القراءة الشعرية وتجلياتها في القراءات النقديةpdf

لدى عبد الملك مرتاض

                                                                 

قرقوى بدرة    

جامعة جيلالي ليابس-سيدي بلعباس (الجزائر)

ملخص:

تعتبر النظرية الشعرية الوافدة من الفكر النقدي الغربي والمتأصلة كمفهوم في الفكر النقدي العربي من أهم القراءات النقدية كونها تبحث في مكامن الجمال، وتغوص في أعماق النص الإبداعي بحثا عن فرادة الحدث الأدبي لتصنع من الإبداع تمثال خالدا نرجع إليه كلما بحثنا عن الجمال في الأدب.

وقد استعمل الناقد الجزائري عبد الملك مرتاض هذه النظرية في تحليلاته للنصوص الأدبية، نخص بالذكر (ألف-ياء) تحليل مركب لقصيدة "أين ليلاي" لمحمد العيد آل خليفة، فحاول في هذا التحليل التقرب من النص الشعري والبحث في أسطره وما بينها ليستنتج ما يميز هذا النص عن غيره من النصوص الشعرية في رحلة بحث عن مواطن الجمال الأدبي.

Résumé :

La théorie poétique preneuse de la pensé critique d’Ouest, et qui est déterminé comme une compréhension dans la pensé critique d’Arabe se considéré la plus importante dans la lecture critique, car elle cherche la beauté raffiné et se pénètre au profond du texte créative cherchant une lecture sur l’événement littéraire afin de construire un statut vivant, ou le revient quand on s’efforce de trouver une beauté dans la littérature.

Donc, le critique Algérien Abdelmalek Morthade a utilisé cette théorie pour analyser les textes littéraires comme : (un mille-y), l’analyse compliquée du poème ou est ma nuit) de Mohamed El Aid El Khalifa, il a essayé dans cette analyse d’approcher le texte poétique et de chercher dans cette ligne pour se conclure tous ce qui détermine (caractérise) ce texte d’autres poétiques textes dans un voyage à la recherche des lieux de la beauté littéraire.

لقد تزايد الإهتمام بالنص الأدبي الإبداعي وفق المناهج النقدية المعاصرة، التي حاولت علمنة الخطاب النقدي وتعميق مفهومه، بغية التخلص من غثاتة الخطاب النقدي العادي بعد أن وجدت حقل اللغة، الميدان الخصب من أجل ذلك، وهذا انطلاقا من استنطاق حفريات النص الضاربة في جذور كلماته. ومن هذه المناهج نذكر القراءة الشعرية.

تعريف الشعرية:

لغة: الشعرية اسم مشتق من كلمة "شعر" وقد أضيفت إليها اللاحقة لإضفاء الصفة العلمية، تماما كما لو يقال: علم الشعر، وذلك جريانا على نحو الأسلوبية، والألسنية، والأدبية.[1]

إصطلاحا:مفهوم الشعرية نابع من الشعر، وكامن فيه عبر التاريخ، حيث تعود أصول تواجد هذا المفهوم إلى كتاب الشعر لأرسطو، الذي اعتمد نظرية المحاكاة كأساس نظري لشعريته.

أما عن مفهومها في الطرح الحداثي الغربي، فقد عرفها الكثير من المنظرين حيث عرف "ياكبسون "الشعريات" بكونها دراسة لسانية للوظيفة الشعرية في سياق الرسائل اللفظية عموما. وفي الشعر على وجه الخصوص" .[2]

عبد المالك مرتاض والقراءة الشعرية و تطبيقاتها:

