الأدب الموازي في الأدب العربي: إشكالية المفهوم والنظريةpdf

دراسة في الكتابة البوليسية العربية

                                                                

د.حسين دحو

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

الملخص:

لقد اعتبر الأدب ـ حتى وقت قريب ـ الوسيلة المثلى للتعبير عن الواقع الإنساني وتصويره بكيفية تسمح بتحصين هذا الموروث وتحميه من الاندثار، غير أن المراحل التي مرت بها الحضارة الإنسانية بشكل عام؛ مع استبداد وتفرد جزء من البشر بالحكم والسياسة، جعلت من الأدب منقسما على نفسه بين أدب رسمي وآخر غير رسمي، أو أدب مركزي وآخر هامشي أو لا مركزي!

هل يشكِّل هذا المعيار فارقا في مفهوم الجنس الأدبي بين رسمية وهامشية؟ هو ما تسعى هده الورقة البحثية إلى مقاربته والنظر في مدى صحة وصواب هذا التقسيم عبر درس الكتابة البوليسية في الأدب العربي من خلال الإجابة عن تساؤل مهم هو: هل الكتابة البوليسية في شيء من الأدب؟ هل المجتمع العربي في حاجة إلى مثل هذه الكتابة؟ هل الهامش هو الموقع الصحيح للكتابة البوليسية؟

Résumé :

Jusqu’à une époque encore toute récente, la littérature était considérée comme le media par excellence, sinon le meilleur moyen d’exprimer la réalité humaine et de la rendre de façon à préserver ce patrimoine universel et de le protéger d’un probable anéantissement. mais l’évolution inattendue de la civilisation humaine en général et la mainmise sur le pouvoir politique et temporelle par une minorité de l’humanité en particulier, ont subrepticement divisé la Littérature en littérature officielle/officieuse, littérature centrale/marginale ; littérature et sous-littérature ou paralittérature.
Cette divergence des points de vue et des opinions est cause d’une multitude d’interrogations légitimes, de questionnements fort divers dont la principale motivation est d’explorer la pertinence interne/externe du genre littéraire selon les catégories oppressives de l’officialité et de la marginalité. Notre intention est de mettre ainsi de la mesure tant dans les jugements d’objectivité que de valeur qui cautionnent cette discrimination en examinant de près le roman policier traversé par les modalités de l’écriture arabe : quelle véritable signification/signifiance de la paralittérature en regard de la littérature dite officielle ? Mais plus simplement encore : la communauté arabe a-t-elle réellement le besoin (ou le désir inavoué) d’une telle écriture ? Finalement, la grande marge est-elle l’emplacement idéal/correct à même de rendre justice à la paralittérature et au roman policier ?

بين يدي المصطلح... الأدب الموازي؟

لا يزال المشهد النقدي الغربي والعربي؛ يرى في اللغة الجيدة والجمالية العالية والاختصاص بمضمون محدد وهام يتصل بالمجتمع، لا يزال يرى فيها مجتمعة جميعا خصائص تصنع الأدب الرسمي، وما كان دونها فهو أدب شعبي أو أدب هامشي أو أدب سطحي، وهي مصطلحات غير متساوية في المعنى لكنها تتساوى في الاستخدام بفعل الفوضى المصطلحية والتقسيمات العشوائية للأدب، وكذلك التوظيف الخاطئ للمصطلح الأجنبيparalittérature، الذي لا يزال هو الآخر غير واضح الرؤية حتى في أصله واستخدامه [1]La notion de paralittérature estrécente, et elle est peu claire.»» فالاصطلاح paralittératureقابله في الترجمة إلى العربية اصطلاح الأدب الموازي، الذي انضوت تحت مفهومه كل الأجناس الأدبية التي تحمل مفهوم الثقافة الشعبية بمعناها العام لا الخاص، الذي يراد منه فئة المتلقي والقارئ البسيط المحدود الأفق، كالأدب الشعبي، والكتابة البوليسية وأدب الخيال العلمي، والأدب التفاعلي باعتباره من أحدث أشكال النص الأدبي اليوم. فإن اعتبرنا الأدب الشعبي نوعا من الكتابة المحدودة اللغة واللاراقية التي لا تحتاج إلى متلقي سامق المعرفة، فهل يمكن أن نصنف الكتابة البوليسية وأدب الخيال العلمي في خانة الأدب الشعبي؟ ألا يحتاج هذين الجنسين من الكتابة الأدبية إلى منتج ومؤلف بارع بالإضافة إلى متلقي حاذق في التعامل مع بينية هذين النصين؟

فاستخدام الاصطلاحات السابقة في المتداول الأجنبي متساوي وكلها تعني أدبا موازيا لا مجموعة من الأجناس تشكل أدبا موازيا، فقد جاء في معجم لاروس Larousse تعريف paralittératureكالآتي:

«littérature en marge de la littérature établie et qui comprend des genres tels que la science-fiction, le fantastique, le roman-feuilleton, la bande dessinée, le roman policier, etc., destinés à un large public»[2]

وبالنظر في التركيب الاصطلاحي العربي: الأدب الموازي، نجده مركبا من شقين هما:

الأدب: بمعناه الخاص الذي هو الشعر والنثر وما يتصل بهما من خواص جمالية ومقاييس نقدية.

الموزاي: الموازاة تعني التحاذي والتقابل، وأيضا المعادل.

فإن سلمنا بهذا التحديد فسنقع في مأزق علمي مصطلحي، وهو تحقيق التعادل الذي ينتهي بالتماثل بين ما هو رفيع وما هو غير رفيع، لتوفر مصطلح الأدب الذي يقتضي الجمالية والشاعرية في الرسمي وغير الرسمي. وإذا نظرنا إلى التحليل الاصطلاحي لـ: paralittérature فإننا نقع على الآتي:

Définition :

Littérature : écrit, grande qualité, classique

Parallèle : ce qui est à côté

Paralittérature : ce qui est à côté de la littérature

Paralittérature : littérature de grande consommation ou populaire ou industrielle

Plus accessible, pour le divertissement

فيصبح المعنى على هذا النحو معاكسا للكتابة الأدبية الكلاسيكية أو الرسمية، ولعلنا بذلك نتبنى الاصطلاح العربي: الأدب المضاد أو الأدب المعاكس[3]، لكن هل كل مضامين أجناس الكتابة في الأدب الموزاي مضادة ومعاكسة لمضامين الأدب الرسمي؟ وهو مالا يمكن أن يكون صحيحا مطلقا، والحال هذه، فأي التراكيب الاصطلاحية نعتمد لتسمية جنس كتابي ليس وليد الأدب العربي ولا حتى مظهر من مظاهر تطوره ورقيه، فهو وليد الحركة الأدبية الغربية في القرن التاسع عشر التي أفرزت ما سمي بالرواية الجديدة التي تحمل آمال وآلام المسحوقين من فئات الشعب. ولعلنا في هذا السياق نطرح سؤالا بإلحاح: هل نحن في حاجة إلى أدب عربي موازي؟

