الحضرية في مدن الصحراء الجزائريةpdf

 

       د.خليفـة عبد القادر

مخبر تحول التشكلات الاجتماعية

جامعة قاصدي مرباح ورقلة ( الجزائر )

Rrésumé:

 Ce travail de recherche à été  le fruit d’un long parcours d’anthropologie de terrain ; c’est une Tentative de comprendre la réalité de la vie urbaine dans les villes du Sahara algérien,Après des dizaines d’années  de l'indépendance nationale et les opérations d'urbanisation et fixations vécue par les groupes nomades et semi-nomades, pour répondre à la question ; est verune urbanité moderne, ou seulement unereconfiguration des mêmes groupes sociaux,

                À travers deux indicateurs, l’un est les rapports lignagers et tribales   entre réalité et symboliques, l’autre est les trajectoires professionnelles et stratégies sociales.

                Les résultats importants qu’on à constates, on voix d’urbanisation et urbanité dans ces villes c’est ont est devant une société en cours dans des villes en cours. 

مقدمة

إن هذا العمل إنما هو خلاصة بحثية لمحاولة فهم -انطلاقا من منظور أنثر وبولوجي-  لواقع الحياة الحضرية في مدن الصحراء الجزائرية، بعد عشريات من الاستقلال الوطني وعمليات التمدن الذي شهدته المجموعات البدوية والشبه بدوية وذلك من خلال دراسة للمجموعات الاجتماعية المؤلِفة للتركيبتة السكانية لهذه المدن، وقد أخذنا على سبيل النموذج مدن ورقلة، وتقرت[1] باعتبار مكانتهما التاريخية من جهة ووضعهما الحالي كمدينتين كبيرتين لا تقلان عن تعداد 150 ألف نسمة[2].

إن أغلب تركيبة سكان مدن الجنوب الجزائري قد تكونت تعاقبيا من عدة مجموعات اجتماعية حسب تاريخ اتصالها وانتمائها للواحة، لكن الميزة التي جعلت هذه المجموعات  ضمن مجال واحد هي التعايش، هذا التعايش الذي ميزها طوال تاريخ استمرارية الواحات ونشأة وتطور المدن التاريخية في الصحراء، وكان سر هذا التعايش المستمرهو التكامل، التكامل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي أيضا  وهو الذي أثمر الواحة.

التوسع العمراني لمدن الصحراء الجزائرية بعد الاستقلال والذي أثمر مدنا "حديثة"، هذا التوسع يتوافق تماما مع التوزيع المجالي الاجتماعي  للمجموعات الاجتماعية التي شكلت سكان المدن، بداية من المزارعين القدامى ذوي البشرة السوداء في الغالب الذين سكنوا القصرور القديمة، أو ما يحلوا للمعماريين تسميته "بالأنوية القديمة" وما رسوا زراعة المحاصيل الموسمية ثم في فترة صعب على المؤرخين تحديدها اكتشفوا زراعة النخيل ثم  إلى توطنات البدو وأنصاف البدو الأوائل ابتداء من ثلاثينيات القرن العشرين، هذه التوطنات قد صاحبت الواحة منذ إنشائها لكنها وعبر تاريخها الطويل كانت مؤقتتة وموسمية تبعا لنمط معيشة البدو وأشباه البدو في دورة حياتهم السنوية، حتى  التنثبيت النهائي للبدو في حدود نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، تحت تأثير العهد الكولونيالي  وانتهاء بأحياء التوسعات الجديدة.

إن هدف هذه المحاولة هو التأكد من مدى الاندماج الاجتماعي بين المجموعات الاجتماعية من خلال التحول الاجتماعي الذي تمارسه أو تخضع لهن في مجال "المدينة  الحضرية"، هل هو في اتجاه حضرية أي مدينية حقيقية بالمقاييس المتعارف عليها دوليا؟ أي بشروط العولمة أم مجرد إعادة تشكيل لنفس المجموعات الاجتماعية، واستمرار التعايش والتجاور في المجال، مع إبقاء لروح الروابط السلالية / التقليدية لكل مجموعة اجتماعية من مجتمع الواحات؟  

