التنمية و الثقافة السياسية : أية علاقة ؟pdf

          أ/ نبيل حليلو

  جامعة قاصدي مرباح ورقلة( الجزائر )

  الملخص:

 لما كان تحقيق التنمية في أي مجتمع من المجتمعات يستلزم جملة من العوامل و الشروط و التي بدونها يبقى العمل على تحقيقها ضربا من العبث ، فإننا سنحاول في هذا المقال تسليط الضوء على موضوع الثقافة السياسية كأحد المقومات المحورية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالتنمية ، و ذلك من خلال إبراز مضامينها و متغيراتها من جهة ، و ما تحتاجه التنمية من الثقافة السياسية لتتحقق من جهة أخرى.

 الكلمات المفتاحية : الثقافة السياسية – التنمية – المشاركة –المواطن –المجتمع

 Abstract:

 As the realization of the development in‘any society requires a number of factors and conditions without which the work to achieve it stay as a from of tempering .we will try in this article to spot the lig1992ht on the subject of the political culture as one of a pivotal ingredient which is closely linked to the development, through high ting the importance and variables on one side and the need of development of political culture on the other.

  مقدمة :

 لقد أضفت الخبرات المتراكمة لدى المختصين و العاملين في ميدان التنمية بوجه عام إلى ترسيخ قناعة مفادها أن الفرد هو هدف التنمية و محورها في الوقت نفسه، و أنه لا يمكن أن يستقيم أي شكل من أشكال التنمية إلا إذا أقحم  و إشراك هذا الفرد فيها ، و ذلك بتحريك شعوره و تحسيسه بأهمية المشاركة ، و جعله يدرك بأن لديه إمكانية التخطيط لنمط حياته بشكل أفضل.

 إن هذا الحديث يتضمن إشارة واضحة و صريحة إلى أهمية و ضرورة مشاركة الفرد و الذي هو المواطن في العملية التنموية التي تسعى السلطة إلى تجسيدها و تحقيقها ، لأن من متطلبات التنمية تشترط الاهتمام المشترك و التفاعل المستمر ، و هو ما عبر عنه بتظافر الجهود الأهلية و الحكومية الذي من شأنه أن يحقق في النهاية إحداث التغيير المرغوب و الرفاهية لأفراد المجتمع و جماعاته.

 إذا أردنا أن نقف عند معنى الجهود الأهلية و كيف بهذه الجهود أن تعضد دور السلطة في تنمية المجتمع سنجد أن هذه الأخيرة تتضمن بالضرورة حدا من الثقافة السياسية التي تعني في أبسط صورها مجموعة الاتجاهات و المعتقدات التي تسمح للمواطنين بإعطاء معنى للتجربة الروتينية بعلاقاتهم بالسلطة التي تمثلهم.

 إن ما تقدم طرحه يجعلنا نستنتج بأنه إذا كانت الثقافة هي مجموعة الاتجاهات و القيم التي تتصل بالفرد ، فإن ذلك يعني بالضرورة تواجد ثقافات سياسية متباينة في المجتمع باعتبارأن من يشكلون هذا المجتمع هم أنفسهم متباينون في أكثر من وجه ، و إذا كان الفرد هو محور التنمية و ركيزتها فإن هذه الأخيرة هي بحاجة إلى نوع معين من الأفراد دون سواهم  و هو ما يعني بصورة أدقأنها بحاجة إلى ثقافة سياسية معينة.

 إذا كانت محاولتنا تهدف إلى كشف العلاقة الكامنة بين التنمية و الثقافة السياسية فإن ذلك يستلزم وجوبا التطرق إلى التنمية و أهم متطلبات تحقيقها إلى جانب ذكر الثقافة السياسية و أهم أنواعها ليتبين بعدها أي نوع من أنواع الثقافات السياسية تحتاجها التنمية.

 مفهوم التنمية:

 إن تنمية المجتمع و تحقيق التقدم فيه للارتقاء بمستوى الحياة و تحقيق الرفاهية أصبح هدفا مشتركا بين المجتمعات، و ذلك تبعا لاختلاف الفلسفات الاجتماعية التي تنتهجها هذه المجتمعات.

 و قد أصبح مفهوم التنمية من المفاهيم الشائعة و كثيرة الاستعمال سواء من قبل الأفراد و الهيئات الحكومية1

 التنمية لغة معناها : "النما" أي الازدياد التدريجي ، يقال نما المال ، و نما الزرع أي تراكم و كثر،  و يستخدم اصطلاح التنمية عادة بمعنى الزيادة في المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و غيرها.

 و هناك الاختلاف بين مفهوم النمو croissant و التنمية développementفالنمو يشير إلى التقدم التلقائي أوالطبيعيأو العفوي دون تدخل متعمد من قبل الفرد و المجتمع ، أما التنمية فهي العمليات المقصودة التي تسعى إلىإحداث النمو بصورة سريعة في إطار خطط مدروسة ، و في حدود فترة زمنية معينة ، النمو هو عملية نضج تلقائي و مستمر ، و زيادة في النوع و الكم في سلسلة من المراحل الطبيعية ، أما التنمية فهي تخضع للإرادة البشرية و تحتاج إلى دفعة قوية تحركها قدرات خبيرة تخرج المجتمع من حالة الركود إلى الحركة و التقدم.2

 كذلك يوجد اختلاف بين مفهوم التغيرchangementو التنمية، فالتغير هو التحول الذي يقع في التركيب السكاني للمجتمع أو في نظمه أو في أنماط علاقاته أو في قيمه و معاييره التي تؤثر في سلوك أفراده3، و التغير لا يؤدي بالضرورة إلى التقدم و الازدهار بينما نجد أن غرض التنمية هو الانطلاق نحو الأفضل بخطى مستقيمة صاعدة.