خصائص الأدب الموازي:

من خلال بحثنا عن مفهوم دقيق ومحدد للأدب الموازي، لم نعثر له إلا على أنه أدب من الدرجة الثانية، أقل شأنا من الأدب الرفيع، إن في شكله أو مضمونه، بل وفي خصائصه الفنية، لذلك نوجز خصائص الأدب الموازي في الآتي:

Œ الشكل:

لا يختلف الأدب الموازي عن غيره من الأدب، في شكل الكتابة، فهو يعتمد الخصائص الفنية ذاتها المستعملة ي الشعر والنثر وسائر أجناس الكتابة الأدبية الأخرى.

 المضمون:

يتميز الأدب الموازي، بمضامين خاصة تستجيب لمتطلبات الفئات الشعبية المختلفة، إذ يمكن أن نسميه أدب العامة التي لا تجد حرجا في طرق كل المواضيع وبأساليب مختلفة وبجرأة أكبر، تسمح لها بتجاوز فنيات الكتابة الأدبية، مثلما يحدث في السير والقصص الشعبية، وقصص الخيال وغيرها.

Ž اللغة:

مستوى هذا النوع من الكتابة ليس بأقل من مستوى الأدب الرسمي، بل وأحيانا يفوقه في استخدام الرموز اللغوية، التي تتطلب إعمال العقل والتفكر الجدي في المعاني غير الظاهرة، خاصة في التعبير عن الخوارق واللامعقول والمنطقي من الأمور والقضايا.

 الفنية:

إن فنية الأدب الموازي لا يمكن أن تتوحد مع فنية الأدب الرسمي، وذلك لاختلاف المضامين وأسلوب الكتابة والغايات، ففنية الكتابة البوليسية لا تشبه في أي حال من الأحوال فنية الرواية الاجتماعية، وفنية قصص الخيال العلمي لا تتوحد مطلقا مع فنية قصص الوعظ الإرشاد التي تخاطب العقول بشكل دقيق. فلا يمكن الانتصار لفنية أدب دون الآخر، كما لا يمكن إدراج فنية الأدب الموازي في الخانة الثانية بعد الأدب الرسمي.

أشكال الأدب الموازي:

بالنظر إلى المفهوم الغربي الآتي:[1]

«Romanpopulaire»,«littératuredemasse»,«romanfeuilleton»,«romandequat'sous»(lesAnglaisdiront«penny dreadful»;les Américains,«dimenovel»),«infralittérature»... :ilestunvastedomainedelaproduction imprimée excludumondede laculture, domaine aujourd'hui encore très peu étudié et qui reste assez mal circonscrit.

Tous les termes que nous venons de citer, dont les aires d'application se chevauchent, ont pour réfèrent une masse hétéroclite d'objets «culturels» qui semblent n'avoir d'autre chose en commun que leur absence prétendue de valeur esthétique.»

يلخصهذا المفهوم أشكال وأجناس الأدب الموازي التي يمكن حصرها في الآتي:

الرواية الشعبية، أدب الجماهير، الكتابة البوليسية، أدب الخيال العلمي، وغيرها من الأشكال الأخرى الموجودة في الكتابة العربية: كالأدب الشعبي، وأدب السير، وأدب الرحلات.

في نقد الأدب الموازي...

إن تحقق مفهوم الأدبية بالنسبة للنصوص الأدبية المكتوبة، متعلق بعديد العوامل التي تمس بشكل مباشر أركان العملية الإبداعية من منتج ونص ومتلقي، فالنص لا يقوم حيا إلا بتأسس علاقة تفاعلية تبادلية بين المنتج والتلقي، تسمح للنص في مرحلة أولى بتجاوز كونه صدى لجملة من الأفكار التي اختار لها المنتج اللغة والتحرير للعبارة عنها، مغذيا نصه بحمولة معرفية متغيرة تعكسها استعانة المنتج بالوسائل اللغوية وغير اللغوية في تهيئة نصه وتحويله نحو فعل القراءة، ليتجاوز في مرحلة ثانية فضول المتلقي وشبقه المتزايد لتفتيت مفاصل هذا النص، عبر قيامه بسلسلة من العمليات تنبني بالتفسير وتتدرج حتى تنتهي إلى التأويل ومن ثم نحو بعد تداولي للنص.

غير أن تحول النص نحو البعد التداولي، ليس بالعملية العشوائية ولا الاستقصائية غير المنظمة للرؤى المختلفة لجمهور المتلقين والقراء، فالعملية النقدية كفيلة عبر ممارساتها المختلفة بتوجيه رؤى القراء نحو المنهج السليم الذي يعضد هذه الرؤى ويدلل على صحة مراميها، لذلك كان النص الأدبي في حاجة ماسة إلى ممارسة نقدية تقوم بتفسيره أولا، وتقوّمه ثانيا في عمليّة واحترافية لا تفقد النص جوهره الذي وضعه المنتج ولا خصوصياته التي صنعها جمهور القراء. وليست نصوص الأدب الموازي بمعزل عن هذا الإجراء النمطي الذي يميز سائر النصوص الأدبية في مختلف أجناسها.

وتجدر بي الإشارة؛ إلى أن ما سيأتي من مضامين ومفاهيم تتعلق بمفهوم نقد الأدب الموازي وخصائصه وآلياته هي اجتهاد شخصي، حاولت من خلال ما وقع تحت يدي وما طالته من كتب ومقالات على شأن بهذه الممارسة النقدية، حاولت استخلاص مفهوم نقد الأدب الموازي وأدواته، ولست أدعي البراعة والقدرة المطلقة في الاجتهاد العلمي والإصابة فيه، غير أنني أطلب من القارئ والباحث المعذرة والتقويم والتصحيح لما أحسبه اجتهادا علميا.

مفهوم النقد الموازي (نقد الأدب الموازي):

إن نصوص الأدب الموازي مع اختلاف غاياتها وأساليب كتّابها، إلا أنها لا تنفك تجتمع في خصائص النص الأدبي من لغة وشكل ومضمون وفنية تصنع روح العمل وتشكّل قمة الإبداع فيه، لذلك فكل عملية نقدية لنصوص هذا النوع من الأدب من المنطقي أن تسمى بما يناسب تسمية هذا الجنس، فيطلق على العملية النقدية التي تتم من خلالها مقاربة محتويات هذه النصوص والنظر فيها، بالوقوف على عناصرها المشكلة لها: النقد الموازي، وبشكل دقيق تفاديا للفوضى المصطلحية التي قد تعكسها لفظة الموازي من الأفضل استخدامنا للتركيب المصطلحي: نقد الأدب الموازي.