إن طريقة تعامل الناقد مع الظاهرة الأدبية هي التي تحدد المنهج النقدي الذي « يعتمد أساسا على نظرية ذات أبعاد فلسفية وفكرية ويشترط في المنهج أن يحدد أدواته الإجرائية بدقة ووضوح ليتمكن من تحليل الظاهرة المدروسة»[3]، وقد تطورت المناهج النقدية في الوطن العربي مسايرة للحداثة الغربية، فواكب النقاد العرب المحدثون الاتجاهات الحديثة (الرومنسي والتاريخي والنفسي والاجتماعي)، ثم انتقلوا إلى الاتجاه النقدي المعاصر الذي ينطوي تحت الدراسات اللسانية والأسلوبية والبنيوية والسيميائية التي تعمل على الكشف عن مكامن الأدبية في النصوص والبحث عن شعريتها وهي تسعى كاتجاهات نقدية معاصرة إلى « تأسيس المعرفة الإنسانية، والتأصيل للمناهج المحدثة، وإخصاب النظريات البلاغية القديمة، وجعلها تتماشى مع العصر تعتمد اللغة كعنصر قار في العلم والمعرفة»[4].

وفي ظل هذه المستجدات ظهرت حركة نقدية تدعو إلى ضرورة مواكبة التطور الحاصل في الغرب، وتمثلت في مجموعة من الباحثين في مجال الدرس اللساني، والتحليل السيميائي للبحث في أغوار النصوص لرصد أسباب بقائها خالدة حيث يعد الدكتور ''عبد المالك مرتاض'' من أبرز النقاد العرب والمغاربة المعاصرين الذين تواصلوا مع المناهج النقدية الحديثة.

ألف – ياء تحليل مركب لقصيدة ( أين ليلاي) لمحمد العيد:

إن نموذج ألف – ياء الشعري يعود للمرحلة الاستعمارية، ويهدف إلى إعادة الكتابة الشعرية الجزائرية وفق منظور خاص للكتابة والواقع، وقد جاء هذا النص ليصب في مجرى أدبي ثقافي جديد فيه التبلور أهم ما يميزه في كونه يرمي إلى التجاوز بما حمل من دلالات على مستوى الرؤية والوعي والممارسة إذ أن لهذه التجربة طابعا لا يخلو من إثارة الانتباه مقارنة بالنتاجات الشعرية الأخرى.

إن مرتاض من بين هؤلاء النقاد الذين لفتت أنظارهم، هذه القصيدة بدراسة نقدية موسومة بـ ( ألف – ياء تحليل مركب لقصيدة أين ليلاي) والملاحظ بداية أنه وضع '' أ- ي'' كعنوان رئيسي معللا سبب اختياره لهذين الحرفين، ثم يتبعه بعنوان فرعي ينفي عنه أحادية المنهج، معتمدا التركيب الإجرائي، وهذا ما يؤكد لنا أن الباحث على وعي كبير بهذا المسعى، هذا الأخير الذي تصدر عنه قراءاته للخطاب الشعري، محاولا التقرب من النص، وسبر أغواره، والبحث عن كوامنه.

إن أول ما يلفت الانتباه في هذا المتن المختار أنه افتتحه بالدفاع عن الأدب الجزائري، ردا على كل من يحتقره، مدعما أقواله بالحجة المقنعة مصرحا بقوله: كلما قرأت الأدب الجزائري ازددت له حبا، كما تظهر طبيعة هذه العلاقة من خلال اختياره لنص أين ليلاي المحمل باصطناع الرمز وتفوقه في ذلك، باعتماده الإجراء المستوياتي.

  1. مستوى البنية في شعر محمد العيد آل خليفة:

عرج الباحث إلى وصف طبيعة البنية الشعرية في شعر محمد العيد آل خليفة، الذي التزم بالموضوعات الهادفة اجتماعيا، دينيا، وسياسيا، وكتب موضوعات تأملية، وقد اقتحم مرتاض عالمه الشعري مركزا على قصيدته العيدية، بغية الكشف عن خفايا وكوامن النص الأدبي، متوصلا أن الشاعر ظل ثابتا في مساره الشعري.