 يعرف عبد المنعم شوقي التنمية بأنها " العملية التي تبذل بقصد ووفق سياسة عامة لإحداث تطور و تنظيم اجتماعي و اقتصادي للناس و بيئاتهم ، سواء كانوا في مجتمعات محلية أوإقليميةأو قومية بالاعتماد على المجهودات الحكومية و الأهلية المنسقة ، على أن يكتسب كل منهما قدرة أكبر على مواجهة مشكلات المجتمع نتيجة لهذه العمليات4.

 و يعرفها حامد القرنشاوي بأنها " إحداث مجموعة من المتغيرات الجذرية في مجتمع معين ، بهدف اكتساب ذلك المجتمع القدرة على التطور الذاتي المستمر بمعدل يضمن التحسن المتزايد في نوعية الحياة لكل أفراده.5

 و عرفها فليب روب بأنها " التغير من شيء غير مرغوب فيه إلى شيء مرغوب فيه ، أو هي التوجيه الفعلي البناء لتحقيق أهداف تتفق و القيم التي يعتنقها المجتمع".

 أما تعريف الأمم المتحدة للتنمية لعام 1956 أنها " تلك العمليات التي يمكن لها توحيد مجهود المواطنين و الحكومة لتحسين الأحوال الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية في المجتمعات المحلية ، و ليساعدها على الاندماج في حياة الأمةبالإسهام في تقدمها بأقصى قدر مستطاع"6

 و بناءا على هذه التعريفات يمكن أن نستشف منها بأن التنمية ترتبط بجملة من المؤشرات منها:

 -       أن التنمية تعتمد على جهود المواطنين بدرجة كبيرة

 -       تتطلب الجهد المستمر لتحسين أوضاع غير مُرضى عنهاإلىأوضاعأخرىجديدة و مرغوب فيها.

 -       الاهتمام بكل الفئات و كافة القطاعات و المجالات.

 إن نجاح أو فشل الجهود التنموية مرتبطة أساسا بتوافر جملة من العناصر و المبادئ التي تقوم عليها التنمية و التي بدونها يعتبر مبدأ تحقيقها من الأمورالمستحيلة ،و لعل من بين هذه المبادئ ما يلي:

 أن التنمية عملية أصيلة بمعنى ألا تكون محاكاة النماذج غير ملائمة لظروفه وأوضاع المجتمع , و هو ما جعلها تستدعي خطة و استراتيجية ملائمة بالاطار العام للمجتمع و تتماشى معه ، و من أهم الاعتبارات التي يجب الأخذ بها عند وضع هذه الاستراتيجيات هي درجة التخلف ، كذلك درجة الاستقرار السياسي ، نوعية الإدارة و شكل الجهاز الحكومي ، و طبيعة النظام الاقتصادي و نوعية التركيب الطبقي،إلى جانب مستويات الصحة و التعليم  ،و طبيعة الأهداف المنشودة .

 من بين المبادئ التي ترتبط بالتنمية أيضا هي كونها عملية تكاملية تشمل جميع القطاعات و المجالات المرتبطة بالمجتمع  أي أن خطة و مشروع التنمية تقوم بالنهوض بحياة المواطنين اقتصاديا اجتماعيا سياسيا و ثقافيا لأن هذه الخطة إذا اقتصرت على جانب دون آخر فان هذا سيحدث خلل في مفهوم التنمية ذاته.

 كما أنه لا يمكن تحقيق التنمية  في ظل التغيير البنائي الذي يستلزم ظهور أدوار و تنظيمات اجتماعية جديدة تختلف اختلافا نوعيا عن الأدوار القائمة في المجتمع و التي تتعارض مع قيام التنمية.

 إلى جانب ما ذكر يرتبط تحقيق التنمية بمبدأ المشاركة الواعية لكافة المواطنين في وضع و تحديد أهدافها و برامج تنفيذها ، فعملية التنمية تتطلب خطوات أساسية و كل خطوة من هذه الخطوات هي بحاجة إلى مشاركة المواطن فيها بدءا من مرحلة الدراسة إلى مرحلة التقييم ، و بدون هذه المشاركة فإن مصير التنمية حتما هو مواجهة موجة من المشاكل و العقبات.

 إذا كانت التنمية من مبادئ تحقيقها هو مبدأ مشاركة المواطنين فإن ذلك يعني حاجتها إلى نوع معين من المواطنين ، فهي بحاجة إلى مواطنين يتميزون بثقافة سياسية مشاركة تحمل لقيم و اتجاهات إيجابية تؤهلهم بأن يندمجوا مع التنمية بالمشاركة الواعية.

 ثانيا: الثقافة السياسية:

 ترجع الجذور الفكرية للبحث في الثقافة السياسية إلى كتابات الانتثربولوجيين أمثال روث بندكت  ruthbendictو مارجريت ميد Margaretحول الطابع القومي و التي عنيت بالكشف عن القيم و المعتقدات و الممارسات الفريدة التي تميز ثقافة ما.7

 حينما بدأيتبلور اتجاه أساسي في علم السياسة خصوصا في السياسة المقارنة أصبح ينظر إلى الثقافة في اطار سياسي يعبر عن المزيد من عدم الرضا بدراسات الطابع القومي الأمر الذي كان من شأنه ذلك الانقطاع و إعادة صياغة المفاهيم.

