع، فإننا نختلف معه جزئياً فيما قرّره بشأن إسهام الشكل المعماري لمسارحنا في خلق هوة بين الجمهور والمسرح باعتباره يعكس البنية الاجتماعية للآخر؛ ذلك أننا بحاجة فعلاً إلى بنية معمارية تعكس تركيبتنا الاجتماعية والثقافية والحضارية، وتستجيب لأعرافنا الاجتماعية.ومردود على الباحث قوله بأنّ تلك الأشكال تثير مشاعر الخوف في نفوس جمهورنا، وتجعله يقف مشدوهاً أمامها.فهذا القول يتضمن حكماً قاسياً على هذا الجمهور يُفيد اتّهامه بالبداوة والافتقاد إلى الذوق والحسّ الفنّي.حتى لو كان يقصد بحكمه هذا جمهور العشرينيات من القرن الماضي.ويتوصّل الباحث في الأخير إلى نتيجة فحواها أنّ المسرح الجزائري يعاني من مشكلة غياب الجمهور؛ ويقصد بغياب الجمهور هنا عدم خضوعه لتقاليد مسرحية تدفعه لحضور العروض بطريقة منتظمة، وتجعل من عادة ارتياد المسرح جزءا من حياته الاجتماعية.ويعتقد بتورّط مسرحنا في تغييبه؛ هذا المسرح الذي ظلّ يعتقد بأنّ مهمته تقتصر على عملية الإنتاج، في حين أنّ أعظم واجب عليه هو خلق جمهور والمثابرة من أجل تربية ذوقه، وزرع عادة ارتياد المسرح فيه([38]).

لقد كشفت الآراء السابقة لأبرز نقاد المسرح في الجزائر زاوية النظر الضيقة التي نظر منها هؤلاء إلى قضية الجمهور المسرحي؛ حيث اعتبروه متّهماً ثبتت مسؤوليته في جلّ المشاكل التي تقف في وجه سيرورة المسرح وتطوّره؛ فهو البدائي الذي عجز عن فتح نوافذ فكره لرياح الحضارة، وهو الرجعي المتقوقع على نفسه الرافض لفكرة تقبّل أي دخيل على ثقافته التقليدية، وهو الأمّي الذي لا يفهم اللغة الفصحى ومن الضروري التنازل والتضحية بهذه اللغة المِعطاء لأجله...إلخ.وعلى العموم فإنّ قضية الجمهور كان لها حضورها الدائم في الخطاب النقدي المسرحي الجزائري، بيد أنها لم تأخذ حظّها من النقاش العلمي الجاد؛ فكلّ من أسال حبر قلمه في تناولها، ورغم إدراكه لأهميتها ووعيه بالجمهور كمركّب أساس في العملية المسرحية.كان ينظر إليها من الخارج لا من الداخل؛ أي أنّ هؤلاء آمنوا بالدور الذي يلعبه الجمهور في نجاح أو فشل المسرحية لكنهم لم يجهدوا أنفسهم في محاولة تشريح هذا الدور لاكتشاف أهمّ العوامل النفسية والاجتماعية المتحكمة في تلقّيه للعرض المسرحي بعيداً عن سياسة توجيه الاتهامات له بالجهل والأمية والتخلف.ولعلّ موقف الباحث "عبد الملك مرتاض" من هذه القضية يعطينا صورة واضحة عن المستوى الضحل للمناقشات التي خُصّت بها هذه القضية؛ حيث كتَب ما يلي:« إنّ المتفرّجين يختلفون عن القرّاء الذين لا يكونون كذلك حتى يتعلّموا، ولا يكون التعلّم إلاّ في سنوات طويـلة جدّاً، وإيجـاد جمهور متفرّج أهـون وأيسر من إيجاد جمـهور من القرّاء »([39]).ونؤكّد في هذا المقام بأنه لم يكن بمقدور هؤلاء الذهاب بعيداً في دراسة ظاهرة الجمهور؛ ذلك أنّ هذا النوع من الدراسات حديث النشأة، فقد بدأت تظهر ملامحه ابتداء من النصف الثاني من القرن الماضي متّخذة شكل الاستبيانات « وذلك لرصد دوافع الجمهور وذوقه والشرائح الاجتماعية التي ينتمي إليها، وكذلك لمعرفة رأيه في المكان المسرحي وفي فضاء العرض، ومنظور الرؤية، وسبر توقعـه لما سيُعرض عليه ومدى استيعـابه لما قُدّم له، ومدى تقبّـله وإقبـاله على المسرح... إلخ »([40]).

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنّ تجربة الباحث "مخلوف بوكروح" في تناوله لهذه القضية هي أول وأهم تجربة علميـة في الخطاب النقدي المسرحي الجزائري؛ فقد كان تناوله لها علمياً جاداً مسلّحاً بالمنهج المناسب، ومستأنساً بتقنيات علمية أخرى مساعدة بهدف الوصول إلى نتائج دقيقة ومضبوطة.ونشير في هذا المقام إلى أنّ هذه التجربة النقدية المتميّزة كان لها محطتين اثنتين:الأولى:مثّلها كتابه الرائد في هذا المجال، الموسوم بـ"المسرح والجمهور، دراسة في سوسيولوجية المسرح الجزائري ومصادره".والثانية:وهي التي أثبت من خلالها رسوخ قدمه في هذا المجال، وقد جسّدها كتابه:"التلقي والمشاهدة في المسرح".