إن الارتكازات النظرية التي يمكن التأسيس عليها للتأطير لمثل هذا التساؤل لا يمكن أن تبتعد عن أولائك الرواد الذين درسوا مجتمعات الشمال الإفريقي، بالنظر إلى (بورديو وصياد[3])، وتحليلهما عما عناه المجتمع الجزائري عموما في الفترة الكولونيالية من "اجتثاث" فهل يمكن الحديث عموما الآن في الجزائر عن "بنيات" اجتماعية في "مدن"؟ فلا البنيات مكتملة وواضحة المعالم ولا المدن ينطبق عليها ما هو متعارف عليه من تعريف للمدينة. في حالتنا الراهنة لا يمكن الحديث سوى عن حالات من التحول، من إعادة التشكل الاجتماعي، من ممارسات يومية وحياتية، من تمثلات مليئة بحالات الاغتراب و(الأنوميا) أو اللا معيارية[4]. هذه القناعات لم يكن بالإمكان التأكد من انطباقها على ميدان دراستنا – مدن الصحراء الجزائرية -  إلا من خلال التعمق فيه، وذلك بتعبئة الأدوات المنهجية النوعية، ومحاولة تحليل الخطاب، خطاب المعنيين، والتي قادتنا عبر المعايشة، عبر المحادثات، في كل مرة  إلى تلمس واقع المجموعات الاجتماعية لدراسة تحولاتها الاجتماعية، مجموعة بمجموعة من خلال علاقاتها بمجالها الحضري أولا والإقامة ثانيا وحتى السكني، بتتبع إستراتيجياتها الاجتماعية وتمثلاتها، ثم علاقاتها فيما بينها، كمجموعات متعايشة ثم مجتمع "حضري" في طور التكوين.

 لتعقد الموضوع وتشعب فرضيات دراسته اقتصرنا في هذا المقال على استخدام مؤشرين اثنين  رأينا أنه بإمكانهما الإسهام في الإحاطة بأهم جوانب الظاهرة:

·         أولا: الروابط السلالية التقليدية بين الرمزية والواقع

·         ثانيا: المسارات المهنية والاستراتيجيات الاجتماعية

أولا: الروابط السلالية التقليدية بين الرمزية والواقع.

من الذين حللوا البداوة ونظام القبيلة بصفة خاصة (جاك بيرك)[5] في نصه المميز حول البداوة، عرف جاك بيرك القبيلة بالاسم، معتبرا التعريفات والتصنيفات التي نظرت للقبيلة وكأنها كيان مستقل بذاته عفوية لا طائل من ورائها، ففي نظره القبيلة ليست سوى:

 " أسماء وتصنيفات وهويات تُصنع لرفع أذً ورد هيمنة ومواجهة خطر خارجي، فكلما كانت الهيمنة قاسية والضربة موجعة والتصدع كبير، لجأت القبيلة لزرع أسماء الأولياء الصالحين في كل مكان من تواجدها عله يحميها بطريقة أو أخرى".

  من منطلق تحليل (جاك بيرك) حاولنا تتبع وضع هذه البنية الاجتماعية أي "القبيلة المتمدنة " في مواجهة "المدينة الحدايثة" استلهمنا عملا ميدانيا للتحقق من حالات مواجهة المجموعات الاجتماعية ذات الأصول البدوية للحضرية والمدينية وظروف الحداثة بصفة عامة.

إن علاقة عالم البداوة مع "الحداثة" كانت منذ البداية( القرن التاسع عشر،) علاقة صراع ومواجهة، ليست مواجة بين التخلف والتقدم كما قد يترائى للبعض، بين الرجل الأبيض الأوربي والرجل البدائي. إن هذا الصراع هو في حقيقة الأمر صراع جوهر، منشأه التناقض في جوهر الثقافة نفسها.

من المعلوم أن الحداثة ومنها المدينية الحديثة التي يحاول ابن البدوي المتمدن أن يندمج فيها " مجبراً "، هذه الحداثة بنيت في الأصل على أساس الفردية L’individualité  والإستقلالية L’indépendance، ومفهوم الحرية والديمقراطية[6].