استعان الباحث بالإجراء الإحصائي لعد معدل أبيات القصيدة العيدية، كما تحدث عن الإيقاع مقرنا إياه بالتفعيلة، مسجلا نسبا مئوية تمثل مائة وعشرين قصيدة، غير أن إحصاءه لا يعطي صورة دقيقة عن النتائج التي توصل إليها الباحث، لأنه لم يتناول كل نصوص الديوان، بل أشار إلى بعض الإيقاعات الطاغية في شعر محمد العيد آل خليفة، ربط الباحث اختيار الشاعر للإيقاع بحالته النفسية، وما يزدحم في نفسه من حرقة وألم، هذا الأمر الذي عكسته أدوات النداء وبيئتها الصوتية، ودورها الإيقاعي في النص الشعري، مستخلصا أن أطول القصائد العيدية نفسا هي التي برزت في إيقاع ( متفاعلن فعولن ومفاعلتن) وتوابعها.

اعتمد الباحث على التفعيلة، التي تعد وحدة مجردة أي صيغة أو قالبا تصب فيه الكلمات، لتخضع إلى نظام موسيقي مخصوص، وتعرف أثناء تقطيع البيت الشعري، فتأخذ بذلك التفعيلة طابعا تجريديا، تتحقق وظيفتها من طبيعة تشكيلها في نظام صوتي يحقق للنص عده الشعري، مع تضافر عناصر أخرى تسهم في البناء الصوتي، ما يؤدي بالشاعر إلى اختيار الشكل الإيقاعي بما يناسب طبيعة الموضوع.

إن حديث '' مرتاض'' حول التفعيلة في إطار التعميم، ولم يتطرق للأصوات والمقاطع والكلمات التي صيغت وفق عدة تفعيلات ذات الخصوصية الإيقاعية، لكن هذا لا حكم عليه نظرا لكثرة القصائد، كما أن عملية الإحصاء لمجموع إيقاعات القصائد لا يكون بصورة علمية دقيقة بل بصفة تقريبية على عكس التركيز على نص واحد فتأتي النتائج دقيقة.

يتضح أن مرتاض قام بدراسة غير سهلة، فمن العسير تتبع حوالي مائة وعشرين قصيدة إيقاعيا وصوتيا.

يخلص الباحث أن البنية في شعره تقليدية تقوم على جملة من الأصول المألوفة في تقاليد بنية القصيدة العمودية، لا تكاد تحيد عنها مصرحا بقوله: « وكذلك نلفي بنية القصيدة لدى محمد العيد آل خليفة شبيهة بنية القصيدة العمودية، واستمرارا لها، فمن طول النفس يجب أن يطول إلى قصره حيث يجب أن يقصر، ومن اصطناع الإيقاعات الفخمة الشهيرة لهذا النفس الشعري الطويل، إلى اختيار الروايات المألوفة في عيون الشعر العربي، إذ تعد استمرارية للقصيدة العربية الأصيلة.

-      بنية اللغة في نص أين ليلاي:

ينتقل الباحث من التعميم إلى التخصيص، من قصائد الديوان إلى قصيدة أين ليلاي، هذه الأخيرة التي لا تختلف عن سابقتها كما يقر '' عبد المالك مرتاض''.

يحاول الباحث بداية وضع النص في سياقه الذي يندرج فيه، محددا خصوصياته شكلا ومضمونا وتقنيا، باعتمادها الوجهة الدائرية إذ تنتهي بمثل ما تبتدئ به، مما أضفى على النص وعي فني بالحداثة.

يسجل أيضا أن هذا النص تحكمه بنيتان: بنية تطلعية وبنية قهرية، فالأولى تتجسد في قول الشاعر:

أين ليلاي أينها

لم يجبني هل قضت دين من قضى من المحبين دينها؟

كم تساءلت سالكا          أنهي ما حوينها سوى الصدى       أين ليلاي، أينها؟

أما الثانية تجسدت في قوله:

حيل بيني وبينها.

روعتني ببينها.