5-3/ بدايات اهتمامه بالظاهرة:

أبدى "مخلوف بوكروح" اهتماماً كبيراً بظاهرة الجمهور في التركيبة المسرحية، فانشغل بها وحاول مناقشتها بما توفّر لديه من أساليب ومناهج علمية منذ بدايات تشكّل خطابه النقدي؛ فلو عدنا إلى مقالاته الصحفية التي كتبها مع بدايات تجربته النقدية، لاكتشفنا بين أسطرها حضوراً دائماً لهذه المسألة التي أظهر ولعاً شديداً بمناقشتها، ويُعزى هذا الاهتمام حسب اعتقادنا إلى كون هذه القضية تنتمي إلى حقل الاتصال الذي تخصّص فيه الباحث.وللتدليل على هذا الاهتمام المبكّر لديه بهذه الظاهرة ونظره إليها كإشكالية تحتاج إلى البحث والنظر المستمر، نعرض هذا المقال الذي نشره مطلع الثمانينيات مكتفياً بملامسته للسطح من هذه القضية، إمّا لإحساسه حينها بقصور أدواته النقدية عن البث فيها، أو تقيّداً منه بضوابط الكتابة الصحفية، أو للسببين معاً.وقد صدّر هذه المقالة بمقولة للمفكّر والفيلسوف الإرلندي "برناردشو" جاء فيها:« إنّ من واجبي أن أفكّر في جيبي وفي جيب المتفرّجين وفي مدى ما يستطيع الناس الجلوس في المسرح، وفي طوابق أصوات الممثلين، وفي طاقة السمع والرؤية عند هذا الغلام الجالس في مقعده بأعلى المسرح(...)هذا الغلام الذي يعتبر حقّه في أن يجلس جلسة تمكّنه كلّ التمكين من استيعاب الروايـة هو حق مقدّس قدسية الجلسـة التي يجلسها ذلك المليونير في المقاعد الأمامـية »([41]).وتبدو نية الباحث من اختياره لهذا التصدير واضحة، وهي تأييده لفكرة أهمية الجمهور كطرفٍ فاعل في المعادلة المسرحية باعتباره المرآة التي تعكس نجاح أو فشل العرض المسرحي، ومن ثمّ إعطائه نصيباً من الاهتمام في الدراسات المسرحية لفهم سيكولوجيته والقبض على العوامل التي تتحكّم في تلقّيه للعرض المسرحي، وهو ما عبّر عنه في صياغة نقدية بسيطة قال فيها:« والجمهور ضروري للمسرح كالماء والهواء بالنسبة للكائنات الحية، ومهما زاد عدد الجمهور فإنه يُعدّ إحدى العوامل الرئيسية لاستمرارية الحركة المسرحية في أي بلد كان، فالمسرح لا يُمكن أن ينمو ويزدهر إلا بوجود الجمهور؛ أي أنه لا يوجد هناك مقياس دقيق نقيس به نجاح وفشل المسرح بدون الجمهور»([42]).

وقد اقتصر حديثالباحث في هذه المقالة عن أهمية الجمهور؛ إذ لم يُقدِم على مناقشة هذه القضية مناقشة جدية، بتناولها من الداخل والوقوف على خصوصيتها في المسرح الجزائري، بل اكتفى بتقرير حقيقة معروفة لدى الجميع وهي قلّة إقبال جمهورنا الجزائري على المسرح، وترك الفكرة معلّقة بقوله:« غير أنّ السؤال يبقى مطروحاً عن هذا الانفصام بين المسرح والجمهور؟ لأن الإجابة عن ذلك تتطلّب دراسـة وافية عن ظـهور وميلاد المسرح في الجزائر »([43]).لكنه أشار إلى أنّ الأمر يحتاج إلى دراسة وافية وجادة، ولعله يُلمح هنا إلى رغبته المستقبلية في إنجاز هذا النوع من الدراسات المسرحية؛ التي تحتاج إلى الوقت والجهد لطبيعتها الميدانية، ولعدم التعويل عليها في الوصول إلى نتائج نهائية ومضبوطة؛ هذه الأخيرة التي تتغير بتغيّر نفسية المتفرّج، وظروفه الاجتماعية، والمحيط الاجتماعي الذي ينتمي إليه؛ ذلك أنّ لجمهور المسرح ميزة أساسية وهي أنه لا يملك ملامح محدّدة، إنه يتركّب من أناس مجهولين، اجتمعوا بالصدفة في الغالب، لا يعرف بعضهم بعضاً، إنه فئات وأصناف([44])،وكلّ هذا « من شأنه أن يجعل التنبؤ بطبيعة تكوينه تماماً، أو بمدى استجابته للعرض المسرحي أمراً صعباً بل ومستحيلاً في بعض الأحيان »([45]).وسنرى أنّ هذا التلميح سوف يتحوّل إلى تصريح، وتُصبح النية فعلاً ومنجَزاً في مشروع تطوّر عبر دراستين ضمن هذا التوجّه كما سيتضّح في المباحث الأتية.