فنقد الأدب الموازي، هو تلك الممارسة الفنية والعلمية التي تجمع إلى جانب الكشف عن الجمالية في النصوص تحصيل المنهج العلمي الصحيح أثناء النظر في مضامين أجناس الأدب الموازي، إذ لا تختلف الممارسة النقدية الموازية عن أي ممارسة نقدية أخرى في باقي الأجناس الأدبية الأخرى، فهي تعتمد أداة الذوق والنظر في اللغة والبحث عن الجمالية، والانتهاء إلى إعادة بناء نص مغاير للنص المنقود في بناه اللغوية التي تشكل أحكام تقويمية لا تقييمية ذاتية في حق المنتج أو القارئ.

لأجل ذلك، فإن ما يمنح النقد الموازي نوعا من التميز عن النقد الفني والأكاديمي للنص الأدبي، هو تشكيله لأحكام تقويمية وقيامه بخطوات تحليلية تختلف عن المنهج النمطي المكرور في سائر الأعمال الأدبية التي تنتمي لنفس اللون أو النوع الأدبي، فنقد الكتابة البوليسية أو رواية الخيال العلمي ليس دائما ثابت المعالم محدّد المنهج ومعلوم الخطوات عند سائر من يمارسون النقد، إذ في الكتابة البوليسية أو في قصص الخيال العلمي أو في الأدب الشعبي آلاف الألوان والطرق الكتابية وحتى المستويات القرائية والنقدية متباينة لدرجة خطيرة قد تتسبب في اضطراب العمل النقدي الموازي، الذي يصبح منتجا لنص موازي للنص الأصلي قيد النقد، فهو لا ينفذ إلى المضمون إلا بعد تشكيل تصور عام عن النص الموازي للنص الأصلي.

خصائص النقد الموازي:

ينماز النقد الموازي بخاصيتين أساسيتين هما:

Œ التباين الحاصل بين مضامين أجناس الأدب الموازي، مما يجعل استحالة تأسيس منهج نقدي موحد أو على الأقل معلوم السمات يمكن للنقاد متابعة خطواته ومحاولة تطبيقها في الممارسات النقدية العملية.

 موسوعية الممارسة النقدية التي تتأسس في الأصل بالذوق وبالثقافة الواسعة والاطلاع العام والشامل لكل جزئيات النص الأدبي الموازي وبما بعكس من ثقافات مختلفة وتصورات غيرية تتعلق في الغالب بممارسات أقرب إلى الخيال أحيانا وإلى الواقع في أحايين كثيرة، مما يجعل هذه الممارسة النقدية محفوفة بالمخاطر غير مكتملة الصورة لا تخضع لمنهج مثالي أثناء القراءة، والتفسير والتحليل وإعادة البناء المفضية إلى تشكيل الحكم النقدي.

آليات النقد الموازي:

لا تختلف آليات النقد الموازي عن سائر النقود الأدبية الأخرى، فهو بحاجة إلى ناقد متمرس، يعمل فكره فيما يقع بين يديه من مضامين النصوص الأدبية الموازية على تنوعها الشديد، فيجب على الناقد أن تتوسع مداركه الثقافية وحتى العلمية التي تعينه على تحليل بعض المحتويات التي تستحضر العقل بصورة تجريدية خاصة أثناء بناء وقائع أحداثها أو تصوير شخصياتها التي تبتعد كثيرا عن مجرد شخصيات ورقية هدفها التسلية والمتعة الفنية وحسب، ولزام على الناقد أن يكون صاحب طريقة عملية تطبيقية تمتزج فيها التصورات الواقعية والاحتمالات الفرضية أو التخييلية التي عادة ما تكون اللبنة الأساسية في بناء مضمون الأدب الموازي.

كما أن لذوق الناقد دور بارز في اكتشاف خبايا النصوص وتحديد مواطنها الجمالية المدسوسة بطريقة بارعة من منتجها في تحد منه لجمهور القراء والنقاد، ولعل الناقد مؤاخذ في العثور عليها وكشفها أكثر من أي قارئ آخر، على اعتبار أن الناقد قارئ نموذجي وفاعل.

وعلى العموم ليست تختلف كثيرا آليات النقد الموازي عن آليات النقد الأدبي الأخرى، لأنها جميعا تتحد في الغايات التي عمادها تحقيق فهم للنصوص الأدبية ومن ثم تقويمها بما يهيئها للقراءة والمتابعة التحليلية من جمهور المتلقين.

كتابة بوليسية .... أم أدب ورواية بوليسية... رؤى ومفاهيم   

يبدو أن أدبية النص اليوم، لم تعد خافية ولا مشكلة مستعصية للمشتغلين بالحقول النقدية الأدبية، إذ أصبح من اليسير الآن أن تحظى الكتابة بصفة الأدبية إن توفرت على جملة من المقومات العامة التي تصنع خصوصية النص الأدبي وتحدد ماهيته وغايته بالنسبة لغيره من النصوص المكتوبة، فشرط الجمالية، والتحول نحو الرسالية وبناء العملية التواصلية بالمضامين والموضوعات، من أبرز متطلبات الكتابة الطامحة إلى توصيف الأدبية.

غير أن الأمر ليس في هذه البساطة التي يبدو عليها، فالتحولات الطارئة على العلوم والمعارف المتراكمة، والنظر في التغيرات العالمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ القرن التاسع عشر وحتى أواسط وأواخر القرن العشرين وبشكل حاد جدا، كان سببا رئيسا لظهور أنواع من الكتابات أراد بها أصحابها معالجة مشاكل المجتمعات العالمية دون استثناء، أو بعض مشكلات طبقات المجتمعات المحلية التي ينتمون إليها، مما جعل انتماء هذه الصنوف من الكتابات إلى الحقل الأدبي أمرا تشوبه الكثير من العوائق المعرفية والعلمية التي حدّدت للأدب مفهوما معينا خلصه من شكلية الكتابة العابرة.

ولعل من بين أشكال هذه الكتابات ما سمي بالرواية البوليسية، التي نفضل أن نطلق عليها في مرحلة أولية الكتابة البوليسية، حتى نمعن النظر في مفهومها وخواصها وما يمكن أن يجعلها جنسا أدبيا يسمح بعدّها من صنوف الكتابة الأدبية.