مذ تبينت مينها.

لم تصل                              مهجات فدينها.

وقلوبا علقتها.

وعيونا بكينها.[5]

والصراع بين البنيتين يمثل موضوع النص، والبحث عن ليلى يمثل قمة هذا الصراع.

إن تحليل الباحث لدلالة رمز ليلى ينم عن قدرة خارقة في التأويل والتفسير، فليلى الشاعر رمز مفقود، موجود في الوقت ذاته وقد حصرها في ثلاث علاقات:

-            الموضوع كان موجودا في الماضي.

-            علاقة الحب والجمال والفقدان معا.

العلاقة الماثلة في مقابلة العلاقة الفاعلة (علاقة مضادة ومحايدة طول آخر)، وتمثل عنصري الحرمان والفقدان توصل الباحث إلى أن النص تحكمه شبكة من العلاقات والمعطيات والقيم فتحدث عن العلاقات البنيوية، والأسلوبية والوظيفية، وتتبع الشخصية الشعرية على حسب بروزها عند الشاعر، من خلال التركيز على المقاطع السردية التي تضمنها النص الشعري، وهذا ما يؤكد تحرر الباحث من أسر الدراسات التقليدية، التي عني بها النقد العربي ردحا من الزمن أي الاهتمام بالمبدع كما حاول الباحث تفكيك طبيعة البنية اللغوية في نص '' أين ليلاي'' مصرحا أن « الشاعر لم يعمد إلى اصطناع مفردات لغوية، متقعرة، ولا تفيهق التركيب، وألغز في البناء، ولكنه اصطنع ألفاظا بسيطة مفهومة لدى عام المتلقين المستنيرين، بيد أنه أحسن بناءها، وأتقن تركيبها، وأجاد في توظيفها»[6].

وحسب الباحث فقد تحقق للنص حسن البناء والتركيب المتقن، الإجادة في النسق والتوظيف، فهو يحاول تأكيد حقيقة واحدة هي أن النص مرصع بالمسحة الفنية الشاعرية، والجمال في النسج والأناقة في الحبك، والنضارة في التعبير، والسهولة في فهم البنية ( عادية، قريبة من المتلقين) متخذة رداء الأدبية الشفاف.

يعرج الباحث إلى تقصي دلالة المادة اللغوية، مستعرضا المواد المعجمية الجامدة الدلالة (ليلى، الحيلولة، البين، المحبوب، القلب، ...)، ويرى أن كل مفرد يمكن أن تنصرف إلى دلالات كثيرة جديدة، تسلك مسلكا رمزيا يغتدي نشاطا للتأويل المنفتح، كقصة ليلى ودلالتها في التراث، ليلى بين الأسطورة والتاريخ، ويتفوق الباحث للدلالة الأسطورية.

يستخلص الباحث أن بنية هذا النص تعكس بنية التاريخ، وبنية التاريخ تعكس بنية الزمن نفسه، ففي السنة التي نظم فيها الشاعر نص '' أين ليلاي'' كانت حال الشعب الجزائري من حال هذا النص، وتعني هذه البنية أن النص كان يتخلله اليأس أكثر من التفاؤل.

استقصى الباحث على نوع البنية الإفرادية في مطلع الوحدات، فيراها قائمة على خمسة أسماء وخمس أفعال وثلاث حروف، مستخلصا في الأخير طغيان الاسمية على الفعلية، مما عكس كثرة الثوابت وقلة المتحركات، وهذا ما يضفي صفة اليأس على النص، مستخلصا أن بنية النص اللغوية لا تنفصل عن المضمون، وإنما هي متصلة به حامدة له.

يصل الناقد في تحليل البنية اللغوية للنص، إلى تبيان المعجم الفني للغة داخل النص، مصنفا إياه في محورين:

  1. الحب والعشق والصبابة وما في حكمها ( القلب، ليلى، التعلق، عشق، ...).
  2. البين والعذاب وما في حكمهما ( البين ، الحيلولة، الترويع، ...).