5-4/ تناوله للظاهرة من منظور سوسيولوجيا الاستقبال:

كانت البداية الفعلية الجادة لاهتمام الباحث "مخلوف بوكروح" بظاهرة الجمهور المسرحي مع صدور دراسته الموسومة بـ"المسرح والجمهور، دراسة في سوسيولوجية المسرح الجزائري ومصادره"؛ حيث خصّص الفصل الثاني منها لدراسة  ظاهرة إقبال الجمهور على عروض المسرح الوطني الجزائري خلال فترة زمنية حُدّدت بالعقد الأول من الاستقلال، وذلك تبعاً لسلسلة من المتغيرات؛ كالتوزيع الزمني للعروض حسب السنوات والأشهر والأيام والمواقيت، والنوع المسرحي، ووسيلة التعبير، وطبقات المقاعد، بعد أن درس توجهاته بالنظر إلى نوع المسرحية، وموضوعها، ومصدرها، ووسيلتها في التعبير.وقد شاء الباحث لدراسته هذه أن تسير في اتجاه « الدراسات السوسيولوجية التي تسعى إلى فهم بعض المشكلات المتعلقة بطبيعة التفاعل الاجتماعي والتغير الثقافي الذي طرأ على البنيات الاجتماعية، كما أنها تُسهم في فهم وتفسير عملية الاتصال الاجتماعي التي تزداد تطوراً مع تطور المجتمعات المعاصرة »([46])، ولجأ إلى التنويع في الأدوات الإجرائية التي غالباً ما يُوظّفها هذا النوع من البحوث الميدانية؛ فاعتمد أسلوب المقابلات الشخصية مع العاملين بالمسرح من ممثلين، وكتّاب، ومخرجين، وإداريين، واستثمر أرشيف المسرح الوطني،وقد كان الباحث على يقين بأنّ الوسيلة الأولى « غير مقنعة لأنها لا تقوم على معطيات ملموسة »([47])، أما الثانية فإنّ نقص الوثائق وغياب المعطيات الدقيقة عمّا توفّر منها، جعلها عاجزة عن تحقيق نتائج علمية نهائية ومضبوطة.والعملية ككل ليست سهلة؛ ذلك أنّ « تحليل التلقي عند الجمهور عملية متعبة ومعقّدة؛ لأن كل عرض له جمهور يتكون من أفراد ينتمون إلى مستويات عديدة ومختلفة في كيفية التلقي.وهذه المستويات تختلف وتتعدّد طبقاً للسنّ، والتعليم، والثقافة، والبيئة، والاستيعاب، والحساسية العاطفية، والخبرة سواء فيما يتصل بالحياة أو بالفنّ الدرامي نفسه »([48]).

ومن هذا المُنطلق أقرّ الباحث "بنسبية" النتائج التي توصّل إليها من خلال هذه الدراسة الرائدة ضمن الدراسات المسرحية الجزائرية، وأبقى على باب البحث في هذا المجال مفتوحاً؛ حيث ذهب إلى التأكيد بأنّ « موضوع الجمهور يبقى محلّ دراسة ميدانية قائمة على البحث والاستقصاء للوصول إلى تحديد طبيعة الجمهور المسرحي في الجزائر من خلال مجموعة فرضيات وأسئلة تطرح على الجمهور الذي كان يقبل على عروض المسرح، أين ومتى ولماذا وكيف وماهي الدوافع التي تجعله يُقبل على المسرح، وما هي الخلفية الفكرية التي يحملها قبل مشاهدة العرض المسرحي وبعده؟ كلّ هذه العناصر تبحث في إطار الدراسات الخاصّة بسوسيولوجية الجمهور المسرحي »([49]).ويُشير هنا إلى ما يُطلق عليه "أسلوب الاستبيانات" الذي تُوظّفه الدراسات السوسيولوجية لفهم ظواهر المجتمع، وهو ما يعِدُ في خاتمة هذه الدراسة باللجوء إليه في بحث مستقبلي لدراسة موضوع تفاعل الجمهور الجزائري مع المسرح، وتحديد توجّهاته([50]).

وجاءت المحطة الثانية التي تعمّق فيها البحث في ظاهرة الجمهور الجزائري والعوامل المتحكّمة في فِعل التلقي لديه في تجربة الباحث "مخلوف بوكروح" النقدية، ممثَّلة في دراسته الموسومة بـ"التلقي والمشاهدة في المسرح".تناول من خلالها ثلاثة محاور هي على التوالي:(التلقي،سمات الجمهور المسرحي، أنماط التفاعل مع العرض، الفضاء المسرحي).وقبل عرضه لهذه المحاور وإفاضته فيها، قدّم الباحث لكتابه بمقدمة حاول من خلالها تقرير سلسلة من الحقائق المتعلّقة بصيرورة النقد وتحوّلاته المتعلقة بالعمل الفنّي وكيفية تلقيه، جعل منها مسوّغات لاختياره البحث في هذا المجال، نوجزها في النقاط الآتية:

1- إنّ الدراسات النقدية القديمة أولت عنايتها بالعمل الفني في إنتاجه وإرساله؛ أي أنها ركّزت علىالنصّ وكاتبه والسياقات التي أحاطت به أثناء عملية خلقه.ولا يعني ذلك أنها أغفلت المتلقي؛ فالاهتمام به كان حاضراً ضمن أولويات تلك الدراسات، ولكنها لم تر فيه غير مستقبِل سلبيّ للعمل الفني؛ ولم تنظر إليه بوصفه بنية ذهنية وسيكولوجية واجتماعية مستقلّة.ومن أبرز تجليات هذا الاهتمام نظرية "التطهير" عند أرسطو، و"التغريب" عند بريخت،  وقوّة التأثير وأسلوب الإقناع في خطب السفسطائيين قبل هذه وتلك.

2- إنّ النظر إلى المتلقّي كقطب فاعل وخلاّق في العملية التواصلية لم يظهر واضحاً إلاّ مع صدور دراسة "رولان بارث" الشهيرة "موت المؤلف"؛ هذا الموت الذي خلفته ولادة القارئ، بعدها احتلّ هذا القطب مركز الثقل في العملية التواصلية خاصة بعد بروز نظرية التلقّي بفضل جهود جامعة كونسطانس الألمانية، مُمثّلةً في شخص كلّ من "ياوس"، و"إيزر".ولم يغفل الباحث الحديث عن الخلفية السياسية والاجتماعية التي مهّدت في الستينيات لتراجع سلطة المؤلف وتقدّم سلطة القارئ. 

