الملامح البلاغية في كتابالكتاب لسيبويه (ت 180 هـ)pdf

 

 

أ‌.  فايزة رازي

جامعة مولاي الطاهر سعيـدة ( الجزائر )

الملخص :

يسعى هذا المقال –كما يظهر من عنوانه- إلى عرض نماذج و إشارات بلاغية هامة وردت في كتاب سيبويه، الذي يعد أحد الرموز التي خطت بالدراسة اللغوية و النحوية خطوة جبارة من خلال كتابه "الكتاب" الذي جمع فيه قواعد اللغة العربية و أحكم بناء أصولها.

و في هذا البحث أيضا إشارة إلى قيمة الكتاب العلمية و التاريخية و ما مدى الأثر البالغ الذي خلفه سيبويه في جهود علماء اللغة القدامى و المحدثين من بعده إلى يومنا هذا جعلت كتابه يستحق لقب "قرآن النحو".

الكلمات المفتاحية:  البلاغة – سيبويه – الكتاب – الملامح – النحو

Abstract:

This text tries –as well as it’s evidenced by the title to expose rhetorical important signs in the book of Sibawayh, who is considered to be one of the leading symbols of the language that has made a huge pats in studies of linguistic and grammar in his book by which he was able to consolidate the rules of the Arabic language and the basic and original foundations of the constitution of Arabic texts.

Reference is made also in our search to the scientific and historical value of the book which had a big impact on the efforts of ancient and modern language experts from his time to the present day that is why the book is called « Quran of grammar ».

Key words:     rhetorical  - sibawayh - book - signs - grammar

Résumé:

Cet essai tente ainsi que le démontre le titre d’exposer des modelés et signes rhétoriques importants figurant dans le livre de Sibawayh, qui est considéré être l’un des emblèmes phare de la langue ayant fait un pats énorme dans les études linguistiques et grammaticales dans son livre par le quel il a réussi à regrouper les règles de la langue arabe et les fondements basiques et originaux de la constitution de ses textes.

Il est fait référence également dans notre recherche à la valeur scientifique et historique du livre et l’énorme impacte qu’a eu Sibawayh sur les efforts des experts linguistiques anciens et modernes de son époque à nos jours ce qui a valu à son livre l’appellation de « Coran de la grammaire ».

Mots clés  :signes rhétoriques - sibawayh - livre - grammaire  

كانت الكلمة و لا زالت متنفسا للإنسان يبدي بها ما يجول في خاطره والقارئ لصدر التاريخ يتأكد له جليا أن العرب وحدهم من بين سائر الأمم هم الذين استطاعوا أن يصوغوا الحياة كلها في تلك الكلمات التي أصبحت لغة مكتملة البناء راسخة الأركان  و بمجيء القرآن العظيم الذي نزل بلغة العرب ازدادت اللغة العربية علوا و مقاما و أضفى على هذه الكلمات سحرا خفيا معجزا إذ جاءت هذه الكلمات وفق نسق إلهي عظيم.

و يرى المستشرق " أرنست رينانا" أن (أغرب ما وقع في تاريخ البشر و صعب حل سره انتشار اللغة العربية، فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ ذي بدء، فبدأت فجأة في غاية الكمال سلسلة أي سلاسة غنية أي غنى، كاملة بحيث لم يدخل عليها مند يومها أي تعديل مهم)1

فما من لغة تستطيع أن تطاول العربية في شرفها فهي الوسيلة التي اختيرت لتحمل رسالة الله تعالى النهائية.

ويعتبر علم البلاغة من أهم علوم اللغة العربية المهمة التي جاءت سمة من سمات الإعجاز الذي جاء به القرآن الكريم،هذا الإعجازالذي أبهر عقول العلماء فراحوا يبحثون عن أسراره و يؤلفون فيها، و من ثم أخذت الملاحظات البلاغية تنمو و تتطور بعد مجيء الإسلام لأسباب عديدة منها تحضر العرب و احتكاكهم بالأمم الأخرى و غيرها من الأسباب الأخرى.

و قد لمعت في سماء علوم اللغة و النحو تحديدا نجوم ساطعة    و أسماء خلدت أعمالها عبر الزمن و إلى يومنا هذا حيث لا زالت منبع البحوث و الدراسات الحديثة، سواء عربية كانت أم غربية.

