قضايا شعر التّصوّف ومضامينه في الأندلسpdf

من الفتح إلى نهاية عصر الموحّدين

أ. محمّد صغير

جامعة جيجل(الجزائر)

ملخص:

يعدّ التصوّف حركة بارزة في تاريخ الأندلس، وقد انبثق عن حركة الزّهد في وقت مبكر، وحظي بانتشار واسع في الثقافة الأندلسيّة منذ القرن الثاّلث الهجريّ.

وهذه الدّراسة تبيّن بدايات التصوّف في الأندلس، مركزة على قضايا شعر التصوف ومضامينه، حيث بلغ ذروته في القرن السّادس الهجري، على أيدي مشاهير الصوفية من أمثالابن عربيّ، والشّشتريّ وغيرهما.

كما تتعرض هذه الدّراسة للموضوعات التي طغت على الشّعر الصّوفي الأندلسيّ حتّى نهاية عصر الموحّدين، كالحبّ الإلهيّ،والمعرفة الرّوحية، والخمر الصّوفية التي ترمز إلى المحبة وأحوال الصوفية. . .

Abstract:

Sufism has been a prominent movement in Andalus throughout most of its history. It grew out of an early ascetic movement, and it enjoys a large audience in the Andalusian culture since the third century A.H.

This research presents the beginnings of Sufism in Andalus , and it focuses on the early Sufis and Their Sufi poetry. Sufi poetry was to grow rapidly in the hands of the great masters of the 6th/12th and 7th/13th centuries, such as of Ibn Arabi and Chuchtri with whom Sufi poetry reaches its peak .

This research presents also An overriding themes of Sufi poetry in Andalus until the end of Almohad period ,such as divine love that include causes of love, and its signs, the ways to love God,the spiritual knowledge, The specialsufiwine That refers to the Love of God and to the situations of sufis…

إذا كان الزّهد عزوفا عن لذائذ الدّنيا، واكتفاءً منها بعيش الكفاف، فإنّ التّصوّف مبالغة في ذلك. إنّه "العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدّنيا وزينتها، والزّهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذّة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة"(1).

ولقد ظهر التّصوّف بتطوّر التّجربة الرّوحيّة للزّهّاد والنّسّاك، فبلغت مداها وذروتها عند رجال ظهروا في نهاية المائة الثّانية للهجرة(2)، حيث إنّه "لـمّا فشا الإقبال على الدّنيا في القرن الثّاني وما بعده، وجنح النّاس إلى مخالطة الدّنيا، اختصّ المقبلون على العبادة باسم الصّوفيّة والمتصوّفة"(3).وإنّ تحوّل الأمر من زهد وعبادة إلى نظريات فلسفيّة ذات طابع صوفيّ، عليها مسحة الغلوّ والغربة عن الإسلام، هو دليل على تطوّر النّزعة الرّوحيّة في الإسلام من جهة، وحصول عملية استمداد واسعة من دوائر الفكر الأجنبيّة(4)، يرى فريق آخر أنّ التّصوّف نتج كردّ فعل على انتشار البدع، وميل بعضهم إلى التّرف(5).

ويتدرّج السّالك عبر مقامات مخصوصة، وفق أحوال، "ولقد كان التّصوّف حريصا علىتقنين الطّريقة، ورسم معالمها الإجمالية والتّفصيليّة، فكان من معالمها الإجمالية وضع ركنين أساسيين بُنِيَتْ عليها الطّريقة، وهما: المقامات والأحوال. وكان من معالمها التّفصيليّة تحديد أسماء المقامات، ومعانيها، وأعدادها، وترتيبها، وكيفيّة تحصيلها، والانتقال من مقام إلى آخر. وكذلك الأحوال، وبيان علاقتها بالمقامات"(6)، فأمّا المقام فهو "ما يتحقق به العبد بمنازلته من الآداب، ممّا يتوصّل إليه بنوع تصرّف، ويتحقّق بضرب تطلّب، ومقاساة تكلّف"(7)، وأمّا الحال "فهو ما يرد على القلب من غير تعمّل ولا اجتلاب، ومن شرطه أن يزول ويعقبه المثلُ بعد المثل إلى أن يصفو ولا يعقبه المثل(8).

ولقد أصبح التّصوّف نزعة بارزة، وسجّل بعض الشّعراء تجاربهم الصّوفيّة شعرا، فظهر شعر التّصوّف – بسماته الفنيّة وخصائصه المميّزة- غرضا يحتلّ حيّزا كبيرا في الشّعر العربيّ.

وإذا نما اتّجاه التّصوّف في الأندلس بوتيرة تضافرت في تبلورها العوامل السّياسيّة والدّينيّة والاجتماعيّة، فما مضامين شعر التّصوّف، وما قضاياه؟وكيف اختلف شعر التّصوّف عن شعر الزّهد؟ وهل استطاع الشّعر أن يعكس التّجربة الشّعريّة للتّصوّف؟

شعر التّصوّف في الأندلس:

إنّ بدايات شعر التّصوّف كانت لا تعدو شكلا من أشكال الزّهد، و "إذا بحثنا عن أوّليات شعر التّصوّف فإنّنا لا نلتقي إلاّ بأشعار زهديّة عادية"(9).

ويَعُدّ كثير من الباحثين أبا عمر بن عيسى الإلبيريّ (429هـ) أوّل من "عمد إلى أسلوب المناجاة الصّوفيّ الخالص سالكا سبيل أهل الطّريق تأمّلا وتشوّقا وسكرا وفناءً وكشفا وحنينا وارتياحا"(10)، ويستدلّون في ذلك بقصيدته التي مطلعها:

شربت بكأس الحبّ من جوهر الحبّ

 

رحيقا بكفّ العقل في روضة الحبِّ(11).

على أنّ بعضهم لا يرى في أبي عمر الإلبيريّ متصوّفا، فلا يدرج شعره ضمن شعر التّصوّف، ويعتقد "أنّ شعر الإلبيريّ ليس فيه الرّوح الصّوفيّة الواضحة أكثر من كونه شعرا يناجي العبد فيه ربّه، مع وجود نزعة صوفيّة مقرونة بعقيدة الاعتزال التي تنزّه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين"(12)، وإنّ ما نظمه أبو عمر الإلبيريّ كان في فترة لم يبلغ فيها التّصوّف مرحلة النّضج بعد، فكان أقرب إلى الزّهد والمناجاة والتّوسّل.

على أنّ جلّ الباحثين يتّفقون على أنّ أوّل شعر صوفيّ لا تنكر نسبته إلى التّصوّف، ولا تختلف عليه الأقوال، هو شعر ابن العريف(13)، فهو الذي "دشّن حركة الحبّ الإلهيّ في الشّعر، باعتباره، هو سرّ خلق الله للعالم"(14).

ولن تصل حركة الحبّ الإلهيّ للشّعر – التي بدأت على يد أبي العبّاس بن العريف- ذروتها إلاّ على يد ابن عربيّ في ديوانه "ترجمان الأشواق"(15).

