التعميـق الإستراتيجي لوحـدة الهوية في البناء الاجتماعي pdf

 رؤية سوسيولوجيـة مستقبليـة

 د/ حسيــن لوشــن

 جامعـة الحاج لخضر باتنـة( الجزائر)

 ملخص

 موضوع الهوية، لقد تجاذبته طروحات الكثير من رجالات الفكر، وذلك باختلاف انتماءاتهم واهتماماتهم في البحث، حيث طرقوا فيه جوانب ومسائل ذات أبعاد فلسفية وتربوية وثقافية... .

 ونظرا لما لاحظناه من قلة في المعالجات السوسيولوجية لقضية الهوية، لقد ارتأينا ضرورة تقديم محاولة جادة، حددنا فيها تصورا ورؤية واضحة، للكيفية التي تعمق فيها وحدة الهوية، وبشكل استراتيجي وفعال ومثمر.

 وأسس تجذير وحدة الهوية للفرد والجماعة والمجتمع والأمة، وتحصينها داخل البناء الاجتماعي، لا تتم إلا من خلال مجموعة المقومات، التي تظهر في التربية والقيم والأخلاق والتمثلات، ومن ثم تمنحها الديناميكية، وتحفظ استمرارها مكانيا وزمانيا وتثبت توازنها اجتماعيا.

 Résumé

 Le sujet de l’identité, a été discuté par de nombreux hommes d’intellect, avec différents appartenances et intérêts de recherche, c’est qu’ils ont touché plusieurs problématiques et domaines philosophiques et même éducatives, culturelles et littéraires…etc.

 Et regardant le manque au traitement sociologique du phénomène de l’identité, on a vue l’importance de fournir un essai sérieux, et maitre une image et une vision claire, a la façon dont l’unité de l’identité se constitue, d’une manier stratégique efficace  et performante.

 Les principes d’intégration de l’unité de l’identité des individus, des groupes, de la société et de la nation, ne se réalisent que si plusieurs critères sont considérés, des critères qui parviennent dans l’éducation, les valeurs, et dans l’éthique et les apparences, et lui donne, après, l’aspect dynamique, assurent ça continuité spatio-chronologique, et prouve son équilibre social.

 مقـدمـة

 تتحرك معالجتنا لموضوع الهوية، في إطار تصور متكامل، ونابع من سعينا نحو تقديم ملمح سوسيولوجي، معبر عن جدية الطرح من جهة، والإدراك والاقتناع الضمني بالأهمية القصوى لهذه المسألة

 و تأكيدا لجدوى وحدة الهوية في البناء الاجتماعي، فإننا سننطلق من اعتبار:

 -الفـرد –الجماعة –المجتمع -الأمة

 مرتكزات ومكونات  ضرورية وأساسية، يمكن من خلالها تحليل وتفسير بعض الجوانب أو الموطنات التي تمس هذه الظاهرة، ذات الامتدادات والانعكاسات الاجتماعية، وبالمعنى الذي يضع جهود المفكرين والفلاسفة والمربين، والعلماء والأدباء  والاجتماعيين، والباحثين…، في المقام الذي تظل فيه آراؤهم ومواقفهم تخدم قضية الهوية.

 وما دمنا نحرص على دعم تطلعنا، ومثابرتنا إلى بلورة  فهم ناضج ومتبصر، خال من الغموض واللبس و ىالتشوش، فسوف يكون من باب أسبقية تكريس الموضوعية، وما يتفق مع منطق ما يقره الخيال ذو البعد القريب في النظر والمرتبط بالواقع، الإقرار أو التسليم بوجود ملامس أو محكمات فعلية، لا تتعين الهوية بوحدتها  المطلوبة إلا في سياقها ، ويمكن التعبير عنها في الرسمة الآتية:


 وللإفادة أكثر في الشرح، نعتقد أن عمليات أو مشارب:

 -التربية الاجتماعية

 -القيم الاجتماعية

 -الأخلاق الاجتماعية

 -التمثلات الاجتماعية

 لا تظهر قيمتها الحقيقية، المحسوسة والملموسة في وحدة الهوية وتحصينها، إلا إذا تم الاهتداء  وعن دراية إلى اعتماد وإتباع إستراتيجية محكمة ومرنة.