 ومما لا شك فيه أن الفترة الزمنية الممتدة من أواخر القرن الأول إلى القرن الثاني الهجريين هي أهم مرحلة تاريخية برزت من خلالها محاولات عديدة لتدوين العلوم اختلفت هذه المحاولات باختلاف العلماء و مذاهبهم، و قد كان من أبرز ما أثمره القرن الثاني كتاب سيبويه الذي احتل الصدارة في سلسلة مصنفات اللغويين و النحاة الذين أسهموا بقسط وافر في إرساء قواعد البلاغة العربية.

سيبويه عالم اللغة و النحو و البلاغة، صاحب المؤلف الشهير (الكتاب)، الذي يعده العرب و العجم دستور النحو الأصيل، و قد ذكرت كتب التراجم تعريفا له، فهو أبو عمرو بن عثمان النحوي البصري و شهرته تغني عنه، أما عن معنى اسمه فكلمة سيبويه بالفارسية معناها (رائحة التفاح) و كلمة (سيب) تعني التفاح و (ويه) الرائحة و قد توفي على الأرجح سنة (180هـ)2.

وإذا أردنا أن نستقصي آراء العلماء في مدحهم سيبويه وإعجابهم بالكتاب لضاق بنا المجال و لكن إطلاق اسم (الكتاب) علما اختص به هذا المصنف إذ لا يذكر هذا الاسم إلا و عرف أنه كتاب سيبويه و لنا في هذا المقام أن نذكر بعض آراء العلماء فيه فمثلا يقول المازني:( من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح مما أقدم عليه)3.

وابن جني يقول عنه (وقد حطب (جمع) بكتابه و هو ألف ورقه علما مبتكرا و وضعا متجاوزا لما يسمع و يرى)4.

لقد جاء الكتاب على سبقه الزمني نسيج وحده في موضوعه حافلا بكل مفيد من الدراسات اللغوية نحوا و تصريفا و عروضا و أصواتا و قراءات و بلاغة لم يعرف قبله5، و كان المبرد يقول فيه لمن جاء يعرضه عليه (هل ركبت البحر)6 تعظيما و استصعابا لما فيه.

لقد ترك سيبويه لمن جاء بعده دستورا يُستند إليه و مرجعا هاما للقدماء و المحدثين، و في ذلك يقول الدكتور رابح دوب في كتابه ( البلاغة عند المفسرين حتى نهاية القرن الرابع هجري):

(إنه دوحة عظيمة وارفة الظلال، دانية الثمار، لم يقتصر جناها على القاطفين من النحاة  و الصرفيين و اللغويين و القراء بل أمدت بطيب مذاقها الأدباء و النقاد و البلاغين)و لعل الإمام عبد القاهر الجرجاني(ت 471هـ) - و هو في البلاغة مثل سيبويه في النحو- واضع و مؤسس نظرية النظم اللغوية التي استمدها و أقام صرحها العملاق في كتابه (دلائل الإعجاز) من كتاب سيبويه ، قد صرح بالإفادة من كتاب سيبويه في مواضع مختلفة من كتابه، فالنظم عنده يقوم على إدارك المعاني النحوية و حسن إيرادها بين الكلم فقال:(واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو و تعمل على قوانين و أصوله و تعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها)8.

و قد تابع الإمام الجرجاني تحليل نظريته تحليلا رائعا و شرحا مفصلا لما نجده في كتابه(الدلائل)، و يلفت النظر بين الحين و الآخر إلى ما ذكره سيبويه في (الكتاب) و من أبرزه لفتاته :(قال صاحب الكتاب و هو يذكر الفاعل و المفعول: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم و هم بشأنه أغنى)9 ، و هنا يذكر الجرجاني سيبويه في هذه اللفتة النحوية.

و ربما كان هذا التقريظ لكتاب سيبويه راجع لعامل أساسي  و هو أن النحو قبل سيبويه لم تكن له صوره العلم ذي الأبواب والفصول و القواعد العامة، و إنما كان مجرد مسائل متفرقة لا تجمعها قاعدة و لا يضمها باب جامع بل كانت تخالط غيرها من مسائل اللغة و الأدب و تفسير القرآن و فهم أشعار العرب، لذا فإن كتاب سيبويه استطاع أن يجمع القواعد و يعقد أبوابا يجمع فيها نظائرها من المسائل النحوية، فاعتبر بذلك أول كتاب لتدوين النحو العربي و صل إلينا بهذه الصورة الكاملة.

