المتخيل والسلطة، رؤية تأويلية لرواية "دمية النار" لبشير مفتي،
pdf

بين الناقدين محمد معتصم ومحمد بوعزة.

 

د. هاجر مدقن

جامعة قاصدي مرباح، ورقلة

ملخص:

تفرض الرواية في تشكلها السردي التخييلي أفقا مشتركا للوعي ينطلق منه الروائي مبدعا/ متخيلا ويتلقفه المتلقي قارئا/ ناقدا .. إن مسافة هذا الأفق ومساحته هي مناط آلة القراءة والتأويل، القراءة الأفقية، والقراءة العمودية الحفرية في العمق الأركيولوجي للنص الروائي.. هذا النص الذي يلوح بمعانيه ويختفي في استدراج حثيث وسلس أحيانا لفضول القارئ عبر خلق عتبات أولى لا تفضي بالضرورة إلى المآل نفسه.. فتذهب رياح التأويل به وتجئ .. فيحدث أن تتباين الرؤى، وتتباعد الدلالات.. ويحدث كذلك أن يقع الحافر على الحافر فيلتف حول محور المعنى وعموده أكثر من قارئ..

  هذا المشترك هو الذي توافقت فيه بصورة مبدئية عامة رؤية الناقد محمد معتصم لرواية "دمية النار" للروائي الجزائري بشير مفتي، في كتابه (المتخيل المختلف، دراسات تأويلية في الرواية العربية المعاصرة)، ورؤية الناقد محمد بوعزة للرواية نفسها، في كتابه: (سرديات ثقافية، من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف) في طرح ثنائي متنوع لقضايا السرد والمتخيل والسلطة، وبرؤية تأويلية نوعية تحاول هذه الورقة النظر في أهم مرتكزاتها..

Résumé :

Dans sa formation narratologique et imaginaire, le roman reflète un horizon commun de la conscience, où le romancier commence en tant que créateur en imaginant ses dessous, la ou le lecteur le reçoive comme lecteur et critique. La distance de cet horizon et son champ reflètent l’essence des opérations de lecture et d’interprétation, la lecture horizontale et l’autre verticale, cette dernière qui s’engloutit dans la profondeur archéologique du texte romancier. Ce texte qui extériorise ses sens et s’efface dans une tentation insistante et conséquente parfois à la curiosité du lecteur par la création des dimensions préliminaires qui n’aboutissent pas obligatoirement au même résultat ,ce qui conduit à des diversités interprétatives en produisant différentes positions et par conséquent des sens différents. Ce constat peut conduire à une panoplie de lectures qui entoure l’essence de son intention. Cette richesse est reflétée primordialement par la vision du critique Mohamed Moatassim du roman «pantin de feu » du romancier algérien Bachir Mufti dans son ouvrage « Ecrits narratologiques : des politiques identitaires aux politiques de divergence » dans une évocation multiple des questions de narration, de l’imaginaire et du pouvoir. Cette contribution qui tend explorer ses dimensions à travers une vision interprétative qualitative.

المتخيل السردي – السير ذاتي:

يحيط النوع الروائي بطبيعته الإشكالية الشائكة قارئه بأنواع من الاستفهامات، طروح جدلية تدخله دائرة النوع لتخرجه في دائرة أكبر هي المعنى. هنا يحضر التأويل بآفاقه القرائية المتدرجة طبقيا من أقرب الدلالات إلى أقصاها وأبعدها امتدادا؛ امتداد تتجاذبه رؤى متنوعة ومتباينة الزوايا؛ < فالمتخيل السردي بناء فكري محض، زمرة من التهويمات في تشكيل عام، تحتاج إلى دخولها في سلك نظام واحد لتشكل نسقا محكم الأجزاء مترابطا، ولا يكون هذا الترابط إلا من خلال وصلات منتمية إلى الواقعي، ومن ثم فالمتخيل السردي لا يمكن استقباله إلا من خلال بناء ينتمي إلى عوالمنا التي نحس بها من حولنا، والتي من خلال استقرارنا – نسبيا – عليها، يمكننا الانطلاق إلى المتوهم والعودة إلى عوالمنا مرة أخرى >[1]. وبين الاستقرار والانطلاق يهتز البناء السردي الأول في مغامرة التجريب الذي < ألغى الحدود بين الأجناس، والفنون، وغدت الرواية فضاء متسعا للمسرح والقصة والشعر والسيرة الذاتية... وراح – أي التجريب – يخلخل ثوابت الرواية ويلغي السنة المتبعة وينبو عن الذائقة المهيمنة حتى تغدو مقولة الجنس مهددة في وجودها أصلا ويصبح المعنى الطرازي مهددا بالتلاشي. وبذلك يكون التجريب مسافة ضرورية تسمح للروائي بتجاوز التنميط والتحرر من المنجز السردي القائم بقطع النظر عن مصدر هذا المنجز ومرتكزاته أهو متأتً من الغرب والآخر أم هو نابع من التجارب المحلية >[2].

