العولمـة الثقافيـة وتأثيراتهاعلى هوية pdf

 الشباب والمراهقين الجزائريين.

 دراسة تحليلية

                                                                                                                                                                              د/آمنة ياسين بلقاسمي.

                                                                                                                                           جامعة وهران، السانيا( الجزائر ).

                                                                                                                                                                               أ.د/محمد مزيان.

                                                                                                                                        جامعة وهران، السانيا( الجزائر ).

 الملخص

 تتناول هذه المقالة بالتحليل ظاهرة العولمة في طابعها الثقافي، وتأثيراتها على الهوية الثقافية للمجتمع الجزائري وبخاصة على فئة الشباب و المراهقين، وكيفية تفاعلهم مع مظاهرها.

 وفيها تقديم مستفيض لمعنى العولمة ومختلف مظاهرها، وتركيز على العولمة الثقافية ومميزاتها، وحدود العلاقة بينها وبين الهوية الثقافية للمجتمعات، و الوسائل والأدوات التي بها تنتشر وتتغلغل فيها، من خلال دراسات سابقة حول الموضوع.

 ثم تسليط للضوء على خصوصيات المجتمع الجزائري، وما للعولمة الثقافية من تأثيرات عليه، وعلى الهوية الثقافية لفئة الشباب والمراهقين، الإيجابية منها والسلبية، وطرق المواجهة لمختلف تهديدات تلك العولمة بأن يتزود بثقافة العولمة كضرورة لمواجهة عولمة الثقافة.

 الكلمات المفتاحية: عولمة ثقافية – هوية الشباب – هوية المراهقين – ثقافة العولمة.

 Abstract:

This article analyzes the phenomenon of globalization and cultural globalization and their impacts on the cultural identity of the Algerian society, and in particular to the category of youth and adolescents, and how to interact with its manifestations. And the provision of a thorough of the meaning of globalization and its various manifestations, and a focus on globalization and cultural characteristics, and the limits of the relationship between them and the cultural identity of communities, and the means and tools that have spread and cut across.

Then shed light on the specificities of the Algerian society, and the cultural effects of globalization, the cultural identity and the category of youth and adolescents, both positive and negative, and the confrontation of the different methods of threats to those that plied the culture of globalization such as the need to confront the globalization of culture.

 1.  مقدمة :  

 كثر الحديث بين الناس خلال العقود الأخيرة، عن تسميات جديدة لمصطلحات لم نكن نسمع بها في أوقات زمنية سابقة من مثل"العولمة"،"الكونية"،"الكوكبية".

ومن كثرة ترددها في الوقت الحالي، أصبحنا نستشعر وجودها، وبأنها قد شكلت حيزا في قاموسنا للمفردات اللغوية، بل وفي نظرتنا لمختلف مجالات الحياة. وأهل البحث العلمي والأكاديمي أكثر إحساسا وتفاعلا مع هذه المصطلحات، فقد خاضوا فيها، ودرسوها من نواحيها وميادينها المختلفة: الاقتصاد (عولمة الاقتصاد / عولمة السوق[1])،الاجتماع[2] ، الثقافة، السياسة. فقد أصبح يخصص لها اليوم المنتديات والنقاشات، والموائد المستديرة، بل والمؤتمرات الدولية[3] لتحديد معناها، أبعادها وتأثيراتها على مختلف السياسات و الثقافات وعناصر هوية المجتمعات.

 لكن وما يلفت الانتباه، أن كل ما يعقد لأجل دراسة هذا المفهوم الجديد، وكل ما خصص له من نشر، لم يرافقه وضوحا تاما في تعريفه وحصر معانيه، على غرار ما ذكره " جراهام تومسون" أنه في إحدى المناسبات وهو يحاول الكتابة في موضوع العولمة الاقتصادية، تفاجأ بعدم وجود مفهوم واضح للعولمة، حيث وجد أن هذه الكلمة تتداول بكثير من التغيرات2.

توافقه في الرأي الباحثة طيبة ماهر و زادة منخلال بحثها عن ماهية العولمة فوجدت تعددا في المعاني والمصطلحات، فخلصت إلى قول: " هذا يعني بأنه لا يوجد تعريف محدد للعولمة" ( طيبة ماهرو زادة، 2007: 161).

 وهذا ما جلب انتباه الباحثين من خلال تنوع التعاريف لهذه الظاهرة الكونية، ويعود أحد أسبابها إلى شساعة امتدادها وتعدد المجالات التي تمسها.

بالمقابل، وإن كان عدم وضوح معاني العولمة يمثل إرهاصا للشعوب، فإن الإشكال الكبير الذي تعاني منه كذلك هو ما تحمله العولمة الثقافية من تحولات يستعصي عليها مسايرتها، إذ أن الأمر يتعلق بعناصر ومكونات الأمة وثوابتها التي تكشف عن هويتها وتميزها عن غيرها من الأمم، فالهوية الثقافية إذن هي ذات أهمية، تسعى الأجيال المتعاقبة إلى الحفاظ عليه، كما نجد مختلف المنظمات وعلى رأسها اليونسكو تدعو إلى ضرورة احترام الخصوصيات الثقافية، وتؤكد على ضرورة اتخاذها مدخلا للتنمية المحلية في العديد من المجتمعات، مثلما قال يوسف سيد محمود عيد (سعيد إسماعيل القاضي، 2008).

  وفي ظل "العولمة" أو "الكونية" التي اتسعت رقعة تأثيرها عقب الانفجار المعلوماتي (اختراع الكمبيوتر / إطلاق شبكة الإنترنت ) والتي قربت كثيرا أطراف العالم المتناثرة، بل وجعلته في شكل قرية صغيرة، أصبحت الهوية الثقافية للمجتمعات تواجه سيلا جارفا من الخصوصيات الثقافية الجديدة والدخيلة عليها، خاصة مع امتلاك الثقافة الغربية - والتي تمارس الغزو الثقافي - أساليب وتقنيات الهيمنة ما جعل بعض الشعوب والبلدان السائرة في طريق النمو تنبهر بها، ودفع بها للمحاكاة والتقليد و العيش في التبعية الثقافية.

2. إشكالية الدراسة و تساؤلاتها :

 تشكل العولمة الثقافية حاليا تهديدا حقيقيا على المجتمعات وبخاصة العربية منها، على أساس خصوصياتها المميزة عن باقي المجتمعات، بالتحديد الغربية منها؛ فلا تاريخ يجمعاهما ولا لغة ولا دين ولا عرف، ولا أي قاسم مشترك آخر، بل هي مجتمعات تتجه من النقيض إلى النقيض.

وما يزيد من تعقيد المشكلة، هو ما تعانيه المجتمعات العربية من ضعف على كامل الأصعدة، مقابل القوة والهيمنة التي تتمتع بها المجتمعات الغربية.