أما صاحب كتاب(معاني القرآن)أبو زكريا الفراء(ت 207هـ) يشيد بسيبويه قائلا: (كان سيبويه عضلة من العضل و لما قال بشار بن برد في وصف السفينة:

تلاعب نينان البحور وربما  *    رأيت نفوس القوم من جريها تجري

أنكر سيبويه ذلك على بشار و زعم أن العرب لا تجمع النون على نينان10، و في موضع آخر نجد أبا عبيدة معمر بن المثنى صاحب كتاب (مجاز القرآن) يقول: (قيل ليونس بن حبيب بعد موت سيبويه:إن سيبويه صنف كتابا في ألف ورقة من علم الخليل فقال(ومتى سمع سيبويه هذا كله من الخليل جيئوني بكتابه، فلما رآه قال: يجب أن يكون صدق فيما حكاه عن الخليل كما صدق فيما حكاه عني)11وقد أراد الجاحظ (ت 255 هـ)الخروج إلى محمد بن عبد الملك الزيات ففكر في شيء يهديه إليه فلم يجد أو كما قال:(أردت أن أهدي إليك شيئا ففكرت فإذا كل شيء عندك فلم أرى أشرف من هذا الكتاب و هذا الكتاب اشتريته من ميراث الفراء و بخط الفراء)12  و كانت الهدية كتاب (سيبويه).و بعد كل ما قيل هل يحتاج النهار إلى دليل ؟ و هل تحتاج الشمس إلى سراج؟ و هل يحتاج سيبويه و كتابه شيئا من الإطراء. من جانب آخر نجد أن لسيبويه و كتابه مناوْئون و إذا جاز لنا القول حساد ناصبوه العداء و تتبعوا هفواته، ولكنهم فشلوا في ذلك أيما فشل و من هؤلاء- كما جاء في كتب البلاغة- رؤوس مدرسة الكوفة إذ كانوا معادين له أشد العداء و هم الكسائي و الفراء و الأحمر، و من الغريب أن هؤلاء الذين حاولوا النيل من الكتاب و صاحبه، كانوا يبذلون المال في سبيل قراءة الكتاب فقد روي أن الكسائي قرأ(الكتاب) على الأخفش مقابل مائتي دينار، و هذا الفراء يقرؤه سرا لئلا يعلم به أحد، و يقال إنه لما مات وجد الكتاب تحت وسادته بعد وفاته  و المناظرة بين شيخي المدرستين البصرة و الكوفة أي بين سيبويه و الكسائي و كذا تلامذته الفراء و الأحمر مشهورة13والحق أن سيبويه كانت له عبارات غير مفهومة بسبب ما يكتنفها من تعقيد ليس هو مضطرا إليه، فعلى القارئ تكرارها مرات  ومرات لفهم ما يقوله فمثلا(في باب المفعول الذي تعداه فعله إلى مفعول يقول:(و اعلم أن المفعول الذي لا يتعداه فعله إلى مفعول يتعدى إلى كل شيء تعدى إليه فعل الفاعل الذي لا يتعداه فعله إلى مفعوله وذلك كقولك ضرب زيد الضرب الشديد)14.

وفي مواضع كثيرة من الكتاب نجده يتحدث بأنصح العبارات  وأفصح بيان، لكن الفراء و ثعلب(ت291 هـ) و أبو موسى الحامض (ت305 هـ)تغاضوا عن ذلك كله و رموه بالعجمة و اتهموه بقلة الفصاحة. ملامح البلاغة عند سيبويه: إن المتفحص لكتاب سيبويه يجده ينص في مواضع كثيرة على ضرورة الحذف لأسباب يمكن أن نقول عنها بلاغية مثل التخفيف والإيجاز والسعة، و يبين لنا سيبويه أن عادة العرب تميل بشدة إلى الحذف وتحبذه في غير موضع، يقول سيبويه:(و اعلم أنهم مما يحذفون الكلم و إن كان أصلح في الكلام غير ذلك و يحذفون و يعوضون و يستغنون بالشيء الذي أصله في كلامه أن يستعمل حتى يصير ساقطا) ثم يقول: ( وما حذف في الكلام لكثرة استعمالهم كثير من ذلك هل من طعام، أي هل من طعام في زمان أو مكان)15.وينبه سيبويه على (أن الحذف لا يكون مطلقا حيث أردنا الحذف وإنما يكون إذا كان المخاطب عالما به فيعتمد المتكلم على بديهة السامع في فهم المحذوف )16.