في حين يناقض هذا جوهر البداوة وحقيقتها، فإن القبيلة في الأساس مبدأها هو خلق" الجماعة"، الجماعة المتضامنة[7]، التي يذوب فيها الفرد فلا تصبح له قيمة خارج جماعته. ومبدأ التبادل عند هذه الجماعة  قائم على فعل     " الكرم"، الذي ينتج بدوره الزعامة الساسية، إضافة إلى مفاهيم وميكانيزمات "الشرف"،"النيف" "العفة" الثأر" وهي مفاهيم تجعلها القبيلة في الخط الأول من وجودها، إن هذه المفاهيم المغروسة في اللاوعي الجماعي لأفراد القبيلة، حتى المتمدنة ونقصد بالمتمدنة أي التي توطنت المدينة نهائيا، وهذا ما يدعى تمدن البدو، بالمفهوم المديني. ولذا تتعارض القبيلة في جوهر تعريفها مع كل مشروع حداثة يهدف إلى نسف وجودها، من الأصل. وهو ما قصده (بورديو) عندما كان يتكلم التفكيك الذي تعرض له المجتمع الجزائري التقليدي على يد مشروع كولونيالي استيطاني.

أما نتائجه في الوقت الراهن قد وجدت جلية وواضحة الملاحظة في مدن الجنوب الجزائري مع حركة تمدين البدو، في العشريات الأولى للاستقلال إن حالة الاجتثاث، والاغتراب والترقب والانتظار، هي حالات اجتماعية ونفسية عاشها أبناء البدو المتمدنين ولا تزال أثارها موجودة في الذهنيات والسلوكات إنها حالة اخترقت جميع خطابات الذين استجوبناهم من أبناء البدو المتمدنين. نجد خلاصتها في كل استجواب، في الإشارة إلى الآخر، الآخر هو ساكن المدينة القديم، إما المزارعين التقليديين، مثلا إذا أردت الإشارة إلى هؤلاء في مدينة ورقلة تستخدم عبارة "ورقلي"، هي العبارة بالضبط التي تنطبق على فئة سكان القصر القدامى ذوي البشرة السوداء، وهي مستعملة إلى اليوم، أما إذا أردت تعيين فرد من أبناء القبائل المتمدنة تشير إليه باسم قبيلته أو مكان سكنه، " مخدمي، من حي أو قبيلة المخادمة" سعيدي من حي أو قبيلة سعيد وهكذا...إن تعيين الآخر/ القريب، يوحي بدلالة هذا الاغتراب المتواصل. في مدينة تقرت، تبرز الدلالة على تعيين السكان القدمى من طرف المتمدنين بعبارة " ناس البلاد" ويقصدون بذلك إما الحشاشنة أو المجاهرية.

يمكن أن نلاحظ أن الإحساس القوي بوحدة القبيلة عند البدو المتمدنين بقي موجودا رغم عشريات من التمدن والتثبيت، هذه الهيكلة الاجتماعية لا تزال فاعلة عند المجموعات الاجتماعية وحتى تلك التي كان تمدنها يمتد إلى الثلاثينات تقدم  دلالة لمسناها عبر التقصي الميداني على بقاء هذه الروابط واستمرارها تجمعهم في أحياء معينة في أحياء المدن في شكل تجمع من العائلات من عرش واحد أو فرقة واحدة أو أبناء عمومة في حي واحد، أحياء (الرويسات، سعيد عتبة، المخادمة، بني ثور) في ورقلة تقدم النموذج الواقعي لذلك.

في حين أن الروابط التي تجمعهم بمناطقهم الأصلية الجغرافية بقيت قائمة بالرغم من البعد الجغرافي تبقى وحدة القبيلة والعرش هي الهيكل الاجتماعي القائم بمؤسساته التقليدية والرقابة القبلية التي يمارسها كبار السن هذه الروابط بالمنطقة الأصلية لاحظناها من خلال الجولات الميدانية في حي (عين الصحراء) تقرت.

  إن توزيع المجموعات الحالي والقائم أساسا على قواعد سوسيو-إقتصادية، وتاريخية يبقى غير كاف لوحده في حقيقة الأمر لفهم حقيقة البنيات الاجتماعية التي تتشكل في هذه المدن. فمنذ قرون عديدة والعلاقات والبنيات الإجتماعية لمجتمعات الصحراء كانت منظمة من خلال الروابط القرابية التي هي في الأساس تشكل بنية الأسرة ، العائلة، العرش، أين أعضاء كل تشكيل من هذا يدعون الانتماء لجد مشترك (سواء كان واقعيا أم رمزي) من خلال قاعدة سلالية أبوية، والمصاهرات القائمة على الزواج وانضمام الأنثى إلى مجموعة جديدة تشكل التحالفات التي تشكل بدورها "الفدرالية القبلية"، من خلال زواجية داخلية endogamie قوية، أين تصبح العائلات الكبرى هي المنظمة لهذه الرمزية.