أيا كانت الإجابة عن هذا السؤال، فإن الرواية المغاربية لم تتخلف عن ركوب هذه المغامرة، ويبرر الناقد "عبد القادر بن سالم" هذه الخطوة بهاجس التجديد، < الذي لا يتحقق إلا عبر التحرر من سكونية النص التقليدي، بحيث تقوم الكتابة الروائية فيه بالأساس على هاجس البحث، توقا إلى تحقيق المغايرة من خلال أسئلة تستهدف المتن والأبنية والأنساق لغة وخطابا >[3].

إن هاجس التجديد الذي برر به الناقد ركوب الروائيين موجة التجريب تحقق منه التحرر من سكونية النص التقليدي، أو الثورة على الأنساق القديمة للسرد، وفتح مجالا لتمازج وتداخل الحدود بين الأجناس، وبهذا طرحت جدلية الرواية والسيرة الذاتية، أو الرواية السيرة ذاتية أو السير- ذاتية، لتزيد الرؤية النقدية تعتيما، وتشق من جهة أخرى مخرجا من مأزق الانحسار في النوع الواحد، ليتحول الأمر إلى نوع من المراوغة التي يتخذها الروائي سبيلا استدراجيا يخاطب به قارئه، وفي المقابل يستمرئ هذا القارئ هذه المراوغة في شد وجذب، وفي تلقٍّ شغوف يرضي به فضولا، ويبرر به مستمسكا له على الروائي في نصه، فالعلاقة بين أحداث السيرة الذاتية للروائي وأحداث روايته ظلت < من أكثر وأشد المناطق التشكيلية الأجناسية التباسا في تلقي هذا الفن الغزير على مستوى إنتاجه وتداوله، فالكثير من الدارسين والنقاد والمشتغلين في حقل السرد يعتقد أن سيرة الروائي لابد أن تدخل في عمله الروائي باشكال وسبل ورؤى وفضاءات مختلفة ومتباينة؛ إذ ليس بوسعه وهو يصوغ عالما روائيا مفتوحا من الأزمنة والأمكنة والأحداث والشخصيات والمواقف والمشاهد واللقطات، أن يتجاوز تجربته السير ذاتية، ويكتب كل ذلك من خارج ذاته ورؤيته وحياته وموقفه الذاتي الشخصي من العالم والأشياء. وقد اعترف الكثير من كتاب الرواية - إن لم أقل كلهم – بحضور شذرات ونتف وأصداء ومواقف ولمحات وتجليات من سيرهم الذاتية في صلب أعمالهم الروائية المختلفة، لا بل إن بعضهم تجاوز هذا المدى قائلا بأن مجمل رواياته ليست سوى سيرته الذاتية بأسلوب روائي يتردد بين الواقعي والمتخيل >.[4]