ويعدّ ترجمان الأشواق الأثر الشّعريّ الحقّ؛ إذ فيه نفحات شعريّة، وبهذا الدّيوان يستطيع ابن عربيّ أن يزاحم الأقطاب من شعراء الصّوفيّة(16)، ومع أنّه ترك من الشّعر تركة غزيرة، فله ديـوان ضخم، وكتاب الفتوحات ذاتُه يقوم في الأغلب على شرح مقطوعات شعريّة، وأشعاره كلّها رمزيات، كما يريد أن تكون، وهي لا تخلو من طلاوة، وقد يقع فيها من طريف الخيال(17).

وأمّا تأخّر نضج الشّعر الصّوفيّ قبل هذه المرحلة فلعلّ سببه إخفاء المتصوّفة لواعجهم دفعا لاتّهامهم بالبدع، حيث استمرّ رفض المجتمع فقهائه وسلطته للتّصوّف.

وإنّ عهد الموحّدين يمثّل الذّروة في ازدهار شعر التّصوّف، وفضلا عن ترجمان الأشواق تطالعنا نصوص كثيرة لابن عربيّ والشّشتريّ وأبي مدين وسواهم.

مضامين شعر التّصوّف الأندلسيّ:

يجدالمتتبّع لشعر التّصوّف في الأندلس أنّه ينحصر في ثلاثة مضامين أساسيّة، هي: الحبّ الإلهيّ، والخمر الصّوفيّة، والأفكار الفلسفيّة.

ولقد استقلّ التّصوّف في القرنين السّادس والسّابع الهجريين عن الزّهد، إذ أصبحنا نجد شعرا قائما على نزعة فلسفيّة، ونظريات تحيل على وحدة الوجود ومشكلة المعرفة، وإذا كان شعراء الزّهد يعبّرون عن اتّجاههم الدّينيّ بلغة سهلة بعيدة عن الغموض، فإنّ شعراء التّصوّف أغرقوا في الرّموز والاصطلاحات والإيماءات، بل إنّ بعض القصائد ظاهرها واضح، بيد أنّ تأويلها بعيد عمّا نفهمه من الظّاهر، كقصائد ابن عربيّ في ترجمان الأشواق.

فإذا قال ابن عربيّ:

قف بالمنازل، واندب الأطلالا

 

وسل الرّبوع الدّارسات سؤالاَ

أين الأحبّة؟ أين سارت عيسهم

 

هاتيك تقطـع في اليباب ألالاَ؟(18)

فإنّ ظاهر هذين البيتين دعوة للوقوف على الأطلال، وسؤالها عن الأحبّة الذين ظعنوا، بيد أنّ تأويلهما من قبل صاحبهما يكشف عن بُعد الظّاهر عن البـاطن، فهـو يقول: "قف بي لداعي الحقّ من قلبه بالمنازل، يريد بالمقامات التي ينزلها العارفون بالله في سيرهم إلى ما لا يتناهى من علمهم بمعبودهم..."(19).

وهذا يدلّ على انفتاح النّصّ الصّوفيّ على كثير من القراءات، والشّعراء الصّوفيّون "هم أبرز من مارس إعادة التّشفير اللّغويّ في الشّعر قديما، عن طريق نزع الدّلالات الأولى الحسيّة الدّنيويّة بكلمات تتّصل بمجالات الجنس والخمر وحالات النّفس، لإدراجها في أنساق رمزيّة جديدة مرتبطة بمواجدهم وعالمهم"(20).

وعلى الرّغم من أنّ الغموض سمة مميّزة للقصيدة الصّوفيّة، فإنّنا نلفي مقطوعات وقصائد تتّسم بقدر من الوضوح.

ويظفر المتتبّع للشّعر الصّوفيّ على هذا العهد نصوصا غزيرة تندرج ضمن الغزل الصّوفيّ، وهي القصائد التي موضوعها الحبّ الإلهيّ، و"الحبّ هو روح التّصوّف، وهو شعاره ودثاره، وهو الحال المشترك بين المتصوّفة جميعا، والحبّ عند المتصوّفة لا يمكن تحديده ولا تعريفه، ولا شرح حقائقه، وإنّما يُحدّد باللّفظ فقط، ويعرف بالعرف والاصطلاح"(21).

ولقد أسهب شعراء التّصوّف في وصف هذا الحبّ وتصويره؛ فلقد شغلهم وملأ أفئدتهم، فتجدهم يذوبون شوقا بعد أن آلمهم الهجر، يقول ابن طفيل في الغزل الصّوفيّ بالعزّة الإلهية:

ألَمّتْ وقد نام المُشيـح وهَوَّمَـا

 

وأَسْرَتْ إلى وادي العقيق من الحـمَى

وجرّتْ على تُـرْبِ المحصَّبِ ذيلَها

 

فما زال ذاك التُّرْبُ نَهْبـًا مُقَسَّما

ولَمّـا رأتْ أن لا ظلامَ يَجُنُّها

 

وأنْ سُراهَا فيه لن يتكتَّما

نضتْ عذاباتِ الرَّيْط عن حُرِّ وجهها

 

فأبدتْ مُحيًّا يُدهِش المتوسِّما


فكان تَجلّيهـا حجابَ جمَالِها

 

كشمس الضُّحى يَعْشَى بها الطّرف كَلَمَا (22).

         

فالعزّة الإلهيّة في هذه الأبيات أنثى سرت وانكشفت للشّاعر بعد طول تهاجر وانتظار ويأس، وفي هذه الأبيات يظهر التّجلّي والمشاهدة، "ولقد أسّس الصّوفيّة الحبّ الإلهيّ في انسجامه وتوافق طرفيه المتقابلين على نظريتهم في التّجلّي والشّهود"(23).

ولقد سلك شعراء التّصوّف طرقا متعدّدة في التّعبير عن الحبّ؛ فنجد بعضهم يستهلّ قصيدته بمقدّمة طلليّة على غرار شعراء الجاهليّة، فيقف على الأطلال، ويبكي الدّيار والرّسوم. ولابن عربيّ في التّرجمان غيرما قصيدة ينحو فيها هذا المنحى، يقول:

بالجزع بين الأبرقين الموعد

 

فأنخ ركائبنا، فهذا الـموردُ

لا تطلبنّ ولا تغادي بعده:

 

يا حاجر، يا بارق، يا ثهمدُ(24)

ويقول أيضا:

قفْ بالطّلول الدّارسات بلعلعٍ

واندب أحبّتنا بذاك البلقعِ

قفْ بالدّيار، وناجها، متعجّبا

منها بحسن تلطّف، بتفجّعِ(25).