3- إنّ الدراسات النقدية الحديثة قد اهتمت بموضوع التلقّي ضمن علاقة القارئ بالنصّ، غير أنّ المسرح ظلّ إلى وقت غير بعيد خارج هذا الاهتمام في مستواه النظري على الرغم من أنّ فِعل التلقّي أكثر ما يتجلّى في المسرح الذي يكون فيه الاتصال مباشراً بين المرسل والمستقبل، وهو ما يجعله الميدان الأفضل لاختبار فرضيات نظرية التلقي.   

4- إنّ احتفاء الكُتّاب، والمخرجين المسرحيين بالجمهور والتلقي، سبق بكثير اهتمام النقّاد والمنظّرين.

وبعد استظهاره لهذه الحقائق النقدية، أقدم الباحث على عرض المفاصل الأربعة التي أسّس عليها دراسته؛ فخصّص المفصل الأول لمفهوم التلقي والمشاهدة مستحضراً أشهر النظريات التي تبحث في هذا المجال كمدخلٍ ضروري لفهم طبيعة وخصوصية التلقي في المسرح.ثمّ أفرد المفصل الثاني لإبراز الخصائص والسمات الاجتماعية التي دخلت في تشكيل تركيبة الجمهور الجزائري خلال فترة زمنية محدّدة هي التسعينيات من القرن الماضي.وخصّص المفصل الثالث للنظر في أنماط وردود أفعال الجمهور أثناء العرض المسرحي.وختم بمفصلٍ رابع تناول فيه الفضاء المسرحي كإطار للعرض لا يُمكن عزله عن سلسلة القيم الثقافية والاجتماعية الخاصّة بالمجتمع الذي يوجد فيه.وسنعمل على عرض ما جاء في كلّ مفصلٍ أو محور بشيء من التفصيل فيما يأتي.

جعل الباحث المحور الأوّل بمثابة الفرش النظري الذي سيضع القارئ غير المتخصّص في جو الموضوع؛ حيث عرّفه بأهم الأطروحات التي اقترحتها نظرية التلقّي من خلال إسهامات روادّها "هانس روبيرت ياوس"، و"ستانلي فيش"، و"فولفغانغ إيزر".فقدّم مفهوم "أفق التوقعات" للأول، و للثاني مفهوم"القارئ الضمني"، وعرض للثالث مفهومي"جماعات التأويل"، و"القارئ العليم".وضِمن هذا الفرش النظري أبى الباحث إلاّ أن يُنوّه بالجهود النقدية للنقاد العرب في هذا المجال، ومثّل لهم بالناقد "جابر عصفور" الذي اقترح بعض المفاهيم مثل:"حدث القراءة"، و"النسق المعرفي"، و"الموضوعية".ثمّ أجمل الحديث عن بعض الاتجاهات والأسماء التي طبعت بصمتها النقدية في مجال التلقّي أمثال "ن.هيل"، و"ل.س.فيتوغسكي".

ومن العام توجّه الباحث إلى الخاص؛ فتعرّض لخصوصية التلقّي في المسرح مقابلاً بين مفهومي "التلقي" و"المشاهدة"، موضّحاً أنّ مهمة الجمهور في المسرح لا تقف عند حدود "المشاهدة" كفعل سلبي، بل تتعدّاها إلى صياغة التفاعل بينه وبين ما يُعرض أمامه على الخشبة، وهي الخصوصية النابعة من طبيعة الفن المسرحي؛ تلك الخصوصية القائمة على الحضور الفعلي للجمهور ومشاركته المباشرة في العرض المسرحي. ليتدرّج بعد ذلك في استعراض مكانة ظاهرة الجمهور في المسرح منطلقاً من العهد اليوناني، وهدفه التأكيد على أنّ الجمهور قد نُظر إليه كمركّب مهم في العملية المسرحية دون العملية النقدية التنظيرية، مستشهداً بالصورة السلبية التي التقطها له المنظرون الأوائل أمثال "أرسطو"، و"هوراس" حين نظرا إليه باعتباره مرآة تُجلي عظمة التراجيديا في التأثير على البشر.ثم انتقل إلى الجهود النقدية الحديثة التي اجتهدت في الخروج بالمتلقي من قوقعة المشاهدة السلبية، إلى رحاب التلقي القائم على تبادل التأثر والتأثير بين الممثل والمتفرج، وهي اجتهادات قادتها فئة الكتّاب والمخرجين الذين ما فتئوا أن نقلوا عدوى الاهتمام بالجمهور إلى الدرس النقدي، الذي أعلن ميلاد نظرية التلقي بفضل أعلام الاتجاه السيميوطيقي؛ هؤلاء الذين أقبلوا على دراسة الجمهور باعتباره ظاهرة ثقافية ومنهم "أمبرطو إيكو"، و "رولان بارث"، و "كير إيلام".