استعان الباحث بالإجراء الإحصائي لتبيان البنية اللغوية، وأعطى التفوق للفظ '' ليلى'' الذي ورد 22 مرة، وقد استبعد عنها المضمون التقليدي، وهي تمثل صلب المعجم الفني ويعتبرها الباحث الأساس الذي بني عليه النص، وهذا فعلا ما يتماشى مع الصورة التي تفوق الشاعر في نسجها.

  1. مستوى الحيز الشعري:

وقد عرفه كمقابل لـ La pocéméque، كما حصره في معاني المصطلحات الآتية (الفضاء، المكان، المجال والحيز)، واعتمد الباحث الحيز نظرا لدلالته الواسعة، مقسما إياه داخل النص إلى خمس أنماط:

الحيز التائه

الحيز الممنوع

الحيز المتحرك

الحيز القاصر عن الاحتواء

الحي الحالم

أين ليلاي؟ أينها

حيل بيني وبينهما، ما لليلى لم تصل، مهجات فدينها، لن ترى عينها

عيونا بكينها، يا عيني اذرفي، روعتني بينها، سالكا أنهجا

السموات والأراضي جميعا نفسها أنهجا ما جوينها

وهو حيز عاجز عن احتواء ليلى، أي الأماكن الجغرافية المحسوسة كالسموات والأرض والأنهج.

تعامل الباحث مع حيز النص الشعري بدقة، وهذا ما يعكس قدرته اللغوية واتساعه المعرفي.

قد جنحت لغة الباحث في جملة من فصول بحثه إلى المناجاة، ومحاورة الخطاب المدروس، كقوله: «وإذن فأنت إذا تعلقت بالطيوف اللواتي يحكين ليلى في جمالها وبهائها، فهل يعني ذلك حقا أنك تعلقت بوهم زائل وسراب باطل؟ وما أدراك أن تلك الأطياف التي تتعلق بها عين الحقيقة، بل أكبر من الحقيقة عينها، لأنها هي نفسها ليلى الأسطورة»[7]. وفي هذه المناجاة جملة من الأسئلة التي لا نجد لها جوابا، وحيزا للتيه الذي ميز بين النص والنص، هذا ما دفع الباحث إلى مرادفة الأسئلة وعدم الإجابة النهائية عليها، هنا إنصافا لشعرية النص.

  1. مستوى الزمن الشعري:

ربط الباحث الزمنية بتفكير الناس وحركاتهم وسلوكهم مخالفا بذلك النحويين الذين يعدونها مرتبطة بالفعل فقط، وقد تتبع الباحث بدقة زمن كل مكونات النص اللغوية وأبعادها العشرية، إذ حصره في أربعة أنواع[8]:

الممنوع

اليائس

المربع

الحالم

حيل بيني وبينها

إيه يا عيني أذرفي لن تري عينها

روعتني ببينهما لا رعى الله بينهما

وتعشق زينها فتعلقت بالطيوف اللواتي حكينها

إضافة إلى الزمن التقليدي ( الماضي، المضارع، ...)

  1. المستوى الصوتي:

تناول فيه التركيب الإيقاعي للنص، مصرحا أن أدبية النص تكمن في إيقاعه، مسجلا أن التركيب الصوتي عنصر هام في توضيح جماليات الشعر وتكوين المعنى فهو عنصر أساسي في النص الشعري، وقد حصره في ثلاثة أوجه:

-       الإيقاع التركيبي ( التمس فيه تشابه التجاوز مثل: أي – هل – أصلت، والمقاطع الصوتية المتماثلة).

-       الإيقاع الداخلي ( الكتصريع: علقنها – بكينها).

-       الإيقاع الخارجي.

استطاع الباحث متابعة نص ( أين ليلاي) بقدرة بالغة على التحليل والتفسير والفهم، إذ تمكن من الكشف عن كوامنها، وسبر أغوارها.