ولقد ذكر ابن عربيّ في مقدّمته لشرح التّرجمان، أنّه قصد أن يشير "إلى معارف ربّانيّة وأنوار إلهيّة وأسرار روحانيّة، وعلوم عقليّة وتنبيهات شرعيّة"، ويجعلَ "العبارة عن ذلك بلسان الغزل، والتّشبيب لتعشق النّفوس بهذه العبارات، فتتوافر الدّواعي على الإصغاء إليها"، ويردف أبياتا، منها:

كلّ ما أذكـره من طلل

 

أو ربوع أو معان كلّمَا

...أو أنـادي بحداة يـمّموا

 

بَانَةَ الحاجر، أو وُرْقِ الحمَى

أو بُدور في خدور أَفَلـتْ

 

أو شموس، أو نبات أنـجَمَا

...أو خليل أو رحيل أو ربى

 

أو رياض، أو غياض، أو حمىَ

أو نساء كاعبات نُهَّـدٌ

 

طالعات كشمـوس أو دمىَ

...منه أسرار وأنوار جلت

 

أو علت جاء بها ربّ السّمَا

لفؤادي، أو فؤادُ من له

 

مثل مالي من شـروط العلمَا

فاصرف الخاطر عن ظاهرها

 

واطلب الباطن حتّى تعلمَا(26).

وصرف الخاطر عن الظّاهر، وطلبُ الباطن قاعدة ضروريّة لفهم الشّعر الصّوفيّ وتأويله، وهي القاعدة التي نهجها ابن عربيّ في شرحه التّرجمان.

ولقد لجأ الشّعراء في التّصوّف إلى بعض الأسماء الشّائعة في شعر الغزل العربيّ عذريّه وماجنه، فاستعانوا بها للرّمز لمحبوبهم، يقول ابن عربيّ:

سلام على سَلمَى ومن حَلَّ بالحِمى

 

وحُقَّ لـمثلي، رقّةً، أن يُسَلَّما

وماذا عليها أن تردّ تـحيّة

 

علينا؟ ولكن لا احتكام على الدّمَى !(27)

"فسلمى" إشارة إلى حالة سليمانيّة، وردت عليه من مقام سليمان – عليه السّلام-، و الحمى مقام لا يناله، وهو النّبوّة(28). ويقول في موضع آخر:

واذكرا لي حديث هند ولبنى

 

وسليمى، وزينبٍ وعنان(29).

وإذا كانت هند صاحبة بشر، ولبنى صاحبة قيس بن ذريح، وعنان جارية الناطقيّ، وزينب من صواحب عمر بن أبي ربيعة، وسليمى جارية؛ فإنّ الإشارة بهند إلى مهبط آدم – عليه السّلام-، وبما يختصّ بذلك الموطن من الأسرار، ولبنى إشارة إلى اللّبانة وهي الحاجة، وسليمى حكمة سليمانيّة بلقيسيّة، وعنان علم أحكام الأمور السّياسات، وزينب انتقال من مقام ولاية إلى مقام نبوّة(30)، فما أكثر بُعد الرّمز عن المرموز له ! و"لا فرق بين الصّوفيّ الشّاعر وبين الشّاعر غير الصّوفيّ، إلاّ أنّ شعر الأوّل باطنه الله وظاهره الأشياء، بينما شعر الثّاني ظاهره الله وباطنه الأشياء"(31)، والجمال الإلهيّ المحبوب يحتجب وراء الأسماء والمظاهر، ويعلن شعراء الصّوفيّة أنفسُهم أنّ الأسماء مجرّد رموز يتمّ تجلّي الخيال الإلهيّ من خلالها، يقول ابن عربيّ:

وإذا قلت هويت زينبا

 

أو نظاما أو عنانا فاحكمُوا

إنّه رمز بديع حســن

 

تَحته ثــوب رفيع معلمُ

وأنا الثّوب على لابسه

 

والذي يلبسه مــا يعلمُ(32).

وإذا كان ابن عربيّ يفضّل الاستخدام الرّمزيّ للأسماء، فإنّ ابن سبعين يدعو إلى التّصريح، طالما أنّ المعنيّ واحد، فيقول:

كم ذا تُمـوّه بالشّعبين والعلــم

 

والأمر أوضح من نار على علمِ

وكم تعبّر عن سلع وكاظمة

 

وعن زرود وجيـران بذي سلمِ

ظلِلتَ تسأل عن نجد وأنت بها

 

وعن تِهامة، هـذا فعــل متّهمِ

في الحيّ حيّ سوى ليلى فتسأله

 

عنها؟ سؤالك وهـم جرّ للعدمِ(33).

والمتأمّل لشعر الحبّ الإلهيّ، يجد أنّ مضامينه لم تخرج عن مضامين الغزل العذريّ؛ حيث وصف الشّعراء استبداد الشّوق بهم، وصوّروا آلام الفراق والبعد والهجر، وشكوا حرقة الهوى، ورغبوا في لقاء المحبوب، كما ذكروا هيامهم ومعاناتهم، يقول أبو الحسن بن الفخّار الإشبيليّ الرّعينيّ:

هيامي ما بين الجوانح ثائر

 

وداء غرامي للفــؤاد مُخامـــرُ

وطيَّ ضلوعي بالأسى ما أقلّه

 

تكلّ القوى عن حمله والمرائرُ

وقد جدّ بي وجد وبرّح بي جوى

 

وغصّت بأسراب الدّموع المحاجرُ(34).

فنار الوجد والجوى توهن القوى وتستدرّ الدّموع.

ويتغنّى الشّاعر في موضع آخر بجمال المحبوب، ويصف تعلّقه به وانبهاره:

جمـــال حبيبي للغـرام دعاني

 

فيا عاذلي، قلبي عليه دعاني

وأدركت ما لم تدركا من بهائه

 

فوجدي به غير الذي تجداني

فإن شئتمــا أن تعرفــا مـا أكنّه

 

وأن تعلما سرّ الهوى فسلاني(35).

ثمّ يتجلّى لفكره، وبصورة واضحة يذكر محبوبه: "نور من أنا عبده":

تجلّى لفكري نور من أنا عبده

 

فَوُلِّهَ معقولي وجُـــنَّ جناني

وأُشْرِبَ قلبــي هيبـــــة ومَحبّة

 

وصالت عليــه شدّة الخفقـان

وحان فنائي في وجـــود جلاله

 

فحسبي أنّــي في المحبّة فان

حبيب سقاني مُنعِما كــأس حبّه

 

فلم أصحُ من حبّيه منذ سقاني(36).

فبعد التّجلّي الذي هو "ما ينكشف للقلوب من أنوار القلوب"(37)، يحين الفناء وهو "رؤية العبد للعلّة بقيام الله على ذلك"(38).

ويميل شعراء الغزل الصّوفيّ، أحيانا، إلى المناجاة؛ فتجدهم يخاطبون المحبوب معبّرين عمّا يختلج صدورهم من وجد وشوق، فتغدو الذات الإلهيّة الملاذ والمأمول والسّند وغاية ما يصبو السّالك إليه، يقول ابن عربيّ بشكل صريح خال من الرّموز:

يا غاية السُّؤْلِ والمأمول يا سندي

 

شوقي إليكَ شديــدٌ لا إلـى أحــــــدِ

ذبت اشتياقا ووجدا في محبّتكــــم

 

فآه من طول شوقي آه من كمـــدِي

يدي وضعتُ على قلبي مخافة أن

 

ينشقّ صدري لمّا خانني جلــــــدي

فما زال يرفعها طورا ويخفضهـا

 

حتّى وضعت يدي الأخرى تشدّ يدي(39).