ولم يتوقف الباحث عند هذا الحدّ، بل أخذ يتوغّل أكثر فأكثر في دروب تخصّص التخصّص، فحدّثنا عن مفهوم "الاستقبال" في المسرح باعتباره من المفاهيم الحديثة في الخطاب النقدي المسرحي؛هذا المفهوم الذي ارتبط بتوصيف الجمهور، وتصنيفه حسب الجنس، والسنّ، والمهنة، والمستوى الاجتماعي، والعادات...إلخ، بغاية معرفة الشروط التي تتحكّم في عملية استقباله للعرض المسرحي.ليتوقف بنا عند ذلك المنعرج الحاسم في تاريخ النظرية الدرامية؛ حين انحرفت بتوجّهها العتيق من تقديس النصّ، إلى التقليل من شأنه لصالح العرض في علاقته المباشرة بجمهوره بالرغم مما أُثير من ردود فعل معارِضة لهذا التوجّه الجديد.وحرصاً منه على إعطاء هذا الفرش النظري صورته الواضحة والكاملة، عرض الباحث اجتهادات أولئك الذين عملوا على ترسيخ هذا التوجّه النقدي الذي عُرف "بنظرية العرض"، مذكّراً بريادة العاملين في المسرح من كتاب ومخرجين على النقّاد والمنظّرين في هذا المجال، ومنوّهاً بإسهامات كلّ من المخرج الروسي"كونستانتين ستانسلافسكي"، والمخرج الألماني "برتولد بريخت"، ومن حذا حذوهما من المنظّرين الذين اختاروا المساهمة بجهودهم النقدية ضمن هذا التوجّه أمثال:(م.شومان، دافنا بن شايم، جيل دولان، هيربيرت شالزكي، سوزان بينيت).

واستهلّ المحور الثاني الذي يمثّل صلب الدراسة، بتأكيد حقيقة هامة سبق أن أشار إليها في المحور السابق وهي اهتمام الكتّاب والمخرجين بالجمهور كمساهم قوي له وزنه وثقله في صناعة العرض المسرحي، وتهميشه من طرف المنظّرين والنقاد والباحثين في المجال المسرحي.ويُمثّل الباحث ببعض المجالات التي أولت عنايتها بظاهرة الجمهور، لكونها تُمثّل بالنسبة إليها عصب الحياة الذي يمنحها وجودها واستمرارها؛ كمجال الاتصال مثلاً، ولكّنه يُقلّل من قيمة هذه الأبحاث لاقتصارها على وصف وتصنيف هذا الجمهور إلى فئات، وتحكيمها لمقياس الكمّ في دراسته.وغايتها هي التحكّم في العلاقة التي تربطه بوسائل الإعلام المختلفة من أجل تحقيق غايات تجارية لا علمية.ولهذا السبب كان إفلاس تلك الدراسات أمراً حتمياً، خاصّة بعد ظهور اتجاهات حديثة تجاوزت هذا المستوى من الدراسة، وعملت على تحقيق مستوى أخر يستهدف الوصف الدقيق للجمهور، ثمّ تقديم تفسير اجتماعي لسلوكه وتوجهاته بُغية بناء إطار نظري متكامل يخدم المؤسستين العلمية والإعلامية في الآن نفسه.

ولجأ إلى التمثيل ببعض التصنيفات التي اعتمدتها هذه الدراسات للجمهور؛ كالتصنيف الثلاثي لـ"روبير اسكاربيت":(الجمهور المحادث، الوسط، الواسع)، والتصنيف الرباعي الذي وضعه "رولان بارث" (القارئ المهوس، الهستيري، البارانوكي، الفيتيستي).ثمّ انتقل الباحث من الحديث عن الجمهور بصفة عامة، إلى تخصيصه لجمهور المسرح وأبرز الدراسات الحديثة التي تناولته كظاهرة ّ اجتماعية في كل من الوسطين الاجتماعيين العربي والأجنبي؛ فمثّل للوسط الأول بالتصنيف الذي وضعه "محمد عزيزة" لجمهور المسرح العربي، وقسّمه إلى أربع فئات(حضري، ريفي، ذكور، إناث) وكان ذلك ضمن دراسة عامّة لم تُخصّص لظاهرة الجمهور وحدها.أمّا الوسط الثاني فمثّل له بدراستين أجريتا على الجمهور المسرحي في كل من الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا لتحديد سماته الأساسية:الأولى، قام بها الثنائي"ويليام بومول"، و"وليام باون" سنة (1966).والثانية، صادرة بعنوان "اقتصاديات الفن الأدائي" أجراها "ثروسبي"، و"ويذرس".ومن ضمن المآخذ التي سجّلها الباحث على هذا النوع من الدراسات، اقتصارها على جمهور المؤسسات المسرحية الكبرى وعدم شمولها الفرق المسرحية التي تنشط خارج الإطار.وهي من بين المآخذ التي سنأخذها لاحقاً علىهذه الدراسة نفسها؛ أي دراسة (مخلوف بوكروح) عن التلقّي والمشاهدة في المسرح.وكشف في المحور الثالث عن العوامل التي تحكّمت في إقبال الجمهور الجزائري على مشاهدة عرض مسرحية "حافلة تسير" وكيفية تلقّيه لها، من خلال استمارة استبيانية تمّ توزيعها على جمهور ثلاثة عروض لهذه المسرحية في مدة زمنية حدّدها بشهر أفريل من سنة (1991)، وبدار عرض واحدة هي المسرح الوطني الجزائري.وتضمنت الاستمارة سلسلة من الأسئلة التي راعى الباحث في ترتيبها ارتباطها العضوي ببعضها؛ بحيث يُكمّل الواحد منها الآخر، وجعل إجابة السؤال اللاّحق اختباراً لصحّة جواب السؤال السابق، وحدّد عدد المستجوبين بمائة وخمسين مستجوباً.