 لقد كان الباحث الأمريكيالموندأول من أدخل مفهوم الثقافة السياسية في عام 1956 في محاولته المبكرة لتصنيف النظم السياسية و يعرفها بأنها " مجموعة التوجهاتالسياسية و الاتجاهات و الأنماط السلوكية التي يحملها الفرد تجاه النظام السياسي و مكوناته المختلفة ، و تجاه دوره كفرد في النظام السياسي "8

 و يعرف سيدني فيربا " الثقافة السياسية بأنها المعتقدات و الرموز التعبيرية و القيم التي تحدد الموقف الذي تحدث من خلاله الحركة السياسية"9

 أما لوشيان باي يعرف الثقافة السياسية "بأنها مجموعة الاتجاهات والمعتقدات و المشاعر التي تعطي  نظاما و معنى للعملية السياسية ، و تقدم قواعد مستقرة تحكم تصرفات أعضاء النظام السياسي"10

 و ينضر صامويل بيير للثقافة السياسية بأنها " تلك القيم و المعتقدات و الاتجاهات العاطفية التي توضح ما يتوقع عمله من الحكومة و ما ينبغي عليها أن تعمله لكي تستمر "11

 و يعرف قاموس أكسفورد الثقافة السياسية بأنها الاتجاهات و القيم التي تتصل بعمل نظام سياسي محدد و تعد بمثابة معرفة متضمنة و مهارات مكتسبة عن عمل هذا النظام كما تتضمن اتجاهات إيجابية أو سلبية نحوه ،إلى جانب أحكاما تقييمية بشأنه "12

 أما فيليب برو فقد عرفهابأنها " تتكون من مجموعة من المعارف و المعتقدات تسمح للأفراد بإعطاء معنى للتجربة الروتينية لعلاقاتهم بالسلطة التي تحكمهم ، كما تسمح للمجموعات باستخدامها كمرجع للتعريف بهويتها ،  فهي تسمح لكل منهم بتحديد موقعه في المجال السياسي، و ذلك من خلال تعبئة حد أدنى من المعالم الواعية أو الغير واعية التي ترشده في سلوكه"13.

 إن استعراضنا لهذه التعريفات جعلنا نقف من خلالها على عدة ملاحظات و استنتاجات أولهاأنه هناك من الباحثين من ينظر للثقافة السياسية باعتبارها يغلب عليها الرؤية المعيارية أو المعرفية،  و هي تركز على جانب القيم و المعايير و الاتجاهات لدى فرد ما في المجتمع في علاقته بالنظام السياسي .

 و هناك من ينظر إلى الثقافة السياسية من الجانب المهاري حيث أنها تركز على السلوك لدى فرد ما اتجاه النظام السياسي .

 إلى جانب توجد فئة تنظر للثقافة السياسية على كونها محدد تقييمي يمثل مختلف الأحكام و التقييمات التي يصدرها الأفراد على الظواهر و المؤسسات ، حيث أكد الموند و فيربا أن التوجهات الإدراكية للثقافة السياسية تتضمن معرفة و معتقدات الأفراد حول النظام السياسي ، و عملياته و قياداتهو أن التوجهات الوجدانية تتضمن المشاعر إزاء النظام كالارتباط، و الانتماءأوالاغتراب عنه ، في حين أن التوجهات التقييمية منأحكاموآراءالأفراد بشأن هذا النظام .

 و بهذا يمكن تحديد و قياس الثقافة السياسية لأي مجتمع من المجتمعات من خلال معرفة مدى ادراك و شعور و تقييم الأفرادلأربعة جوانب أساسية من الحياة السياسية و هي :

 النظام ككل ( الحجم،الموقع، الشكلالدستوري... الخ) و جانب المدخلات ( الأفراد و الجماعات و البنى و العمليات السياسية  ، التي يتم من خلالها تقديم المطالب المختلفة إلى السلطات السياسية لتحويلها إلى قرارات ملزمة)  ، و جانب المخرجات ( كيفية وضع و تنفيذ السياسات العامة في المجتمع ،  و ما هي البنى التي تقوم بهذه العملية ) ،  و أخيرا دور الفرد ذاته ( ما هو الدور الذي يلعبه الفرد في الحياة السياسية ؟ و ما مدى معرفته لحقوقه و واجباته ، و قدراته السياسية ، و كيفية المشاركة في الحياة السياسية، و أي المعايير سيستخدم لتكوين آرائه حول النظام و تقديمه لجوانبه المختلفة)

 من خلال هذه الأبعاد التي تحدث عنها الموند و فيربا في كتابهما الموسوم بـ: "الثقافة المدنية " و الذي جاء نتيجة دراستهما الميدانية لخمس دول تمخضت عنهما ثلاثة أنماط للثقافة السياسية و هي كالاتي :

 1-  الثقافة السياسية التابعة و الرعوية :

 هذا النمط من الثقافة يكون من ناحيةالإدراكإيجابيا بحيث يدرك المواطنين النظام من جانب المخرجات و تذبذب من جانب المدخلات ،أما من ناحية المشاعر و التقييم فان هؤلاء المواطنون قد يكونون مؤيدين أو معارضين ، أما سلوكهم فعادة ما يكون سلبيا ، نظرا لعدم قدرتهم أو شعورهم بعدم قدرتهم على التأثير على النظام ، فالكثير من هؤلاء لا يشاركون مشاركة فعلية في العملية السياسية بحيث ينصاعون بشكل سلبي للحكومة و المسؤولين ، و في نفس الوقت لا يصوتون و لا يتدخلون في السياسة14

 2-  الثقافة السياسية المحدودة:

 يقصد بهذا النوع من الثقافة السياسية أن المواطنين لا يعرفون إلا القليل جدا عن الأهدافأو الغايات السياسية ، كما أنهم لا يستطيعون تقديم أي نوع من الأحكام الصحيحة على هذه الأهدافأو السياسات العامة التي توجد في مجتمعهم ، كما أنهم لا يستطيعون تقديم أي نوع من التأييدأو المعارضة من السياسات العامة أو حتى إلى القيادات السياسية التي توجد في النسق السياسي .