ولعل هذا الاندغام والاندماج بين الروائي ورواياته هو ما برر تصنيف الناقد "عبد الله إبراهيم" لهذا النوع من السرد ضمن أدب الاعتراف، بل قرنه بالهوية < سواء أكانت هوية فردية أو جماعية، فلا يمكن انتزاع الكاتب من الحاضنة الاجتماعية والثقافية التي يشتبك بها؛ ذلك أن أدبه يقوم بمهمة تمثيلها، وبيان موقعه فيها، فلا يطرح موضوع الهوية في السرد والاعتراف بها، إلا على خلفية مركبة من الأسئلة الشخصية والجماعية، وتبادل المواقع فيما بينهما؛ فالكاتب منبثق من سياق ثقافي، وتجد الإشكاليات المثارة كافة في مجتمعه درجة من الحضور في مدونته السردية >.[5] وأرجع ذلك إلى نشأة < الرواية العربية الحديثة في محضن التجارب الذاتية، سواء أكانت تلك التجارب وقائع وأحداثا أم سيرا وتاريخا شخصيا أم تأملات ومواقف فكرية، ومن الطبيعي أن تدمج هذه المعطيات لحظة التشكيل السردي بالتخيل الروائي الذي هو شرط لازم لأي إنشاء يندرج ضمن هذا النوع >.[6]

إن هذه الاستراتيجية في الكتابة إلى جانب ما تعكسه من جانب ثقافي دنيوي يتعلق بديناميات القوة والرغبة، والقدرة على الحكي، يعبّر عن رغبة الفرد في الحرية والتحرر من كافة أشكال القمع والتسلط، سواء كانت ذات مرجعية ثقافية أو دينية أو سياسية أو تراثية.[7] وفي هذا السياق يأتي رأي الروائي "بشير مفتي"، في اصطفاف صريح مع فكرة اندماج الروائي والمروي، فحسبه < لا يستطيع الأدب أن يكون خارج سياقه التاريخي، فهو يعيش ضمن هذا السياق، ويكتب في هذا الأفق. ورغم أن مشاريع وتطلعات الكتاب تختلف طبعا بين ما يريدونه لأدبهم وبين ما يكتبونه بالفعل، نتاج هذا المناخ والظروف التي تنتج نوعية معينة من الكتابة، فإن الكاتب إنسان قبل كل شئ، ولا يمكنه إلا أن يكون عضوا في شرطه الإنساني الذي يجمعه بغيره ليبقى السؤال المطروح: هل نضحي بالجمالية لصالح الموضوع؟ وهو السؤال الذي يعيدنا لفكرة الفرق بين الالتزام والإلزام، وما كان يفعله ذلك في تخريب مستوى النصوص أحيانا من أجل الرسالة التي يجب توصيلها >.[8] يفتح هذا السؤال الأخير: هل نضحي بالجمالية لصالح الموضوع؟ جدل الإستطيقي والثقافي أو القدرة على الحكي، الذي < تؤكده التشكلات النصية وجدليات العلاقة بين هذين المستويين، عبر تشابك البؤر والمسارات والاستراتيجيات، والتي تبني القراءة الدينامية استراتيجيتها في تفاوض هذين المسارين وتجاذباتهما، بقدر ما تستكشف جماليات السرد وآلياته السردية، فإنها تفتح عالم الحكاية على فضاءات نصية تأويلية أوسع، تسمح لها بتفكيك بؤر إنتاج المعنى و زحزحة مراكز إنتاج الصور والتمثيلات، باستكشاف مضمراتها الثقافية الإيديولوجية المبثوثة بشكل واعي أو لاواعي، حيث يتم استحضار سياقات الهوية واشتباكات المتخيل والقوة، وتفاوضات الذات والسلطة >.[9] ولعل الانفتاح على النص تأويلا يرفقه بما يتصوره القارئ مداخل وعناوين، بل تسميات تمليها رؤيته التفكيكية لبنياته ومغاليقه، مع ما يترصده من محاذير مصطلحية قد تفتح أفق القراءة وينبس بها النص عن معنى، وقد تستغلق وتنغلق على دلالات كثيرة لا يسعفها هذا الاسم أو ذاك.

ورواية "دمية النار" للروائي الجزائري "بشير مفتي" من هذا النوع الذي لم يتوقف الجدل الذي أثارته عند عتبة النوع السردي، بل قفزت إلى الاستغراق الطبقي للدلالات؛ ما استحث بعض الأقلام النقدية على مراودتها نوعا تخييلا متلونا أو داخلا رؤيويا إيديولوجيا معقدا.