 يكفي أن نسجل الهوة العلمية الهائلة ما بين المجتمعين؛ فالغرب أي الدول المتقدمة، لديها عشرة أضعاف العلماء والتقنيين الموجودين في الدول النامية، والتي تشكل المجتمعات العربية طرفا منها، وهؤلاء ينتجون 84 % من المقالات العلمية و يحققون 90% من براءات الاختراع، إضافة إلى استخدام 70 % من سكان أمريكا و كندا للإنترنيت بشكل يومي، مقابل 5 % فقط من البلدان النامية (فوزية البكر ، 2004).

وسواء أتعلق الأمر بالمجتمعات العربية أو النامية: فإن المجتمع الجزائري يصنف ضمنها، ويخضع لما تخضع إليه من إرهاصات العولمة، و من تحدياتها وتأثيراتها على فئاته المختلفة.

 و عليه، وعلى ضوء ما سبق، فإن مجموعة من التساؤلات تفرض نفسها بقوة:

 ـ أولا : حول مفهوم العولمة :

    أ / ما المعاني التي تحملها العولمة بين طياتها في ظل غياب تعريف موحد للمفهوم؟

    ب/ كيف تفهم و تدرك من قبل الأفراد و المجتمعات؟

    ج / و ما مظاهرها المختلفة؟

 ـ ثانيا : حول العولمة الثقافية و امتداداتها للمجتمع الجزائري :

    أ / ما مميزات العولمة الثقافية ؟

    ب/ كيف أنها تشكل تهديدا على المجتمعات النامية ؟

    ج / ما تأثيراتها على المجتمع الجزائري خاصة ؟

     د / كيف تتعايش فئة الشباب و المراهقين مع الظاهرة ؟ و كيف تركب هويتها الثقافية في ظل الهوية الثقافية العالمية ؟

3 . الهدف من الدراســة:  

 1)تحديد مفهوم العولمة و العولمة الثقافية، و مظاهرها و حدودها.

 2)إظهار تأثيرات العولمة الثقافية الإيجابية منها و السلبية، على المجتمع الجزائري بخصوصياته المختلفة.

 3)التعرف على الواقع الحالي للهوية الثقافية للشباب الجزائري، و ما تواجهه من تحديات.

 4)التعرف على حدود تأثيرات العولمة الثقافية على الهوية الثقافية للشباب الجزائري، و كيفية تفاعله مع مظاهرها.

 4 . معنى العولمة و مظاهرها:  

 1.4.معناهــا:

 العولمة لغة هي تعميم الشيء ليكتسب صفة عالمية؛ و اصطلاحا تعني سيادة نموذج سياسي

  واقتصادي و اجتماعي و ثقافي.... إلخ، موحد على الصعيد العالمي(أ.شحرور، 2008) وتمثل واحدة من ثلاث كلمات عربية جرى طرحها ترجمة للكلمة الإنجليزية Globalization أو ما يعادلها بالفرنسية Mondialisation، والكلمتان الأخريان هما " الكوكبة " و " الكونية "(صدقي الدجاني، 2002: 19) وتعني نمط حضاري معين (سمان علال، 2004) .

 وأكثر التعريفات المقدمة حولها، كانت حول ما يمس الجانب الاقتصادي و السوق، حيث تهدف إلى أن تصبح الأسواق والمنتجات في الدول المختلفة معتمدة كل منها على الأخرى بشكل متزايد (صدقي الدجاني، 2002، ص 19).

لقد لاحظ عبد المجيد مزيانأنه لا يمكن أن نغفل في هذا المقام، ما تحدث عنه ابن خلدون من قبل عن الصفة العالمية للحضارة، وعن تراكم المكتسبات الصناعية والثقافية لدى الأمم، حيث جمع بين مفهومي الرسوخ الحضاري والنسخ في بحثه " عمران الأمصار و تزايد صناعتها " ( صدقي الدجّاني، 2002: 23). فالتحولات التي شهدها العالم جعل من العولمة ظاهرة، فقد شبهها " كيمون فالاسكاكيس " بالمسرحية، و مسرحها هو العالم؛ وقد أشار أيضا أنه إذا كانت التجارة و الإمبراطورية هما قائدي العولمة في مطلع القرن العشرين، فإن قادتها الجدد في عقده الأخير هما التقنية وتدفقات رأس المال (صدقي الدجاني، 2002: 27).

 لقد عرف المؤتمر الدولي للثقافة في القاهرة "نوفمبر 2000" الذي كان محوره الأول :"الثقافة بين العولمة و الخصوصيات القومية": "أن العولمة عملية تاريخية تمتد في أعماق الزمان من ناحية و من حيث كونها إيديولوجية النظام العالمي الجديد من ناحية أخرى" (ماجد الزيود، 2002)

 هنا تتفق الباحثة طيبة ماهرو زادة مع غيدنز، والذي اعتبر العولمة في كتابه نتائج الحداثة، بأنها حصيلة الحداثة.و يعتقد كستلز أن الحداثة هي من نتائج الثورة الصناعية، وقد استطاعت أنتنتشر ببطء في جميع أنحاء العالم على شكل استعمار، في حين أن تكنولوجيا المعلومات أخذت تتسع في أقل من عقدتين من الزمن (من السبعينات إلى التسعينات)، وهنا يرى كستلز أن الفارق الأساس بين عهد الحداثة و العولمة، هو أن الحداثة اتخذت شكلا استعماريا بيد أن العالم تأثر بسرعة العولمة (همان في طيبة ماهرو زادة، 2007: 172)

 كخلاصة للتعريفات هذه، يمكن إدراج التعريف المطروح من طرف الموسوعة الحرة و يكيبيديا، حيث جاء عن العولمة، أنها " تعني جعل الشيء عالمي الانتشار في مداه أو تطبيقه.تكون العولمة عملية اقتصادية في المقام الأول، ثم سياسية، ويتبع ذلك الجوانب الاجتماعية و الثقافية.أما جعل الشيء دوليا فقد يعني غالبا جعل الشيء مناسبا أو مفهوما أو في المتناول لمختلف دول العالم. وتمتد العولمة لتكون عملية تحكم وسيطرة ووضع قوانين و روابط،مع إزاحة أسوارو حواجز محددة بين الدول و بعضها البعض" (من ويكيبيديا، 2009)

  تشير هذه الموسوعة إلى أن ظاهرة العولمة تقاس من خلال مؤشرات لحساب تأثر الدول و تقدمها في العولمة، مع الأخذ بعين الاعتبار، أسبقيتها و استقلالها في المجالات الاقتصادية، الاجتماعية، التقنية، الثقافية، السياسية و البيئية. المؤشر المعتمد في هذا الترتيب، هو مؤشر KOFللعولمة[4]   SFITZ ,2009)) و سرعان ما طغت صفة العالمية على النواحي السياسية و الثقافية و الاجتماعية، وأصبحت العولمة عولمات متعددة.

2.4 مظاهر العولمـة:

 1.2.4 المظهر الاقتصادي :        

 يقصد به هيمنة مفاهيم الاقتصاد الرأسمالي على دول العالم.و قد أشار في هذا الإطار مختصون من رجال الفكر و الاقتصاد و السياسة في المنظمة العالمية للتجارة أن العولمة تعني: الاندماج الكامل لمختلف دول العالم عبر نموذج يستعمل السوق و التجارة و المال و التقنية و الغزو الإعلامي لفرض زعامة أصحابه و هيمنتهم.