قُسّمت أسئلة الاستبيان إلى ثلاثة أقسام:استهدف قسم منها شخصَ المستجوَب(جنسه، سنّه، حالته العائلية، مستواه التعليمي، مهنته).وكان الهدف منها الإحاطة بالتركيبة الاجتماعية لهذا الجمهور المدروس انطلاقاً من أنّ معرفة الوضع الاجتماعي لجمهور ما، هي الخطوة الأولى نحو التنبؤ بطريقة تجاوبه مع العرض المسرحي.واتّجه القسم الثاني منها للنظر في أنماط تفاعل هذه العينة من الجمهور مع العرض المختار؛ كتفاعله مع لغته، ومضمونه، وشكله، ونوعه، ومصدره، وعناصره...إلخ.وهدفه من وراء ذلك هو ضبط درجة اهتمامه بالمسرح، وحدود ثقافته المسرحية وإمكانياته الإدراكية.أما القسم الثالث من أسئلة هذا الاستبيان، فقد أُفرِد للمؤسسة المسرحية في علاقتها بجمهورها من ناحية الخدمات التي تُقدّمها له، والوسائل التي تعتمدها في إعلامه بعروضها، وكلّ ذلك من أجل معرفة مدى اهتمام هذه المؤسسة بسياسة خلق حوار مع جمهورها.

إنّ هذه الدراسة ورغم أنها تبدو في بعض مفاصلها ، تكراراً لأجزاء بعينها من دراستين سابقتين لها للباحث نفسه هما:"الصحافة والمسرح"، و"المسرح والجمهور، دراسة في سوسيولوجية المسرح الجزائري ومصادره"، وتبنّيها للمنهج ذاته وهو المنهج السوسيولوجي المعتمد على أسلوب الإحصاء، والنسب المئوية.غير أن عنصري الإضافة والتعمّق واضحان فيها؛ إذ نعتبرها استجابة لأحدث فرع في سوسيولوجيا المسرح، ألا وهو فرع "سوسيولوجيا الاستقبال".وبتحديد أكثر التوجّه الثاني الذي أخذه هذا المفهوم، وقد سبق الحديث عنه في الصفحات السابقة من هذا الفصل.ودون أن ننكر على الباحث جهوده الفعّالة، ومساعيه الأكاديمية الجادة في تحديث الدراسة المسرحية في الجزائر، ومحاولة الخروج بها من قوقعة التأريخ والتأصيل، نسجّل على دراسته هذه بعض المآخذ التي لا تأتي بأي شكل على قيمتها العلمية، نوجزها في النقاط الآتية:

 1-لا يُمكن تحديد سمات الجمهور الجزائري من خلال جمهور العاصمة؛ ولذلك فالدراسة تفتقد إلى الشمولية لتركيزها على دار عرض واحدة هي قاعة المسرح الوطني الجزائري، وجمهور خاص هو جمهور العاصمة.كما نعتقد بأنّ الفترة الزمنية التي وزّع فيها الاستبيان غير مناسبة؛ فلو أنّ الباحث وزعه أثناء فعاليات المهرجان الوطني للمسرح المحترف مثلاً، لتمكّن من ضمان التنوّع في الجمهور المسرحي الجزائري.وعليه فإن الباحث قام باختبار أسئلته على جمهور خاص له تركيبته النفسية الخاصة وذوقه المختلف، ثمّ أقدم على تعميم النتائج التي توصّل إليها على الجمهور المسرحي الجزائري عامة.

2- الاهتمام بالمسرح المحترف، وإقصاء المسرح الهاوي الذي يُقام له -كنظيره الأول- مهرجانا كل سنة.وهو مسرح له كيانه ووجوده الذي لا يُمكن تجاهله؛ من خلال فرقِه، وتجاربه، وحضوره الدائم والفعال في المهرجانات المسرحية المحلية والعربية والدولية، وله أيضاً جمهوره الخاص.وتضمين الباحث لاستبيانه سؤالاً واحداً عن هذا المسرح، وبالضبط عن مستوى الأعمال التي يُقدّمها لا يُعطي للدراسة بعدها الشمولي المطلوب.

3- سطوة الجانب النظري وسيطرته على الجانب العملي؛ وتظهر هذه القسمة الضيزى في المداخل النظرية لكلّ قسم من هذه الدراسة.وهي وإن كانت فرشاً نظرياً ضرورياً، فإنها تطول أحياناً بشكل غير محبّب عل حساب الجانب الأهم وهو التطبيق، ويظهر ذلك جلياً في آخر قسم من الدراسة؛ حيث اكتفى فيه الباحث برصد علاقة الفضاء المسرحي في شكله المعماري بالفضاء الاجتماعي وبِنياته على مر العصور، ليصل بنا إلى نتيجة بديهية ومعروفة لدى العام والخاص؛ وهي أنّ المسرح الجزائري ورغم تعدّد تجاربه لم يتمكّن على صعيد العمارة المسرحية من الإفلات من قوقعة العلبة الإيطالية التي لا تعكس بنيتنا الاجتماعية، وهي نتيجة تدخل في إطار تحصيل الحاصل. 

ونسجّل في الأخير على هذه الدراسة ملاحظة نعتقد أنّ الباحث يتفّق معنا حولها؛ وتتمثل في الحكم بعبثيةهذا النوع من الدراسات لأنه لا يمكنها أن تُحقق نتائج نهائية بالنسبة لقياس سلوك وعادات الجمهور؛ ذلك أنّ أذواق الجماهير ليست ثابتة، فهي تتغير من عام إلى عام آخر، وأنّ ثمة لحظة نفسية لكلّ مسرحية من المسرحيات تجعل  الجماهير متقلّبة تقلّباً شنيعاً، ويندر أن يستجيب أحدها بالطريقة نفسها التي يستجيب بها جمهور ثان، ولا في مواضع من المسرحية نفسها([51]).