"دمية النار" بين التغريب والإيهام والتمويه:

ارتبط التغريب أو الإيهام الذي بنى "بشير مفتي" عليه روايته في نظر الناقد "ممدوح فراج النابي"؛ بحرصه على أن لا يقدم نصا مجانيا يسهل تصنيفه، فأوهم قارئه بأن النص خارج عن التصنيف السير ذاتي، بتقديمه لشخصيته البطلة "رضا شاوش" بنوع من الغموض، وبتضمين النص رسالة من هذه الشخصية كتبت بخط مختلف عن باقي أجزاء النص كدليل آخر على عملية الإبعاد.

وبرر هذا التغريب والإيهام – كما يطلق عليه – في إجابة عن تساؤله:

-      ما الدافع من هذا؟

-      هل من الممكن أن نفتنع بأن حذر المؤلف من تجنيس النص بأنه "سير ذاتي" كان هو الدافع؟

ليعود فيجيب بأن الكاتب لا تعنيه مثل هذه الأمور وإن كان حريصا بأن لا يوصف بمثل هذا الوصف...[10] يقول: < أعتقد أننا أمام مؤلف يعي ما يكتب جيدا، رغم ما اثاره نصه من جدل عنيف، ... >[11]، ليخلص إلى أن الكاتب ينتهج شكلا جديدا هو شكل الرواية داخل الرواية من وجهة نظره، لأنه يجد أن النص بمثابة فضح لسلطة سياسية مازال بعض رجالها مستمرين في مواقعهم، لذا أراد أن يبتعد عن المساءلة القانونية بنسبة هذه الحقائق إلى شخص مجهول، فيمرر ما يريد تمريره، ...، ولأنه - وهذا الأهم – يريد تثبيت ما روي على لسان رضا كحقائق لا مجرد خيال مبالغ فيه ، فلربما ظنَّ البعضُ لو جاءت في صيغة رواية خَيالية أن بها من المبالغات، خاصة أن هذه الفترة التي تتخذ منها الرِّواية إطارًا مرجعيًا، كَتَبَ عنها كثير من الروائيين أدبًا رومانسيًا، وبهذه الصدمة المقصودة أراد الكاتب أن يزيل الغشاوة التي وُضِعَتْ على العيون بفضل كُتَّاب السُّلْطة، وأجهزتها الأيديولوجية المختلفة.[12]

في المبررين الأول والثاني، يمثل هاجس السلطة سببا في هذا التلون السردي، بين الرواية والسيرة الذاتية في "دمية النار".

وغير بعيد عن هذه الجدلية، توقف الناقد "محمد معتصم" في كتابه: (المتخيل المختلف، دراسات تأويلية في الرواية العربية المعاصرة ) أمام الصيغة السردية لهذه الرواية التي اختارت  < طريقة (صيغة سردية) في سرد محتوياتها مثيرة للسؤال؛ بمعنى أنها توقع القارئ/ الناقد في حيرة، هل هو أمام رواية "رواية" أم "سيرة ذاتية" >.[13] لكنه يعود فيتخلص من هذا السؤال؛ بعدِّه سؤالا ملتبسا بالتباس الوعي وثقافة المرحلة، وأن المرحلة لم تعد تقبل بـ "صفاء الأنواع الأدبية" عموما و"السردية" خصوصا، مبررا هذا الحكم بان التداخل وانسجام غير المنسجم إمكانية جمالية وأسلوب من الأساليب التي تقترحها الذائقة السردية للتغلب على التقييد والتعبير عن الواقع الخارجي، وعن وعي ونفسية الكاتب.

وتحت مسمى التمويه يعود فيبرر العلاقة بين "الروائي" مقدم المخطوطة "المتن السردي" المحايد، وبين "رضا شاوش" صاحب المخطوطة "السارد والشخصية الرئيسية"، ليركب بين نوعين: الرواية والسيرة الذاتية[14]: < "دمية النار" رواية – سيرة ذاتية (Roman-autobiographique) تروي القلق الوجودي لشخصية "رضا شاوش" ومساراتها ومحطات تحولها، إنها كذلك رواية تكون الشخصية، لكنها في الآن ذاته شهادة اعتراف على مرحلة تاريخية، وكشف أسرار تدبير شؤون حياة وطن ومواطنين من قبل جماعة متحكمة في الخفاء>.[15] في ضوء هذا المفهوم نسج "محمد معتصم" تصوره لعلاقة المتخيل والسلطة سرديا في هذه الرواية، فأسماه: ( المتخيل المختلف).