إن انتشار الشركات متعددة الجنسيات في كل أرجاء العالم مظهر من مظاهر هذه العولمة الاقتصادية. وكذا جعل كل التعاملات المالية العالمية تتم بعملة أو عملتين: الدولار واليورو. ولهذا الأمر انعكاسات على مقدرة الدول في التعامل بعملتها الوطنية، إذ أصبحت عاجزة على ذلك، وعاجزة كذلك في التحكم في مؤشرات البورصة خاصة مع الأزمة الاقتصادية الحالية.

 ولا ننسى أيضا مظهرا آخرا لها، ذو العلاقة بالانتشار الواسع لاستعمال شبكة المعلومات " الإنترنت" من شراء الحاجيات على الخط، إلى الحصول على القروض البنكية للمضاربة في البورصات العالمية. (أحمد زايد، اعتماد محمد علام، 2000)      

باختصار فهي تتمثل في فرض نمط استهلاكي معين " أمريكي " تهدف لقولبة السلوك و تنميط الأذواق.(سمان علال، 2004)

 2.2.4 المظهر الأيديولوجي ـ السياسي :        

  تعني فرض سطوة النظام السياسي لدولة القطب الواحد دون معايير أخلاقية أو آداب سياسية. (محمد محمد بيومي خليل، 2001) و تعني أيضا : سيادة مفاهيم النظام السياسي الليبرالي على أنظمة الحكم العالمية، في اعتمادها على مفاهيم موحدة نابعة من تلك الأنظمة، كالديمقراطية و المساواة و حقوق الإنسان، بحيث أصبحت تستخدم كذراع للتدخل في شؤون الدول و تحت ظلها يتم التعاون بين جميع الدول والمؤسسات الحكومية و غير الحكومية.  

3.2.4 المظهر التكنولوجي و المعلوماتي :        

 ومؤشره الانتشار الهائل في قنوات الربط العالمية من شبكات معلوماتية " إنترنت " إلى قنوات تلفزيونية و إذاعية فضائية، مما سهل نشر كل جديد في مجال البحث التكنولوجي، و أخضع الظاهرة " للتدويل ".

4.2.4 المظهر الاجتماعي ـ الثقـافـي :        

 أوجدت العولمة الاجتماعية تفاعلات اجتماعية عالمية متزايدة بين الشعوب و المجتمعات، جعلت اهتمام الأفراد فيها ينتقل من ثقافاتهم المحلية إلى الثقافة العالمية، بكل ما فيها من إيجابيات و سلبيات، وأحدثت في خضم ذلك إشكال جوهري بين تقاليد و ثقافات الشعوب الأصلية، وبين الثقافات الدخيلة في إطار الحداثة والعصرنة.

العولمة في صورتها المثالية، كما شرحها كريم أبو حلاوة في مقالته "الآثار الثقافية للعولمة"، أنها: "أية متغيرات جديدة تنشأ في إقليم معين من العالم سرعان ما تنتقل و تمتد إلى باقي أنحاء العالم، منشئة نوعا من الترابط و الاعتماد المتبادل بين مختلف أقاليم العالم " (كريم أبو حلاوة، 2001: 176)

 5 . العولمة الثقافية و مميزاتها :

    أ / تمهيـــد:

 ما يتبادر إلى الأذهان عند قول عولمة ثقافية، هو وجود خصائص ثقافية عالمية تصلح لكل المجتمعات على اختلافها، و يمكنها أن تتبناها و إنما الأصح في ذلك هو أن العولمة تهدف لهيمنة الثقافة الغربية (الأمرو ـ أوروبية) على ثقافات العالم من خلال هيمنتها على وسائل الإعلام (محمد الاصمعي محروس سليم، 2005 ، ص84) بحيث تقولبها في قالب واحد، لتصبح ثقافة واحدة.

فالثقافة هي بطاقة هوية كل بلد و كل مجتمع، تحمل نسقا مركبا من التراث و التاريخ و اللغة والمعتقدات والتقاليد و القيم، والتي بها تتمايز المجتمعات. ونظام العولمة هذا يسعى إلى وضع نظام عالمي موحد ونموذجي لا يقبل التمايزات ولا الخصوصيات، عكس ما تتميز به الهوية الثقافية من خصائص التفرد و التعدد. (أ.شحرور، 2008)

 بل إن الأمر يتعدى ذلك، فقد أقر الإسلام بحق التنوع والاختلاف في قول الله تعالى : " لكل جعلنا شرعة و منهاجا، و لو شاء الله لجعلكم أمة واحدة".

لا نجد كذلك من الشعوب من تميل أو تقبل على فكرة إحداث تغيير في القيم و المفاهيم و الأفكار الثابتة لديها، وما اكتسبته على مدى سنين طويلة، فهذه الشعوب على اختلاف جنسياتها ومعتقداتها تتريث تجاه هذه العولمة الثقافية نظرا لما ينجر عن ذلك في الواقع اليومي للفرد و الأسرة.

   ب / معناهــا:

 1. إن تعريف العولمة ثقافيا، يعني أن ينتقل اهتمام الفرد من ثقافته المحلية إلى الثقافة العالمية دون أن يهمش هويته الوطنية. (أحمد زايد و اعتماد محمد علام، 2000: 272).

 2.هي أيضا انتقال تركيز و اهتمام الإنسان من المحلية إلى العالمية، بمعنى أن يزداد الوعي بعالمية العالم ووحدة البشرية و بروز مفهومات جديدة للهوية و المواطنة العالمية التي قد تحل محل المفهومات المحلية لها. (أحمد زايد و اعتماد محمد علام، 2000: 272).

 3.كما أن العولمة الثقافية لم تبدأ في مرحلة التأسيس إلا في سنوات التسعينيات من القرن العشرين (أحمد زايد و اعتماد محمد علام،2000، ص 272)  ، مع انتشار و توسع و تعدد وسائل الإعلام.

 و قد ضبط الأستاذ شحرور في ملف مركز حول العولمة و الهوية الثقافية (أ.شحرور، 2008)  حدود العلاقة بين العولمة و الهوية الثقافية، حيث :

 o     تسعى العولمة إلى الوحدة و النمطية مقابل التنوع  والتعدد الذي تقربه الهوية.

 o     تهدف العولمة إلى القضاء على خصوصيات المجتمعات بينما تعترف الهوية بالاختلافات.

 o     فيما تنتقل الهوية من العام إلى الخاص و من الشامل إلى المحدود، تنتقل العولمة من العام والشامل إلى اللامحدود و اللاتجانس.

