pdfتشخيص المتغيرات الجديدة في سوق النفط

وأثرها على استقرار الأسعار، 2008 – 2010

سعد الله داود، جامعة الجزائر 3

الملخص : خلال سنة 2008 شهدت سوق النقط تقلبات حادة في الأسعار، فبينما ارتفعت أسعار النفط إلى ما يقارب 150$ عادة لتنخفض بشكل مفاجأ إلى ما يقارب 40$ للبرميل. يحيطنا هذا البحث بعدد من الدلائل والحجج التي كانت محل جدلا بين المحللين، إذ خلص البحث إلى أن عوامل السوق الأساسية لا يبدو أنها كافية وحدها لتفسير عدم استقرار أسعار النفط، كما أن الأسواق المالية والسياسات الحكومية ومتغيرات الاقتصاد الكلي قد لعبت دورا مهما لوصول أسعار النفط إلى مستويات مبالغ فيها.

كلمات المفتاح : النفط، عوامل السوق، الأوبك، الأزمة المالية، أسعار النفط.

تمهيد : يعزو كثير من المراقبين أن الارتفاع المطرد في الأسعار العالمية للنفط الخام على مدى السنوات الخمس الماضية إلى ضعف عوامل السوق الأساسية المتمثلة في محددات الطلب والعرض[1]. حيث يبرر الجانب المتعلق بالطلب إلى ما يتعرض له الطلب العالمي من نمو متسارع بسبب النمو الاقتصادي القوي الذي تشهده كل من الصين والهند، في نفس الوقت الذي تتعرض فيه إمدادات النفط إلى ركود بسبب تراجع وتيرة الاستثمارات الجديدة مقارنة مع النمو المتسارع للطلب. ومع ذلك لم يأخذ بعض المحللين في تفسيراتهم بفكرة أن التحولات في أساسيات السوق مسؤولة على تحركات أسعار النفط الهائلة سنة 2008[2]، لأنها لم تكن حسب رأيهم ذات تأثير كافي لوصول الأسعار إلى مستوى 150 دولار للبرميل. وبدلا من ذلك اعتمدوا على عدد من التفسيرات البديلة لدعم رأيهم كمثل السياسات الحكومية الخاطئة، اتجاهات حركة متغيرات الاقتصاد الكلي ودور الأزمة المالية.

 

1- العوامل المتعلقة بالطلب على النفط

1-1 ضعف الطلب في مواكبة نمو واردات الصين والهند : ينظر معظم المحللين إلى أن أزمة أسعار 2008 تعتبر بداية النمو المتسارع للطلب العالمي على خامات النفط مقارنة بالسنوات السابقة. ففي حين ازداد الطلب العالمي على النفط بمعدل سنوي متوسط بلغ 1.1% أي ما مجموعه 4.2 مليون برميل يوميا خلال الفترة الممتدة بين عامي 1998و2002[3]، تسارع نمو الطلب العالمي بمعدل سنوي متوسط بلغ 2.1%أي ما مجموعه 8.2 مليون برميل يوميا خلال الفترة 2004و2009. وترجع معظم أسباب هذه الزيادة في الطلب على الطاقة إلى اقتصاديات الأسواق الناشئة في آسيا والشرق الأوسط وبشكل خاص إلى الصين والهند.

1-2 كثافة استخدام النفط في الاقتصاديات الناشئة : يعتبر النمو الاقتصادي السريع والكثافة العالية لاستخدام النفط  ـ أي كمية النفط اللازمة لإنتاج دولار من الإنتاج أو المخرجات ـ في الاقتصاديات الجديدة الناشئة من الأسباب الرئيسية وراء الزيادة المطردة لاستهلاك خامات النفط. حيث تشير البيانات المتوفرة حول نمو استهلاك النفط في الصين لوحدها خلال الفترة الممتدة بين عام 2003و2007 فقط أن استهلاك الصين من النفط قد نما بـ 35% أي ما يقارب في معدله 9% سنويا. ولا يزال استهلاك الفرد من النفط في كل من الصين والهند منخفضا للغاية مقارنة مع الدول مرتفعة الدخل، بمعنى أن أي احتمال لنمو الدخل المتاح في هذه الدول سوف يؤدي بالضرورة إلى زيادة الطلب على النفط بدرجة أكبر[4]. من هنا يتبين لنا أن عوامل السوق سوف تستمر في تأكيد ضغطها على الأسعار.