المصطلح نفسه؛ أي التمويه، أو لعبة التمويه، يطلقه الناقد "محمد بوعزة" في كتابه: (سرديات ثقافية، من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف)، على تجاوز الازدواج الحكائي   - الذي يشكل على صعيد التركيب استراتيجية سردية تتضمن تفكيك الخطاب السردي إلى حكايتين، حكاية الروائي/ الكاتب مع المخطوط، وحكاية "رضا شاوش" صاحب المخطوط – لوظيفة الانعكاس المرآوي ليدشن صيرورة التقاطعات والتمفصلات بين الحكايتين. كالتقاطع بين السيرة الغيرية والسيرة الذاتية، في حديث الروائي عن بطله وعن نفسه في معرض حديثه عن ظروف تعرفه إليه وانشداده نحو غموضه.

هنا تنتهك الحدود القائمة بن نسق السيرة الذاتية ونسق التخييل الروائي، فتتوزع لعبة السرد على الاستراتيجيات المتداخلة بينهما، حيث يتقاطع التخييل والسيرة، الذاكرة والسرد، الماضي والحاضر، ليولدا صورا مركبة من الهوية والكينونة، من التاريخ والوجود، مؤطرة وفق قانون الازدواج.[16]

من هذا، ينفلت مصطلح التمويه من التركيبية المتمازجة للرواية والسيرة الذاتية عند "محمد معتصم"، إلى تجاوزية تقاطعية لهذا التمازج والازدواج عند "محمد بوعزة"، تنتهك في سيرورتها حدود النسقين (السير ذاتي والتخييلي الروائي)، ليخلق مركبات ثنائية يتنامى في إطارها النسيج المضموني للرواية، في تشعب معقد تناسلت منه محاور معالجة الناقدَين لها، واختلاف رؤيتهما التأويلية المتقاطعة- المتوازية.  

  1. المتخيل المختلف في رواية "دمية النار":

يحيل مسمى (المتخيل المختلف) في معناه العام إلى ما تحاشت الرواية العربية كتابته وأقصته لاختلافه عن السائد في الرواية والأدب المرتبطين بالقيم العليا؛ ولأن رواية "دمية النار" لا تدخل ضمن التصنيف الروائي السابق، فهي (متخيل مختلف) ينتمي إلى الرواية التي تحمل وعي المرحلة ولا تهمل الواقع المتردي والفئات الهامشية، وتركز على كشف المعتم من الواقع والمغيّب في الخطاب الروائي العربي المؤسس.

يأتي تصنيف "محمد معتصم" لهذه الرواية ضمن (المتخيل المختلف) ترجمة للعنوان الذي وضعه لقراءته لها من البداية: ( متخيل الظل: الحقيقة بين الشيطان والسلطان):

-   السلطان: علاقة الظل، الخفاء، الأيدي الخفية، المتحكمة في زمام السياسة والاقتصاد والمال، المسؤولة عن كل الويلات التي يعاني منها الإنسان المقهور البسيط الذي يقبع أسفل السلم الاجتماعي. وصف علاقة السلطة بالأحزاب، أو صراع الأحزاب فيما بينها، أو بين الفئة المتحكمة والمتحكم فيها.[17]

وهذا النوع من الموضوعات ظل إلى وقت قريب من الموضوعات المحرمة التي ينبغي تجنب الكتابة فيها.

-   الشيطان: أهم مظهر للمتخيل المختلف هو التحول الشيطاني، انزلاق الشخصية الرئيسية نحو الهاوية، فقدان الذات، فقدان الروح وبيعها (للشيطان/ للسلطان) في صراع داخلي عززه الشعور بالتفاهة والتقزم أمام الكبار، وفقدان قيمة الذات أمام النفس، وقتل الثقة في الآخرين، صعودا إلى أعلى قمة الانهيار والانحدار والتفسخ على مستوى الشخصية، ليبرز ذلك في الاغتصاب والابتزاز والقتل،...