 هذه العلاقة كما هو واضح يشوبها صراع و تصادم بين المفهومين؛ حيث تطارد العولمة الهوية الثقافية للشعوب مطاردة مستميتة، يبقى أن نعلم إن كانت هذه الأخيرة ستحافظ على بقائها أم لا ؟

كما قدم الدكتور سعيد إسماعيل القاضي، في بحثه حول "تفعيل دور كليات التربية في الحفاظ على هويتنا الثقافية أمام تحديات العولمة الثقافية " (سعيد إسماعيل القاضي، 2008)، مستخلصا من مجموعة من الدراسات و البحوث (امبريقية، تحليلية، ميدانية ) عربية و عالمية، و عددها 14 دراسة، حدد فيه خصوصيات العولمة الثقافية و حدود العلاقة بينهما، حيث أسرد مما ذكره :

 ـ أن العولمة تمثل اختراقا ثقافيا له آثاره السلبية على الثقافات المحلية.

 ـ أن انتشار اللغة الإنجليزية في أي مجتمع على حساب لغته الأم، يمثل تهديدا لهويته الثقافية.

 ـ المدرسة بحكم ارتباطها الوثيق بثقافة المجتمع، أصبحت تشكل مدخلا رئيسيا لمحاولات الاختراق الثقافي للمجتمع.

وقد أشار عبد الرحمن بن أحمد محمد الصائغ (2004: 6) في مقالته حول تربية العولمة وعولمة التربية أن من خصوصيات العولمة الثقافية و مظاهرها : 

 1)  الاختلال الذي طرأ على المنظومة القيمية، كنتيجة للهيمنة الإعلامية التي فرضتها دول المركز، حيث قدمت النموذج الغربي بأنه النموذج الوحيد للحياة الثقافية و الاجتماعية الراقية.

 2)   نسق اجتماعي جديد: يحكم العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة و شرائح المجتمع و مؤسساته، وبين المجتمع و الدولة.

 والجانب الثقافي مرتبط بالاقتصاد ارتباطا وثيقا بحيث " كلما ضعفت المناعة الاقتصادية ضؤل تأثير المناعة الثقافية لدى الشعوب، مما يجعل الانهيار تحت تأثير العولمة الثقافية أكثر احتمالا في ظل هذه الأحوال. (عبد العزيز بن عثمان التويجري، 2002: 22)

 لقد نبه الرئيس الفرنسي السابق "جاك شيراك " في كلمة ألقاها بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني" 14 جويلية " إلى مخاطر ظاهرة العولمة و هذا منذ سنة 2000 ، أي في بدايات اشتداد الظاهرة، حيث قال:"إن العولمة بحاجة إلى ضبط، لأنها تنتج شروخا اجتماعية كبيرة، و هي وإن كانت عامل تقدم، فهي تثير أيضا مخاطر جدية ينبغي التفكير فيها جيدا، و من هذه المخاطر ثلاثة : أولها أنها تزيد ظاهرة الإقصاء الاجتماعي، ثانيها أنها تنمي الجريمة العالمية، و ثالثها أنها تهدد أنظمتنا الاقتصادية" (عبد الرحمان بن أحمد محمد الصائغ، 2004: 6) 

  وسائل و أدوات انتشار العولمة في المجال الثقافي :

 1.  وسائل الإعلام على اختلافها، من قنوات تلفزيونية و فضائية و صحف و مجلات و الهاتف وشبكة الإنترنت، ما دعا إلى تأسيس النظام الإعلامي الدولي الجديد.

 2.   تكنولوجيا المعلومات أو المعرفة والتي تمثل قوة الدفع للعولمة الثقافية (عبد العزيز بن عثمان التويجري، 2002: 18)

 3.   الوسائل الفنية: من موسيقى و أفلام سينما و حتى الرسوم المتحركة.

 4.   الأدوات اللغوية: عن طريق انتشار استخدام اللغات الأجنبية كالفرنسية و الإنجليزية.

 وهي ناجمة عن انتشار :

 ‌أ.      الشركات المتعددة الجنسيات في البلدان النامية.

 ‌ب.  المساعدات و الهبات الأمريكية لها.

 ‌ج.  التواجد الكبير للمراكز الثقافية الأجنبية والجامعات (كالجامعة الأمريكية في بلدان المشرق العربي)، وما تنظمه من أنشطة و تظاهرات بدون نسيان دور المستشرقين. 

 ‌د.البعثات التعليمية لفئات الشباب الجامعي خاصة.

 ‌ه.نشاطات الدعم لإنعاش برامج تنمية لهذه البلدان و التي تقوم بها الهيئات الدولية مثل: هيئة الأمم المتحدة  ONU   ومنظمة اليونسكو UNESCO  و كمثال عن ذلك برنامج دعم إصلاح المنظومة التربوية الجزائرية –PARE-، الذي ترأسه منظمة اليونسكو بتمويل من اليابان. (عن موقع مكتب اليونيسكو الإقليمي للمغرب العربي - الرباط)

 تأثيرات العولمة الثقافية على المجتمع الجزائري :

 ‌أ.        خصوصيات المجتمع الجزائري:

 المجتمع الجزائري ينتمي بحكم موقعه و قوميته و خصائص ثقافته إلى الدول الإفريقية المتوسطية، العربية، الإسلامية، المغاربية و الأمازيغية.

و بالتالي فهو يحمل مزيجا متنوعا من الموروث الحضاري و الثقافي الناجم عن هذه السمات إلى جانب الموروث التاريخي الناجم عن الحقب الاستعمارية المتعددة التي شهدتها الجزائر على مر التاريخ، من الاستعمار الروماني إلى الفرنسي آخر المستعمرين.

 كما شهدت الجزائر في العقود الأخيرة (منذ ثمانينيات القرن الماضي) جملة من التحولات الهامة على كافة المستويات : السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية و التربوية التعليمية.

 هذه التحولات جرت معها تغييرات على مستوى القيم و العادات و مختلف المفاهيم، منها الإيجابي ومنها السلبي.

 لقد كان على الفرد الجزائري في داخل أسرته أو في مجال تعلمه، أو في ميدان عمله، كان عليه لزاما أن يتكيف إن لم نقل يخضع لمتطلبات المجتمع الجديدة، و ما فرضته عليه مظاهر العولمة.

  ففي ترتيب لحوالي 122 دولة وفق مؤشر KOF   للعولمة و المنشورة سنة 2007 من قبل :  

   Kearney A .T magazine ( من ويكيبيديا، 2009) ،  فإن الجزائر احتلت الترتيب 94 بمؤشر 45,50 ، نسبة إلى تقدمها في العولمة، ومدى استقلالها في المجالات الاقتصادية، الاجتماعية،....إلخ ، المذكورة آنفا. و في خضم ذلك كان على الفرد الجزائري أن يجد تلك  "الحلقة العلائقية" بينه وبين مختلف المؤسسات في المجتمع، و التي توجه " معاشه اليومي ".