الإجراء المعتمد:

استغرق تحليل ثلاثة عشر بيتا 280 صفحة، محللا فيها جميع مكونات الخطاب الشعري، ومحددا الأبعاد، معتمدا الإجراء المستوياتي، فمنهجية الكتاب لا تختلف كثيرا عما اعتمده في مدونته ( بنية الخطاب الشعري)، مصرحا بقوله « وبحكم الإجراء المستوياتي الذي نصطنعه في تحليل النص الأدبي تناولا مجهريا، اضطررنا إلى تناول هذا النص وهو '' أين ليلاي''، يقع في 13 بيتا: من حيث تفكيك المدلول، ومن حيث البنية اللغوية، ومن حيث الحيز الشعري، ومن حيث الزمن الشعري أيضا، ثم من حيث التركيب الإيقاعي وخصائصه عبر هذا النص العجيب فكان لا مناص من تناول كل عنصر من هذه العناصر في مستوى مستقل بذاته»[9]، فدراسة النص عنده تفضي إلى الكشف عن مستوياته، كما اعتمد التصور المنهجي الذي ذكره في بداية المدونة، من خلال مقدمة نظرية حول منهجية التحليل الخالص للنص الأدبي وفق ما يلي:

  1. الحرص على تناول النص مستوياتيا.
  2. مراعاة النص في شموليته دون الفصل بين الدال والمدلول ( الشكل والمضمون) وهذا ما يؤكد انطلاق الباحث من ثنائيات دي. سوسير.
  3. البحث في تشكيل الشبكة المتحكمة في العلاقات الجمالية والبنيوية كعلاقة الدال والمدلول في مستوى الفعل.
  4. لانطلاق من المضمون إلى الشكل أو العكس، دون الإخلال بنظام النص.
  5. رفض الرؤية التقليدية القائمة على إصدار الأحكام، وهو حكم جاءت به البنيوية.
  6. ولوج النص دون رؤية مسبقة أو منهج محدد.
  7. انفتاح النص على عدة دراسات مختلفة بحسب تعدد المدارس والمناهج.
  8. غاية الناقد دراسة أدبية الأدب.
  9. تجنب الحكام الجزافية على الدراسات الحديثة، ولا نطلق صفة الكمال على النص النقدي.
  10. دخول المجالات النقدية والأصول النظرية في تشكيل الحكم.
  11. عدم الخلط بين النظرية النص وبين النظرية التي تدرس هذا النص.[10]

المرجعية المعرفية للباحث:

إن البحث عن الجذور الثقافية لأي أديب أو ناقد عمل يطرح مشكلات منهجية عويصة بوصفها أسرارا بعروقها في كل الاتجاهات، وذلك لا يعني أن الحديث في هذه الجذور.

إذابة المفكر أو الباحث في غيره من الآخرين بقدر ما يهدف إلى إعطاء بعدا أوسع لتلك العناصر التي استقى منها الباحث وإبرازها في صورة شاملة تمنحها قوة الإيحاء والعطاء.[11]

قد استفاد الباحث ن النظريات اللسانية خصوصا النظرية السوسيرية ( باعتبار دي سوسير الأب الروحي للدراسة الحداثية)، كما اعتمد بعض ملامح النظرية البنيوية لدى '' ميشال فوكو'' الذي دعا إلى عدم التقيد بالرؤية المسبقة أو المنهج المحدد، ويظهر جليا في قوله: « نلج عالم النص الأدبي عادة بدون رؤية مسبقة، وربما بدون منهج محدد من قبل»[12]، كما تأثر بأصحاب النقد الجديد ( برفض التقليد)، وإصدار الأحكام الجمالية المرتبطة بالنص المدروس أمثال: '' رولان بارث''، و'' ميشال فوكو''.