 شرط أن يقوم  التفكير النير، والتدبير الرشيد والعقلاني ، والسلوك المهذب والسوي، طبقا لأسس و ميكانيزمات، وضوابط  وموجهات منطقية وفاعلة، يرقى أثناءها الكل المنصهر والمتمازج والمتلاحم إلى تعميق و تجذير الهوية، الفردية والجماعية  والمجتمعية المشكلة لوحدة وتماسك بناء الأمة.

 ومواكبة لبعض التغيرات التي تطرأ على هذه المكونات والتي نعدها في الغالب عرضية، سوف تبقى الجهود حثيثة لضمان وحفظ ديمومة الهوية واستمراريتها، حاضرا ومستقبلا من الناحية الاجتماعية، وذلك بالمفهوم الواسع النطاق، وهو توجه ينسج العلاقة بين الزمان والمكان والإنسان.

 أولا: شرح وحدتي التحليل في المعالجة

 إن الدواعي التي اقتضت منا، انتقاء وحدتين أساسيتين للتحليل، واللتان ارتأيناهما تليقان لهذا العمل، إنما نختصرها في التميز الخاص بالموضوع القائم للدراسة، وهما:

 1-     الإستراتيجية La Stratégie

 يراد بمصطلح الإستراتيجية حسب  سياق الفهم السوسيولوجي، أنها ... الخطة المحكمة والمحددة والمرنة، والتي يتعين فيها الاتجاه الواضح والرئيسي للحركة(1)، إذ تستدعي من الجميع، والمنصهرين في بناء حركي، يستوجب أن تكون  عناصره متناغمة مع بعضها، انطلاقا من الفرد فالجماعة فالمجتمع، ثم مرورا إلى الأمة بكل مركباتها ومقوماتها البشرية،  أضف إلى تعيين مسالك ومشارب حيوية ومتجددة ، تمكن تدريجيا من تعميق وحدة الهوية.

 وهذا التحديد الذي قام حول المفهوم، آليا سوف يقودنا إلى تصور وجود اعتماد تساندي وظيفي بين الإستراتيجية والهوية وما يدلل على ذلك... الأصل فيه أن تنطلق الإستراتيجية نحو أهداف معينة، تكون الإجراءات المترتبة عليها وسائل لبلوغها، ومعيارا لنجاحها، فيما تحدثه من تغيير في الانتقال من حال إلى حال وصولا إلى الأهداف المتوخاة(2)، وهذا على أسس وقيم من التربية، التي تمنح للكائن الآدمي الخلاق النمو الطبيعي، في ظل دورة حياة اجتماعية، يتطور ويتمكن فيها على الدوام، ما بقيت عزائمه تسترشدها النوازع الخيرة.

 واستنادا إلى الرؤية التي تمليها الخبرة، المشبعة بمعاناة الممارسة البحثية، وسعة النظر والحوار الممنهج والبناء، والمنبثق من القراءات المطولة، سيما في مجال الإستراتيجيات، مما يحيلنا هذا الموقف، التأكيد على أن الهوية في وحدتها، يليق أن تتوفر لها تربية صحيحة وتدعمها قيم وأخلاق وتمثلات ووعي  اجتماعي.

 أضف إلى ضرورة إيجاد  الأسباب الناجعة والإيجابية، التي تضمن وتحفظ استمراريتها وبقاءها قوية ، عبر الفترات الزمنية والمواضع المكانية، والتراكيب البشرية المشكلة فيما بينها بناءا اجتماعيا، يتضمن بداخله التفاعل،  وله من القدرة ما تمنحه مقاومة،  مختلف العوامل والآثار تتخلله وتحيط به.

 2-الهويـة L’identité        

 لقد طرح مفهوم الهوية في دوائر بحث عديدة، ومنه الفلسفي والسيكولوجي والأنثروبولوجي، لكنه لازال حديث العهد من حيث الاهتمام والتوظيف  في حقول البحث السوسيولوجي، لأنه يمثل ظاهرة أو عملية معقدة، ومتغيرة.