 ولكن الأمر ليس بالسهل على الجميع، فعملية التكيف في حد ذاتها تستوجب أن يتمتع الفرد بقناعات ورؤى و مهارات وكفاءات معينة حتى تتم، وخاصة إذا تحدثنا عن مختلف شرائح المجتمع، فلا يخفى علينا أن المجتمع الجزائري، مجتمع شاب، تمثل فيه فئة دون 18 سنة نسبة 30 %، والذين تقل أعمارهم عن 30 سنة 66 % حسب إحصائيات 2007 . (FES. Algerian Office. 2008)    

‌ب.  تأثيراتها على الهوية الثقافية لفئة الشباب و المراهقين: 

 يقول المختص الأنتروبولوجي "لنتون" في مجال التعليق على غزو الحضارات كمظهر من مظاهر العولمة:" إن كل حضارة تتألف من عموميات و خصوصيات و بديلات؛ فالعموميات تتضمن القيم والعادات والتقاليد و الأفكار الأساسية التي تربط بين جميع أفراد المجتمع. أمّا الخصوصيات فهي تلك المفاهيم والعادات التي لا تتعارض مع العموميات، وإنما هي خاصة بفئة من المجتمع دون أخرى كفئة الأطباء أو العمال أو غيرهم. وأما البديلات فهي تلك الأفكار والعادات التي يتبناها الفرد كهواية شخصية، أو كتلبية لحاجاته الفردية، ولا ضرر منها على المجموعة". فعند تعرض حضارة لغزو أخرى يكون التقليد الأعمى من أبناء الحضارة المغزوة. (إسحاق أحمد فرحان.1987: 87)

هذا الكلام يظهر مدى خطورة أي تحول أو تغير أو غزو في إطار العولمة وخصوصا على فئة اليافعين و الشباب، الذين يمرون في مرحلة النمو هذه، "بأزمات هوية"، يتجاذبها طرفان أساسيان : القيم التقليدية من ناحية، و عامل الحداثة أو العصرنة من ناحية ثانية.

 فهؤلاء الشباب و المراهقون، يستشعرون أثناء عملية النمو التي تؤدي بهم إلى الرشد، نوعا من الحيرة والتيه وسط ما يرونه من المظاهر التقليدية التابعة عن أعراف المجتمع و عقيدته الدينية وقيم الآباء والأجداد، و بين المدخلات الجديدة التي أضيفت على المجتمع  من مظاهر الحداثة و التي منبعها الغرب،  هذا الأمر يجعل العديد من التساؤلات تتكاثر في أذهانهم،  فأي النموذجين يتبعون؟ كيف يمكنهم أن يتكيفوا مع كل هذه الأجواء؟ من على صواب و من على خطأ ؟

يقول الباحث مراد مولاي الحاج في دراسة ميدانية حول الشباب الجزائري، أنه عند النظر لتجربة الشباب الجزائري في خضم التجربة التاريخية، فإن الفترات التاريخية المتلاحقة بعد 1962، شهدت البروز الواضح لفئة الشباب من الجانب العددي، و من حيث تأثيره في التحولات الاجتماعية و الثقافية البارزة التي واكبت هذا التغير العددي، حيث أظهرت هذه الفئة و بشكل قاطع قدرتها على التغيير ودورها الفعال في الحراك الاجتماعي، و خير دليل أحداث أكتوبر 1988[5] (مراد مولاي الحاج و آخرون، 2006: 38).

 في هذا الشأن، استطلعت بعضا من آراء الشباب و المراهقين الجزائريين، من خلال مجموعة من المقابلات حيث كان الغرض منها التعرف على طرق تعايش الشاب مع مظاهر العولمة، وحصر لمختلف تأثيراتها على نمط حياته وتفكيره واتجاهاته المبنية على أساس التوفيق بين ما هو تقليدي وما هو حديث وعصري.

تأثيرات العولمة التي سيأتي الحديث عنها، هي ما أفضت إليه تلك المقابلات، والحوارات المختلفة مع أولائك الشباب:  

 ب‌.     1 التأثيرات الإيجابيــة:

 لا يمكن إغفال فضل العولمة في تفتيح أذهان الشباب و المراهقين في وسط حيرتهم لإيجاد النموذج الخاص بهم؛ فإذا قارنا بين الشاب و المراهق الجزائري اليوم بشاب بضعة عقود من قبل، يظهر الفرق واضحا جدا، حيث يمكن أن ينعت شاب اليوم " بالمحظوظ" إذ أنه ولد و ترعرع في عصر العولمة التي أتت له بكل جديد في العالم القريب و البعيد الذي يحيط به، حيث استفاد من التدفق المعلوماتي والخبراتي دون حواجز حكومية تقليدية (فوزية البكر، 2004)وأصبح الترابط و الاعتماد المتبادل بينه وبين  كافة أقطار العالم ممكنا (علي أحمد مدكور، 1998: 11)بل و أصبح تكيفه مع أقرانه من شباب العالم ممكنا نتيجة لما قامت به العولمة من توحيد في الأفكار والقيم و أنماط السلوك و أساليب التفكير، ما وسع لديه الفهم المتبادل مع الآخرين حسب ما ذكره أبو زيد (فوزية البكر، 2004)،  كما أضحى يستفيد من تعليم أكثر جودة (سعيد إسماعيل القاضي، 2008)إذا أخذنا في الحسبان الاستخدام الحديث و المتطور للوسائط التعليمية.

ومن التأثيرات الإيجابية كذلك لوسائل العولمة، و أقصد بها تعدد القنوات الفضائية، فقد كان للبعض منها الإسلامية خاصة، دورا في تنوير عقول الشباب الجزائري، و تثبيت عناصر هويته خصوصا من الجانب الديني، حيث لوحظ في العشرية الأخيرة إقبال الشباب على التدين و عودة الوعي الديني، النابع عن اقتناع شخصي، خلاف ما كان عليه الشباب في بداية التسعينيات عند ظهور الأحزاب المتعددة، والتي  تميز بعضها بالتطرف. و هذا يتوافق مع دراسة الباحث مراد مولاي الحاج و زملائه (2006: 39) حيث أشار إلى أن نسبة 93% من الشباب من عينة البحث، يعتبرون أنّ الدين شيء أساسي في حياتهم الشخصية.

 لكن وفي مقابل هذه التأثيرات الإيجابية للعولمة الثقافية على الشباب الجزائري، ظهرت تأثيرات أخرى تتسم بالسلبية يمكن رصدها فيما يلي:

ب‌.     2 التأثيرات السلبيــة:

 ينبغي التذكير بأن لفئة الشباب ثقل ديموغرافي و تنامي في الحاجيات و المطالب، مقابل تناقص الموارد الاقتصادية و انسدادا الحراك الاجتماعي، ما أدى إلى إقصاء و تهميش شرائح عريضة من المجتمع خاصة الشباب (مراد مولاي الحاج و آخرون، 2006: 31). وفي إطار مسايرة مظاهر العولمة من قبل الشباب الجزائري، وجد هذا الأخير نفسه أسير مظاهر لا تتماشى و مقومات هويته الثقافية، إذ يلاحظ عليه مايلي: 

ـ الاستخدام المفرط و العشوائي للغات غير اللغة الأم كوسيلة للتخاطب و التواصل مع الآخرين، وعلى رأسها اللغة الفرنسية (أ.شحرور، 2008)،حيث أصبح الشباب الجزائري يميل إلى استخدامها أكثر فأكثر خاصة عند التخاطب مع الأقران و الأصدقاء أو مع رؤساء العمل، و أضحى هذا الفعل ينم عن مستوى الشباب باللغة العربية الفصحى، بل إن هذا الأمر أصبح مدعاة للضحك و السخرية و مؤشر عن تخلف و تدني مستوى من يتحدث بها (آمنة ياسين، 2009).