مفهوم الكتابة البوليسية:

إن ما عثرنا عليه من تعاريف ومقاربات لهذا النوع من الكتابة، لم يكن البتة واضح المفهوم ولا المعالم، إذ تعتبر هذه المفهومات هذه الكتابة متضمنة في جنس الرواية أو القصة، وتشرع في سرد محتوياتها المفاهيمية باعتباره جنسا روائيا أو قصة بوليسية بل وأحيانا تنتهي إلى اعتباره أدبا بوليسيا[4]، ومن هذه المفاهيم من تناول هذه الكتابة بمسمى القصة البوليسية ثم تصنف هذه القصة إلى أجناس منها الكتابة البوليسية، «تندرج القصة البوليسية تحت إطار السرد القصصي عامة ومن ثم فهي ليست جنسا قائما بذاته، بل هي من الأنماط السردية المتداولة مثل قصص الخيال العلمي وقصص الأطفال»[5]، ثم يواصل صاحب المقال معالجته لمفهوم القصة البوليسية ليخلص إلى أشكالها، قائلا:«يمكن الحديث عن أشكال الكتابة القصصية البوليسية، من خلال المنجز النصي السائد على الشكل الآتي: رواية الجاسوسية.....، الكتابة البوليسية التقليدية (النموذجية).....، الرواية ذات اللغز.... »[6]، ومن غريب ما جاء في اعتبار الكتابة البوليسية أدبا روائيا ومن ثم روائيا عربيا، أن «الرواية البوليسية ساهمت بدور تأسيسي في ظهور الرواية العربية، ومن ثمة جسدت هذه الرواية مرحلة انتقال من السرد الشفهي إلى السرد المكتوب»[7]، ومن جملة المفاهيم أيضا: «الأدب البوليسي عبارة عن الرواية أو القصة التي تبنى على عملية التحري التي يقوم بها رجال البوليس أو تحر خاص بحثا عن مرتكب جريمة أو عدة جرائم وتغليف عملية البحث هذه بإطار تشويقي...»[8] وأيضا، «الرواية البوليسية لون خاص جداً من ألوان الأدب. تنتقل بالقارئ إلى عالم الجريمة المناقض بأحداثه وحركته لرتابة الحياة اليومية، وتعده بحتمية تحقيق العدالة في النهاية.بطلاها اثنان: مجرم يوقظ فينا القلق مما يمكن للحياة الاجتماعية أن تحمله من مخاطر، وشرطي أو محقق يأوي قلقنا ويبدده بفعل قدرته على الانتصار للحق»[9].

إن النظر بإنعام في هذه التعاريف، يؤكد أنها قد ضمت الكتابة البوليسية إلى جنس الرواية الأدبية بل اعتبرتها أدبا في حد ذاتها، دون مبررات ولا مسوغات أو حتى خصائص كتابية تؤكد وتسمح بتصنيف الكتابة البوليسية في خانة الأدب وبالتحديد في جنس الرواية، إذ تُجمع المفاهيم السابقة وغيرها أن عناصر هذه الكتابة هي عنصرين أساسيين يشتملان على جملة من العناصر الأخرى، توضحهما الخطاطة الآتية:

maka1

 
   

ولم نجد فيما وقع بين أيدينا من مفاهيم غربية أو عربية ـ التي هي في الأصل ترجمة للمفاهيم الغربية ما يأتي على ذكر الجانب الفني أو البنائي للكتابة البوليسية الذي يخوّل تصنيفها في جنس الرواية الأدبية والأدب يشكل عام، إذ من خصائص الرواية الأدبية العامة الآتي: موضوع الرواية، التفصيل في الرواية، فنية الرواية، طبيعة الرواية، ذاتية الرواية، وغيرها من العناصر الأخرى المشكلة لجنس الرواية. بالإضافة إلى الغايات التي تحققها الرواية للمتلقي والقارئ إذ تضمن لهمتعة السرد، ومتعة التخيل، وما تتركه اللعبة اللغوية في الرواية من علامات غامضة تأخذ بلب القارئ فيسعى إلى إعمال عقله في متابعتها وبناء أفق قرائي لها. وغيرها من الشحنات العاطفية والكوامن المعرفية التي تجعل القارئ منجذبا نحو النص الروائي متعلقا به ومتفاعلا معه في تناسق وانسجام عجيبين.

ولعل معظم إن لم نقل كل تلك الخصائص الفنية والغايات من العمل الروائي غير متحقق في الكتابة البوليسية، مما يؤكد ابتعادها عن اكتساب الصفة الأدبية أو تصنيفها في الجنس الروائي لسبب وجود عنصري التشويق والإثارة، والقوة التخيلية المكثفة في هذا اللون من الكتابات، ولا أدل على ذلك من عزوف النقاد المشتغلين بالنقد الأدبي الجاد عن الالتفات إلى هذه الكتابة، لأن «الرأي السائد في أوساط النقد الأدبي أن الكتابة البوليسية مستبعدة تماما من مجال الأدب، فلا يوليها النقاد أي اهتمام، ولا يذكرونها إذا اضطرتهم الدراسة أو المقارنة إلى الإشارة إليها إلا موصوفة بالرخص والابتذال»[10].

مما سبق طرحه، أخلص إلى أن الكتابة البوليسية أو الكتابة التي تتخذ من الجريمة موضوعا أساسيا فيها، ينكب اهتمام كاتبها على إيجاد لحل للغز الجريمة عبر محقق أو مُتحرّ، ليست هذه الكتابة من الأدب في شيء، ذلك أن استخدامها للغة أو توظيفها لعناصر الغموض والتشويق والقدرة التخيلية، ليس كافيا ليصنفها في مستوى الكتابة الأدبية، فالنص الأدبي بلغته وموضوعه وطريقة طرحه، وبالأفق الغائي الذي يسمح للمتلقي والقارئ بالتفاعل مع المضامين التي تصير معرفية تدفع نحو تصور وأفق قرائي وإنتاجي جديد للنصوص الأدبية.

ومن مفاهيم الكتابة البوليسية الغربية مايأتي:

«Le policier est un genre narratif centré sur un crime au sens juridique du terme, structuréenfonction desixéléments principaux :lecrime, la victime, l’enquête, le coupable, le mobile, lemodeopératoire.

Il s’inscrit   dans   une   société   donnée   qui   apparaît   au   premier   plan   quand  il   s’agit   d’unroman noir ou d’un roman policier historique, mais qui peut n’être qu’à peine suggérée lorsquele récit estconcentré surlespersonnages[11].«

يؤكد هذا المفهوم، أن الكتابة البوليسية نوع وصفي يعتمد على وجود الجريمة عنصرا أساسيا، ويتكون من ستة عناصر هي: الجريمة، الضحية، التحقيق، المذنب، الوسيلة.