 إلا أن البعض ينزع إلى اعتبار الهوية... أنها مجموعة المميزات الجسمية والنفسية والذهنية، والمعنوية والقانونية، والاجتماعية والثقافية، التي يستطيع الفرد من خلالها، أن يعرف نفسه وأن يقدم نفسه للآخرين، وأن يتعرف الناس عليه، أو المميزات التي من خلالها يشعر الفرد بأنه موجود كإنسان، له جملة من الوظائف والأدوار، التي بواسطتها يشعر أيضا بأنه مقبول ومعترف به كما هو من طرف الآخرين، أو حتى من طرف جماعته، أو الثقافة التي ينتمي إليها(3)، وبمعنى أكثر تحديدا، أن الإنسان مستمر زمانيا ومكانيا، وحتى من ناحية وجوده، باعتباره حقيقة اجتماعية، وكائن بشري لا يمكن التغافل عنه أو تجاهله.

 لذلك تظل الهوية، تشكل كينونة وسريرة الفرد الباطنية المتكاملة، والظاهرية المنسجمة مع الأحداث والوقائع والأشياء، وتجعله يشعر بكيفية متواصلة، أنه الوحدة المتفاعلة لذاته، والشخصية المستعدة والمستجيبة، والمتكيفة مع باقي الناس والأشخاص، في الوسط الاجتماعي الضيق والواسع الذي ينتمي إليه، ومع الوقت يستوجبهم الأمر، الاعتراف بوجوده ومكانته، وبعضويته المندمجة في أبنية الجماعة والمجتمع والأمة.

 ومن جانب آخر، فإنه لا توجد مفارقة في الأصل الآدمي بين هوية الذات، وهوية الذوات الأخرى، إذ بهذه الدلالة  في الرؤية السوسيولوجية، تصبح الهوية تتعدى لتشمل الكل المركب، والموحد في خليط اجتماعي قائم، مادامت توجد إستراتيجية لها أهداف، تستند على الحاضر وتتجه نحو المستقبل.

 ثانيا: المقومات المساعدة على تحصين وحدة الهوية في البناء الاجتماعي الاجتماعي

 أول ما يجب لفت النظر والألباب إليه، أنه ليس من المستعصي الخوض والبحث في شؤون الهوية، كما يجب الاعتراف المسبق، بعدم جدوى الوصول إلى نجاح ولو نسبي في معالجة القضايا العالقة بها، سيما في السياق السوسيولوجي.

 لكن حسب قناعتنا ونحن نطرح هذا الموضوع، الإشارة إلى إمكانية استغلال ما يتوفر من شروط معنوية ومادية، وشحذ العزائم التي تقف وراء الإستراتيجية الشاملة، والهادفة إلى تعميق وحدة الهوية، وحتى يتم ضمان وحفظ استمراريتها، كان لابد من تمكين الجميع، لإعطاء العناية البالغة للمقومات التالية:

 1-     التربية الاجتماعية

 ما يضفي على الدور العضوي، الذي تلعبه هذه العملية الموجهة والهادفة، قيمتها المعنوية والسلوكية والمادية والاجتماعية، والتي تتمثل أصلا في صون الفطرة الخيرة والسليمة للأفراد، وذلك في مراحل مبكرة من سنهم، كما تجدي نفعا غير محدود في تنمية وصقل مواهبهم وملكاتهم، وطاقاتهم التي يمتلكونها من طبيعتهم وبالاكتساب.

 وموقف من هذا القبيل، يؤدي بنا إلى اعتبار التربية الاجتماعية، أنها لا تخرج عن كونها تمتزج مع ... الطابع الاجتماعي للشخصية، مما يصبح لها دلالة واضحة اجتماعيا، وحيث على أساسها يتم تشكيل الأفراد، وهم مازالوا شديدي المرونة والمطاوعة، وتكوينهم بما يحدث بينهم،  لوجود أوجه شبه كثيرة لا يمكن إغفالها، وهو النموذج المتحد، الذي تعمل المجتمعات الإنسانية على إظهاره، واستقراره ووضوح معالمه، واستمراره في الأجيال الجديدة، بعد أن يكون قد استقر في الأجيال القديمة(4)، وما فوق ذلك إيجاد وحدة للهوية، تعتمد على تربية اجتماعية مؤسسة، وذات مقاصد متكاملة.

 وهكذا يتجلى لنا، أن التربية الاجتماعية بهذه المواصفات والمحددات، سوف تقود الأفراد إلى تقدير ذواتهم، والاندماج المثمر مع أقرانهم من الناس، ودون إنكار للامتيازات والفضل الموجود، والذين يشكلون الجماعة والمجتمع والأمة، التي ينتمون إليها منبتا ووجدانا وسلوكا، وعملا وطموحا وتضحيات، في إطار موحد وآمن ومستقر ومزدهر تربويا  واجتماعيا.