 ويندرج هنا تحدي آخر للّغة العربية إزاء اللّغة الإنجليزية، بعد الانتشار الكبير للشركات المتعددة الجنسيات بالجزائر.

ـ نقص واضح في الروح الوطنية لدى الشباب يتمظهر في عدم إقباله على الرموز الوطنية، وفقدان واضح للثقة في الذات الوطنية، و قد أدركت وزارة التربية الوطنية حقيقة الأمر، حيث فرضت منذ سنة 2008 رفع العلم الوطني و تأدية النشيد الوطني يوميا في المؤسسات التربوية لإعادة إحياء الحس الوطني و حب الوطن في أوساط الشباب و المراهقين.

 إضافة إلى حادثة رفع العلم الفرنسي الأولى من نوعها في إحدى الثانويات بالجزائر العاصمة خلال السنة الدراسية 08/09، و التي اعتبرت سابقة خطيرة في أوساط الشباب، و من المظاهر الملاحظة في الشوارع أيضا، أن تجد شابا جزائريا يلبس قميصا يحمل علم بلد آخر مثل علم الو.م الأمريكية، ألمانيا، البرازيل،....الخ دون أن ننسى التزايد المذهل لمعدلات الهجرة غير الشرعية لبلدان أوروبا، بحثا عن الرفاهية و العيش الرغد هناك.

ـ طمس واضح لمقومات الشباب الدينية و الأخلاقية، فإلى جانب إقبال نسب معتبرة من الشباب على التدين عن اقتناع، اتجهت مجموعات أخرى للابتعاد عن دينها بالمظاهر التالية:

 أ. مظاهر التلوث الثقافي: إذ تجد أعدادا معتبرة من الشباب من يعرف الكثير عن البلدان الغربية و خاصة ما يتعلق بالفن و السينما و الرياضة، و يعرف القليل عن تاريخه الديني و منجزات الحضارة الإسلامية مثلا يكفي أن تسأل الشباب عن مناسبة عاشوراء و ماذا تعنيه، أو عن تسميات الأشهر العربية، فلا يمكنهم أن يجيبوا أما إذا سألتهم عن معنى سان فالنتين "le saint valentin " فالكل يعلم ماذا يعنيه.

 وتجد الإقبال الكبير على القنوات التلفزيونية الغربية، خاصة منها الفرنسية " لفهم اللغة "، مقابل إحجام عن تتبع القناة الوطنية أو القنوات الدينية، و كذا تتبع البرامج الشبابية المستحدثة و على رأسها:Star Academy., وأيضا ملاحظة مظاهر التنصر في أوساط بعض من الشباب إذ أصبح هؤلاء يستجيبون لمحاولات التنصير السرية بالجزائر، و هذا طمس آخر للمقومات الدينية ببلدنا.

يسجل أيضا شيوع الثقافة الاستهلاكية، ما ساهم في تشويه بعضا من تقاليده و أعرافه (صالح الرقب، 2008، ص: 35) ، فانتشار الأزياء والمنتجات الأمريكية والأوروبية جعلت الكل يلبس على الموضة الغربية، وظهور اللغة الفرنسية و الإنجليزية المطبوعة على ملابس الأطفال و الشباب[6] والتي تحمل أحيانا ألفاظا و جملا جنسية مثيرة للشهوة، و تمس المشاعر و الأخلاق الإسلامية و تروج للإباحية في العلاقات بين الرجل و المرأة. (صالح الرقب، 2008: 38)و تساهم في نشر ثقافة العنف أيضا.

  من مظاهر شيوع الثقافة الاستهلاكية في أوساط الشباب الجزائري كذلك، تأثره بأنماط استهلاكية معينة في المأكل و الملبس؛ ففي المأكل، طغت عليه ثقافة الأكل السريع fast food  بالماك دو Mc Donald ومأكولاتها الشهيرة الهامبورغر Humburger، البيزا Pizza، الكوكاكولاcoca cola  ، أو البيبسي كولا Pepsi cola .

وفي الملبس، انتشار الملابس القصيرة و الضيقة والشفافة، و إظهار السرة لدى البنات، ولبس الجينز لدى الأولاد خاصة، إضافة إلى صباغة الشعر لدى الجنسين، واتخاذ تصفيفات حلاقة الهيبيز و الرازي ...

 ب. مظاهر الانحلال الخلقي:

 ـ شيوع ما يسمى بأدب الجنس في أوساط الشباب، من خلال الحصص والأفلام الإباحية التي يتبعونها على القنوات الفضائية، ما أدى إلى تفشي أنواع الرذيلة بينهم.

ـ كذلك شيوع استخدامهم للوسائط الرقمية من التكنولوجيا الرقمية، و التي أضحت سلاح دمار شامل في أيديهم من اليوتوب You tube و البلوتوث Bluetooth، حيث يتداول الشباب بواسطتها الصور وتسجيلات الفيديو، تكون جنسية في أغلب الأحيان، يستخدمونها للتهديد و الابتزاز، و يقتلون بها الوقت في ثرثرة الشات Tchatو النكت المبتذلة والصور الخليعة، خالية من كل روح اجتماعية أو تربوية أو فائدة علمية (كمال قرور، 2008) .

 ـ قلب موازين التفكير لدى الشباب و قلب منظومة القيم لديهم، حيث أصبح يقتل أوقاته بتضييعها في توافه الأمور: كالاستخدام اللاعقلاني لأجهزة الهواتف النقالة، الاستخدام السلبي للإنترنت، حيث ألهت الشباب الجزائري في المصاحبات الجديدة من حيث النوع و الشكل؛ حيث أصبح يسعى للتعارف مع شباب العالم و عقد الصداقات معهم من خلال المراسلات الإلكترونية أو التشات Chat، وأكثرها استخداما مواقع MSN ; SKYPE ;GMAIL ;JATRX ، والتي تضمن الصوت و الصورة معا مع المتحدث، وفي أغلب الأحيان تكون لأجل التحدث في أمورالحب و الغرام...

 من الاستخدامات السلبية للإنترنت كذلك ، الإطلاع على الأفلام الخليعة، بدون رقابة من أحد، أفلام تظهر الجنس بين الجنسين المختلفين و بين الجنس المماثل و مع الأطفال.