كانت هذه تجربة "مخلوف بوكروح" في النقد المسرحي، تجربة استثنائية، تميّزت بالثراء والتنوّع والوعي النقدي، ورسّخت قدم صاحبها في مجال الدراسات المسرحية في الجزائر، وأعلنتْهُ واحداً من النقّاد/الباحثين المسرحيين العرب، الجادّين في إعطاء قيمة لفنّ المسرح في ثقافتنا العربية، منطلقين من قناعتهم بأنّ الطريق الصحيح لتحقيق هذه الغاية هو التعامل معه من موقع العارف بخصوصيته واستثنائيته وتفرّده عن باقي الفنون.هنا فقط يتحوّل هذا الفنّ إلى كائنٍ مطواعٍ، يستجيب لرغبات الناقد في إبراز جمالياته المُغايِرة، ولا يستعص إلاّ على أولئك الطفيليين الذين يعتقدون أنّه فنّ لا يختلف كثيراً عن الفنون الأخرى، ولا مانع في التعامل معه بذات المناهج، والأدوات الإجرائية التي تُستنطق بها تلك الفنون.

 الإحالات والهوامش:

[1]هي على التوالي حسب تواريخ نشرها:

- ملامح عن المسرح الجزائري.مجلّة أمال، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1982

- المسرح الجزائري ثلاثون سنة مهام وأعباء.منشورات التبيين، الجاحظية، 1996

- الصحافة والمسرح، دراسة في التغطية الإعلامية للعرض المسرحي.المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، رغاية، الجزائر، 2002

- المسرح والجمهور، دراسة في سوسيولوجية المسرح الجزائري ومصادره.2002

- نزاهة المشتاق وغصّة العشاق في مدينة طرياق في العراق، أول نصّ مسرحي عربي حديث تأليفاً وطباعةً.تقديم وتحقيق، مخلوف بوكروح. المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، وحدة رغاية، الجزائر، 2003         

- التلقي والمشاهدة في المسرح.مؤسسة فنون وثقافة، الجزائر، 2004.

[2]مخلوف بوكروح: (انطباعات حول مسرحية الاختيار).مجلة الجيش، ع203، س18، فبراير 1981، ص59.

[3]المصدر نفسه.الصفحة نفسها.

[4]أظهر الناقد والباحث الأكاديمي "مخلوف بوكروح" ولعاً شديداً بالقراءة السوسيولوجية للإنتاج المسرحي الجزائري؛ فكثيراً ما كان يربط بين مضمون المسرحية وخلفيتها الاجتماعية، كما أبدى اهتماماً كبيراً بالنظرية الملحمية البريختية التي قرأ في ضوئها الكثير من هذا النتاج .

[5]مخلوف بوكروح: (انطباعات حول مسرحية الاختيار).مجلة الجيش، ع203، س18، فبراير 1981، ص59، 60.

[6]المصدر نفسه.ص60.

[7]مخلوف بوكروح: (المسرح الجهوي بوهران بين التراجع والمراجعة).مجلة الجيش، ع195، س18، ص64.

[8]مخلوف بوكروح: (المسرح الجهوي بوهران بين التراجع والمراجعة).ص64.

[9]المصدر نفسه.الصفحة نفسها.

[10]المصدر نفسه.الصفحة نفسها.

[11]مخلوف بوكروح: ملامح عن المسرح الجزائري.ص29، 30.

[12]المصدر نفسه.ص30.

[13]مخلوف بوكروح: الصحافة والمسرح.ص14.

[14]هي: الشعب، المجاهد الأسبوعي، الثورة الإفريقية، الثورة والعمل، الشعب(بالفرنسية)، الجزائر الجمهورية، المجاهد اليومي، الجزائر الأحداث، الجمهورية، النصر.

[15]مخلوف بوكروح: الصحافة والمسرح.ص14.

[16]المصدر نفسه.ص73.

[17]المصدر نفسه.ص74.

[18]المصدر نفسه.ص75.

[19]من مواليد الجزائر سنة (1797)، ولعلّه من نسل إغريقي أو يوناني، وقد تجنّس بالجنسية الفرنسية قبل الاحتلال، وأصبح يشغل وظيفة مترجم في محكمة التجارة في باريس، وسبق أن كتب معجماً بالعربية والفرنسية، وزّعه المسؤولون على ضبّاط الجيش في الجزائر.ولمعرفته بالبلاد سمّي (المُترجم الدليل) للحملة الفرنسية سنة (1830).ويقول "فيرو" إنّ الفرنسيين قد استفادوا منه معلومات عن الجزائر أثناء نزول الحملة بسيدي فرج، وهو الذي قاد السفن عند النزول.وقد بقي دنينوس في الجزائر بعد نجاح الحملة، فكان هو المترجم للّجنة الإفريقية التي جاءت للتحقيق في خريف (1833).

وعندما سافر "المولود بن عرّاش" إلى فرنسا سنة (1838) ليطلب تدخّل الملك الفرنسي في قضية الخلاف بين "الأمير عبد القادر" و"الماريشال فاليه" (الحاكم العام) حول تفسير بعض بنود معاهدة التافنة من إقليم قسنطينة، سافر معه دنينوس.ويبدو أنه بقي بالجزائر إلى وفاته بها سنة (1872).

يُراجع، أبو القاسم سعد الله:تاريخ الجزائر الثقافي (1830-1954).دار الغرب الإسلامي، ط2، 2005، الفصل الثاني بعنوان:(الترجمة وظهور النخبة الاندماجية).ص ص146، 147.