  في الوضع الحالي هذه التنظيمات الاجتماعية تجد نفسها في المدينة في الأحياء الحضرية، في مساكن فردية وجماعية. إن العلاقات السلالية لاتزال تحدد المسار العمراني والفعل الاجتماعي في المدينة وفي الواحات، التملك والسلطة يمران حتماً عبر الانتماءات القرابية التي لا تزال تشكل الحامي للبنية الاجتماعية، ولا تزال تشكل رأسمال اجتماعي فاعل وواقعي. هذه الروابط الاجتماعية هي ليست في الواقع مجمدة. إن التفاعلات بين المجموعات الاجتماعية داخل المدينة، المدن فيما بينها، الحضريين القدامى والبدو المتمدنين تؤدي إلى تحالفات جديدة من خلال مصاهرات جديدة، إنها تشكلات جديدة تخترق البنيات التقليدية استجابة لحتميات المدينية الجديدة تعيد تعريف الروابط السلالية من جديد من خلال تعقيدها أكثر فأكثر.

إن القراءة المتمعنة في هذه الخلاصات التي قدمها علماء وباحثي علم الإجتماع والأنثروبولوجيا ابتداء من دوركايم، موس، ليفي ستروس، بورديو، في الجانب النظري وجاك بيرك، والتليلي...، ومن خلال المعيش والملاحظة الميدانية تشكل لنا القناعة، أنه في غياب سياسة عمرانية وحضرية اجتماعية إنبرى البدو المتمدنين أنفسهم والمزارعون القدامى أيضا من خلال ممارساتهم من خلال استراتيجياتهم الاجتماعية من خلال تمثلاتهم، تعايشهم هم الذين يصنعون مدينيتهم اليوم في مدن الصحراء الجزائرية.   

عند المجموعات ذات الأصول البدوية سواء من الذين أطلقنا عليهم عبارة أنصاف البدو ( semi – nomades ) أو البدو الحقيقيين التنظيم السائد والواضح هو "بقايا" البناء القبلي، بالرغم من سنوات التمدن والتثبيت إلا أن الشعور بالروابط ودراية كل أفراد المجموعات بالأنساق القرابية وتفرعاتها والشعور بوحدة تلك القبيلة أو العرش أو الفرقة مهما كان تباعدها الجغرافي[8].  

ثانيا: المسارات المهنية والاستراتيجيات الاجتماعية

  بتحول هيكل النشاطات والمهن في مدن الجنوب لم تعد الفلاحة هي الحرفة الرئيسية لسكان الواحات القدامى والتي طالما كانت سببا لوجودهم، في أحسن الأحوال أصبحت اليوم مجرد نشاط مكمل لميزانيات بعض الأسر، هذا إن بقيت لبعضها ملكيات بساتين النخيل التي انتهت إلى البيع أوالزحف العمراني، أو التفتيت بالميراث. إن تحول هيكل الأنشطة الاقتصادية غير كثيرا هذا المجتمع التقليدي في ظرف عقود قليلة بعد الاستقلال، بتأثير التحولات الاقتصادية والسياسية، أهمها اكتشاف النفط بمنطقة حاسي مسعود سنة 1956 إذ توجه كثيرا مِمَن كانوا فلاحين أباً عن جدٍ، إلى العمل في شركات النفط، مما سبب نزيفا كبيرا في اليد العاملة والخبرة الفلاحية استقطبتها هذه الشركات وغيرها من الوظائف الجديدة، لقد غيّر هذا كثيرا في نمط حياة الفلاحين القدامى خاصة وفي تركيبة الأسرة ودور المرأة والعلاقات الإقتصادية والإجتماعية، نجد نسبة كبيرة من العمال الصناعيين في التحقيقات الميدانية كان عدد من أجابوا بصفة عامل تمثل نسبة 18.5%  . الفلاحة لم يبق لها نصيب سوى نسبة 3.6% من الفئة المشغولة في أحسن الظروف، يمتهنها بعض كبار السن من الذين لم يسمح لهم سنهم أو ظروفهم آنذاك التوجه إلى شركات النفط أو الشركات الوطنية.