«Le roman policier est un roman organisé autour de l’élucidation d’un crime, qui peut être de natures diverses : meurtre, suicide, viol, cambriolage, etc. En général, il suit le déroulement de l’enquête et l’enquêteur, qui peut être un professionnel ou non, est le personnage principal     .

D’une certaine manière, dans un roman policier, il y a donc deux histoires: celle qui a mené au crime et qu’il faut reconstituer et celle de l’enquête que le lecteur suit pas à pas.»[12]

الرواية البوليسية متأسسة على وجود الجريمة بمختلف أنواعها: قتل، وسرقة وانتحار واعتداء، حيث يتبع الكاتب عادة مجريات سير التحقيق عبر المحقق المحترف أو العادي، مع الاهتمام بالشخصية الرئيسية. وفي جميع الأحوال تقوم الكتابة البوليسية على قصتين، تتعلق الأولى بالجريمة، والثانية بالمحقق وقدرته على حل لغز هذه الجريمة.

ويمكن تحديد السمات الخاصة بهذه الكتابة بتحليل القول الآتي:

«Il s'agit d'un récit fictif (même s'il peut être inspiré d'un fait réel) qui traite de faits concernant lapolice (qui ne se réalisent pas nécessairement et ne sont pas obligatoirement des crimes).Il existe unenquêteur, éventuellement le lecteur. La plupartdu temps, le surnaturel en est exclus»[13].

يعتبر هذا المفهوم، أن الكتابة البوليسية، قد تستخدم أحداثا قصصية خيالية أو مستوحاة من الواقع تعالج قضايا بوليسية ليس من الضروري أن تكون جرائم، فقط يجب أن تتوفر على محقق، وفي هذه الكتابة يستبعد القارئ من العمل في معظم الأحيان.

والخطاطة الآتية توضح كيفية توزع العناصر المكونة للكتابة البوليسية والتي تجعلها تنقسم إلى عدة أصناف كتابية كالآتي:

maka2

»Le genre du roman policier regroupe en réalité différents sous-genres, tels que le «roman à énigmes», le «roman noir» ou le « thriller » qui ont chacun leursspécificités et leurs adeptes.»[14]

حيث تعتبر التصنيفات الفرعية ثانوية بالنسبة للكتابة البوليسية، فهي لا تمثل إلا جزءا منها، بحسب وجود العناصر السابقة وترتيبها من قبل الكاتب، هذا الترتيب الذي يسمح بتحديد العديد من الفروع للكتابة البوليسية: كالرواية اللغز، الرواية السوداء، وراويات القاتل أو القتل المتسلسل وغيرها.

تباين المواقف الغربية من الكتابة البوليسية:

إن التباين الحاصل بين كتاب هذه الطريقة في توظيف عناصر الكتابة البوليسية وتراتبيتها وأهميتها، جعل الكثير من النقاد والروائيين الغربيين يختلفون في انتماء هذا اللون إلى الأدب من عدمه، ومن ذلك ما نلمسه من اضطراب عند فرانسوا فوسكا François Foscaحيث يعتبر الكتابة البوليسية: «نصا يتضمن مطاردة الإنسان أساسا : مطاردة يستعمل فيها التحليل الذي يعكس للوهلة الأولى قصة عديمة الفائدة، و ذلك قصد استخلاص حقائق أساسية منها . . وبدون هذا النوع من التحليل، تبقى الرواية التي تسرد مطاردة الإنسان مجرد رواية لا تمت بأية صلة للرواية البوليسية»[15]، فالكتابة البوليسية لا تتأسس إلا بفرض وجود المطاردة التي تعكس العلاقة بين المجرم والمحقق، فأحدهما مطَارَد والآخر مطَارِد، ومن غير هذه العلاقة لا وجود لهذا النوع من أساسه، أما بول موران Paul morène فيختلف عن سابقه تماما،إذ يكفيه أن يتوفر عنصر التشويق والارهاب والفزع بشكل كثيف لتكون الكتابة بوليسية، «نحن لا نرجو من الكتابة البوليسية أن تكون رواية تحليلية تعتمد على جانب نفسي خاطئ أو صحيح وإنما يهمنا منها أن تشدنا إليها و تفزعنا حتى النهاية، لأن دورها ليس سبر الأغوار ولكن تحريك الغرائز بواسطة حركة مضبوطة كحركة الساعة»[16]، فالغاية الأساسية من فعل الكتابة ـ المتمثلة في تحليل الأحداث ومعالجتها وإشراك القارئ في ذلك ـ غير ضرورية ولا هامة، بل يكفي هذه الكتابة أن تثير الخوف والاضطراب والفزع في نفس متلقيها لتكون كتابة بوليسية من نمط رفيع. غير أن فان دين يعتقد أن الاعتناء بهذه العناصر، السابقة الذكر، فقط يؤدي إلى الإسفاف بهذا النوع الكتابي وإدراجه في خانة أخرى غير خانة الأدب «تصبح الكتابة البوليسية جنسا أدبيا هشا، لا يرقى إلى مصاف الآداب الراقية وهذا من شأنه التشكيك في واقعية الشخصيات وسلوكاتها داخل الحدث الروائي»[17].

مما سبق طرحه، أنتهي إلى أن الكتابة البوليسية الغربية والتي قطعت أشواطا طويلة منذ القرن التاسع عشر أين ظهرت لونا كتابيا شائعا، مازالت، إلى يومنا هذا، لم تجد شاطئا في مرافئ الأدب، فحتى مؤسسوها لم تكن لهم الشجاعة الكافية لاعتبارها نصا أدبيا من دون منازع،ومن هؤلاء بول ألكسندر Paul Alexandreالذي يرى «بأن الأدب هو الحياة، وبما أن الكتابة البوليسية مجرد آلية»[18]، فهي لا تنتمي إلى حقل الآداب بل اختلفت آراؤهم وتباينت وجهاتهم حد التناقض، وانتهى الكثير منهم إلا الإقرار بأن محتوى «أن محتوى الرواية البولسية يتكرر دوما جريمة، تحقيق، القبض على المجرم.فكاتب الرواية البولسية لا يكلف نفسه إلا الربط بين العناصر والرد على الأسئلة الآتية: متى، لماذا، كيف (Quand, Pourquoi, Comment) فهي كما يبدو آلية انعدم فيها طرح قضية»[19].