[20]ابراهام دنينوس: نزاهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق، أول نص مسرحي عربي حديث تأليفاً وطباعةً.تحقيق وتقديم مخلوف بوكروح.المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، وحدة رغاية، الجزائر، 2003، ص47، 48.

[21]المصدر نفسه.ص58، 59.

[22]المصدر نفسه.ص48.

[23]المصدر نفسه.ص62، 63.

[24]عبد الرحمن بن زيدان: (معنى الجدل حول أول نص مسرحي عربي "نزاهة المشتاق، وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق" للمؤلف ابراهام دنينوس).مجلة عمّان، ثقافية شهرية تصدرها أمانة عمّان الكبرى، ع162، كانون الأول، 2008، ص43.

[25]مصطلح يُستعمل في أغلب لغات العالم بلفظه اليوناني "كاتارسيس"، ويُترجَم في حالات نادرة إلى كلمات تحمل دلالة "التطهير"، و"التنقية" (Epuration,Purgation) أو التنظيف.وهي الكلمة التي وردت في ترجمة أبي بشر بن متّى لكتاب أرسطو "فنّ الشعر".

جدير بالذكر أنّ الكلمة اليونانية "Katharsis" هي في الأصل من مفردات الطبّ وتعني التنقية والتطهير والتفريغ على المستوى الجسدي والعاطفي، وارتبط هذا المعنى الطبي القديم للكلمة بنظيرتها "Pharmakos" التي كانت تُحيل إلى معنى العقار والسمّ في ذات الوقت؛ أي معالجة الداء بالداء، وإثارة أزمة جسدية أو انفعالية بواسطة علاج له نفس طبيعة المرض من حيث الخطورة.ثمّ تحوّل مدلول الكلمة مع الزمن لتأخذ مفهوماً فلسفياً وجمالياً له علاقة بالتأثير الانفعالي الذي يُثيره العمل الأدبي أو الفنّي أو الاحتفال عند المُمارِس والمتلقّي كلٌ من جهته.وبعد ذلك دخل مفهوم التطهير مجال علم النفس والتحليل النفسي مع عالم النفس النمساوي (سيغموند فرويد).ويُعتبر أرسطو (وهو ابن طبيب) أوّل من طرح التطهير بمعنى الانفعال الذي يُحرّر من المشاعر الضارّة، وحدّده كغاية للتراجيديا من حيث تأثيرها الطبّي والتربوي على الفرد، عندما ربط بين التطهير والانفعال الناتج عن متابعة المصير المأساوي للبطل، معتبراً أنّ التطهير الذي ينجم عن مشاهدة العنف يُشكّل عملية تنقية وتفريغ لشحنة العنف الموجودة عند المتفرّج وهو ما يُساعده على التحرّر من أهوائه.يُنظر، ماري إلياس، حنان قصاب حسن: المعجم المسرحي.ص130.

[26]ماري إلياس، حنان قصّاب حسن: المعجم المسرحي.ص130.

[27]المرجع نفسه.ص131.

[28]إبراهيم حمادة: معجم المصطلحات الدرامية والمسرحية.ص72، 73.

[29]من المعروف أنّ "بريخت" لم يخترع مفهوم التغريب لا كمصطلح، ولا كمدلول؛ فقد كان موجوداً (بكلّ عناصره أو بعضها) في المسرح الشرقي، كمسرح "الكابوكي/Kabuki " في اليابان، ومسرح"الكاتاكالي/Kathakali" في الهند.أما فضل "بريخت" فيكمن في تبنّيه، وتطويره، وإدخاله المحيط المسرحي بشكل فعّال عن طريق ربطه بجوانب إيديولوجية.

[30]نبيل راغب: آفاق المسرح.ص122.

[31]عبد الله ركيبي: تطوّر النثر الجزائري الحديث.

[32]المرجع نفسه.

[33]محمد الطاهر فضلاء: (المسرح تاريخاً ونضالاً).مجلة الثقافة، ع90، ديسمبر 1985، ص268.

[34]المرجع نفسه.الصفحة نفسها.

[35]أحمد بيوض: المسرح الجزائري (1926-1989).ص40.

[36]مخلوف بوكروح: ملامح عن المسرح الجزائري.ص62.

[37]المصدر نفسه.الصفحة نفسها.

[38]م ن.ص61.

[39]عبد الملك مرتاض: فنون النثر الأدبي في الجزائر.ص199.

[40]ماري إلياس، حنان قصاب حسن: المعجم المسرحي.ص161.

[41]مخلوف بوكروح: (رأي في المسرح).مجلة الجيش، ع192، س17، مارس1980، ص53.

[42]م ن. ص ن.

[43]م ن. ص ن.

[44]ألكسي بوبوف: التكامل الفني في العرض المسرحي.ترجمة:شريف شاكر، مطبوعات وزارة الثقافة، دمشق، 1976، ص306.

[45]نبيل راغب: آفاق المسرح.دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 2001، ص116.

[46]مخلوف بوكروح: المسرح والجمهور، دراسة في سوسيولوجية المسرح الجزائري ومصادره.ص7.

[47]المصدر نفسه.ص97.

[48]نبيل راغب: آفاق المسرح.ص128.

[49]مخلوف بوكروح: المسرح والجمهور، دراسة في سوسيولوجية المسرح الجزائري ومصادره.ص93.

[50]المصدر نفسه.ص103.

[51]عثمان عبد المعطي: عناصر الرؤية عند المخرج المسرحي.الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1996، ص108.