 إن هذا النوع من الثقافات لا يمكن أن ينتج عنه ما يسمى بالثقافة السياسية الوطنية ، كما أن هذا النوع يظهر في المجتمعات الجديدة التي تضم مجالات غير متجانسة ، و التي من الصعب خلق نوع من التكامل فيما بينها ، و هذا ما ظهر في العديد من الدول المتقدمة في مراحل نشأتها السياسية الأولى15

 3-  الثقافة السياسية المشاركة:

 يكون المواطنين في مثل هذا النمط من ناحية الإدراك على وعي و معرفة النظام السياسي و البنى التي تحتويها الأدوار السياسية ، حيث يقومون بدور فعال من خلال التأثيربالنظام السياسي بطرق مختلفة ،  كالمساهمة في الانتخابات ، هذا الإدراك يصاحبه نوع من المشاعر و الأحاسيسبالإضافةإلى التقييم و الحكم على النظام و مكوناته .

 قبل أن تنقل إلى النقطة المحورية في هذا المقال المتعلق بعلاقة الثقافة السياسية بالتنمية أو ما يعبر عنه بماذا تحتاج التنمية من الثقافات السياسية ؟ لنتطرق إلى تصنيف آخر للثقافات السياسية و الذي له علاقة بما سنقوله في النقطة الأخيرة ، و يمثل هذا التصنيف الباحث روزنبوم حيث قسم الثقافة السياسية  إلى نمطين هما كالآتي:

 أ‌.النمط المتكامل :

 في هذا النمط يكون أغلبية المواطنين في المجتمع إيجابيين في توجهاتهم السياسية نحو النظام السياسي ،  و نحو دورهم في المجتمع و كذلك نحو الآخرين، بحيث يشعرون أنهم قادرون على التأثير في النظام السياسي ، كما أن لهم كفاءة و فاعلية عالية و هم على ثقة بالآخرين و على استعداد للتعاون مع غيرهم من أجل المصلحة العامة.

 ب‌.    النمط المفتت :

 هو على عكس النمط السابق ،  بحيث يكون أغلبية المواطنين في المجتمع سلبيين في توجهاتهم السياسية نحو النظام السياسي و نحو دورهم في المجتمع ، و كذلك نحو الآخرين بحيث لا يشعر المواطنون بأنهم قادرون على التأثير في النظام السياسي كما أنهم يشعرون بالاغتراب في وطنهم و لا يثقون في الآخرين فهو ما يجعلهم غير متعاونين معهم لأنهم غريبين عنهم16

 -       أي ثقافة سياسية تحتاجها التنمية ؟

 إنالإجابة على أسئلة:من هو محور التنمية ؟ من هو هدفها ؟ من يحركها؟

 يتحدد لنا من خلالها بأن المواطن عامل مشترك بين هذه الإجابات و هو ما يدل على أهمية موقع هذا الأخير في العملية التنموية.

 حينما نتحدث عن هذا الموقع الذي يشغله المواطن في التنمية لا يمكن أن نتوقع أنه يعتبر في جميع الحالات عنصرا فعالا في تحقيق التنمية ، إذ نجده في أكثر من موضع يشكل عائقا من عوائق تحقيقها فإذا كانت التنمية في مفهومها الشامل هي تظافر الجهود الحكومية مع جهود المواطنين و العمل سويا من أجل تحقيق التطور و الرفاهية للمجتمع ، فإن هذا المفهوم يستبعد في مضمونه  المواطنين الذين لا يشاركون بجهودهم لكونهم غير واعين و يغلب عليهم الخمول و السلبية ، و لا يعرفون الغايات و الأهداف من السياسات العامة التي تسعى السلطة إلى تحقيقها.

 أن ثقافة هؤلاء المواطنين تدخل ضمن الثقافة السياسية الرعوية و الضيقة و هي الثقافة التي تقف حاجزا أمام التنمية ، لأن هذهالأخيرةلا يمكن لها أن تحقق في ظل هذه الشريحة من المواطنين ، فمبادئ و عوامل قيامها و نجاحها تتطلب مواطنين مشاركين و يتحلون بروح المواطنة ، و يدركون بان إرادة التنمية تبدأ منهم و أنهم هم جوهر التنمية و محورها.

 اذا حاولنا الربط بين ما قلناه حول مبادئ التنمية و عوامل تحقيقها من جهة و ما أشرنا إليه من أصناف و أنماط الثقافة السياسية من جهة أخرى فإنه من الوهلة الأولى تتولد لدينا فكرة عامة محتواها أن التنمية تستلزم مواطنين يتميزون بثقافة سياسية مشاركة.

 لقد دلت الدراسات العالمية في تقييم نماذج التنمية و مدى فعاليتهابأن كل الإمكانات المادية المسخرة للتنمية لا تعتبر العامل الوحيد و الجازم في تحقيقها ، لأن هناك مجتمعات وفرت كل الإمكانات المادية و لكن التنمية في الأخير لم تتحقق ، و هو ما جعلها تشعر بخيبة أمل في التنمية ذاتها ، و أكدت هذه الدراسات بأن فلسفة التنمية و موجهاتها الأساسية تتوقف بدرجة أكبر على عامل الإنسان نفسه و على ثقافته السياسية التي تميزه.