 2-     القيم الاجتماعية

 الوجود الاجتماعي للإنسان، يقتضي منذ البداية قيمة تكريمية ومسؤولية خص بها، بحيث فوضت له هذه المنحة  والهبة الربانية، أن يستشعر الذات،  ليتولى التفكير في أسرار الكون، والتدبر في شؤون الحياة ، بكل ما تحمله من دلالات ومقاصد.

 وإذا كان  تسليمنا منطقي، بأن الكائن البشري ينطوي على حالة قيمية، فإن عملية الإثمار فيها، تعود بلا شك إلى اعتماد مسلك، يرسي أسس ومبادئ  وقيم، تزيد من دور مكانة وأقدرية الإنسان، في الوسط الاجتماعي الذي ينتسب إليه.

 ورغم بعض الاختلاف غير المضر بين وجهات النظر، حول تحديد طبيعة وأصناف القيم، إلا أن أهميتها الحقيقية وأبعادها، تبرز أكثر في كونها ... نتاج اجتماعي يتعلمها الفرد ويتشربها تدريجيا، ثم يضيفها إلى إطاره المرجعي للسلوك من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، فإنها تلعب دورا مهما في حياة الفرد والجماعة، ويبدو ذلك واضحا في تعليم الناس القيم الصالحة، كما تعطي من الناحية الاجتماعية الوحدة للمجتمع والثقافة(5)، وقد تتعدى لتعظم وتقوي من المخزون الفطري الحيوي الذاتي للأفراد، وتحوله إلى انصهار وتعاضد، معبرا في نهايته عن وحدة هويتهم في النطاق التربوي الاجتماعي، الذي تقوم فيه الجماعة والمجتمع والأمة.

 3-     الأخلاق الاجتماعية

 إن التوظيف والاستثمار الجيد للخيال السوسيولوجي، يلزمنا  إراديا  أن نعرض مشهدين لحالتين ونتمعن فيهما، كيف تتبدل معهما أحوال الإنسانية أخلاقيا، ثم جواز إمكانية الحكم في تأثير كليهما على الهوية، وهما:

 - مشهد حالة اللاأخلاق التي تؤثر سلبا على وحدة الهوية

 والتي تكون أثناءها

 -الضمائر البليدة شبه الميتة

 -العقول المطموسة بظلام الجهل

 -النفوس المدنسة والتي تئن تحت وطأة نوازع الشر والرذائل

 -القلوب المحجرة  بالأضغان والأحقاد والكراهية

 -الأبدان المشوهة بسفاسف ما حرم من الماديات وألّـم وخبث

 - المنشأ التربوي الفاسد والطالح، والضار روحا ووجدانا وفكرا وسلوكا

 -الواقع الاجتماعي المبذور بالجشع والطمع، والاستحواذ والأنانية الخانقة

 - مشهد حالة الأخلاق التي تؤثر إيجابا على وحدة الهوية

 والتي تكون ساعتها

- الضمائر اليقظة والحية

- العقول المضيئة بنور العلم

- النفوس المطهرة بنوازع الخير والفضائل

- القلوب المليئة بالرأفة والشفقة والمحبة

- الأبدان المطعمة والنقية بما طاب من الماديات ونفع ولـذّ

- المنشأ التربوي الأصيل والفالح، والمثمر روحيا ونفسيا وعقليا وعمليا

- الواقع الاجتماعي المبذور بالطمأنينة والقناعة والتعاطف، والتضحية المبسوطة

صحيح لا أحد ينكر حقيقة، أن يقوم واقعا اجتماعيا، تسود فيه أخلاق الحالة الثانية، لأنها السبيل إلى بناء صرح قوي، يليق بمنزلة الآدميين، خصوصا وأحوال وظروف الحياة الاجتماعي للناس، تتغير من فترة زمنية إلى أخرى.