وبالنظر إلى إجمالي استهلاك الطاقة العالمي خلال العقد الماضي يظهر الشكل (1) تمايزا، بمعنى أنه بينما وصل نمو استهلاك النفط إلى ذروته سنة 2004، فإن الاستهلاك العالمي للنفط نما بنسبة 1.1% فقط سنة 2007 أي أقل بقليل من متوسط نموه خلال عشر سنوات (1.3 ٪)[5]. والحقيقة هي أن نمو الطلب يتجه إلى أن يكون أكثر أو أقل بقليل من متوسط نموه خلال العشرة سنوات بعد أن ارتفع لفترة وجيزة سنة 2004. والسؤال الذي يطرح هنا هو: هل تعني زيادة الطلب العالمي على النفط خلال العشر سنوات الماضية ستكون كافيا لتفسير الارتفاع المفاجئ في الأسعار سنة 2008 ؟

2- العوامل المتعلقة بجانب عرض النفط

2-1 تباطؤ الاستثمارات : يمكن تفسير الأسباب الرئيسية وراء الانخفاض في نمو الإنتاج إلى أسباب تتعلق بالفترات الطويلة التي مرة بها صناعة النفط من ركود في الاستثمارات والطاقة التكريرية المتوفرة بالإضافة إلى تعطل وعدم انتظام في بعض الإمدادات[6]. علاوة على ذلك لم تتبع الأوبك سياسة فعالة للحدة من ارتفاع الأسعار، ففي حين أن مضاعفة إنتاج الدول غير عضو في الأوبك لم يرق إلى مستوى التوقعات بهدف التأثير على الأسعار. سجل إنتاج الأوبك زيادة بمقدار 2.4 مليون برميل يوميا منذ عام 2003 بينما زاد الإنتاج خارج الأوبك في نفس الوقت بنسبة 4.4 مليون برميل يوميا[7].

من الأسباب الرئيسية التي تقف وراء تباطأ نمو الاستثمارات الارتفاع المفاجئ في التكاليف الجديدة للنفط والغاز. فبعد فترات طويلة من انكماش السوق في 1980و1990 يبدوا أن المستثمرين لم يجدوا حوافز جديدة للاستثمار في عمليات الإنتاج والقدرات التكريرية الأمر الذي ساهم بشكل مهم في ارتفاع الأسعار في الآونة الأخيرة، ومنذ ذلك الحين توصلت معظم نتائج الدراسات التي خصت أزمة أسعار 2008 إلى الإقرار بالنقص الحاد في المهندسين والمعدات اللازمة وغيرها من السلع الأساسية. فقد توصلت Cambridge Energy Research Associates إلى أن تكلفة رأس المال لعمليات التنقيب والإنتاج زاد بأكثر من الضعف خلال السنوات الأربع الماضية مما يعني أن تطوير القدرات الإنتاجية الحالية يتطلب مضاعفة الاستثمارات القائمة. علاوة على ذلك نجد أن النقص الحاد في المهارات يؤدي إلى تأخير العديد من المشاريع مما يزيد من تراجع النمو في القدرة الإنتاجية. هذا الموقف من المرجح أن يستمر في المستقبل بسبب أن أجزاء واسعة من المعدات في صناعة النفط وصلت إلى نهاية خدمتها بعدما اهتلكت بصفة شبه كاملة[8].

في حين أن انخفاض الاستثمارات تعني أنه لا وجود لقدرات إنتاجية ستضاف إلى الإمدادات القائمة سجلت السوق عدد من الاضطرابات المتقطعة في العرض مما سيزيد من الضغوطات على السوق.