وهكذا نجد سيبويه يعرض لجميع أنواع الحذف كحذف الاسم سواء كان مضافا أو مضافا إليه و المبتدأ والخبر و الصفة والموصوف، و حذف الفعل سواء كان للإغراء أو التحذير أو التعجب إلى غير ذلك و قد اعتبر البلاغيون الحذف من بعده مشتملا على الفصاحة و البلاغة. و يؤيد رأي سيبويه في أهمية الحذف بن جني فيقول عن الحذف: (إن في القرآن نيفا على ألف موضع ولكن الحذف لا يكون في كل موضع بل في موضع دون آخر وابن مضاء القرطبي يخبرنا أن المحذوفات في كتاب الله تعالى لعلم المخاطبين بها كثيرة جدا، وهي إذا أظهرت تم بها الكلام وحذفها أوجز وأبلغ)17و من مواطن البلاغة في الكتاب يذكر سيبويه باب التقديم و التأخير فهو أول من طرق سر هذا اللون البلاغي من العلماء، فرغم معرفتهم بالتقديم و التأخير إلا أنهم لم يقفوا على أسراره البلاغية. فسيبويه يلفت النظر إلى سر بلاغي هام (حين يقدم المفعول على الفاعل أو الفعل كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم و هم ببيانه أعنى وإن كان جميعا يهمانهم و يعنيانهم فمن شأن المفعول أن يتأخر عن الفاعل و لكنه إذا تقدم فذلك لعلة قصد إليها المتكلم و هي العناية و الإهتمام بشأنه)18وإذا كان تقديم المفعول عن الفاعل للعناية و الإهتمام فإن تقديم المفعول عن الفعل يأتي لهذا الغرض البلاغي نفسه19إن أول ما نقف أمامه في كتاب سيبويه نص ذكره تحت عنوان: هذا باب الإستقامة من الكلام فمنه مستقيم حسن و محال و مستقيم كذب و مستقيم قبيح و ما هو محال كذب.

     فأما المستقيم الحسن فقولك: أتيتك أمس و سآتيك غدا و أما المحال فأن تنتقض أول الكلام بآخره فتقول أتيتك غدا و سآتيك أمس وأما المستقيم الكذب فقولك: حملت الحبل و شربت ماء البحر و نحوه وأما المستقيم القبيح فأن تصنع اللفظ في غير موضعه نحو قولك: قد زيدا رأيت و كي زيد يأتيك و أشباه هذا و أما المحال الكذب فـأن تقول: سوف أشرب ماء البحر20.

وكتاب سيبويه لم يكن مقصورا على ذكر أنواع من المعاني   والبيان بل تجاوز ذلك إلى بعض ألوان من البديع في عرف المتأخرين، و أول هذه الألوان تأكيد المدح بما يشبه الذم كقول النابغة:

و لاعيب فيهم غير أن سيوفهم        بهن فلول من قراع الكتائب

أي: و لكن سيوفهم بهن فلول21،ولو طالعنا كتاب البديع لابن المعتز(ت296هـ) لوجدناه اعتبر النوع الخامس من المحسنات تأكيد المدح بما يشبه الذم22 و بطبيعة الحال لم يشر إلى سيبويه أية إشارة.

ويمكن القول إن كتاب سيبويه ملئ بعديد الصور البلاغية التي قام بتفسيرها تفسيرا بلاغيا، وعن ذكر المصطلحات في عصره فلم يكن ذا شأن خطير، ففي القرن الثاني الهجري لم تكن العلوم و الفنون قد تحددت بعد أي أنها لم تصنف و تقسم بل كانت متداخلة، فاللغة والنحو والبلاغة كلها تصب في مجرى واحد و هو إثراء اللغة والمحافظة على سلامتها و إبراز جمالها، و(لذلك فإن سيبويه في إدراكه لتداخل العلوم قد اهتدى إلى ربط النحو بالمعاني، فنفث في النحو روحا مشعة لها جلالها و قيمتها) 23 حتى تطور هذا الربط إلى أقصى درجاته على يدي عبد القاهر الجرجاني في نظريته اللغوية نظرية النظم. لقد تناول سيبويه في كتابه ما أطلق عليه المتأخرون المجاز العقلي أو المجاز الحكمي و رأى أنه توسع و اختصار في الكلام وعلى الرغم من تناوله المجاز في مواضع متفرقة من الكتاب، إﻻ أنها لو جمعت تكاد تعطينا فكرة قريبة إلى المجاز العقلي الذي نعرفه اليوم ومثال المجاز العقلي في قوله تعالى: << بلْ مكْرُ اللّيلِ و النّهار>>   والمجاز المرسل كقوله سبحانه : << و اسْالِ القرْية >> و التشبيه التمثيلي كقوله عز من قائل: << و مثلُ الذِين كفرُوا كمثلِ الذِي ينْعقُ بِما ﻻ يسْمع إلا دُعاء و نِداء>>.