ولعل المنشود في رؤيتنا السوسيولوجية المستقبلية، وما يدعونا إلى الاعتقاد... بأن الأفراد لا يتخلون على أية قيمة، أو أي خلق من الأخلاق تخليا تاما، ولكن هناك مد وجزر في الاهتمام بخلق أو أخلاق ما، وهو ما جعلنا نسمع هنا وهناك، بعض الأصوات التي تنادي بضرورة إعادة القيم الروحية، والخلقية إلى مكانها الطبيعي في تسيير دفة الحياة، وذلك لتفادي التدهور في تماسك الشخصية، ومن ثم استرجاع القدرة على تلمس التوازن الأعمق لوجودنا الكلي(6)، أي التوازن الذي يحدث الوحدة في الهوية، ويحصنها في البناء الاجتماعي الذي يشمل كل من الفرد والجماعة والمجتمع والأمة، ويحفظ  بقاءها واستمراريتها، وتصبح معها بمنأى عن التقلبات والتحولات، التي تجري في البيئة الاجتماعية.

4-     التمثلات الاجتماعية

المغزى الاجتماعي لهذه العملية، أنها تفيد وجود رسالة إنسانية، يتحمل مسؤوليتها كل آدمي، سيما إذا كان المقصد هو تشكيل وحدة هوية بين الجميع، باعتبار... أن الذات الفردية، تشعر دوما بالولاء للجماعة، وذلك على أساس الأخوة المتينة، التي يتواءم فيها الباطن مع الظاهر، في إطار تعاون وثيق(7)، ومعزز بالتربية الصحيحة، والقيم الصالحة والأخلاق الفضلى، والهادفة مع بعضها إلى تكوين أجيال آمنة ومطمئنة، داخل مجتمع متساند ومستقر.

بحيث تتجلى في هذا النموذج المجتمعي، بوادر الأخوة والتسامح والإحسان، وذلك طبقا لقوله عز وجل:" وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان"(8)، وهذا ما يفسر من الناحية الاجتماعية، العزائم والضمائر الخيرة التي يحذوا معها الفرد والجماعة والمجتمع والأمة، طريق الاستقامة  والتآلف، والتشبث والتمثل بكل ما يزيد من رفعة وترابط العناصر البشرية والمعنوية والمادية، التي لها دور رئيسي في بناء الواقع الاجتماعي.

إذن، تبين أن وحدة الهوية التي تجمع الكل، المنسجم والمتناغم والمتعاون اجتماعيا، لا تحصل إلا إذا توفرت لها الأسباب التي تتطلبها فعلا، والتي لاحظنا من بين أقوى أوعيتها:

- التربية الاجتماعية الصحيحة والمثمرة     

- القيم الاجتماعية الصالحة والمفيدة

- الأخلاق الاجتماعية الفضلى والمثلى

- التمثلات الاجتماعية الصادقة والخالصة

ثالثا: النماذج التي تتجلى معها وحدة الهوية في البناء الإجتماعي

إن امتلاك هذا المكسب الثمين، لسوف نجده يتجسد سوسيولوجيا عند:

1-       الفرد ووحدة هويته

تكمن هوية الفرد لذاته واجتماعيا، فيما هو قائم معه بالفطرة من ملكات ومواهب، وطاقات بدنية وذهنية وسيكولوجية، في الأصل تعد نعم تسهم في تشكيل نظام شخصيته، لأنها ... مرآة لما تكدس فيها من علمه وعمله، ومعرفته وتجاربه، وأفكاره ومواقفه، وأفعاله والمهارات التي تعلمها وأتقنها، وعليها يعتمد نجاحه في تجاربه وقراراته، وعهوده ومواقفه القادمة(9)، طيلة رحلة حياته الخاصة والاجتماعية.

والجدير بالإشارة إليه، أن العناصر والتراكمات المكتسبة، تغذي من جهتها سريرة صاحبها وتصقل مواهبه، لكن المقوم الأساسي المؤدي إلى تجذير معالم هوية الفرد، يرد على احترام ذاته والذوات الأخرى، وأيضا إقراره القطعي، أنه هو بمؤهلاته ونقائصه، ودون تغليط للنفس أو تستر، لا طائل منه سوى الإنقاص أو الدونية للذات.

وفي ميزان هذا المنظور، تصبح هوية الفرد لا تخرج عما هو مفطور عليه، وما اكتسبه وأخذه من المجتمع بالتجربة، وبالنسبة لوحدتها  وحصانتها فتزيد بالقيمة والاحترام والثقة، والاستفادة والترشيد والاعتراف بما لديه، وبعيدا عن هذه المقومات سيهتز كيان الشخصية، وممكن تشوب عوامل مؤثرة سلبا، تقود إلى تعطيل دورة وحدة الأنا أو الذات، ومن ثم الانتقال من فضاء الكينونة والجدارة والصواب، إلى عالم الانفصام والتيه والضلال، وذلك هو ما نقصده بالارتباك الذي يصيب وحدة هويته، وهي متموضعة في البناء الإجتماع.