 

2-2 تعطل إمدادات النفط إلى السوق : بالرغم من عدم تسجيل تعطل حاد في الإمدادات العالمية للنفط خلال السنوات الخمس الماضية، فإنه يقدر 'إجمالي التعطيل في الإمدادات' بـ 2 إلى 3 مليون برميل يوميابسبب عدد من الأحداث أهمها تعطل الإمدادات النفطية القادمة من نيجيريا بسبب هجمات المتمردين، إعصار كاترينا فضلا عن انخفاض القدرات الإنتاجية لكل من فنزويلا والعراق. وقد أدى اضطراب الإمدادات النيجيرية في ربيع عام 2008 إلى مزيد من الانخفاض في عرض خامات النفط الخفيفة ومنه المساهمة في ارتفاع الأسعار(light sweet crude)[9]. وأخيرا أدت المخاوف من احتمال تعطل الإمدادات بسبب احتمال مواجهة عسكرية مع إيران في المستقبل إلى مزيد من الضغط على السوق من جانب العرض.

نتيجة للعوامل السابقة تراجع الفائض في القدرات الإنتاجية في العالم بشكل ملحوظ خلال الفترة الممتدة بين عامي 2004و2009 لتبقى أقل بكثير من متوسطها خلال 10 سنوات. في ظل تضاؤل إمكانية وجود قدرة كامنة لتحقيق فوائض كفاية من جانب العرض، يكون من المستحيل على المنتجين مواجهة احتمال تعطل الإمدادات لاستعادة توازن السوق دون الحاجة لتغيرات هامة في الأسعار. وبما أنه من غير الممكن في الوقت الحالي تحقيق توازن بين نمو الطلب على النفط ونمو الكمية المعروضة سينتج عنه عجز تام في تحقيق طاقة إنتاجية فائضة مما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار في السوق الفورية.

        ومع ذلك يبدو من الصعب الربط بين تحركات الأسعار في أسواق النفط سنة 2008 بالتوازن الدقيق للعوامل الأساسية للسوق. فبالنظر إلى تطورات سوق النفط سنة 2008 يبدو أنها تتعارض على الأقل مع جزء من تبريرات أصحاب الرأي الأول. حيث أنه طوال النصف الأول من عام 2008 أين كانت أسعار النفط ترتفع كان التوازن بين العرض والطلب يتحقق مبدئيا وبشكل ضعيف. علاوة على ذلك فإن الانهيار السريع لأسعار النفط من مستوى 150 دولار للبرميل إلى نحو 40 دولار للبرميل في بداية سنة 2009 يستندمبدئيا إلى تغيير طفيف في عوامل السوق القائمة، هذا يدل على أنه إما أن يكون هناك زمن تأخير يفصل بين التغير الذي حصل في عوامل السوق إلى غاية تغير الأسعار، أو أن هناك عوامل أخرى أثرت على حركة الأسعار.

3- السياسات الحكومية الخاطئة

في الوقت الذي يستند فيه الكثير في تفسيراتهم للأزمة على عوامل وظروف السوق على أنهما الدافع الرئيسي وراء زيادة أسعار النفط منذ سنة 2004، يسلم بعض من المحللين بالإسهام الهام للسياسات الحكومية الخاطئة في الارتفاع المطرد للأسعار في 2008. بحث لم تؤدي تلك السياسات الخاطئة فقط إلى تقييد الحصول إلى الموارد النفطية في جميع أنحاء العالم بل ساهمت في تغذية الطلب المحلي على وقود النقل أثناء فترة ارتفاع الأسعار.

من ناحية أخرى نجد أن عامل تأميم الموارد النفطية (resources nationalism) في بعض البلدان المصدرة للنفط مثل روسيا وفنزويلا، قد أدى إلى منع شركات النفط متعددة الجنسيات من الوصول وتطوير حقول نفطية جديدة مما ساهم في تعميق العجز المسجل في إنتاج النفط. وفي نفس الوقت وكما هو الحال عليه في كثير من اقتصاديات السوق الناشئة مثل إيران وروسيا حافظت حكومات هذه الدول على الإعانات الحكومية المخصصة لدعم أسعار البنزين المحلية، بحيث بقية الأسعار منخفضة بشكل لا يعكس مستوياتها في الحقيقية في الأسواق العالمية الأمر الذي حال دون منع انخفاض الاستهلاك في هذه الأسواق مع بداية الارتفاع في الأسعار[10]. ومع ذلك فإن استمرار ارتفاع الأسعار أدى ببعض الدول التي لم تستطع تحمل عبء مستويات الدعم الحكومي لأسعار الوقود المحلية إلى بدء عدد من الدول في اتخاذ إجراءات استثنائية بهدف خفض الدعم على الوقود كالصين. أخيرا بالنظر إلى بعض الدول المتقدمة، نجد أن السياسة الضريبية المرنة لعبت دورا هاما في منع تغير أسعار الوقود في محطات البنزين بشكل كبير بسبب فرض ضرائب مباشرة مرتفعة على الوقود[11].