لقد تأوَّل "محمد معتصم" المتخيل المختلف في "الرواية – السيرة ذاتية" في صورة الانتقال العبثي من الظل إلى العزلة، ذلك التحول – الانحدار من الإنسان إلى الشبح، المسخ أو اللاشئ.[18] تحول يمليه الصراع الخفي- الظاهر مع السلطة، ليتلاشى في عمق ما كان يهرب منه ويحاربه. وكأنه بهذا يعزّز فكرة لاانهزامية هذا الواقع المتردي، وهذه السلطة أو السلطان، ليغرق في عدمية معتمة.

  1. "دمية النار" بين الكاوسية وانتهاك المحظور:

غير بعيد عن صورة التحول العبثي والانهيار، تأتي قراءة الناقد "محمد بوعزة" موغلة في التحليل، مغرقة في التأويل بالمقابلات في دراسته التي عنونها بـ: (تشريح السلطة: تجاذبات القوة والتخييل في "دمية النار")،فما أجمله "محمد معتصم" في مسمى (المتخيل المختلف)، فصَّله "محمد بوعزة" في مسميين اثنين التفت حولهما قراءته التأويلية للرواية، وهما: العماء أو الكاوس، وانتهاك المحظور.

الكاوس باعتباره مظهرا لاخطيا يقارب ويسعف في فهم بعض تحولات الخطاب وتقلباته التي تبدو منتهكة لشروط المنطق الصوري (الانسجام، عدم التناقض، الموضوعية)، < فإذا كان المنظور الابستيمولوجي يفيد في تحليل مكونات الخطاب ورصد تشكلاته البنيوية الداخلية، وقواعد انتظامه الصورية المنطقية استنادا إلى مرجعية محددة(منهج أو علم أو نظرية)، فإن هذا المنظور الوضعي المأخوذ بإغراء الانتظام الذي اعتمده الباحث لا يسعف في فهم بعض تحولاته وتقلباته التي تبدو منتهكة لشروط المنطق الصوري (الانسجام، عدم التناقض، الموضوعية) والتي ترتبط بصيرورة تشكله، باعتباره خطابا في بداية التأسيس، لذلك لابد من مراعاة هذا الجانب التكويني في التحليل.في هذا المسار الدينامي الخاص بصيرورة الخطاب تبدو نظرية الكاوس (العماء) ملائمة لمقاربة الظواهر اللاخطية، والتي تبدو ملتبسة ومشوشة لوحدة النسق، مثل التحول والازدواج وتداخل المرجعيات وانتهاك حدود الأنساق. ويبين لنا تاريخ المعرفة دور الظواهر الشاذة والمفارقات العرضية والانقطاعات في التقدم العلمي وفي الانتقال من إبدال قديم إلى إبدال جديد >.[19]

وهو في الرواية - الكاوس- يساوي فقدان الشخصية البطلة لبصيرتها، تخبطها في عماء تدحرج بها خارج مركز طموحها، تطلعها، وحتى ما كانت عليه، نحو مجهول انحرف بها عن كينونتها، مثاليتها، رومانسيتها، ليحولها إلى مسخ، وحش، قاتل مأجور، ...

إن الرواية بثيمتها السياسية (تشريح السلطة) تنوع فيها سردان:

-      سرد السلطة: التاريخ الأحادي / الرواية الرسمية الأحادية للتاريخ، للحدث (الثورة)، التاريخ الحقيقي، تاريخ الأمة...

-   سرد الرواية: أو دور التخييل الروائي في كتابة التواريخ المنسية، وتشخيص الأصوات المقموعة، سرد انبثاقي، انتهاكي، تشكيكي، تفكيكي لخطاب السلطة، يجلي الأوهام، ويكشف الجانب المظلم والمسكوت عنه، متجاوزا الرؤية الرومانسية المزيفة.

هذا الصراع بين الذات (رضا شاوش): بكل ما تحيل إليه من خير ونور ونظام في تكوينها الأول، وبين المؤسسة (السلطة): الشر، الظلام، الكاوس، حول الواقع إلى كوابيس مدمرة للذات، ولد هذا التجاذب بين التخييل والقوة، استعار له الروائي نموذجا "كافكاويا" ثيمة للتحول، السقوط في العماء، انسحقت تحته هذه الذات، لتمارس تحولها العدمي؛ تحول النموذج الإنساني بوصفه تحولا مكونا وتشييديا وحافزا للحكي، في صعود نحو السقوط، وارتقاء في مراتب الجهاز السلطوي، يواكبه سقوط وتشرد شيطاني في المجهول.