فخفقان القلب النّاجم عن طول الشّوق والكمد يتطلّب صبرا لا يستطيعه الهائم المتشوّق.

ولمّا كانت المحبّة أساسا للمقامات، فضلا عن كونها الرّكن الأساسيّ للأحوال، ولمّا كانت امتثالا لأوامر الله تعالى(40)، فإنّها كانت مظهرا مهيمنا في شعر الحبّ الإلهيّ، فلا يخلو نصّ من العواطف الدّينيّة. ولأبي مدين شعيب قصيدة طويلة، أوردها عاطف جودة نصر، منها:

تقوّل ناس قد تملّكه الهوى

 

أجل لست في ليلى بأوّل من جُنَّا

خفيت بها عن كلّ ما علم الورى

 

وأُظهِرُ لبنى والمراد سوى لبنَى

وإنّي كما شاء الغرام موحّـد

 

وإن ملت تمويها إلى الرّوضة الغنَّا

يذكّرني مرّ النّـسيم..بعرفهــا

 

ويطربنِي الحادي إذا باسْمهــا غنَّى

ولا عجب منّي الحنين وذو الهوى

 

إذا شـاقه شوق إلى قصده حنَّا(41).

فها هو ذا الشّاعر يستحضر قصّة ليلى والمجنون ليجعلها مدخلا لحبّه الإلهيّ، ثمّ يقرّ بأنّ ذكره لبنى مجرّد رمز يعتمد عليه في الإفصاح عن عواطفه من شوق وحنين.

وأنشد الشّشتريّ في السّوق حين استحمقه أهل طرابلس، ونسبوه إلى الجنون:

رضي المتيّم في الهوى بِجنونـه

 

خلّوه يفنـي عمره بفنـــونه

لا تعذلــوه فليس ينفـع عذلكم

 

ليس السّلوّ عن الهوى من دينه

قسما بمن ذكر العقيـق من اجله

 

قسم الـمحبّ بِحبّه ويَمينه

ما لــي سواكم غيـر أنّي تــائب

 

عن فاترات الحـبّ أو تلوينـه

ما لـي إذا هتـف الحمـــام بأيكة

 

أبدا أحنّ لشجوه وشجـونه

وإذا البكاء بغير دمـع دأبه

 

والصبّ يَجري دمعه بعيــونه !(42).

ويعلّق الدّكتور محمّد رضوان الدّاية على هذه الأبيات قائلا: "فهو يرضى بصفة الجنون التي زعمها أهل طرابلس، أي ما زعموه جنونا، فقد جهلوا حقيقة حاله؛ فهو الذي باع زخرف الدّنيا لحقيقة الآخرة، وجعل رضا الله غاية عظمى، ولم يعط الدّنيا أكثر من حقّها بحسب اعتقاده. ويظهر الشّاعر أشواقه ومواجده، ويقارن بين شجوه وشجو الحمام المشهور بالأنين والحنين، لأنّه هو في شجن يدلّ عليه ذارفات الدّمع من العيون المشوقة"(43).

وممّا يتوافق والحبّ العذريّ في شعر الحبّ الإلهيّ، وصف الرّحلة الشّاقّة التي يقطعها المحبّ سعيا للقاء المحبوب، فهي في أحيان كثيرة إبلٌ يحثّها على السّير الحثيث، ومن ذلك قول ابن عربيّ:

يا حادي العيس، لا تعجل بها، وقفا

 

فإنّني زَمِنٌ في إثرها غـــادِي

قف بالمطـايا وشَمّر في أزمّتها

 

بالله، بالوجد والتبريح، يا حادِي


نفسي تريد ولكـن لا تساعدنـي

 

رجلي، فمن لي بإشفاق وإسعادِ؟

...عرّج، ففي أيمن الوادي خيامهم

 

لله درّك ما تَحويه يا وادِي!

جمعتَ قوما همُ نَفْسي، وهمْ نَفَسي

 

وهم سواد سويدا خِلْبِ أكبادِي

لا دَرَّ دَرُّ الهوى إن لم أمت كمـدا

 

بِحاجر أو بسلع أو بأجيادِ(44).

ويتبيّن للمطّلع على قصائد ترجمان الأشواق أنّها تندرج ضمن شعر الحبّ الإلهيّ، الذي يتّخذ من رمز المرأة معادلا موضوعيّا للمحبّة الإلهيّة، ولئن اختلفت المقطوعات والقصائد في الرّموز والتّلويحات، فإنّ مضمونها طلب الحقيقة الرّبانيّة، "والحقّ أنّ الأشعار التي نجدها في "ترجمان الأشواق" تعدّ من النّاحية الفنيّة أكثر قصائده [ ابن عربيّ ] اكتمالا ونضجا وامتلاءً بأسلوب التّلويح والرّموز الشّعريّة الموحية"(45).

ويوازي حضور رمز المرأة في شعر التّصوّف اتّخاذ الصّوفيّة الطّبيعة، بصورها ومشاهدها، رمزا يمتزج برمز المرأة حينا، وينفصل عنه حينا آخر، يقول ابن عربيّ:

رعى الله طيرا على بانة

 

قد أفصح لي عن صحيـح الخبرْ

بأنّ الأحبّة شـدّوا علـى

 

رواحلهم، ثُمّ راحوا سحرْ

...أسابقهم في ظلام الـدّجـى

 

أنـادي بِهم ثُمّ أقفو الأثــرْ

رفعنا السّجاف أضاء الـدّجى

 

فسار الرّكاب لضوء القمـرْ

فأرسلت دمعي أمام الرّكـاب

 

فقـالوا: متى ســال هذا النّهَــرْ؟

ولَم يستطيعوا عبورا لـه

 

فقلت: دمــوعي جَرَيْــــنَ دررْ

كأنّ الرّعود للمع البروق

 

وسَيْرَ الغمــام لصوب المطــرْ

... فيا من يشبّه لين القدود

 

بلين القضيـب الرّطيب النّضـرْ

فلو عُكِسَ الأمر مثـــل الذي

 

فعلتَ لكان سليــم النّظـرْ

فلين الغصون كلين القدود

 

وورد الرّيــاض كورد الخفرْ(46).

وهكذا، وفي كثير من القصائد، نجد تحوّل شعر الطّبيعة إلى مكافئ رمزيّ، لأسرار غنوصيّة تدور على الحكمة المقدّسة، والتّجلي الإلهيّ في الصّور(47)، "وقد استطاع الصّوفيّة المسلمون تأسيس تصوّر عرفانيّ لعلاقة الخالق جلّ وعلا بالإنسان والطّبيعة، مستلهمين الوحي الإلهيّ، ومستثمرين جهود الفلاسفة السّابقين، فنظروا إلى الخالق والعالم من منطلق الظّاهر والباطن والجليّ والخفيّ"(48). وبقراءتنا لشعر التّصوّف الذي يتّخذ من الطّبيعة الحيّة والجامدة رموزا له، نجد أنّه يهدف إلى غرضين، هما: التّغنّي بالذّات الإلهيّة، والتّعبير عن وحدة الوجود.