فهذه الخيوط الثلاثة عنده يضمها نسيج واحد هو الإيجازوالاتساع أو هي صور من التعبير في إطار واحد، و الحق أن سيبويه عندما تحدث عن التشبيه ذلك اللون البلاغي المشهور تحدث عنه بطريقة بسيطة لم يكن لها ذلك التأثير الكافي على البلاغين من بعده بل إننا لو عقدنا مقارنة بين ما قاله سيبويه عن التشبيه و ما قاله المبرد مثلا لوجدنا هوة واسعة بين نظرة الاثنين إليه ، و فيما يلي نذكر ملاحظة سيبويه على فن التشبيه في   قوله تعالى << و مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء و نداء>> (فلم يشبهوا بما ينعق و إنما شبهوا بالمنعوق به و إنما المعنى مثلكم و مثل الذين كفروا كمثل الناعق و المنعوق به الذي لا يسمع و لكنه جاء على سعة الكلام)24.

 (فالآية فيها إيجاز و المخاطب يعلم أن في الآية إيجازاً، و لوﻻ هذه القرينة لما جاز الإتيان بالإيجاز في الآية حتى لا يغمض الأمر على المخاطب، فمن غير المعقول أن يشبه الكافر بالداعي للإيمان و ﻻ يجد من ينصت إليه أو يلبي دعوته، و لكن المعقول أن يشبه و عظ الكافرين الذين ﻻ يستجيبون بدعوة الأغنام التي ﻻ تعي،  و من يسمع الآية يقفز إلى ذهنه المعنى فيعلم أن في الآية اختصار)25 و الزجاج (ت 316 ه)،يعقب على ذلك بقوله:(قال سيبويه :(و هذا من أفصح الكلام إيجازا و اختصاراً و يلتمس وجها آخر للإيجاز فيقول:(و ﻷن الله تعالى أراد يشبه شيئين بشيئين:الداعي و الكفار بالراعي و الغنم فاختصره و لكنه اكتفى بذكر الكفار من المشبه و الراعي من المشبه به فدل ما أبقى على ما ألقى و هذا معنى كلام سيبويه)26.

      ولسيبويه حديث عن بعض أدوات التشبيه فهو يروي لنا أنه (سأل الخليل عن كأن فزعم أنها {أن} لحقتها الكاف للتشبيه و لكنها صارت مع أن بمنزلة كلمة واحدة)27، كما يتحدث عن الكاف الزائدة  و أن ناسا من العرب إذا اضطروا في الشعر جعلوها بمنزلة مثل، قال حميد الأرقط: (فصيروا مثل كعصف مأكول)28، فقصد المبالغة في التشبيه فجمع بين الكاف و مثل فالقول - إذن - بأن (الجاحظ أول من تنبه إلى أدوات التشبيه كالكاف و كأن و مثل)29ظاهر الفساد، و يتحدث أيضا عن وجه الشبه و أن الطرفين ﻻ يكونان متشابهين و متساويين في كل الأمور، وإنما الشبه ليس من كل وجه فيقول ( وقد يشبهون الشيء بالشيء وليس مثله في جميع الأحوال وسنرى ذلك في كلامهم كثيرا)30وهكذا يمكن القول بأن سيبويه أسهم بنصيب ما في باب التشبيه  و هو نصيب ضئيل الأثر، نلتمس له العذر حيث إنه كان يهتم بوضع القواعد العلمية النحوية.