فضلا عن السياسات الحكومية الخاطئة نجد أنها في بعض الأحيان ساهمت بشكل مباشر في عدم استقرار سوق النفط، كما هو الحال في أوروبا والولايات المتحدة بحيث أدت التشريعات الجديدة المتخذة بشان فصل عنصر الكبريت عن الديزل إلى أثر مباشر على أسعار النفط الخام الخفيف. أيضا يبدو أن القرار الهام لوزارة الطاقة الأمريكية برفع مخزون الوقود ضمن الاحتياطي الإستراتيجي للولايات المتحدة إلى مستويات أعلى سنة 2008 أدت إلى تقليص الكميات المعروضة من النفط الخام الخفيف في السوق الفورية[12]. ووفقا لتقديرات  Philip K.Verleger يكون هذا القرار قد خفض العرض بـ 0.1% إلى 0.5%من النفط الخام الخفيف في السوق[13]. وبالنظر إلى المرونة السعرية للطلب على النفط استنتج Philip K.Verleger أن قرار وزارة الطاقة الأمريكية برفع مستوى المخزون الإستراتيجي أدى وحده إلى زيادة الأسعار بنحو 10 دولار للبرميل، وهذا ليس بالأمر الجديد بالنظر إلى أنه بعد الصدمة البترولية لعام 1973 شجعت الولايات المتحدة على تصميم سياسات اكتناز سيئة للوقود.

4- متغيرات الاقتصاد الكلي: انخفاض الدولار 

من العوامل العديدة التي في كثير من الأحيان يكون لها أثر مباشر على ارتفاع أسعار النفط الانخفاض المستمر للدولار الأمريكي على مدى السنوات الخمس الماضية. ففي حين أن العلاقة بين أسعار النفط والدولار معقد ولا تخدم مصالح أطراف السوق في معظم الأحيان، نجد أن انخفاض قيمة الدولار ستؤدي إلى ارتفاع في سعر النفط بالدولار والعكس بالعكس. فمنذ أن تم اعتماد تقويم النفط بالدولار الأمريكي يفترض أن انخفاض سعر صرف الدولار سيخفض بذلك تسعير النفط في السوق ومن ثم سيزيد الطلب عليه. وفي حال ترك السوق يتوازن وفقا للظروف الجديدة ـ انخفاض الدولار مع افتراض ثبات العوامل الأخرى ـ سيرتفع سعر النفط بالدولار.

5- أسباب نفاذ المستثمرين غير التجاريين إلى سوق العقود الآجلة

في السنوات الأخيرة ظهر اهتمام متزايد لدى المستثمرين باتجاه استخدام بعض السلع كأصول مالية، ونتيجة لذلك شهد سوق العقود الآجلة للنفط نفاذ عدد من المستثمرين الجدد خلال السنوات الخمس الماضية. الحقيقة أن عدد العقود المفتوحة في نهاية اليوم في العقود الآجلة للنفط الخام التي يجري تداولها في بورصة نيويورك (نايمكس) قد تضاعف من 700000عقد سنة 2004 إلى ما يقارب من 1.4 مليون عقدا سنة 2008.