2-   الجماعة ووحدة هويتها

تتوقف هوية الجماعة، في الأساس على الاعتراف غير المشروط بهوية كل فرد فيها، لأن مقوم العضوية وبالإرادة الحرة والمستقلة، سيما العزيمة المشبعة بفضائل الاحترام، والإخلاص والوفاء بالعهود، تعتبر من معززات المحافظة على بقاء وحدة هوية أي تركيبة أو جماعة قائمة، وهي بمثابة حقيقة في الحياة الاجتماعية.

وبما أن هوية الذات الواعية والاجتماعية، تستدعي ارتباط بينها وبين الذوات الأخرى، وعن طريق... الجماعة وفي إطارها، يمكن تصحيح الهوية، وبالتفاعل يستطيع الإنسان إيجاد نفسه، أي إعطاء بعد لذاتيته، وسواء تعلق هذا الأمر بالأسرة، أو بمختلف الجماعات التي لها علاقة بها(10)، وهدف كهذا يقتضي من كل فرد في الجماعة، أن يتمسك بالمحددات والضوابط، لهوية النواة التي ينتمي إليها، لأجل تثبيت معالمها عبر الزمان والمكان، ومنه حملها بالطواعية والتفاعل على الاستمرار التآلفي والمرغوب.

ولأجل هذا الهدف، فإن وحدة هوية الجماعة من إرساء مقومات تأكيد كل الفرديات، وتطبيق المساواة والعدل، وتبادل المنفعة والوصاية التي تحترم الإرادة والرأي، والشورى في الأمور، أو وجهة النظر والموقف، ودون هذه الشروط، يصعب الوصول إلى إحداث بناء متكامل في هوية الجماعة في سياقها الاجتماعي.

3-   المجتمع ووحدة هويته

هوية المجتمع، مسألة تجاذبتها الفرديات والجماعيات، بمعنى أنها ليست إستاتيكية بل مرنة، وذلك ... ما يجد كل فرد فيها نفسه، ويمارس جزءا من هويته الخاصة فيها، وهوية المجتمع تقوم بوظائف كثيرة، منها التسليم بالمشاركة والمساواة، كما تقوم بالحفاظ على استقرار المجتمع، وتحديد طرق الاختلاف والتعبير عن الرأي، أكثر من ذلك فهي المسؤولة عن إحداث المجال العام وتفعيله(11)، بحيث تتحقق معها هويات الأفراد وجميع الفئات، بما فيها الجماعات داخل المجتمع.

وحسب مفهوم البعض من علماء الاجتماع، أن هوية المجتمع تمتد بين الأصالة والتحديث، ومهما تدخلت العناصر الفردية والجماعية في التنميط، إلا أن الإرادة المجتمعية تبقى المؤطر والموجه والممكن، لكل ما من شأنه أن يرسي قواعد وحدة الهوية الخاصة بالمجتمع، وساعتها تستمر هي الأخرى في الحيزين الزماني والمكاني، وحتى في النطاق الثقافي والحضاري بصورة أشمل، من دون إهمال المجال الاجتماعي.

4-الأمة ووحدة هويتها

عندما ننظر إلى العديد من الأمم في ظهورها، نجد عوامل قد أسهمت وتدخلت في تكوينها، ومنها على سبيل الذكر:

- الوطن

- الانصهار البشري

- اللغة

- المعتقد

- الماضي المجيد

 - العادات والتقاليد والأعراف

 - التنوع الثقافي

 - المصير المشترك...

 وغيرها من هذه المقومات، إلا انه تتجمع من الأسباب، مثل التمازج الفكري، والحوار بين الأجيال والتواصل، والمشاركة الفعلية في الحياة السياسية والاقتصادية، والشعور العميق بالامتداد والانتماء، وذلك في إطار ممارسة الحياة بإرادة حرة.