وعندما يتحدث سيبويه عن الكناية فلا يتحدث عنها بالمعنى الاصطلاحي المعروف بأنه (اللفظ الذي يراد به ﻻزم معناه مع جواز إرادة ذلك المعنى، و إنما يقصد بها المعنى اللغوي فقط، بأن يريد  مجرد الخفاء و الستر حين يتكلم بشيء و هو يريد غيره، أو كان جاهلا باسم المحدث، و تقول العرب يا فل.. و إنما بنى على حرفين لأن النداء موضع تخفيف و لم يجز في غير النداء، لأنه جعل اسما لا يكون إلا كناية لمنادى، و أما فلان فإنما هو كناية عن اسم سمي به المحدث عنه خاص غالب، قد اضطر الشاعر فبناه على حرفين في هدا المعنى قال أبو النجم:في لجه امسك فلانا عن فل.

      فهنا فل و فلان واحد و هما كناية عن شخص معين لا نعرف اسمه على وجه التحديد أو عن شخص مجهول، غير أن فل استعملت على حرفين فقط لأن النداء موضع تخفيف و يجوز فيه ما لا يجوز لغيره  واستعمل في البيت على حرفين من غير نداء) 31 و في موضع آخر من الكتاب يذكر أن كلمة فلان تستعمل أحيانا كناية لآدمي و أخرى للبهائم فإن استعملت للآدمي فهي مجردة من (ال) فتقول فلان و إن استعملت كناية لغير الآدمي اقترنت (بال) فتقول الفلان، و يعبر عن ذلك بقوله: (فإذا كنيت من غير الآدميين قلت الفلان و الفلانة  و الهن والهنة،جعلوه كناية عن الناقة التي تسمى بكذا و الفرس الذي يسمى بكذا ليفرقوا بين الآدميين و البهائم)32و الواضح مما سبق أن سيبويه كان لا يعرف الكناية الاصطلاحية و لم يوجد في كتابه سوى هذا النوع من الكناية اللغوية  ومهما يكن من شيء فإن الكناية الاصطلاحية لم تعرف تقريبا إلا في نهاية القرن الثالث الهجري على يد ابن قتيبة(276 هـ) والمبرد(285هـ) اللذين تحدثا عن أقسامها بصفة عامة، و أما قبل ذلك فكانت تستعمل في المعنى اللغوي فقلما نراها استعملت في معناها الاصطلاحي المعهود33.

و قد تناول سيبويه كذلك التجريد، و قد جاء ذكره هذا موجزا و بمثال واحد، و رغم ذلك فإن العلماء لم يهملوا رأي سيبويه بل ذكروه في كتبهم و نسبوه إليه ففي باب ما يختار فيه الرفع و يكون فيه الوجه في جميع اللغات يقول سيبويه:(و لو قال أبوك فلك أب لكان على قوله فلك به أب أو فيه أب و إنما يريد بقوله فيه أب:مجرى الأب على سعة الكلام ، فقوله لك به أب أو لك فيه أب، نوع من التجريد الذي يكون الانتزاع فيه بالباء أو بفي كقولهم لئن سألت فلانا لتسألن به البحر  أو كقوله تعالى(لهم فيها دار الخلد)34، و ابن جني يرد هذا النوع الذي تستعمل فيه الباء من التجريد إلى سيبويه حيث يقول(و منه مسألة الكتاب أما أبوك فلك أب:أي لك منه أو به بمكانه أب)35،و ما فعله ابن جني من الإشارة إلى وجود هذا النوع من التجريد و تفسيره في كتاب سيبويه قد فعله الزجاج أيضا، و (في هذا ما يبن مدى أهمية الكلمة الموجزة التي يطلقها سيبويه لأنه لا يطلق الكلمة إلا في دقة و بعد تحديد، و ما على العلماء بعد ذلك إلا النقل و التفسير)36.

و قد ذهب البعض إلى أن سيبويه حين نثر هذه المسائل البلاغية، لم يقصد إلى علم غير النحو و لم ير علما خاصا هو علم البلاغة أو أحد فنونها لكن الرد هنا ميسور لأن سيبويه لم يكن يفرق بين النحو و البلاغة و لم يكن النحو عنده مجرد النظر إلى أواخر الكلمات إعرابا و بناءا و كذا حركاتها و سكناتها، و إنما النحو عند الرجل يشمل كل هذه الأمور و يشمل أيضا تأليف الجملة و نظمها  و سر تركيبها و بيان حسنها أو قبحها و لا شك أن هذا لا يشمل النحو فقط بل يتعداه إلى البلاغة كما نعرفها اليوم. لا يختلف اثنان في القول بأن سيبويه قد وضع الأساس و أقام البناء للبيان العربي قبل الجاحظ بقرن من الزمن تقريبا، و من الحق أيضا القول بان الألوان التي نبه إليها في علم البلاغة لم يضع لها قاعدة بل كان يتمثل في الجزئيات ما تشرف به رتبة الكلام و يدخل في صميم البلاغة 37 ،لذلك استحق أن يكون لسيبويه و كتابه منزلة خاصة و مقاما رفيعا بين العلماء.