وكثيرا ما تكون الرّموز حماما أو شجرا أو ظواهر كونية. فالحمام، مثلا، واردات، "وهي ما يرد على القلب من المعاني الغيبيّة من غير تعمّد من الغيب"(49). في شجوها وبكائها، يقول ابن عربيّ:

ألا يا حمامات الأراكة والبـان

 

ترفّقن ولا تضعفن بالشّجو أشجاني

ترفّقن لا تظهرن بالنّوح والبكا

 

خفيّ صباباتـي ومكنـون أحزاني(50).

وإذا بنى بعض الشّعراء غزلهم على وصف الطّبيعة، فإنّ بعضهم بنى غزله على التّغزّل بالحجاز، وإن كانت بعض النّصوص يمتزج فيها الغزل بالحنين. ومن ذلك قول أبي الحسن بن الفخّار الرّعينيّ:

حنيني إلى البيت العتيق شديــد

 

وشوقـي إلى وادي العقيـق يزيـد

ومن لي أن أدعى إلى حرميْ هدى

 

وهل لي إلى تلك البقـاع وفـود؟

وهل ناقع لي ماءُ زمزم غُلَّةً

 

لها بين أحناء الضّلـوع وقـود(51)

وأهل العقيق محبوب يشتاق إليه ابن جبير أيضا، فيقول:

سكان وادي العقيق شوقـي

 

إليكـمُ بالبعاد زادَا

ونظرة منكم المنى لـو

 

أهديتموها إليّ زادَا

عهد لنا عندكم حميد

 

يا ليته بالوصال عادَا

صادق فيه الكرى جفـونِي

 

وبعدكم للجفون عـادَى(52)

فلقد أذهب شوق ابن جبير إلى أهل العقيق النّوم عنه، وهي حالة لا يكابدها إلاّ المشوق المتيّم.

وإذا كان الحبّ الإلهيّ غرضا من أغراض شعر التّصوّف، فإنّ الخمر بوصفها رمزا عرفانيّا شكّل سمة بارزة في الشّعر الصّوفيّ، تعبّر عن الحبّ الإلهيّ تارة، وتعبّر عن الارتواء بيد الحقّ والتّجربة الرّوحيّة تارة أخرى.

"والصّوفيّة لهم مصطلحات وألفاظ تدلّ على الخمر الإلهيّة، فمنها الذّوق ثمّ الشّرب ثمّ الارتواء، فإنّ صفاء معاملاتهم يوجب لهم ذوق المعاني، ووفاء منازلاتهم يوجب لهم الشّرب، ودوام مواصلاتهم يقتضي لهم الارتواء، فصاحب الذّوق متساكر، وصاحب الشّرب سكران، وصاحب الارتواء صاح، ومن قوي حبّه تسرمد شربه"(53).

وإذا كان السّكر غيبة بوارد قويّ، فإنّ له مراتب: سكر طبيعيّ، وهو ما تجده النّفوس من الطّرب والالتذاذ والسّرور والابتهاج بوارد الأماني، وسكر عقليّ، يأتي الخبر الإلهيّ عن الله لصاحب هذا المقام بنعوت المحدثات، وعليه فسكر المؤمنين سكر طبيعيّ، وسكر العارفين سكر عقليّ، أمّا السّكر الإلهيّ فهو سكر الكُمّل من الرّجال(54). أمّا الصّحو فهو رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة بوارد قويّ(55)، "والعبد في حال سكره يشاهد الحال، وفي حال صحوه يشاهد العلم... والصّحو والسّكر بعد الذّوق والشّرب"(56).

ولقد عرفت الخمريات في الشّعر العربيّ، فوصفت الخمر وشاربها، وتأثيرها وآنيتها، ومجالسها وندماؤها، على النّحو الذي نجده في شعر الأعشى ميمون بن قيس، والأخطل، وأبي نواس. لكنّ الخمر التي نعنيها هنا هي الخمر الصّوفيّة، وإن كان "يصعب التمييز بين الشّعر الغزليّ والخمر العادي وبين الشّعر الصّوفيّ"(57)، فإنّ الباحث في اللّغة الشّعريّة الصّوفيّة سيكتشف دون مشقّة، ذلك الفرق بين التّجربتين الشّعريتين: بين تجربة عادية وأخرى معقّدة(58).يقول ابن عربيّ:

ولو لامني في هواها عذول

 

لكان جوابي إليه شهيقِي

فشوقي ركابي، وحزني لباسي

 

ووجدي صبوحي، ودمعي غبوقِي(59).

ويقول في موضع آخر:

واشرب سلافة خمرها بخمارها

 

واطرب على غَرِد هنالك يُنشِدُ

وسلافة من عهد آدم أخبرت

 

عن جنّة المأوى حديثا يُسنَدُ(60).

فهي دعوة إلى السّكر الإلهيّ، سكر الكُمّل، فهي خمر من جنّة المأوى، وهي دالّة على السّكر الدّائم، وخمر ابن عربيّ قديمة من عهد آدم.

وإذا كانت الخمر كرمز صوفيّ في شعر ابن عربيّ قليلة، فإنّها كثيرة في شعر الشّشتريّ(61)، وأبي مدين شعيب. وإذا لم يظفر الباحث في البواكير الشّعريّة الأولى بخمريّات مطوّلة، فإنّما ظهرت هذه المطوّلات في زمن متأخّر يرجع إلى أواخر القرن الرّابع الهجريّ(62).

وقد ترمز الخمر إلى الحبّ أو موضوعه، مادام أنّ الحبّ هو الباعث الحقيقيّ على أحوال الوجد والسّكر المعنويّ بالواردات القويّة(63). يقول أبو مدين (594هـ):

أدرها لنا صرفا ودع مزجها عنّا

 

فنحن أناس لا نرى المزج مذ كنَّا

وغنّ لنا فالوقت قد طاب باسمهـا

 

لأنّا إليها قد رحلنا بها عنَّا

عرفنا بها كلّ الوجود ولم نزل

 

إلى أنْ بها كلّ المعارف أنكرنَــا

هي الخمر لم تعرف بكرم يخصّها

 

ولم يُجْلِها راح ولم تعرف الدّنَّا(64).

فهذه الخمر تختلف عن ابنة الكروم، إنّها خمر عُلويّة، وفي نشوتها يعرف الوجود.