 و تدلنا التجربة التاريخية للمجتمعات المتقدمة أن عملية النمو الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي اقتضت توفر عامل هام لا غنى عنه هو إدارة التنمية،  و هي التي ينبغي توفرها على مستوى المجتمع بأسره و لا يجب أن تقتصر على فئة معينة ،إلى جانب وجوب حدوث تغيير جوهري في طرق التفكير السائد و أسلوب العمل، و السلوك و الاتجاهات القديمة السائدة في المجتمع.

 و تتكونإرادة التنمية التي تدفع المواطن للمشاركة في العملية التنموية من عناصر ثلاثة أساسية،أولها: الوعي بقضية التخلف و أبعاده، و ثانيا: الوعي بضرورة القضاء على التخلف، و ثالثا: الوعي بالأساليب و الأدوات المصاحبة بضرورة التغيير.

 إن الوعي الحقيقي بالتخلف و بأهمية التنمية و بوسائلها يعد مقدمة ضرورية لدفع عملية المشاركة لأن هذه الأخيرة من أهم الركائز التي تعتمد عليها التنمية ، لا لأن المشاركة تدعم الجهد الحكومي و تكمله فحسب ، بل لأن لها في نفس الوقت أثرها في إعادة التنظيم الاجتماعي و الربط بين الفرد و المجتمع و تعميق الديمقراطية ، لأن الحياة الديمقراطية السليمة ترتكز على اشراك المواطنين في تحمل مسؤوليات التفكير و العمل من أجل مجتمعهم17

 إن المشاركة المواطنين في العملية التنموية لا يمكن دفعها قدما ما لم تظهر أيديولوجيا واقعية نابعة من ظروف الواقع قادرة على جمع المواطنين و حشدهم في الوقت الذي يتطلب فيه الوضوح الفكري ووضوح الهدف، و لهذا فان النجاح المشاركة يتطلب موقعا إيجابيا من قبل السلطة و دعما منها للوقوفأمام كافة المعوقات التي تحول دون تحقيق التنمية ، لأن هذه السلطة ليست على وعي كامل بكافة الاتجاهات و البدائل و قدرتها المحدودة ، وهو ما جعل جهودها تستدعي جهود و مشاركة القطاعات العريضة من أفراد المجتمع .

 إن مشاركة المواطنين في التنمية تعد إحدى القيم المحورية باعتبارها هدفا ووسيلة في نفس الوقت ، حيث أنها تعتبر استراتيجية للعلاج عن طريق التعلم ، و يتم من خلالها تدريب المواطنين على الأسلوب الديمقراطي، و في التعرف على الحاجات و المشكلات و كيفية حلها ، و بالتالي تنمية قدراتهم على الاعتماد على أنفسهم ،كما أنهااستراتيجية لتعديل السلوك ، فعن طريق المشاركة في تنظيمات المجتمع بتغير السلوك الفردي و يتحول إلى سلوك تنظيمي يتفق مع القيم و المعايير التي يضعها هذا التنظيم، و يتطلبها مع الأعضاء المنتمين إليه فهو يتطلب من الفرد المشارك أن يعدل من سلوكه ويتفق مع تلك القيم و المعايير .

 ومن بين المنظرين لفكرة دور المشاركة في التنمية نجد الباحث روسو الذي أكد بأن مشاركة المواطن في التنمية تجعله يدرك أن الصالح العام و المصالح الخاصة جميعها مصالح متكاملة ، و ليست متعارضة ،كما تجعله يأخذ في الاعتبار المسائل الأكثراتساعا من مصالحه الخاصة و عالمه الخاص ، كما أشار بأن المشاركة في اتخاذ القرارات و تقرير السياسات العامة تحقق رضاء الموطنين عن الخدمات و المشروعات التي يشتركون في تخطيطها و تقريرها و تجعلهم يشعرون بملكيتها ، و هو ما يدفعهم إلى المحافظة عليها و التعود على صيانتها و تجديدها و الدفاع عنها .

 فضلا عن تنمية إحساسهم بذاتيتهم لما ينعكس أثره على علاقاتهم الاجتماعية في نطاق البيئة التي يعيشون فيها، كماأن هذا الشعور يساعد على اندفاع المواطنين للتعاون مع السلطة التي تمثلهم.

 إن مشاركة المواطنين في التنمية تجعلهم يدركون حجم مشكلاتهم و إمكاناتهم و حقيقة الخدمات و البرامج التي يشتركون فيها كما أنها وسيلة طيبة لتدعيم الرقابة المجتمعية على المشروعات الحكومية و هي بذلك تكون بمثابة ضمان لتعديل مسار التقييم و التنمية لما يتماشى و مصالح المجتمع18.

إن صور مشاركة الموطنين في المجتمع من أجل ترقيته و تطويره يتخذ صورا و أشكالا متعددة بدءا من المساعدة الفردية حينما يقوم المواطن بنفسه على حل مشاكله و إدارةأمور حياته الشخصية معتمدا في ذلك على إمكاناته مستغلا خبراته و تجاربه مستفيدا من تعلمه للمعارف و اكتسابه للمهارات لأنه في حالات كثيرة بإمكان المواطن أن يجد حلولا لبعض المشكلاتدون الاستعانة بالسلطة التي تمثله.

 إلى جانب المشاركة في الحملات التطوعية سواء ذات العلاقة بالمستوى المحلي أوالإقليمي ،  و كذلك المشاركة في الانتخابات و الانخراطإلىالأحزاب و المشاركة في حضور الاجتماعات للمجالس المنتخبة لا سيما منها الولائية و  البلدية ، و أيضا المشاركة في التنمية و التخطيط لها لأنه يفترض على السلطة إشراك المواطنين في العملية التنموية في مراحلها الأربعة و التي هي مرحلة الدراسة ، مرحلة التخطيط  ، مرحلة التنفيذ  ، مرحلة التقييم .