 وحين تأملنا لهذا القول... أن الحرية ترتبط بتكوين الأهداف ارتباطا كبيرا، ذلك لأننا نكون أحرارا، بقدر ما نملك من قدرة على تكوين أهدافنا، من بين ما تقدمه لنا البيئة، وبقدر قدرتنا على تنفيذ هذه الأهداف، وعلى تحمل المسؤوليات الناتجة عنها(12)، والدليل الذي يؤكد جدارة أبناء الأمة الواحدة، تقاربهم وعملهم الدؤوب، وطموحهم لمواجهة المستجدات والصعاب، ومراهنتهم لخوض معتركات الحياة بكل أوجهها.

 وما يزيد من علو شأن أمتهم ووحدة هويتهم، على جانب استغلالهم للعناصر البشرية والزمانية والمكانية، وحتى تحفظ ديمومتها وجب ... تعميق البعد التاريخي، لأنه كلما تعمق هذا البعد، أمكن ضمان الاستمرارية الاجتماعية (13)،  للأمة ولهوية الأفراد المنتمين إليها، وبالتالي تستطيع أن تبقى وتتطور وتقوى من مرحلة إلى أخرى، وهذا الدوام يساعد على تحصين العلاقة بين الجماعات والمؤسسات المحكومة بأنظمة اجتماعية مستقرة ومتغيرة نحو الأفضل.

 - تقييـم

 الحقائق التي توصلنا إليها، بعد هذه المعالجة لموضوع وحدة الهوية، وذلك في سياق تعميقها الاستراتيجي، الذي اعتقدنا أنه ينم من خلال توفير مجموعة من الأوعية، وهي بمثابة آليات حيوية، إذا ما تمكن الجميع من معرفة توظيفها واستثمارها اجتماعيا، فإنها ستؤدي بالفرد والجماعة والمجتمع والأمة، لحفظ ديمومة الهوية، وحتى نقرب هذه العلاقة الديناميكية، ونحدد رؤيتنا السوسيولوجيةحولها، كان لابد من الاهتداء إلى ضبط التخطيطة الآتية:

ومع حركة هذه المكونات، انطلاقا من التعميق الإستراتيجي الهادف، لبلوغ وحدة في الهوية جامعة بين الأفراد والجماعات، داخل مجتمع وأمة متكاملة وتتغير باتجاه الأحسن مستقبلا، وهنا نكون قد فتحنا المجال أمام الباحثين في علم الاجتماع، للخوض في مثل هذه المسائل المهمة والرئيسية.

  المراجع

 1-أحمد زكي بدوي: معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية مكتبة لبنان-بيروت- لبنان 1993(ص 411)

 2-ذكرت من طرف: خيرية قدوح: التربية العربية الوحدوية (لماذا؟ وكيف؟)معهد الإنماء العربي –بيروت- لبنان 1986(ص99)

 3-محمد مسلم: خصوصيات الهوية وتحديات العولمة الطبعة الأولى  دار قرطبة للنشر والتوزيع-المحمدية- الجزائر 2004(ص 10)

 4-محمد لبيب النجيحي: الأسس الاجتماعية للتربية دار النهضة العربية للطباعة والنشر-بيروت-لبنان بدون سنة النشر (ص.ص 35-36)

 5-عبد الله الرشدان: علم اجتماع التربية الطبعة الأولى دار الشروق للنشر والتوزيع-عمان-الأردن 1999 (ص.ص 160-161)

 6-عبد الكريم بكار: تجديد الوعي الطبعة الثانية دار القلم- دمشق-سوريا والدار الشامية-بيروت-لبنان 2005 (ص.ص 66-67)

 7-لطفي بركات أحمد: الطبيعة البشرية في القرآن الكريم (دراسة نفسية تربوية اجتماعية)   الطبعة الأولى دار المريخ للنشر-الرياض-السعودية 1981(ص 53)

 8-سورة المائدة- الآية رقم 2

 9-جمال جمال الدين: الإنسان الفعال دار الفكر- دمشق-سوريا 2005(ص 353)

 10-محمد مسلم: مرجع سبق ذكره(ص 30)

 11-عباس المرشد: هوية المجتمع الطائفي والأصول الأسطورية للدولة 2007   (ص 1)  

 http://www.alwaqt.com

    12-محمد لبيب النجيحي: مقدمة في فلسفة التربية دار النهضة العربية للطباعة والنشر- بيروت- لبنان 1992(ص 120)

 13-أنور عبد الملك: من أجل إستراتيجية حضارية الطبعة الأولى  مكتبة الشروق الدولية-القاهرة- مصر 2005(ص123)