         الكتابة البوليسية في الأدب العربي:

حين مطالعتي لعديد المقالات والدراسات التي تابعت وجود الكتابة البوليسية في الأدب العربي، وقعت على جمل من التناقضات بين هؤلاء الدارسين وأصحاب المقالات، فهم لا يخرجون عن ثلاثة أصناف:

Œصنف أول: يأسف لعدم وجود هذا اللون من الكتابة في الأدب العربي ويصف مجتمع هذا الأخير بالتخلف والجمود الفكري والتكنولوجي، إذ رأت نعمة الخالدي أن «تخلف المنطقة العربية على المستوى العلمي والتكنولوجي وكذا المفاهيمي والفلسفي والسوسيولوجي»[20] يُغيّب إمكانية وجود هذا النوع من الكتابة في الأدب العربي، وهو ما يراه أيضا إبراهيم أصلان، حين يعيب غياب الأدوات الحقيقية لعمل الشرطة وقلة خبرات رجالها، «فعدم وجود تقنيات وأدوات ما بعد الجريمة، مثل المحقق ومفتش البوليس ورجل الشرطة والمحلفين، وكذلك إجراءات التحقيق الدقيقة والمستقرة والتي لا يمكن زعزعتها بأي حال من الأحوال... فبدونهم لا تصبح الرواية بوليسية وبهم ، في مجتمعنا العربي الذي لا يعرفهم ـ تصبح شطحات خيال مؤلف نطلق عليه اسم فانتازيا لأنها لا تتواءم مع ما نراه في مجتمعنا العربي»[21].

صنف ثان: يرى باستحالة وجود مثل هذه الكتابة في الأدب العربي، لترفعه عنها باعتبارها من الآداب الهامشية التي لا يراد منها غير التسلية وتزجية الوقت. ولعلي أوافق هذا الرأي تماما؛ فإن كان من ظهر عندهم هذا النوع من الكتابة لم يعدوه أدبا رسميا ولم يسمحوا له بأن يكون له مقعد في الدرس الأكاديمي، فكيف الحال إذن عند من لا يمتلكون مقومات هذه الكتابة حسب بعض الدارسين؟ إذ تعرف «الرواية البوليسية انتشارا واسعا بين جمهور عريض من القراء، في كل أنحاء العالم، لكنها، وعلى الرغم من ذلك، ظلت لزمن مبعدة عن مجال الأدب، معتبرة أدبا هامشيا، غايته التسلية والترفيه وإثارة المتلقي العادي الشعبي وتشويقه، وقد أدرجها النقد الغربي في خانة الأدب الشعبي»[22]، وهو ما نلمسه في أدبنا العربي الذي يعتد بصنوف الكتابة الأدبية من حيث موضوعاتها وأساليبها الرائقة والرفيعة، ما دفع بالمشتغلين بالكتابة البوليسية العربية، إلى تسمية هؤلاء الأدباء الذين يطلبون الجودة الأدبية بالنخبة، «فارتباط إنتاج الأدب في الوطن العربي بالنخب ـ من أدباء ودارسين ونقاد ـ ، المنفتحة على الثقافة الغربية، مما أدى إلى تأثرها بموقف المؤسسات الثقافية الغربية من الكتابة البوليسية ورفضت الاعتراف بها واعتبرتها أدبا هامشيا شعبيا لا يرقى إلى مستوى الأدب، نظرا لتركيزها على الأحداث وإهمالها للغة الأدبية، وهو ما يفسر غيابها إلى وقت قريب، في الدراسات والاهتمامات الأكاديمية»[23]، إلا أن الأديب العربي الحق ليس في حاجة إلى التأثر بآراء غيره حتى تكون له رؤيته في أدبه الذي يتميز لا محالة عن غيره من الآداب الأخرى، فاختلاف «المصادر والمنابع بين الادب العربي والآداب الغربية يجعل من العسير خضوع الأدبين لمقاييس واحدة، أو لقوانين واحدة، والمعروف أن الآداب الغربية جميعا تستمد مصادرها من الأدب الهيليني والفلسفة اليونانية والحضارة الرومانية... يختلف اختلافا واضحا عن الأساس الذي يقوم عليه الأدب العربي الذي استمد مصدره أساسا من القرآن الكريم والإسلام والقيم العربية الأصيلة التي تلاقت مع مفاهيم الإسلام وانصهرت معها»[24].  

wصنف ثالث: يرى أنه لن يكون في الأدب العربي كتابة بوليسية مادام خاضعا لتقاليد الكتابة العربية من جهة، ومادام المجتمع متمسكا بالقيمة الخلقية من جهة ثانية. إذ يذهب الكثير من الباحثين في أصول الكتابة البوليسية إلى أن ظهورها مرتبط بالمدنية التي عرفتها أوروبا خلال الثورة الصناعية، تم اعتبار هذه الكتابة من ملامح الحضارة الأوروبية، فقد جاء في معجم النقد الأدبي أن الكتابة البوليسية «شكل روائي ظهر في القرن التاسع عشر مع التطور الحضري للمدينة الأوروبية، وتطور الشرطة، وكذلك العلم الوضعي، وكذا التقنيات الجديدة للبحث»[25]، كما أضاف عبد القادر شرشار جملة من الأسباب الفكرية والاجتماعية والثقافية أدت إلى ازدهار هذه الكتابة عند الغرب، ومنها[26]:

s نمو حس الأنانية، وحب الذات لدى الفرد الأوروبي، وانتشار هذه الظاهرة واستفحالها في المجتمعات الأكثر تصنعا.

s البحث عن الوحدة و العزلة، وهذا نتيجة الضغط الاجتماعي المفروض على الأفراد و المتسبب في اللاتعايش الاجتماعي في التجمعات الحضرية على غرار التآلف و التضامن بين الأفراد في المجتمعات الريفية.

s الطموح إلى اعتلاء مراكز السلطة، عن طريق استخدام أقبح الطرق، وأوضعها، كاللجوء إلى التزوير في الانتخابات و الممارسات اللاشرعية، و الرشوة. .

s اللجوء إلى العنف الشفهي أو الجسدي، وممارسة العنف السياسي، و ما يسببه هذا العنف من ضحايا إنسانية و أزمات اجتماعية و اقتصادية.

s انتشار ممارسة الجنس تحت تأثير الدعاية الإشهارية التي تتخذ مفاتن جسم المرأة العاري مادة لها، وتطور وسائل الإعلام السمعية البصرية وكثرة الملاهي، واعتبار الجنس ظاهرة اجتماعية تسمح بها أخلاق المجتمع الغربي.