 إن الحديث عن دور المواطنين في التنمية و أهمية المشاركة فيها يتطلب منا في الاتجاه نفسه أن نسلط الضوء و لو بإيجاز عن المناخ و السياق السياسي و الاجتماعي للمجتمع الذي سيشارك فيه هذا المواطن ،فإذا كان من الضروري لتوفر إرادة التنمية لدى  المواطنين فيجب في الوقت نفسه أن تتوفر هذه الإرادة لدى القيادات و المسؤولين، لأن بغياب هذه الإرادة يصبح ليس بمقدورهم ادراك أو فهم أو حتى التخطيط لمشروعات تنموية من شأنها المساهمة في القضاء على التخلف ، كما أن عملية احتواء المواطنين و تحفيزهم للمشاركة في عملية التنمية تتطلب عمليات مسبقة و هو ما يقودنا للإشارة إلى دور المؤسسات السياسية بما فيها الأحزاب بمنظوراتها المختلفة إلى التنمية ، إلى جانب انتشار الديمقراطية في مختلف المستويات و ما تتضمنه من مؤشرات المساواة و الحرية و العدالة و الحقوق بين المواطنين سواء تعلق منها المدنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ، لأن غياب هذه المؤشرات يترتب عليها شعور المواطن بعدم الثقة في حكومته و عدم التحلي بروح المسؤولية و المواطنة و تدني مستوى المشاركة و الاهتمام بالقضايا العامة ، و في هذا الاتجاه يرى روبرت نيسبت nisbetبغياب هذه المؤشرات تطغى على المواطن حالة من الاغتراب تجعله لا علاقة له بنظامه،  و لا يأبه بشأنه و يتخذ موقفا سلبيا إزاءه.

 من خلال ما سبق ذكره بإمكانناأن نصوغ معادلة أطرافها النظام السياسي و ما يرتبط به من مقومات و مؤشرات تمكنه من الاستمرار إلى جانب وجود مواطنين يتميزون بثقافة سياسة مشاركة ، و أخيرا طرف التنمية التي تتأثربالأطراف السابقة أيأن تحقيقها مرهون بنوع النظام السائد و الثقافة السياسية السائدة.

 و عليه فإن تحقيق التنمية مرتبط أساسا بوجود نظام سياسي ديمقراطي يتضمن مؤسسات فعالة و مؤثرة  تأثيراإيجابيا على المواطن ، و هو ما يسمح له بتشكيل ثقافة سياسية إيجابية تجاه هذا النظام تؤهله بأن يتسم بالمشاركة و المساهمة بجهوده من أجل العمل على تطوير و ترقية المجتمع ، و بإمكاننا أن نوضح ما قلناه في المخطط الاتي:

   بناءا على هذا المخطط يتضح جليا بأن التنمية مرتبطة ارتباطا وثيقا بنوع الثقافة السياسية السائدة في المجتمع ، فإذا كانت هذه الأخيرة تتصف بالخضوع و الشك و عدم الثقة بالسلطة ، و يسودها حالة من الاغتراب فإن الحديث عن التنمية و ترقية المجتمع يصبح ضربا من العبث و السخرية و يصبح العمل لتحقيقها هدرا من الوقت و الجهد لا غير، أماإذا كانت الثقافة السياسية تتميز بالمشاركة و الإيجابية و تحمل قيم الولاء و الانتماء للسلطة ، فإن تحقيق التنمية على أرض الواقع يصبح من الأمور الممكنة و الغير مستحيلة.

 إذا اردنا الانتقال من لإطلالة النظرية التي بينت بوضوح حاجة التنمية إلى نوع معين من الثقافة السياسية دون غيرها إلى الدراسة الميدانية التي أجريناها على عينة من الطلبة الجامعيين قدر عددها بـ 750 طالبا موزعة على 14 جامعة جزائرية* للوقوف على كيفية تأثر التنمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالثقافة السياسية لهؤلاء الطلبة ، فإننا سنواجه جملة من الأرقام و النسب المخيفة بالنسبة لمصير التنمية.

 لما كان حديثنا في البداية يبرز حاجة التنمية إلى نوع من الثقافة السياسية تتميز بالمشاركة و الإيجابية، فإننا سنسلط الضوء بناءا على ذلك على عينة من الأسئلة فقط ذات علاقة وثيقة بهاذين المتغيرين.

 بالنسبة إلى سؤالنا المتعلق بموقف المبحوثين من المشاركة في الانتخاباتأفرزت النتائج ما يلي:

باعتبار أن عملية مشاركة المواطنين في عملية الانتخاب سواء بالترشح لتقلد المناصب القيادية و المسؤوليات أو المشاركة بعملية التصويت من المؤشرات التي تساعد على نجاح عملية الانتخابات في أي مجتمع  ، و من بين المعايير التي يؤخذ بها للحكم على نجاح الانتخابات – طبعا نشير هنا للانتخابات الديمقراطية النزيهة- هو معيار مشاركة المواطنين في التصويت ، و هو ما يعني أنه كلما ارتفعت نسبة المشاركة كلما اصطبغتالانتخابات بالمصداقية ، و أصبحت لها معنى و العكس صحيح.

 اذا رجعنا إلى الجدول يتضح لنا بأن ما نسبته 34.26 %فقط من المبحوثين الذين شاركوا في عملية التصويت و هي نسبة ضئيلة إذا ما قارناها مع نسبة الذين لم يشاركوا في التصويت.