ـ انبهار الشباب بأسلوب عيش الغرب و ما يسمى ب " الحلم الأمريكي" « American Dream »، من حرية مطلقة، وهذا ما نجم عنه مظاهر مثل : تجرؤ الشابة على التدخين في أماكن شبه عمومية، من على الشرفات، في السيارات الخاصة و في صالونات الشاي و المطاعم، ظهور الصدامات مع الآباء وعقوقهم، الصداقات العلنية بين الجنسين، انتشار الكحول و المخدرات، استخدام أي وسيلة وإن كانت غير شرعية لتحقيق الهدف: كالغش في الامتحانات بهدف الانتقال إلى الطور الأعلى.

 كل هذه المظاهر لم تكن قبل امتداد العولمة للمجتمع الجزائري وأصبحت تشكل هاجسا في أنفس العائلات المحافظة؛ يقول أحمد المديني (2007) في مقالته المعنونة : العولمة و الهوية، التنوع البديل للقطيعة:" أحسب أن موضوع الهوية يمثل قطب الرحى في إشكال تلقي وضع العولمة و تبعاتها، ذلك أنها ولدت فزعا شديدا لما تسببه من خلخلة للثوابت و التقاليد، و إحداث أنماط سلوكية دخيلة على الطبيعة الأصلية للسكان و معتقداتهم، خاصة إذا كانوا يتسمون بالمحافظة" .

ج. مظاهر العنــف:

 أججت العولمة الثقافية و الغزو الإعلامي، فكرة العنف، و نشر كبير لثقافة العنف في أوساط الشباب،

 وكأن العنف أصبح ظاهرة عادية و طبيعية، أو أسلوب حياة، تمظهر في أشكال الاعتداءات المتنامية من سنة إلى سنة، السرقات الكثيرة، و نسب الإجرام المتنامية أيضا.

كل ذلك ساهم في ظهوره وتناميه الصناعة الأمريكية للأفلام المركزة على الحركة Action Movies والقتل والدمار والإجرام، بل حتى الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال لم تسلم من ذلك، وتدعو إلى العنف.

 تلك كانت أغلب مظاهر تأثيرات العولمة على الشباب الجزائري، والتي تشبه في معظمها ما تعرض إليه شباب الأمة العربية الإسلامية.

خاتمــــة:

 إن العالم يزخر بتنوع ثقافي هائل، ناجم عن اختلاف و تعدد الأمم و الحضارات، فالعالم يزخر تقريبا بـ 6000 لغة، و لكن الإشكال أن 4 % منها فقط هي المستخدمة، و يتحدث بها 96% من سكان العالم، ما يجعل 50 % من الستة آلاف لغة تلك في طريقها إلى الزوال. (اليونيسكو، 2009)

 وقد ساهمت العولمة في إحداث هذا الوضع، فمن خلال وسائلها و على رأسها الإنترنت، فإن 90% من لغات العالم غير ممثلة عبر هذه الوسيلة(اليونيسكو، 2009) و طبعا غالبية المواقع الإلكترونية هي مقدمة باللغة الإنجليزية.

  في خضم الصراع المحتدم بين مؤيدي العولمة الثقافية و معارضيها، اقترحت أطراف من النخبة العالمية ممثلة في منظمة " اليونسكو" " وثيقة عمل و تأمل" سنة 2009 (أحمدالمديني،2007)تمثل موقف وسط بين دعاة عولمة بلا حدود و على رأسها الو.م.أ و بين ممثلي بلدان الجنوب المعرضة للاكتساح، تحمل هذه الوثيقة أطروحة " التنوع الثقافي" أي تعدد تعبيرات المجتمعات عن ثقافتها، وفيها دعوة للمجتمعات للتوفيق بين المطلب المزدوج للوحدة والتنوع: الوحدة باعتبارها شرط التماسك الجمعي، والتنوع باعتباره حقيقة حتمية و عامل ثراء للثقافات.

كذلك تعميق الحوار ما بين الثقافات وفي إطاره الحوار ما بين الديانات، لخلق وحدة الحضارات، وهذا ما تحمله منظمة "اليونسكو" و منظمة الأمم المتحدة على السواء من شعارات، لتفادي صراع الحضارات الناجم عن العولمة الثقافية.

 إنّ أفضل طريقة لمعالجة تحدي العولمة لحماية الشباب الجزائري، من سلبياتها وتهديداتها، أن ينخرط كل المجتمع بهيئاته المختلفة ومؤسساته سواء الحكومية أو مؤسسات التربية: المدرسة والأسرة، في مفاهيمها، بأن يفهمها الفهم الصحيح، حتى لا يبقى معزولا، و لا عاجزا عن مواجهة قيم وعادات البلد الذي نشأت منه العولمة و يتم تزويدهم بثقافة العولمة، حتى نقي قبل أن نعالج، و حتى نلقح قبل حدوث المرض، حيث يقال:" درهم وقاية خير من قنطار علاج" و يوافقني هذه النظرة، نظرة أحمد المديني الذي يدعو : لألا نواصل النظر للعولمة من الخارج بل نواجهها بالانخراط في مسلسلها، من أجل التجديد، بما يؤدي إلى الترسيخ والتحديث العميقين للذات العربية"  (أحمد المديني،2007) 

أو كما أشار عبد العزيز بن عثمان التويجري، إلى أن " الموقف الإيجابي إزاء العولمة يتطلب منا أن ننخرط في المعترك الثقافي العالمي، حتى نفهم ما يجري حولنا، وحتى لا نبقى تنفرج على العالم يتطور ويتقدم، و نحن قاعدون نندب حظوظنا. (ع.ع.التويجري، 2002: 15 )

 أو كما قالت الكاتبة السورية نضال نجار أنه:" ليس بمقدور أي إنسان أن ينأى عن تأثير العولمة، وإلا بقي في عزلة أبدية من التهميش و التبعية ليس محليا فقط بل عالميا، وعليه فإن أي بلد عربي عليه إما التأقلم "الإيجابي" مع العولمة، أو التعرض " السلبي" لتهديداتها: ثقافة العولمة ضرورة لمواجهة عولمة الثقافة"  (نضال نجار، 2004).

في الأخير، يمكن الختم بمقولة " غاندي" وهي خير معبر عن كيفية مواجهة العولمة الثقافية: "لا أريد أن يكون منزلي محاطا بالجدران من جميع الجوانب، ونوافذي مسدودة، بل أريد أن تهب ثقافات جميع الشعوب على منزلي بأقصى حركة ممكنة، لكنني أرفض أن تعصف بي أية ثقافة منها"(سليم عبود،2007).  

  المراجع العربية:

 -  المديني أحمد. (2007، 4 سبتمبر). العولمة والهوية، التنوع بديل للقطيعة. جريدة الشرق الأوسط. 10507.

 -  التويجري عبد العزيز بن عثمان. (2002). العولمة و الحياة الثقافية في العالم الإسلامي. منشورات المنظمة الإسلامية للتربية و العلوم و الثقافة- إيسيسكو.

 -  الصائغ عبد الرحمان بن أحمد محمد. (2004.أبريل). تربية العولمة و عولمة التربية، ندوة العولمة وأولويات التربية، كلية التربية، جامعة الملك سعود.