فأي مدّ حضاري هذا اصبح فيه الفرد البشري ممتهنا لا عقيدة تقوّم حياته وتنظمها، ولا هم له سوى جمع المال والتسلط في الأرض، ولكنني أعجب لمن يعيب على المجتمع العربي برغم ما فيه من ظلم وجور ، يعيب عليه تمسكه بالأخلاق الفاضلة ويعتبرها عجزا وخذلانا وسببا مباشرا في عدم وجود كتابة بوليسية عربية بنفس عادات الكتابة الغربية، وهو ما يراه إدواراد خراط في معرض حديثه عن أسباب غياب الكتابة البوليسية في الأدب العربي يرجع إلى «القيم الاجتماعية التي نعيش عليها والتي لا تتيح المجال واسعا لأي كتابة بوليسية من أي نوع، فمقولات خليها على الله والصلح خير، تجعل مجتمعنا يبدو مسالما رغم أنه في الواقع غارق في الجريمة... لكنها غير منظمة ليس بها أي نوع من الحبكة مثل: جرائم الثأر والشرف والانتقام، وغيرها التي يصعب وصفها هي نفسها بالبوليسية»[27]، فمعاملة هذه الوضعيات من الجانب الديني أصبح عيبا بل ومرفوضا من أجل تأسيس هذه الكتابة في مجتمع هو إسلامي قبل أن يكون عربيا، إذ يجب التحول نحو «جمود الحس الديني، وعدم فعاليته في الحياة الاجتماعية و السياسية»[28] مثلما هو الشأن في المجتمع الغربي، لنسمح بوجود الجريمة المنتظمة وتحول الفرد المسلم العربي نحو الشراسة والعدوانية، التي وفي ظل التمسك بالدين الإسلامي أصبحت من بعض سمات المجتمع المسلم، الذي برغم « الواقع الأليم للمجتمع العربي الذي يعكس التناقض الرهيب بين المجتمع السياسي الذي تعمقت عزلته الأيديولوجية والمجتمع المدني الذي حطم القهر لحمته وتضامنه، بعد أن بذر فيه الاستعمار الاستيطاني بذور النزاع، وانحلال علاقات القربى و التضامن الجماعي. وعلى الرغم من ذلك كله بقيت ثوابت اجتماعية وأخلاقية حالت دون ترسخ أدب بوليسي بالمواصفات الغربية في الأدب العربي»[29].

مما سبق طرحه وطرقه، دعوني أوجه سؤالا لنفسي ولكم وللدارسين المشتغلين بهذا النوع من الكتابة، هل نحن بحاجة إلى كتابة بوليسية لنعالج مشاكل مجتمعنا الإسلامي العربي وما فيه من جرائم هي في الأصل غريبة عنه؟ هل نحن بحاجة إلى تبعية الغرب حتى في أدبنا بعد أن تبعناه فيما تعلق بحياتنا؟ هل يصلح أدب لغته هي لغة القرآن ومعانيه، بمقاييس أدب غربي مبني في معظمه على الإلحاد وتأليه الإنسان والتنكر للخالق جل سبحانه وتعالى؟ فوالذي أنفسنا بيده، لسنا بحاجة إلا إلى التعرف أكثر على ديننا وتطبيق تعاليمه السمحة وتشريعاته السديدة منهجا لتنظيم حياتنا وعلاقاتنا وتسجيل ذلك كله في إنتاج أدبي رائق يحمل المعرفة للإنسانية جمعاء. فأنا أفضل أن نبقى صحراويين كلاسيكيين مثلما أعاب أحد الدارسين على مجتمعنا قائلا: فحياتنا« التي كانت في مجملها، تعبيرا عن واقع صحراوي ومئات الشواهد في شعرنا و أمثلتنا و أحكامنا أثبتت ذلك»[30] أفضل من أن نكون تبعا لمن لو دخلوا حجر ضب لدخلناه، وأفضل أن تتوقف حياتنا على فكر نمطي بسيط تحيا فيه تعاليم الإسلام على أن نكون رواد حضارة تمتهن الانسانية. لذلك يعتبر «المحكي البوليسي مسارا في المجرى الروائي العربي مازال خافتا لم يُعلن عن نفسه إلا في نصوص معدودة كما لم يستطع أن يؤسس خصوصية وتراكما لافتين مثلما هو الشأن في أمريكا وعدد من دول أوربا (فرنسا، انجلترا، ألمانيا..) وآسيا وإفريقيا»[31].

أود أن أشير إلى مسألة مهمة ميّزت الأدب العربي، وهي اللبس الذي يقع فيه بعض الباحثين حينما يرى أن توظيف عنصر الجريمة في إحدى الروايات العربية أو الإتيان على ذكر تحقيق جنائي، يجعل من الرواية بوليسية أو ذات إيقاع بوليسي «وبخصوص واقع هذا الشكل التعبيري في مسيرة الرواية العربية، فهناك نوعان اقتربا من المحكي البوليسي الاجتماعي باعتماد تقنية الجريمة والتشويق: النوع الأول: المحكي البوليسي الخالص، ونصوصه قليلة باستثناء بعض التجارب المتخصصة في هذا اللون، والنوع الثاني: روايات تعتمد بعض عناصر الكتابة البوليسية دون الالتزام بها فهي توظف الشكل وبعض المكونات. وقد حفلت نصوص عربية من كافة الأقطار بهذا النوع من الكتاب ... حيث اهتموا بعنصر التشويق على حساب المكونات الأخرى للمحكي البوليسي»[32]. ويعتد المشتغلون بهذا التصور بما وُجد في الروايات العربية المتقدمة في فترات متميزة باختلال أنظمة الأمن والأوضاع الاجتماعية القاسية والمزرية، مثلما حدث في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي حين كانت الدول العربية متعثرة اقتصاديا واجتماعيا بل وسياسيا، فوجدوا في نماذج كرواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ، التي تعالج وضعا اجتماعيا واقعيا وتصوّر حياة فار من قسوة المجتمع ومن سطوة الأمن لارتكابه بعض السرقات والجرائم الأخرى، إذ لابد من أن يورد نجيب محفوظ تصويرا حيا لواقع الجرائم التي انزلق إليه سعيد مهران طلبا للعيش وللعدالة كما يراها بمنظاره وبعينه، وفي رأي لا يعني اعتماد نجيب محفوظ هذه التقنيات للحديث عن الجريمة أو تحقيق الشرطة، لا يعني استثماره لتقنيات الكتابة البوليسية أو حتى سعيه إليها طلبا للتغير السردي أو لنقل الوقائع، لأنه تكفيه في نظرنا لغته الواضحة الطافحة باليومية التي يحياها الفرد المصري، «ومن الضروري التمييز بين القصة البوليسية والقصة ذات الإيقاع البوليسي الذي قد يتوفر في قصص عديدة ونصوص سردية مختلفة.... فاللص والكلاب لنجيب محفوظ بالرغم من الجرائم المتعددة، والمطاردات المستمرة من قبل الشرطة، تظل رواية واقعية ابتعد فيها نجيب محفوظ عن واقعيته التقليدية بعناصرها الهادئة في الوصف والسرد والتأمل والاستبطان، في حين استفادت رواية اللص والكلاب من إيقاع الكتابة البوليسية السريع الملتبس بأجواء الجريمة والمطاردة لرجال الشرطة، دون أن تكون رواية بوليسية»[33]، فاللص والكلاب وغيرها من الروايات العربية التي حاولت نقل واقعها مع استعانتها ببعض التوصيف لمجريات الأحداث الإجرامية أو بتلك التي ترتبط بشكل مباشر بأنظمة الأمن، لا تعني أبدا وجود الكتابة البوليسية في الأدب العربي لونا أدبيا قائما وجنسا له قواعده ونماذجه، بل تبقى كتابات اجتماعية حقيقية بحثت عن جملة من القيم الضائعة، من عدل ومساواة وشرف وغيرها «فالبنية البوليسية في اللص والكلاب، وفي نماذج مشابهة، مجرد مرآة للبنية الأعمق مجسدة في البنية الواقعية، في حين تشكل الجرائم والمطاردة البوليسية مجرد عناصر ترميمية تؤثث الهدف الواقعي، بخلاف النص البوليسي الذي تصبح فيه الجريمة، والكشف عن ملابساتها، هي البداية والنهاية، أي تصبح غاية في ذاتها»[34].