إن التحولات في إطار الإندماج الفعلي لهذه المناطق  في المجتمع الوطني العام أيضا كان لها دور في توجه  السكان بالخصوص نحو مهن ووظائف القطاع العام والخدماتي، نسبة الموظفين والمعلمين والعاملين في قطاع الأشغال العامة والبناء وصلت إلى نسبة 21.5% . كما أن البطالة في السنوات الأخيرة أصبحت الطابع السائد في هذا المجتمع التي وصلت إلى 34.9% مع العلم أنها تمس جميع المجموعات الاجتماعية الأخرى. هذه الأرقام تؤكدها الإحصائيات الرسمية المعتمدة الإحصاء العام للسكن والسكان لسنة 1998 وأيضا الإحصاء السنوي لولاية ورقلة 2001 وإحصاء مصالح البلديات.

 بالنسبة لمجموعات البدو المتمدنين يختلف المسار المهني والتوزيع على الأنشطة الاقتصادية. بالنسبة لمجموعات البدو الذين استوطنوا المدن مبكرا وكانت لهم علاقات قديمة مع المدينة عموما نجدهم قد تمكنوا من الانخراط أكثر في شبكة الوظائف والمهن التي توفرها المدينة بعد الاستقلال نجد منهم الموظفين والمعلمين والتجار، كان ذلك يتناسب طرديا مع توزيعهم في الأنسجة العمرانية للمدينة.

بالنسبة لمجموعات أخرى المهن والممارسات التي لاحظنا أنهم يفضلونها هي أكثرها المهن غير الرسمية من تجارة، يشتهر الكثيرمنهم بنشاط  – الطراباندو- عبر حدود تونس وليبيا هذه القبائل التي كانت تجوب الصحراء بين الوادي سوف والحدود التونسية والليبية اكتسب أبناؤها خبرة في مسالك الصحراء وقدرة على تحمل مشاق الصحراء استعملوها في التجارة عبر الحدود ، سوق " ليبيا"  في تقرت على شاكلة سوق الوادي سوف أكبر دلالة على هذه الشبكات المنظمة من أبناء هؤلاء البدو، الذين يتنقلون بسهولة بين المدن والحدود.

أما البدو لم يكتسب أبناؤهم بعد حرفا أو خبرات المدينة، وبالتاي كان انخراطهم في حياة المدينة دون مؤهلات مهنية عمق ذلك الوضع من عزلتهم، طالما وعاشوا حياة الترحال متتبعين أغنامهم أو الغلال التي تنضج في الواحات  حسب المحادثات التي أجريناها مع الكثير منهم يصرحون أن الشغل هو مشكلتهم الأساسية في المدينة، كان استقرار هؤلاء البدو مرتبطا ببعض الشركات التي وظفتهم كحراس لقواعدها المنتشرة في الصحراء أو حمالين وفي أحسن الأحوال تمكن بعضهم من العمل كسائقي شاحنات يجوبون الصحراء شركات النقل البري وظفت الكثير منهم كسائقين أو مرافقين للشاحنات، هذا الجيل الأول من المحظوظين بمناصب العمل هم الذين أغروا مجموعات كبيرة البدو بالاستقرار، لم يعودوا يجدون شيئا من حياتهم الماضية في تتبع قطعان صغيرة من الماشية أغنام وماعز على هوامش الصحراء الجافة، خبرة الرعي ومعرفة الصحراء لم تعد تغني عنهم شيء في حياة المدينة.

إن التحولات في المجال الاجتماعي كما في المجال الاقتصادي، والتي هي في طور الحدوث، غيرت من البنية الاجتماعية، في منطقها وأيضا في مركباتها[9]، إنها في الحقيقة إعادة تشكل في طور الحدوث، المجموعات الاجتماعية التقليدية وكما وقفنا عليه سابقا تتحول، مجموعات جديدة تتشكل وإعادة توزيع اجتماعو-مجالي اقتصادي معقدة تأخذ مكانها في هذا المجال المتحول هو الآخر المدينة الصحراوية.

لكن الملاحظ، بعد التحليل وتتبع مختلف الإستراتيجيات الاجتماعية يمكن استنتاج، أن التنظيم الاجتماعي الجديد يرتكز في جوهره على مفصلية بين العلاقات الاقتصادية، تحالفات سياسية وانتماءات سلالية وقاراباتية[10]، سواء موجودة فعلا وفاعلة أم وهمية، إن الترقي الاجتماعي المرتكز على العائدات والمسيطر عليه من طرف مجموعة التجار ومجموعة من الملاك الكبار لواحات النخيل، العلم إن صح القول والمهيمن عليه من طرف " إكليركية" (clercs) قديمة متجددة تتمثل في أإمة وشيوخ و"طُلبة"، وتأثير الزوايا.