 -  القاضي سعيد إسماعيل. ( 2008، يناير). تفعيل دور كليات التربية في الحفاظ على هويتنا الثقافية أمام تحديات العولمة الثقافية. المجلة التربوية. العدد 24. كلية التربية. جامعة سوهاج.

 -  السيد ياسين. (2002). العولمة و أثرها في المجتمع و الدولة. منشورات مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية. الطبعة1.

 -الدجاني صدقي.(2002)، العولمة رؤية تحليلية لواقع الظاهرة ومستقبلها في العولمة وأثرها في المجتمع والدولة، منشورات مركز الإمارات للدراسات و البحوث الاستراتيجية،الطبعة1،ص: 19،23.

 -  الرقب صالح. (2008). سلسلة أتعرف على:العولمة. دار البحار للطباعة والنشر والتوزيع، 2008.

 -  الزيود ماجد ، (2002)، الشباب والقيم في عالم متغير، دار الشروق للنشر و التوزيع.

 -  أبو حلاوة كريم. (2001، يناير- مارس). الآثار الثقافية للعولمة. مجلة عالم الفكر، العدد 3 ، المجلد 29، الكويت، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب. 176.

 -البكر فوزية ، (2004، الفصل الدراسي الثاني)،  العولمة و التربية، قراءة في التحديات التي تفرضها العولمة على النظام التربوي في السعودية، ورقة مقدمة إلى ندوة التربية ومتغيرات العولمة، كلية التربية، جامعة الملك سعود.

 -  الموسوعة العالمية الحرة ويكيبيديا (09 يونيو2009). عولمة. سحب يوم 5 جويلية 2009، من  http://ar.wikipedia.org/wiki/  .

 -  الموسوعة العالمية الحرة ويكيبيديا (2007). ترتيب الدول وفق مظاهر العولمة. سحب يوم 11ماي 2009. من http://ar.wikipedia.org .

 -  تومسون جراهام. (1996، يونيو)،المجلة الدولية للشؤون الاجتماعية،العدد 160،ص10.

 -  خليل محمد محمد بيومي. (2001). التربية  جودة الشباب العربي في عصر العولمة. الإسكندرية-مصر: المكتب الجامعي الحديث.

 -  زايد أحمد، محمد علام اعتماد. (2000). التغير الاجتماعي (الطبعة الثانية). مكتبة الأنجلو المصرية.

 -  شحرور.أ (2008، 16 فيفري)، ملف مركز حول العولمة و الهوية الثقافية، سحب يوم 11 جوان 2009، من: http://www.dafatir.com/vb/archive/index.php/t-16151.html .  

 -  علال سمان، (2004، ديسمبر)، خطورة العولمة على الهوية الثقافية، سحب يوم 10جوان ، 2009، من: http://www.almeshkat.net/vb/archive/index.php?t-31993.html  .

 -  عبود سليم. (2007، 15 أبريل). العولمة و فسوخ الهوية الثقافية. الوحدة، يومية سياسية سورية.

 -  فرحان إسحاق أحمد.(1987). التربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة. باتنة ـ الجزائر: دار الشهاب للطباعة والنشر. ص 87.

 -قرور كمال. (2008، 11 أكتوبر). التكنولوجيا الرقمية، سلاح الدمار الشامل في يد المراهقين. منتديات أفكار ضد الرصاص. سحب 15 جوان، 2009، من: http://kerouka.maktoobblog.com

 -  مدكور علي أحمد. (1998،أبريل). العولمة والتربية. العلوم التربوية. العدد العاشر .القاهرة: معهد الدراسات العربية.

 -  ماهرو زادة طيبة. (2007). العولمة والتربية والتعليم، الجامعة: مجلة اتحاد جامعات العالم الإسلامي، العدد 5 ، ص 161 .

-  محمد الأصمعي محروس سليم. (2005). الإصلاح التربوي و الشراكة المجتمعية المعاصرة من المفاهيم إلى التطبيق. القاهرة: دار الفجر للنشر و التوزيع.

-مولاي الحاج مراد و آخرون. (2006). الشباب الجزائري بين التهميش و الاندماج.منشورات مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية و الثقافية (CRASC) و الوكالة الوطنية لتنمية البحث العلمي.

-  مكتب اليونيسكو الإقليمي للمغرب العربي – الرباط.(2009،ماي) سحب يوم 3جوان 2009. من www.unesco.ma

-  نجار نضال. (2004، 1مارس). ثقافة العولمة لمواجهة عولمة الثقافة. مجلة ديوان العرب. From : http://www.diwanalarab.com/spip.php?article852.

-  ياسين آمنة. (2009.جوان).  لغــة التخاطب عند الشبـاب الجزائري. دراسة ميدانية غير منشورة. قسم علم النفس و علوم التربية، جامعة وهران.

المراجع الأجنبية:

 - Friedrich Ebert fondation (FES) Algerian Office. (2008). Algerian statistics retrieved  july 5, 2009.  From

 http://www.fesalger.org/images/versionArb/indexara/ht

- Swiss Federal Institute of Technology Zurich. (2009). KOF index of Globalization. retrieved july 5, 2009, from http://globalization.kof.ethz.ch/

- Unesco. (2009). Diversité culturelle et la mondialisation : la mondialisation une  opportunité ou une menace ? retrieved july 5, 2009. from : http://portal.unesco.org/culture/fr

 - صحح وعدل في أكتوبر 2011

1] مثلما أشارت إليه"ماري فرانسوا بود" في مجلة رسالة اليونسكو / نوفمبر 1996.

2] قول "جراهام تومبسون":"بدا مصطلح العولمة يحتل موقعا أساسيا في العلوم الاجتماعية المعاصرة"/ ذكر ذلك في مقدمة عدد خاص بالعولمة  (جراهام تومسون، 1996،ص 10).

2 تومسون، جراهام، المجلة الدولية للشؤون الاجتماعية، العدد 160، يونيو 1996، ص 10

[3] أشار إلى ذلك السيد ياسين في مقدمة كتابه " العولمة و الطريق الثالث":"لا نبالغ إذا قلنا إن العولمة كمصطلح و مفهوم  أصبحت من أكثر المفاهيم ترددا على ألسنة الزعماء و القادة و السياسيين و الباحثين و المثقفين في مختلف أنحاء العالم" ( السيد ياسين، 2002).  

 

[4] The KOF index of globalization measures the three main dimensions of globalization :

-   economic

-   social

-   and political

In addition to three indices measuring these dimensions,we calculate an overall index of globalization and sub-indices referring to :

-   actual economic flows

-   economic restrictions

-   data on information flows

-   data on personal contact

-   and data on cultural proximity

 

 [5] أحداث أكتوبر 88 تمثلت في مظاهرات عارمة و انتفاضات شعبية قادها الشباب الجزائري ضد النظام الحاكم بغرض تغيير الأوضاع المعيشية المتردية آنذاك.

[6] من الكلمات المطبوعة على الملابس، أذكر:Kiss me:  : قبلني  / love  : حب / take me : خذني / touch me and I’ll kill you:  إلمسني و سأقتلك