ويواصل أبو مدين وصفه الخمر وتأثيرها؛ فإذا لم تدرك الأفهام تحديد كنهها، فليس الكون إلاّ مظهر لجمالها، فيقول:

مشعشعة يكسو الوجوه جَمالهـا

 

وفي كلّ شيء من لطافتها معنَى

حضرنا فغبنا عند دور كؤوسها

 

وعدنا كأنّا لا حضرنا ولا غبنَا

وأبدت لنا في كلّ شيء إشــارة

 

وما احتجبت إلاّ بأنفسنا عنـَّا

ولم تطق الأفهام تعبير كنهها

 

ولكنّها لاذت بألطافها الحسنى

...تجلّت دنوّا واختفت بمظـاهر

 

وجَلَت فما أغنى ودقّت فما أسنَى

وما الكون إلاّ مظهر لجمالها

 

أرتنا به في كـلّ شيء بدا حسنَا(65).

والخمر عند الصّوفيّة قديمة دائما، تشير إلى التّجلّيات الإلهيّة، وحقائق الغيب، وعالم الحقيقة. يقول أبو مدين:

لها القدم المحض الذي شفعت به

 

بقاءً غدا يغني الزّمان ولا يغنَى

بعيد ويبدي فعلَها كلُّ مُحدَث

 

وكلّ قديم فهي حازت المعنَى

...إليها جميع الكائنات مشوقة

 

تزيد افتقارا وهي عنهنّ ما أغنَى(66).

"أمّا الشّاعر الذي اشتهر بخمرياته فهو الشّشتري"(67)، يقول في إحدى قصائده:

طاب شرب المدام في الخلواتْ

 

أسقني يا نديم بالآنيــــاتْ

خمرةً تركها علينا حــرام

 

ليس فيها إثم ولا شبهـاتْ

عُتِّقت في الدّنان من قَبْل آدم

 

أصلها طيّب من الطّيّباتْ(68).

فالخمر عُتّقت من قَبْل آدم، أي أنّها خمر إلهيّة أصلها طيّب لأنّها نابعة من الذّات الإلهيّة.

ويتكرّر هذا المعنى في جلّ قصائد الخمر الصّوفيّة؛ فالخمر دائما قديمة معتّقة ترمز للمحبّة الإلهيّة. يقول الشّشتريّ في قصيدة أخرى:

تنبّه فقد بدت شَمس العُقَـار

 

وقد غلب الشّعاع على النّهارْ

سلافا قد صفت قدما وراقت

 

أدرها بالصّغـار وبالكبــارْ

فما عُصرت وما جُعلت بدنّ

 

وما سكبت زجاجتهـا بنـارْ(69).

ويستخلص الدّكتور سالم عبد الرّزّاق أنّ الخمر ترتبط بمقام المحبة الإلهيّة، وغالبا ما تكون الخمر هي شراب المحبّين العاشقين، وهذا ما لا يدركه إلاّ من ذاق حلاوة الحبّ الإلهيّ، ووصل إلى حالة السّكر الذي يكون فيه مع المحبوب يناجيه ويقتبس من نوره(70)، و"هكذا لم يبق من الخمر في شعر الصّوفية إلاّ اسمها، وما يوحي به من سكر وانتشاء، قَارَنَ الصّوفيّة به أحوال الوجد الإلهيّ"(71).

ونجد من الموضوعات التي طرقها شعر التّصوّف، تلك القصائد والمقطوعات التي تعبّر عن أفكارهم ونظرياتهم وآرائهم في التّصوّف. وهذه الموضوعات لا نجدها إلاّ عند أرباب التّصوّف النّظريّ الفلسفيّ. وتدور هذه الأفكار والآراء حول الوحدة المطلقة، ووحدة الوجود، والفناء، والمقامات والأحوال. ومن ذلك قول ابن عربيّ:

فالحقّ خَلْقُ بهذا الوجه فاعتبروا

 

وليس خلقا بذاك الوجه فاذكرُوا

من يدرِ ما قلتُ لم تُخذَلْ بصيرتُه

 

وليس يدريه إلاّ من له بصـرُ

جَمِّع وفَرِّق فإنّ العين واحـدةٌ

 

وهي الكثرة لا تُبقي ولا تــذرُ(72).

إذن فالوجود في حقيقته واحد، والأسماء الإلهيّة دلالات مختلفة على ذات واحدة، ومجال جديدة في عين واحدة هي عين الحقّ(73)، فهذه الأبيات تلخّص رأيا من آراء ابن عربيّ في وحدة الوجود.

ويقول ابن عربيّ أيضا:

فاعلم أنّ التّصوّف تشبّه بخالقنا

 

لأنّه خلـق فانظر ترى عجبَـا

كيف التّخلّق والمكر الخفيّ له

 

في خلقه وبهذا القدر قد حجبَا

إنّ الحديد إذا ما الصّنع يدخله

 

في غير منزله يـرده ذهبَـا

إنّ التّصوّف أخلاق مطهّرة

 

مع الإله فلا تعدل به نسبَـا(74).

تكشف هذه الأبيات حقيقة التّصوّف كما يفهمه ابن عربيّ ويريده، إذ الكُمَّل من النّاس يتقرّبون بكلّ قواهم العقليّة والجسميّة والوجدانيّة والحسيّة من الخالق تقرّبا يجعلهم يتشبّهون بخالقهم.

ويدعو الشّشتريّ إلى تهيئة مرآة القلب لقبول التّجلّي الإلهيّ وتحقيق المعرفة، وينبّه إلى ضرورة تدقيق النّظر لبلوغ الحقيقة الكامنة، فيقول:

أيها النّاظر في سطح الـمري

 

أترى من ذا الذي فيه ترَى؟

هل هو النّاظر فيكم غيركم

 

أم خيال منـك فيه قــد سرَى

أعـد النّظرة فيها إنّها

 

حكمة كامنة بين الورَى

فعسى عند انشقاق فجرها

 

يحمد القوم جميعا السّرَى(75).

وتشكّل المقامات موضوعات للشّعر الصّوفيّ، ويقول ابن عربيّ في مقام الفقر:

الفقر حُكْمٌ ولكن ليس يدركه

 

إلاّ الذي جلّ عن أهلٍ وعن ولدِ

الفقر حُكم يعمّ الكون أجمعه

 

ولا أحاشي من الأعيان من أحدِ

لأنّها كلّها بالذّات تطلبه

 

والفقر يطلبها بالذّات في البلدِ(76).

فالفقر أهمّ المقامات حكما، إذ به يتميّز العبد من الرّبّ، وهو صفة ذاتية في الممكنات(77).

ويقول في مقام الشّكر:

الشّكر شكران شكر الفوز والرّفد

 

هذا من الرّوح والثّاني من الجسدِ

فالشّكر للرّفد يعطيني زيادته

 

والشّكر للفوز مثل السّلب للأحدِ

والشّكر للفوز محصور لغايته

 

والشّكر للرّفد لا يجري إلى أمدِ(78).

والشّعر المعبّر عن آراء الصّوفيّة ونظرياتهم غزير، وبالإمكان التّعرّف على فلسفة هؤلاء المتصوّفة انطلاقا ممّا نظموه في هذا الغرض، وهو نظم تعليميّ يبتعد قليلا عن التّجربة الشّعريّة بسماتها الفنيّة.