الهوامش:

1-  الفصحى لغة القرآن، أنور الجندي، دار الكتاب اللبناني للطباعة و النشر الموسوعة الإسلامية العربية الطبعة الأولى 1982 ص 307.

2-  ينظر المختصر في تاريخ البلاغة د،عبد القادر حسين، دار الشروق، بيروت الطبعة الأولى 1402هـ، 1982، ص 53.

3-  المرجع نفسه ص 53.

4-  البلاغة عند المفسرين حتى نهاية القرن الرابع الهجري، د، رابح دوب ، دار الفجر للنشر و التوزيع، القاهرة، الطبعة الأولى، 1997، ص 74

5-  الفهرست، ابن النديم تحقيق مصطفى الشويمي، الدار التونسية للنشر و المؤسسة الوطنية للكتاب الجزائر، الجزائر دط، 1985.

6-  البلاغة عند المفسرين ، د، رابح دوب، ص 74.

7-  دلائل الإعجاز في علم المعاني،عبد القاهر الجرجاني،تعليق و شرح محمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة القاهرة، مصر ط 1، 1969، ص117.

8-  المصدر نفسه ص 138.

9-  المدارس النحوية، د، التواتي بن التواتي، دار الوعي للنشر و التوزيع ، الجزائر دط، دت، ص51.

10-  المصدر نفسه ص 54.

11-  البيان و التبيين، أبو عمرو الجاحظ،تحقيق عبد السلام هارون،مطبعة الخانجي القاهرة، مصر،ط3،1968،ج1 ص91.

12-  ينظر المدارس التواتي بن التواتي، ص 64.

13-  الكتاب، سيبويه، المطبعة الأميرية، القاهرة،ج 1،ص19.

14-  المصدر نفسه ، ص 279.

15-  المصدر نفسه ، ص 37.

16-  الرد النحاة، ابن مضاء الأندلسي،دار الفكر العربي،د ط، دت ، ص 69.

17-  الكتاب،سيبويه، ج1 ،ص 14 و 15.

18-  المصدر نفسه ، ص 41.

19-  المصدر نفسه ، ص 108،109.

20-  المختصر في تاريخ البلاغة، د، عبد القادر حسين ، ص 58.

21-  البديع، عبد الله بن المعتز، منشورات دار الحكمة، دمشق دط، دت، ص694.

22-  المختصر في تاريخ البلاغة، عبد القادر حسين، ص 59.

23-  ينظر أثر النحاة في البحث البلاغي، د، عبد القادر حسين، دار غريب للنشر القاهرة 1998، ص 116.

24-  الكتاب، سيبويه، ج1 ،ص 108 ، 109.

25-  إعراب القرآن، الزجاجي، المؤسسة المصرية العامة للنشر،1963 ، ج1 ، ص 47.

26-  الكتاب، سيبويه، ج1 ،ص 474.

27-  المصدر نفسه ، ص 203.

28-  البلاغة عند السكاكي، أخمد مطلوب، بغداد،1964، ص 310.

29-  الكتاب، سيبويه، ج1 ، ص 93.

30-  المصدر نفسه ، ص 333.

31-  المصدر نفسه ، ج2،ص148.

32-  ينظر أثر النحاة في البحث البلاغي، د، عبد القادر حسين، 123.

33-  الكتاب، سيبويه، ج1 ، ص 195.

34-  الخصائص، أبو الفتح عثمان بن جني، تحقيق محمد علي النجار، عالم الكتب بيروت، ط3، 1986، ج2،ص 475.

35-  أثر النحاة في البحث البلاغي، د، عبد القادر حسين، ص128 .

36-ينظر الرسالة الشافية(ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن الكريم) ،تحقيق محمد خلف الله و محمد زغلول سلام، دار المعارف، مصر، ط2،1968، ص 28.

37-  الكشاف، الزمخشري، دار المعرفة، لبنان،ط1،دت،ج2 ص115.