إن أسباب الاهتمام المتزايد للمستثمرين الماليين بسوق العقود الآجلة للنفط متنوعة. فنظرا لاتجاه التاريخي لحركة أسعار السلع الأساسية المعاكس لحركة الأسعار في أسواق الأصول تحول مؤخرا بعض المستثمرين كصناديق المعاشات إلى الاستثمار في السلع الأساسية بهدف الحد من المخاطر، وفضل البعض الاستثمار في سوق العقود الآجلة للنفط من أجل تفادي الآثار السلبية للتضخم وهبوط الدولار على أصولهم. بينما تحول عدد منهم إلى أسواق النفط بهدف البحث عن عائدات أعلى من تلك المحققة في أسواق الأصول. من هنا لعب سلوك القطيع (herd behavior) الذي تتميز به الأسواق المالية دورا محوريا في استمالة مزيد من المستثمرين الماليين.

6- تأثير الأسواق المالية والتنبؤات على سوق النفط

إن زيادة التدفقات المالية إلى سوق العقود الآجلة للنفط قد أضافت سيولة مهمة للسوق، حيث اعتبر معظم خبراء الاقتصاد أن هذا أمر جيد للسوق لأن إضافة سيولة للسوق ستمكن من اكتشاف مستويات الأسعار الحقيقية واستقرار السوق. لكن الدلائل تكشف خلاف ذلك حيث أصبحت تقلبات أسعار سوق العقود الآجلة أعلى من تلك المسجلة في أسعار السوق الفورية. وقد أدى ذلك بالكثيرين للاعتقاد بأن هذه التدفقات المالية وأنشطة المضاربين هي المسؤولة بشكل كبير عن تقلبات أسعار النفط الخام[14]. ومع ذلك فإنه توجد فقط أدلة ضئيلة على ضلوع المتعاملين غير التجاريين في عملية تستهدف رفع أسعار النفط. حيث استنتج التحقيق المؤخر من قبل اللجنة الأمريكية للتداول على البضائع الآجلة (US Commodities Futures Trading Commission) أنه لا يوجد أي دليل على تغير مواقع مختلف المجموعات التجارية في الأسواق بما في ذلك صناديق الاستثمار وتجار المبادلة swap dealers))سبقت تغير الأسعار[15].

السؤال الذي يمكن طرحه في هذه الحالة هو: هل هذا يشير إلى أنه لا يوجد ارتباط بين زيادة المضاربات المالية في سوق العقود الآجلة للنفط وتقلبات السوق؟ لقد خلص مؤتمر لندن للطاقة بأنه على الرغم من عدم وجود أدلة على أن المتعاملين الماليين تلاعبوا بالأسعار إلا أن مجال الشك مازال مفتوحا لإمكانية أن يكون سلوك المتعاملين في السوق قد أفرز ضغوطات على أسعار النفط دفعتها نحو الارتفاع. والسبب في ذلك يمكن إيجاده في الفرق بين المستثمرين الماليين والمستثمرين التقليديين، لأن المستثمرين المالية يميلون للعمل بشكل أكثر تماسكا كمجموعة بهدف أخذ مواقع مهمة في الأسواق طويلة الأجل لأنها أقل حساسية لتقلبات الأسعار، كما تميل إلى تقبل المخاطر الآنية لأن مواقعهم في السوق غالبا ما تستند إلى ظروف الاقتصاد الكلي الدولية. علاوة على ذلك فمنذ أن استحوذ المستثمرين الماليين على حوالي ثلث عدد العقود المفتوحة (open interest) في بورصة نايمكس أصبحت لقراراتهم إمكانية التأثير المباشر على اتجاهات الأسعار في السوق.

7- النتائج والتوصيات

على الرغم من الانخفاض في أسعار النفط إلى نحو 50$ للبرميل، فإن معظم التنبؤات تتوقع ارتفاع الأسعار مرة أخرى في المدى المتوسط والطويل. حيث توقع وكالة الطاقة الدولية وصول أسعار النفط إلى مستوى100$للبرميل حتى سنة 2015 ومستوى 122$ بحلول سنة 2030. أما توقعات أوبك فكانت نوعا ما أكثر اعتدالا وذلك ببلوغها مستوى 90$للفترة القادمة حتى سنة 2030.