يمثل الناقد مصطلح الحيز تمثلا معجميا، مستلهما أفكاره من مصادر أدبية تراثية ومصادر غربية (غريماس)، كما تمثل مسألة الإيقاع: مستفيدا من مصادر معاصرة تمثلت في:

التيارات الغربية ( كالمدرسة الشكلانية، رومان جاكبسون، طومافسكي، جيرو منسطي الذين مثلوا دراسة الإيقاع الشعري وفق المنهج البينوي).

معجم '' ديكرو تودوروف''.

كما عاد الباحث إلى القواميس الغربية العتيقة كمعجم غريماس وكورتيس وتودوروف.

إضافة إلى ما تقدم استفاد الباحث من التراث العربي، مزاوجا في ذلك بين الثقافة العربية والحداثة الغربية.

من خلال ما تقدم نستطيع القول أن القراءة البنيوية الشكلانية تبلورت لدى '' مرتاض'' من خلال مقاربته العمودية للأثر الأدبي، متجاوزا بذلك الشرح والتفسير، الذي ظل سائدا في المناهج التقليدية، منصرفا إلى الملاحظة الدقيقة، هذه الملاحظة التي انصبت على مستويات التحليل، مركزا على البنية الإفرادية والتركيبية، وعلى الزمن والحيز ورسم الصورة الفنية ومستوى الإيقاع.

الملاحظ أن مرتاض لم يلتزم التزاما أعمى بمستويات التحليل البنيوي، بل يحيلها على النص، إذ يعطي الأولوية له ( النص)، دون القراءة البنيوية، إذ يتعامل معه بحسب ما تقتضيه طبيعة دراسته، ذلك لأن محاولة تطبيق الإجراء البنيوي ومستوياته سيؤدي حتما إلى نسخ مكررة من التحليل البنيوي، لهذا نجد '' مرتاض'' يتجاوز سلطة المنهج، متجردا منه، متشبثا بالنص.

فكيف قرئت القصيدة ضمن هذا التوجه؟ وما الإجراءات المتبعة؟ وما المرجعيات المستند عليها؟

هذا ما سأحاول تقصيه ضمن هذه المداخلة – المتواضعة- وهدفنا الكشف عن نماذج للقراءة السيميائية في أعمال مفكرين بارزين في الساحة النقدية.

فمن خلال العديد من الكتابات النقدية والقراءات المتعددة قام الناقد "عبد الملك مرتاض" في محاولات عديدة للتنظير والتطبيق للقراءة الشعرية والبحث عن فرادة الحدث الأدبي داخل النصوص الأدبية وما هذه إلا إطلاله مختصرة عن تجليات الشعرية في نقد " عبد الملك مرتاض ".

الهوامش:



- رابح بوحوش، الشعريات وتحليل الخطاب، الموقف الأدبي، عدد 414، أكتوبر 2005، دمشق، ص24.

- رومان ياكبسون، قضايا الشعرية، تر: محمد الدالي ومباك حنون، دار توبقال، المغرب، 1988، ص79.

- نور الدين السد، الأسلوبية و تحليل الخطاب، دار هومة، الجزائر، 1997، ج 1، ص 54.

- عبد السلام المسدي، قراءات مع الشابي و المتنبي و ابن خلدون، الشركة التونسية للتوزيع، تونس 1984، ص 162.

- المرجع السابق، ص 99.

- المرجع نفسه، ص 106.

- المرجع السابق، ص 196.

- المرجع نفسه، ص199.

- المرجع السابق، ص 22.

- عبد الملك مرتاض،(ألف-ياء) تحليل مركب لقصيدة أين ليللاي، ص ص 30- 59.

- مولاي علي خاتم، الدرس السيميائي المغاربي، دراسة وصفية نقدية إحصائية في نموذجي عبد المالك مرتاض و محمد مفتاح، ص 11.

- عبد المالك مرتاض، ألف، ياء- تحليل مركب لقصيدة ( أين ليلاي) لمحمد العيد، ص 32.