هذه المجموعات المهيمنة الجديدة، تتعايش مع بقية الشرائح التي تحولت بفعل التغيرات الشرائح البسيطة المؤلفة من صغار التجار، الحرفيين، والقرويين كملاك صغار للنخيل عمال يوميين...).

بعد أفول عالم القوافل التجارية التاريخية، وتراجع قيمة الإنتاج الفلاحي والاندماج ضمن سلطة وطنية مركزية، غيرت هذه التحولات وبعمق الأسس التي طالما قام عليها التنظيم الاجتماعي. تعدد الأنشطة الاقتصادية وتحول أنماط التجارة وظهور نظام العمل المأجور، هي المميزات الأساسية التي ترسم معالم التشكل الاجتماعي الحالي. إن صعوبة رسم معالم بنية اجتماعية للمدينة اليوم يكمن في أن هذه التحولات لا تزال في طور التشكل من العناصر السالفة الذكر كما أن مجال المدينة واعتبارا من الفصل السابق والذي خصصناه للتحولات المجالية هو أيضا في طور الإنجاز والتشكل.

إن تحليل توزيع العناصر الأساسية ( الملكية، التعليم، والسلطة) في التشكيل الاجتماعي يمر حتما من خلال دراسة الحقول الأساسية التي تشكل البنية الاجتماعية:

 أولا: الحقل الاقتصادي الذي يتضمن الإنتاج وتوزيع الثروة.

ثانيا: الحقل الاجتماعي الذي يتضمن توزيع الروابط الاجتماعية وعلاقات السلطة

ثالثا وأخيرا: الحقل الديني والرمزي أين تنتج من خلاله الشرعية الاجتماعية.

إن داخل كل حقل من هذه الحقول المترابطة ومن خلال الممارسة والحياة اليومية تنتج تدرجات تدفعها مجموعة من الرهانات، ولعل أهم رهان حسب موضوعنا هو الرهان المجالي الذي يرمز إلى الترقي والنجاح الاجتماعي. 

مراجع وهوامش:


 [1]تقرت: مقر دائرة، تضم أربع بلديات ( تقرت، النزلة، تبسبست، الزاوية العابدية) تقتسم نفس النسيج العمراني في مدينة واحدة، عاصمة إقليم وادي ريغ من أهم مدن الصحراء الجزائرية، تقع حوالي 650كلم جنوب شرق العاصمة الجزائر، حوالي 150000 ساكن.

[2]  5éme Recensement général de la population et de l’habitat 2008 .Wilaya de Ouargla No527/30.

[3] Pierre BOURDIEU et Sayad ABDELMALEK,  le Déracinement ; la crise de l’agriculture traditionnelle en Algérie, Paris : Edition de minuit, 1964 (Grands documents ;14)

[4] يستخدم مصطلح الأنوميا للدلالة على الموقف الاجتماعي الذي يشهد صراعا بين المعايير وبين الجهود التي يبذلها الفرد للإمتثال معها، أو الموقف الاجتماعي الذي تنعدم فيه المعايير نتيجة لتغيرات اجتماعية وثقافية تقلب التوقعات السلوكية العادية للفرد. محمد عاطف غيث: " قاموس علم الاجتماع"، دار المعرفة الجامعية، الأزريطة الإسكندرية، 1995. ص 23.

[5] Berque Jacques. « Qu’est ce qu’une « Tribu » nord-africaine. » dans : Jacques Berque. « Maghreb,Histoire et société ».Gembloux : Duculot.(Sociologie nouvelle,situation ;7),1974.P 201

[6]البشير التليلي، البداوة المُطاردة: ملاحظات أولية للبحث في أثر فعل الحداثة في البداوة. في إضافات المجلة العربية لعلم الاجتماع، الجمعية العربية لعلم الاجتماع ومركز دراسات الوحدة العربية.العدد الثاني ربيع 2008. ص213.

[7] Berque Jacques : ibid.P.213

[8] فاروق مصطفى إسماعيل"التغير والتنمية في المجتمع الصحراوي " دار المعرفة الجامعية  الإسكندرية 1990 ص 64.

[9]Said belguidoum; les groupes sociaux dans la ville : avoir, savoir et pouvoir in Marc Cote (sous la direction de) la Ville et le desert le Bas-Sahara algérien,IRMAM KHARTALA Paris 2005.P245.

[10]  Said belguidoum : Ibib,p254.