خلاصة:

إن بنية رواية "دمية النار" في تداخلها وتقاطعها وازدواجيتها وانعكاسها، وحَّد الرؤية التأويلية التي تناولتها، وإن انطلق كل ناقد من منظور مختلف؛ خارجي أو داخلي، فمنظور "المتخيل المختلف"، الذي عنون به "محمد معتصم" قراءته لها، وتحديدا متخيل الظل بين الشيطان والإنسان، انطلق خارجيا من توصيف الظاهرة النصية – البنائية دخولا إلى مضانّ الرواية وأعماقها في قراءة تفكيكية شطرت النص إلى قطبين؛ قطب سلطوي (سلطان)، وقطب تخييلي متحول (شيطان)، وهي القطبية التي انطلق منها "محمد بوعزة" كذلك، في قراءة تأويلية داخلية/ داخلية، شرَّح فيها كاوس/ عماء التحول الذي قاده الانتهاك؛ انتهاك العلاقة بين محظورات السياسة والسلطة والاندماج فيها، والانتهاك الذي مارسه المتحول في ظلها. فحضور الانتهاك النصي هو ممارسة مادية لانتهاكية المضامين والرؤية.  



محمود الضبع، المتخيل السردي وأسئلة ما بعد الحداثة في السرد العربي المعاصر، كتاب: السرد وأسئلة الكينونة، بحوث مؤتمر

عمان الأول للسرد، جمع وإعداد: حاتم بن التهامي الفنطاسي، كتاب دبي الثقافية، يصدر عن مجلة دبي الثقافية، ط1، فبراير 2013، ص: 212.

رضا بن صالح، التجريب في الرواية التونسية، منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص، تونس، دط، 2013، ص ص: 18، 19.

عبد القادر بن سالم، بنية الحكاية في النص الروائي المغاربي الجديد، منشورات دار الأمان، الرباط، الاختلاف، الجزائر، ضفاف، بيروت، ط1، 2013، ص: 37.

محمد صابر عبيد، التشكيل السردي، المصطلح والإجراء، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، العراق، دط، 2011، ص: 109.

عبد الله إبراهيم، السرد، والاعتراف، والهوية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لبنان، ط1، 2011، ص:05.

نفسه، ص: 179.

ينظر: نور الدين علوش، حوار مع الأكاديمي المغربي الدكتور محمد بوعزة، الحوار المتمدن، ع3868، 02/ 10/ 2012.

بشير مفتي، سيرة طائر الليل، نصوص، شهادات، أسئلة، منشورات الاختلاف، الجزائر، ضفاف، بيروت، ط1، 2013، ص ص: 91، 92.

نور الدين علوش، حوار مع الأكاديمي المغربي الدكتور محمد بوعزة، الحوار المتمدن، ع3868، 02/ 10/ 2012.

ينظر: ممدوح فراج النابي، الرِّوَايَّة العَرَبيَّة وتفكيك أيديولوجيا السُّلْطَة، بشير مفتي وتعرية الوجه القبيح للسلطة في"دمية النار".

نفسه.

نفسه.

محمد معتصم، المتخيل المختلف، دراسات تأويلية في الرواية العربية المعاصرة، منشورات دار الأمان، الرباط، الاختلاف، الجزائر، ضفاف، بيروت، ط1، 2014، ص: 191.

ينظر: نفسه، ص ص: 191،192.

نفسه، ص: 192.

ينظر: محمد بوعزة، سرديات ثقافية، من سياسات الهوية إلى سياسات الاختلاف ، منشورات دار الأمان، الرباط، الاختلاف، الجزائر، ضفاف، بيروت، ط1، 2014، ص ص: 68، 69.

نفسه ص: 201.

نفسه ص ص: 194، 195.

نور الدين علوش، حوار مع الأكاديمي المغربي الدكتور محمد بوعزة، الحوار المتمدن، ع3868، 02/ 10/ 2012.