وفي هذا الإطار قدرت وكالة الطاقة الدولية أنه من أجل استيعاب النمو المتوقع في الطلب وللتعويض عن نضوب حقول النفط الحالية، يتطلب الأمر الحاجة لاستثمارات تبلغ نحو 5 تريليون دولار حتى سنة 2030. لكن نظرا للأسعار المنخفضة حاليا وعدم اليقين حول حركة الأسعار في المستقبل، قد يؤدي إلى ركود الاستثمارات ومن ثم إمكانية تقلبات أسعار النفط مستقبلا.

كل هذه العوامل تشير إلى بقاء ارتفاع الأسعار وتقلبات السوق سمة ثابتة في أسواق النفط في المستقبل المنظور. في حين تبقى بعض تقلبات أسعار النفط لا مفرا منها بسبب خصائص وتعقيدات سوق النفط، وبالتالي يجب أن تكون للدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء مصلحة قوية في تجنب التقلبات الحادة في الأسعار استنادا إلى التغييرات الهامة في تكييف برامج النفقات الاجتماعية والتنموية مع الواقع الجديد الذي يفرضه سوق النفط. من هنا يمكننا أن استعراض أهم التوصيات في هذا الإطار في ثلاث نقاط:

أولا : إن زيادة الشفافية والمعلومات حول سوق النفط ينبغي أن تكون واحدة من المخاوف الأكثر إلحاحا لتلك الدول. في الماضي أدى عدم اليقين في سوق النفط إلى تشكيل واحدا من كبرى العقبات التي اعترضت التخطيط وزيادة الاستثمارات، كما يمكن أن يؤدي عدم اليقين أيضا إلى تنبؤات مبالغ فيها بشأن الأسعار في كلا الاتجاهين. ومن ثم فإن الحاجة إلى مزيد من المعلومات ستساعد في التوصل إلى فهم أفضل لحركات الأسعار وتأثير الأسواق المالية. أخيرا فيعالم حيث الدول غير الأعضاء في منظمة التنمية والتعاون تستحوذ على حصص متزايدة في السوق مقارنة بالفترات الماضية، فسيصبح من الضروري التوصل لفهم أفضل لعلاقة سياساتها بسلوك السوق.

ثانيا : على الدول المنتجة والمستهلكة بذل المزيد من الجهود لتسهيل الاستثمار في زيادة قدرات عمليات الإنتاج والعمليات اللاحقة (upstream and downstream operations)، فمن دون إحداث استثمارات جديدة ستبقى أسواق النفط معرضة للتقلبات في المستقبل لأن تحقيق التوازن فيها سيكون عملية جد صعبة. ولقد أوردت أحدى الدراسات "أن حوالي 7 مليون برميل يوميا يجب أن تضاف إلى القدرات الإنتاجية بحلول سنة 2015 إضافة إلى المشاريع التي يجري تنفيذها حاليا"، وبهدف الوصول إلى هذا التحدي تجدر الإشارة إلى أن 7 مليون برميل يوميا تساوي تقريبا مستوى إنتاج المملكة العربية السعودية حاليا. إن معظم الطاقات الإنتاجية المتوقع إضافتها يتوقع أن تكون في دول أوبك كما أن الوصول إلى كثير من الحقول في عدد من الدول لا يزال مقيدا بسبب عمليات التأميم مما سينعكس سلبا على آفاق الاستثمارات المستقبلية. ومن أجل تجنب نقص الاستثمارات وآثارها على الإنتاج لاحقا سيكون من المفيد إعلام الدول أن عمليات تأميم مواردها ليست دائما تصب في مصلحتها، إذ يتعين محاولة إقناع الدول المنتجة أن البيئة المؤسسية تفضل تخصيص فعالا لرؤوس الأموال والاستثمارات من أجل توليدعائدات مستقرة بالمقارنة مع الظروف التي أنتجت ارتفاعا في الأسعار بسبب عدم مرونة عرض النفط". 

ثالثا : على الرغم من أن آثار الأسواق المالية على أسعار النفط ما زالت قضية خلافية، فإن العمل على إعادة تنظيم سد الثغرات التي قد تسمح بالتلاعب بالسوق والبيانات النفطية المعتمدة لاتخاذ قرارات الاستثمار يبدو ضرورة. في الواقع أنه طالما أن التوقعات المستقبلية للأسواق لا تزال مفتوحة لكل الاحتمالات فإن ذلك ينبغي أن يكون أولوية قصوى بالنسبة للمشرعين للعمل في هذا الإطار، وفي نفس الوقت يجب أن لا تحد تلك الإصلاحات من مستويات السيولة في السوق أو تقييد عمليات التداول.