 إن ضآلة نسبة المشاركة في التصويت بالجزائر في السنوات الأخيرة لم يكن مقتصرا على عينة دراستنا فحسب بل تعدت إلى شرائح واسعة من المجتمع ، حيث لم تتعدى نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة 40%، و الأكثر من ذلك أن نسبة المشاركة في بعض الولايات لم تصل إلى 05% فقط.

 أما عن نسبة الذين لم يشاركوا في عملية التصويت قدرت بحوالي ضعف النسبة الأولىأيبـ:65.73% و قد تباينت تبريراتهم حول مقاطعتهم للانتخابات كعدم الاقتناعبأهمية المشاركة و هو التبرير الذي حقق أعلى نسبة بـ: 53.28% و كذلك التبرير بعدم وجود أحد المقربين ضمن المترشحين، و أيضا عدم الاقتناع ببرامج المنتخبين، إلى جانب هذا قد برروا عدم مشاركتهم بأن الأمور محسومة سلفا حتى بدون المشاركة في التصويت ،أيأنهم يعتقدون بأن الانتخابات يسودها نوعا من التزوير.

 أن عدم مشاركة المواطنين في العملية الانتخابية لاسيما أثناء وجود قطيعة مرتفعة بغض النظر عن أسباب ذلك يعتبر معوقا و مؤشرا سلبيا لقياس التنمية في بعدها السياسي.

 أما عن سؤالنا المتعلق بموقف مبحوثينا من حضور المجالس المنتخبة كانت نتائجه كالاتي :


يعتبر مشاركة المواطنين بحضور اجتماعات المجالس المنتخبة من بين المؤشرات القوية للتنمية السياسية ، لأن من خلال هذه الاجتماعات يتم وضع خطة عامة لتسيير المجتمع، و لذلك لابد للمواطن أن يكون طرفا و شريكا في هذه الخطة.

 بالرغم من أهمية هذه المشاركة بالنسبة إلى المواطن أو بالنسبة إلى الجهات المعنية بتسيير شؤون التنمية ألاأن نسبة الحضور عند عينتنا لم تتجاوز 02 % و هي نسبة مخيفة و تحتاج إلىأكثر من سؤال لمعرفة سبب ضالة هذه النسبة .

 أما النسبة المتبقية المقدرة بـ: 98.93%مثلتأفراد الدراسة الذين لم يشاركوا بحضور الاجتماعات و قد برروا ذلك بعدم أهمية هذا الحضور بنسبة 57.44%إلى جانب تبريرهم بعدم وجود ثقة بينهم و بين هذه المجالس و حققت نسبة ذلك 41.49%.

 أما سؤالنا المتعلق بموقف مبحوثينا من الانتماء إلىالأحزاب  أفرزت نتائجه ما يلي :


إذا كان للحزب* دور في التنشئة السياسية و رفع مستوى الوعي السياسي ، حيث أن قيام الحزب بالتعبئة و التثقيف السياسي لأعضائه تساهم في رفع مستوى الوعي لدى الفرد في المجتمع و إذا كان الحزب يوفر فرص مناسبة لكل أفراد المجتمع للمساهمة و المشاركة في عملية صنع القرار السياسي، فإن الأمر غير كذلك على أرض الواقع بالنسبة لأفراد دراستنا . إذ عبرت ما نسبته 96.13 % بانهم لا ينتمون إلىأي حزب سياسي في الجزائر ، لكونها أصبحت عاجزة عن تحقيق أدوارها ووظائفها ، كما أنها انحرفت عن مبادئها و أسسها التي قامت من أجلها كما يرون بان الأحزاب بالجزائر أصبحت محل استهتار لدى عامة الشعب ، لكون أنأعضاء هذه الأحزاب تسعى دوما لتحقيق مصالحهم الشخصية متناسين هموم و انشغالات المواطنين.

 و يقابل هذه النسبة أولئك الذين عبروا لنا بانهم ينتمون إلىأحزاب سياسية معينة و قدرت نسبتهم بـ 03.86% و هي نسبة في حقيقة الأمر تكاد تنعدم في ظل النسبة الأولى.

 أما السؤال الآخر ذو العلاقة بمشاركة المبحوثين المسؤولين و السلطات المحلية بطرح انشغالاتهم عليهم كانت نتائج ذلك كمايلي :


أن العلاقة بين المواطن  و السلطة التي تمثله يجب أن تكون مبنية على المودة و الاحترام وقائمة على المبدأ الثقة و روح التعاون، لأن كل ذلك من شانه أن يساهم في التنمية و يعجل في تحقيقها ، و إذا كانت العلاقة كذلك فإن مؤشرات قياس التنمية في بعدها السياسي يعتبر مؤشرا إيجابيا .

 من هذا المنطلق ارتأيناأن نضع هذا السؤال لنكشف من خلاله طبيعة العلاقة القائمة بين المواطنو مسؤوليه.

 لقد كشفت بيانات الجدول بأن نسبة 25،46% فقط من مجموع العينة أدلت لنا بانهم ينقلون انشغالاتهم و مشاكلهم التي تواجههم في الحياة اليومية إلى مسؤوليهم و قيادتهم ، و لأنهم يعتبرونهم وسيلة للخروج مما يواجهونه ،في حين عبرت نسبة 74،53% من أفراد الدراسة بأنهم لا يلجؤون إلى مسؤوليتهم لكونهم يرون بأن هذا اللجوء ليس من وراءه فائدة تذكر ، لأن الأمور ستبقى كما هي عليه حتى و لو قاموا بنقل انشغالاتهم لمسؤوليتهم ، في حين عبرت فئة أخرىأن عدم اللجوء إلى المسؤولين لطرح انشغالاتهم عليهم يرجع أساساإلى الصعوبة مقابلتهم لكون هؤلاء لا يتواجدون بشكل مستمر في أماكن عملهم.