ولقد طرق التّصوّف ميدان الموشّحات أيضا، وكان ذلك لأوّل مرّة في عصر الموحّدين، ومن أكبر الوشّاحين في هذا الغرض ابن عربيّ والشّشتريّ، ولقد استطاعا تطويع هذا الفنّ ليحمل أدقّ النّظريات والآراء الصّوفيّة، والتّعبير عن مجاهدات الصّوفيّة وأشواقه(79).

وإذا اعتمد الشّعر الصّوفيّ على الرّمز، وتغنّى بالحبّ الإلهيّ، ووصف حالات السّكر، وعبّر عن الآراء والأفكار والأحوال والمقامات، فإنّ الموشّحات سارت على النّهج نفسه، ولو أنّها "قد تختلف عن الشّعر الصّوفيّ في كونها أقرب إلى الفهم، وأدنى إلى البساطة والسّهولة، ولعلّ ذلك يرجع إلى أنّ بعض هذه الموشّحات كان يتغنّى به، فكان طبيعيّا أن يتخفّف من الرّموز الصّعبة والمعاني المستغلقة"(80).

ومن موشّحات ابن عربيّ:

سرائــر الأعيـانْ

لاحت على الأكوانْ

للنّـاظريــنْ

والعـاشـق الغيـرانْ

من ذاك في بُحـرانْ

يبدي الأنيــنْ

يقــول والوجدُ

أضناه والبعـدُ

قد حيّرهْ

لَمّا دنــا البعدُ

لَم أدر مـن بَعْـدُ

مـن غيّرهْ

وهُيِّــمَ العبدُ

والواحـد الفــردُ

قـد خيّرهْ"(81)

يتجلّى في هذا النّصّ الحبّ الإلهيّ الذي يقترن بحال الفناء ومقام التّوبة، ولم يخرج هذا النّصّ في مضمونه عمّا نجده في الشّعر.

وإذا اقترن التّوشيح بابن عربيّ والشّشتريّ، فإنّ الزّجل الصّوفيّ قد اقترن بالشّشتريّ، وإن لم يكن "الصّوفيّ الوحيد الذي نظم الزّجل الصّوفيّ في عصر الموحّدين، فقد نظم فيه أيضا ابن عربيّ، إذ نجد له زجلا واحدا في ديوانه(82).

خاتـــمة

لا شكّ في أنّ شعر التّصوّف برز اتّجاها كبيرا في الاتّجاه الدّينيّ في الشّعر في عصر الموحّدين، يعلّله غزارة ذلك الشّعر، وتنوّع موضوعاته. ولعلّ عصر الموحّدين هو عصر ازدهاره ونضجه.

ويتّسم شعر التّصوّف بجملة من الخصائص، يشترك في بعضها مع ألوان الشّعر الدّينيّ الأخرى، وينفرد بنفسه في بعضها.

ينفرد الشّعر الصّوفيّ بمعجم خاصّ؛ فإذا كان دينيّا في الأساس، فإنّه يستخدم مصطلحات من حقول دلالية غير دينيّة استخداما دينيّا. ولقد رأينا كيف يجعل من رموز الطّبيعة والمرأة والخمرة وسيلة للتّعبير، لذا وجب على قارئ الشّعر الصّوفيّ الإلمام باصطلاحات الصّوفيّة لفهمه، فلا يفهم معظمه إلاّ بعد تأويله، ولا يؤوّله – في أحيان كثيرة- إلاّ قائلوه على نحو ما أوّل ابن عربيّ ديوانه ترجمان الأشواق، وبهذا يكتسي شعر التّصوّف طابع الغموض.

وينقسم الشّعر الصّوفيّ، حسب موضوعاته، إلى قسمين: قسم يندرج ضمن الشّعر التّعليميّ، وهو ذلك النّوع الذي يعبّر عن آراء الصّوفيّة ونظريّاتهم، كنظرتهم لوحدة الوجود والحرية المطلقة، والتّعبير عن المقامات والأحوال. وقسم وجدانيّ يبرز فيه الخيال، وتظهر العاطفة، وأشهر موضوعاته الغزل الصّوفيّ، إذ يناجي ناظموه الذّات الإلهية ويتغنّون بها. وتتجلّى في هذا النّوع الصّورة المبتكرة والطّريفة، وتوظّف الاستعارة والتّشبيه، والملاحظ أنّ معظم صوره مستمدّة من البيئة الطّبيعيّة، والتّراث الدّينيّ والثّقافيّ.

يتّسم الشّعر الصّوفيّ كذلك بعمق المعاني، وجِدِّتِها، ولقد رأينا كيف استطاع شعراء الصّوفيّة إسقاط معاني الغزل العذريّ على نزعتهم الصّوفيّة ونظرتهم إلى الوجود.

نظم شعراء التّصوّف في القالب التّقليديّ للشّعر، ووظّفوا الموشّح والزّجل كذلك، ولعلّ أهمّ سمة تميّز موشّحات التّصوّف هي وحدة الموضوع؛ إذ على عكس الأغراض الشّعريّة الأخرى التي يُجمَعُ فيها في الموشّح الواحد بين غرضين أو أكثر، لا نجد في موشّحات الصّوفيّة إلاّ التّصوّف.

تأثّر شعراء التّصوّف المتأخّرون بتيّار البديع، إذ اعتمدوا كثيرا من ألوان البديع المختلفة، والتي تمثّلت في الجناس والتّرصيع والتّلاعب اللّفظيّ، واستطاع هؤلاء الشّعراء توظيف هذه الألوان البديعيّة توظيفا جيّدا لخدمة المعنى وإثراء الإيقاع.

يتداخل شعر التّصوّف أحيانا مع أغراض أخرى كالمدائح النّبويّة التي ينحو فيها أصحابها منحى الغلوّ والمبالغة في مدح النّبيّ – صلّى الله عليه وسلّم-، أو يضفون عليه معانيَ فلسفيّة.

المصادر والمراجع:

(1)ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمّد: مقدّمة ابن خلدون. بيروت، دار صادر، ط.1، 2000م.، ص.356-357.

(2)ينظر: عرفان عبد الحميد فتاح: نشأة الفلسفة الصّوفيّة وتطوّرها، بيروت، دار الجيل، ط.1، 1413هـ. /1993م.- ص.73.

(3)ابن خلدون: م.س.، ص.357.

(4)ينظر: عرفان عبد الحميد فتاح: م.س، ص.76.

(5)ينظر: القشيري، الإمام قطب الصّوفيّة عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة القشيري النيسابوري: الرسالة القشيرية. شرح وتقديم نواف الجراح. بيروت، دار صادر، ط.2، 1427هـ./ 2006م.، ص.259.

(6)أمين يوسف عودة: تجليات الشعر الصوفي؛ قراءة في الأحوال والمقامات. عمّان، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط.1 ، 2001، ص.22-23.

(7)القشيري: م.س.، ص. 23.

(8)ابن عربي، الشيخ محيي الدين بن عربي: اصطلاح الصّوفيّة. حقّقه وضبطه وقدّم له عبد الرحيم مارديني. دمشق، دار المحبة، بيروت، دار آية، ط.1- 2002/ 2003، م.س.، ص. 70.