إذا بذلت الحكومات جهودا موحدة لزيادة الشفافية وتيسير الاستثمارات في سوق النفط والالتزام بها في المدى المتوسط والطويل، فإن ذلك قد يؤدي إلى منع التقلبات الحادة للأسعار كمثل التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية. وبطبيعة الحال لا يوجد أي ضمان ملموس بأن الأسعار سوف لن ترتفع مجددا في المدى الطويل في ظل استمرار نمو الطلب العالمي وزيادة الضغط على الكمية المعروضة. في نهاية المطاف فإن خفض الطلب العالمي من خلال تعزيز كفاءة استخدام الطاقة وتنويع اعتماد الاقتصاد على مصادر مختلفة من الوقود عبر التحول إلى مصادر بديلة، سيكون السبيل الوحيد للحفاظ على استقرار أسعار النفط مستقبلا.

الشكل (1) : النسبة المؤوية لتغير الاستهلاك العالمي للنفط

المصدر: مجلة‘Statistical Review of World Energy 2008’شركةPBالنفطية، متاح على الرابط التالي:

www.bp.com/iframe.do?categoryId=9024179&contentId=7044895

 

المصدر: وكالة الطاقة الدولية،‘World Energy Outlook 2008’

المصدر: وكالة الطاقة الأمريكية‘Short-term Energy Outlook’، 13 جانفي 2009.

المصدر: مكتب الطاقة، لندن 2008،The rise and fall in oil prices: analysis of fundamental and financial drivers

قائمة المراجع :



[1]Amenec Noel, “Oil Prices: the True Role of Speculation”, EDHEC, Berlin, Germany, November 2008, p.84.

[2] Michael W. Masters, “Testimony before the Committee on Homeland Security and Governmental Affairs”, Institute for Energy Research, 2008, p.65.

[3]Recession Shock: The Impact of the Economic and Financial Crisis on the Oil Market, Cambridge Energy Research Associates, UK, 2008, p.68.

[4]BP ‘Statistical Review of World Energy 2008, Energy Charting Tool, available at: www.bp.com/iframe.do?categoryId=9024179&contentId=7044895.#

[5] BP, ‘Statistical Review of World Energy’, London: British Petroleum, 2009, p-27.

[6] International Energy Agency, ‘World Energy Outlook 2008’, IEA/OECD: Paris. Robert J. Samuelson, ‘OPEC’s Triumph: Acting Like a True Cartel – with America’s Help’, The Washington Post, 12 March 2008.

[7] Commodity Futures Trading Commission, “ITF Interim Report on Crude Oil”, Washington, July 2008, p.10.

[8]Cambridge Energy Research Associates, ‘Recession Shock: The Impact of the Economic and Financial Crisis on the Oil Market’, op. Cit.

[9] في أفريل 2008، توقع المتعاملين في سوق النفط أن تشهد الإمدادات النيجيرية من الخامات الخفيفة انخفاض من 2.6 مليون برميل يوميا إلى مستوى 1.76 مليون برميل يوميا.

[10] Daniel Yergin (2008), ‘Oil at the Breaking Point’, op. Cit.

[11] International Energy Agency, ‘World Energy Outlook 2009’, Washington. DC, p. 96.

[12] بدأت الولايات المتحدة في إعادة تمويل احتياطها الإستراتيجي في نهاية سنة 2007، حيث كان هدفها توسيع احتياطياتها مرتين على ما كانت عليه. ولقد تم التوقف مؤقتا عن هذا المشروع نهاية ماي 2008 بسبب بداية الارتفاع أسعار النفط.

[13] International Energy Forum, ‘Progress Report on the Outcome of the Jeddah Energy Meeting’, 19 Dec 2008 p-21.

[14] Ibid.

[15] Commodity Futures Trading Commission , “ITF Interim Report on Crude Oil”, Op.cit, p. 27.