 أن الوقوف عند هذه النسب و الأرقام يجعلنا نستشف معها بأن الثقافة السياسية للمواطنين من خلال هذه الأسئلة لا تساهم في التهيئة ،و تعتبر عائقا من المعوقاتتحقيقها فكيف لنا أن نتصور قيام تنمية في مجتمع ما و السواد الأعظم من أفراده يحملون معهم قيم الشك و النفور ، و قيم الاغتراب و الحيطة من مسؤوليهم .

 أن عدم المشاركة في الانتخابات و عدم الانتماء إلىالأحزاب و عدم المشاركة في حضور الاجتماعات للمجالس المنتخبة و غيرها من المظاهر المشاركة كلها عوامل إيجابية تسهم و تعطي التنمية دفعة قوية لتحقيقها – و اذا كان الأمر غير كذلك –فإن الحالة تستدعي وقفة عاجلة للوقوف عند الأسباب و الدوافع التي كانت وراء ذلك.

 خاتمة :

 من خلال الإطلالة يمكن أن نجزم معها بأن التنمية لا يمكن أن تحقق بأي حال من الأحوالمالم يشارك المواطن و يكون طرفا فاعلا فيها ، لا مشاهدا ومتفرجا عليها و لما كانت التنمية هي تظافر الجهود الحكومية مع جهود المواطنين فإن هذه التنمية تستلزم مواطنين يتميزون بروح المواطنة و بروح التعاون و التضامن ،كما تستلزم مواطنين مسلحين بقيم الولاء و الثقة لا قيم الشك و النفور اتجاه مسؤوليهم و قياداتهم لأنه في الأخير بغياب ثقافة سياسية مشاركة و فعالة ومن جانب الموطنين سيؤدي إلى تنمية غير متوازنة تخلق مشاكل على المدى القصير أو الطويل أكثر مما تنهي التخلف الذي استهدفته و قامت من أجله.

 المراجع :

 1-    فيصل محمود الغرايبة ، أبعاد التنمية الاجتماعية ،الأردن ، دار يافا العلمية للنشر ،  2010 ، ص58.

 2-    بدوي احمد زكي، معجم المصطلحات العلوم الاجتماعية، بيروت ،مكتبة لبنان، 1988، ط2،  ص 187.

 3-    المصدر نفسه، ص 382.

 4-    عبد المنعم شوقي، تنمية المجتمع و تنظيمه،القاهرة  ، مكتبة القاهرة الحديثة، ، 1961، ط2 ، ص43.

 5-    حامد القرنشاوي ، تساؤلات حول اقتصاديات التعليم  و قضايا التنمية في الوطن العربي ، الكويت 1999 ، ص25.

 6-    عبد الرحيم قصام أبو كريشة ، دراسات في علم الاجتماع التنمية ، القاهرة ، المكتب الجامعي الحديث ، 2003 ، ص 40.

 7-    سمير خطاب ، التنشئة السياسية و القيم ، مصر ، دار إيتراك للنشر ، 2004 ، ط4، ص 42.

 8-    عبد الغفار القصبي ، التطور السياسي و التحول الديمغرافي ،مصر،  الكتاب الأول،2006 ، ط 2،ص 187.

 9-     Sidneyverba .political culture and political .development (new jersey university press. 1965. P513.

 10-  Lucian pye .political .culture international encyclopedia of the social sciences .1968 .vol 12. P 218.

 11-  Beer Samuel .potterns of government .new York routedge .1970.p30.

 12-  Lain mclean .concise dictionary of politics (ford university press .1966 م  379

 13-فليب برو ، علم الاجتماع السياسي ، ترجمة عرب حاميلا ، بيروت ، المؤسسة الجامعية للنشر ، 1998 ، ط1 ، ص213.

 14- عبد الغفار رشاد القصبي ، مرجع سابق ص 168 .

 15-عبد الله محمد عبد الرحمن، علم الاجتماع السياسي، بيروت ، دار النهضة العربية، 2001،  ط1 ، ص 437، 438.

 16-  Water resemboum: political culture.newyourk .precagerpiblies, 1975p 52.p53.

 17-     مريم احمد مصطفى ، إحسان حفظي قضايا التنمية في الدول النامية ،  ص243،246 

 18-     صبحي محمد قنوص، أزمة التنمية ، ليبيا ، دار الجماهيرية للنشر و التوزيع ،1992ط1 ،ص168

 * الجامعات المعنية بالدراسة هي : جامعة سطيف ، أم البواقي ، قسنطينة ، الجزائر ، البليدة ، تبسة ، وهران ، مستغانم ، أدرار ، تمنراست ، ورقلة ، الأغواط ، غرداية ، بسكرة ، و قد وزع الاستبيان على الطلبة بمساعدة زملاء من الأساتذة يدرسون بهذه الجامعات.

 * الحزب : هو تنظيم شرعي يسعى إلى السلطة لذلك يتبنى برنامج سياسي و يتنافس مع غيره من الأحزاب و يؤدي وظائف سياسية كتنظيم إرادة الشعب و بلورتها في شكل محدد ، و تعليم المسؤولية السياسية ، و توفير قنوات الاتصال السياسي ، انظر في هذه النقطة : نبيلة عبد الحليم كامل : الأحزاب السياسية ، دار الفكر العربي ، القاهرة ، 1982 ، ص11.