(9)سليمان العطار: الخيال والشعر في تصوف الأندلس. القاهرة، دار المعارف، ط.1، 1981م.، ص.26.

  1. مصطفى الشكعة: الأدب الأندلسي موضوعاته فنونه. بيروت، دار العلم للملايين، ط.12، 2008، ص.65.
  2. انظر القصيدة في:ابن بسام الشنتريني: الذخيرة، في محاسن أهل الجزيرة. تحقيق سالم مصطفى البدري. بيروت، دار الكتب العلميّة، 1/531-532.
  3. سالم عبد الرزاق سليمان المصري: شعر التصوف في الأندلس. دار المعرفة الجامعية، د.ط.، 2007، ص.47.
  4. سليمان العطار: م.س.، ص.26-27.
  5. محمد العدلوني الإدريسي: التّصوّف الأندلسيّ؛ أسسه النّظرية وأهم مدارسه. الدّار البيضاء، دار الثّقافة، ط.1، 2005، ص.91.
  6. سليمان العطار: م.س.، ص. 27.
  7. زكي مبارك: التصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق. صيدا، بيروت، المكتبة العصرية، ط.1، 1427هـ/2006م.، ص.123.
  8. ينظر: م.ن، ص.123- 125.
  9. ابن عربي: ترجمان الأشواق. تقديم عبد الرحمن المصطاوي، بيروت، دار المعرفة، ط.1، 1425هـ/2005م.، ص.92.
  10. م.ن.، ص.92، وينظر التأويل كاملا بالصفحة نفسها.
  11. صلاح فضل: أساليب الشّعرية المعاصرة. بيروت، دار الآداب، ط.1، 1995، ص.192.
  12. سالم عبد الرزاق: م.س.، ص.63.
  13. عمر فروخ: تاريخ الأدب العربيّ؛ الأدب في المغرب والأندلس إلى آخر ملوك الطوائف. بيروت، دار العلم للملايين، ج.4، ط.1، 1981م.، ص.471.
  14. عاطف جودة نصر: الرمز الشعري عند الصوفية. القاهرة، المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، د.ط.، 1998، ص.140.
  15. ابن عربي: ترجمان الأشواق، م.س.، ص.133.
  16. م.ن.، ص.123.
  17. م.ن.، ص.25- 26.
  18. م.ن.، ص.41.
  19. انظر الشرح: م.ن.، ص.41.
  20. م.ن.، ص.104.
  21. انظر الشرح: م.ن.، ص.104، 105.
  22. سليمان العطار: م.س.،ص. 106.
  23. ابن عربي: الفتوحات نقلا عن: أمين يوسف عودة، م.س.، ص. 114 .
  24. تنسب هذه الأبيات إلى ابن سبعين في: المقّري: النفح: 2/203 وابن الخطيب: الإحاطة: 4/37، وتنسب أيضا إلى الششتري. انظر:الششتري: ديوان أبي الحسن الششتري. تحقيق محمد العدلوني الإدريسي وسعيد أبو الفيوض. الدار البيضاء، دار الثقافة، ط.1، 2008، ص.65.
  25. ابن عبد الملك المراكشي: الذيل والتكملة، لكتابي الموصول والصلة. السفر الأول تحقيق محمّد بن شريفة، السفر الرابع والخامس والسادس تحقيق إحسان عباس، بيروت، دار الثقافة، ط.1، 1973، 5/1/366.
  26. م.ن.، ص.368.
  27. م.ن.، ص.368.
  28. ابن عربي: اصطلاح الصوفية، م.س.، ص.59.
  29. م.ن.، ص.114.
  30. المقّري؛ أحمد بن المقّري التلمساني: نفح الطيب، من غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، بيروت، دار صادر، ط.2، 2004م.، 2/174.
  31. ينظر: أمين يوسف عودة: م.س.، ص.176.
  32. عاطف جودة نصر: م.س.، ص.168، وتنظر الأبيات كلها في ص.168- 169.
  33. محمد رضوان الداية: في الأدب الأندلسي. بيروت، دار الفكر المعاصر، دمشق، دار الفكر، ط.1، جمادى الآخرة 1421هـ/سبتمبر 2000م.، ص.98- 99.
  34. م.ن.، ص.99.
  35. ابن عربي: ترجمان الأشواق. م.س.، ص.89 – 91.
  36. عاطف جودة نصر: م.س.، ص.188.
  37. ابن عربي: ترجمان الأشواق. م.س.، ص.174- 175.
  38. عاطف جودة نصر: م.س.، ص.289.
  39. بومدين كروم: الشعر الصوفي؛ دراسة موضوعاتية في شعر الششتري. وهران، دار الأديب، د.ط.، 2007، ص.78.
  40. ابن عربي: ترجمان الأشواق. م.س.، ص.58. (انظر الهامش).
  41. م.ن.، ص.58.
  42. ابن عبد الملك المراكشي: م.س.، 5/1/364.
  43. م.ن.، 5/2/615.
  44. سالم عبد الرزاق: م.س.، ص.112.
  45. ابن عربي: اصطلاح الصوفية. م.س.، ص.96- 97.
  46. م.ن.، ص.101.
  47. القشيري: م.س.، ص.35.
  48. سالم عبد الرزاق: م.س.، ص.114.
  49. بومدين كروم: م.س.، ص.50- 51.
  50. ابن عربي: ترجمان الأشواق. م.س.، ص.122.
  51. م.ن.، ص.135.
  52. ينظر: بومدين كروم: م.س.، ص.52- 73.
  53. عاطف جودة نصر: م.س.، ص.359.
  54. سالم عبد الرزاق: م.س.، ص.116.
  55. عاطف جودة نصر: م.س.، ص.359.
  56. م.ن.، ص.359.
  57. م.ن.، ص.359- 360.
  58. سالم عبد الرزاق: م.س.، ص.120.
  59. الششتري: م.س.، ص.32.
  60. م.ن.، ص.38.
  61. سالم عبد الرزاق: م.س.، ص.126.
  62. عاطف جودة نصر: م.س.، ص.370.
  63. ابن عربي: الفتوحات نقلا عن العدلوني: التصوف الأندلسي. م.س.، ص.154.
  64. م.ن.، ص.153- 154.
  65. ابن عربي: الفتوحات نقلا عن العدلوني: التصوف الأندلسي. م.س.، ص.172. وصدر البيت الأول مكسور لعل صوابه: إنّ التّصوّف تشبيه بخالقنا.
  66. الششتري: م.س.، ص.49.
  67. أمين يوسف عودة: م.س.، ص.120.
  68. م.ن.، ص.120.
  69. م.ن.، ص.156.
  70. انظر: فوزي سعد عيسى: الموشحات والأزجال الأندلسية في عصر الموحدين. الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية، د.ط.، 1990، ص.91.
  71. م.ن.، ص.91.
  72. المقّري: النفح. 2/181، وانظر الموشح كاملا في ص.182.
  73. فوزي سعد عيسى: م.س.، ص.168.