إن غياب الكتابة البوليسية بمعاييرها الغربية والغريبة عن المجتمع الإسلامي العربي، لم يمنع ظهور شكل آخر من أشكال الكتابة التي قد تضم بعض الجرائم والتحقيقات الجنائية والتي قد تتقاطع نظريا مع بعض مميزات الكتابة البوليسية، إلا أنها تختلف عنها كلية في أهدافها وتوجهاتها وحتى في أسباب كتابتها، فهذا النوع من الكتابة لا يتخذ من الجريمة مبدأ أساسيا للحديث عنه ولا يضم صراعا فرديا بين مجرم ومحقق، كما لا ينظر إلى المجتمع بعين أصالة الإجرام فيه، بل تمجد هذه الكتابة القيم الوطنية والدوافع النبيلة في التضحية من أجل الوطن والقومية ومن أجل أهداف نبيلة لا تتقاطع مع المعطيات العقديةالإسلامية ولا الأعرافالاجتماعية، ولست أريد بهذا التوصيف إلا ما سمي بالرواية الجاسوسية، التي عدها الكثير من الدارسين صنفا من أصناف الكتابة البوليسية¯ فقط؛ لأنها تستمد من الكتابة البوليسية وجود الجريمة أو التحقيق، «يستفيد هذا النمط الروائي من تقنية النص البوليسي في جانب التحقيق الذي يأخذ في الكتابة البوليسية مسارات معقّدة»[35]، رغم اختلافي الشديد معهم للأسباب الآتية:

s تتأسس الكتابة البوليسية على المجرم، والجريمة والمحقق أساسا، «فقد اهتم أغلب كتّاب هذه الروايات بالمعاصرة عل حساب التاريخ، وكانت الجريمة هي نتاج العصر بإيقاعها المجنون المليء بالغموض والدم»[36]، بينما في الرواية الجاسوسية لا تشكل هذه العناصر أساس العمل بل هي حاضرة فيه بحكم ما تستدعيه مهام الجاسوسية.

s الكتابة البوليسية لا تحمل في مضامينها أية قيم حقيقية أو أخلاقية، باستثناء ما اعتبره بعض النقاد في انتصار الخير على الشر ممثلا في تفوق المحقق على المجرم ـ والذي لا أراه يمثل القيمة السابقة ـ بينما في الرواية الجاسوسية يتجسد البعد الوطني والانتماء القومي، وتتوضح قيم الشرف والشجاعة والجهاد والتضحية.

s الكتابة البوليسية تعكس تصورا إجراميا للمجتمع متبنية رؤية نفسية مريضة وغير صحيحة سنها فرويد بقوله المجتمع مؤسس على الجريمة، بينما الرواية الجاسوسية تحاول تصوير الجانب المشرق للمجتمعات الفقيرة والمظلومة التي لا يبخل أفرادها ولا يتأخرون عن فداء وطنهم وقوميتهم في أحلك الحالات.

ولأن الرواية الجاسوسية لا تتعارض وقيم العقيدة الإسلامية، إذ يرى الدكتور الطاهر المكي في معرض حدثيه عن الجاسوسية في الإسلام، قائلا: «في حياة الإسلام الأولى أمثلة كثيرة... وربما كانت غزوة الخندق أوضحها، فقد كان المسلمون يعرفون كل شيء عن أعدائهم في مكة... على حين لم يحاول هؤلاء أن يعرفوا شيئا... ولذلك عندما جاؤوا المدينة يهاجمون المسلمين ووجدوا خندقا يحيط بهم دهشوا، ورأوه عجيبا، ووقع الرعب في قلوبهم وعادوا من حيث جاؤوا دون أن يقاتلوا..»[37] ، كما لا تتعارض الرواية الجاسوسية ومتطلبات الكتابة في الأدب العربي الذي عكس في جميع مراحله حب الانتماء والفضيلة والذود عن الحمى، فقد أُخصب الأدب العربي بعديد الروايات الجاسوسية لعل أشهرها على الإطلاق ما خلفه صالح مرسي من إنتاج أشهره روايته: كنت جاسوسا في إسرائيل: رأفت الهجان الصادرة عام 1986م، والتي للأسف الشديد لم تنل حظوتها من الدرس النقدي والأدبي، سوى ما قدمته الدراما التلفزيونية التي شدت ولا تزال تشد قلوب الملايين من الوطنيين العرب كلما عرض مسلسل رأفت الهجان، وغيرها من الأعمال الدرامية التي تصوّر البطولات العربية في صراعها ضد الكيان الصهيوني، «كما أن النصوص المحسوبة على هذا النوع تتميّز بأدبيتها وانحيازها إلى عالم الرواية الرحب، وامتلاكها لوعي اجتماعي وسياسي يقود إلى رؤية ثقافية يحكمها التشويق وحس البحث عن حقيقة ما وسط شراسة الواقع وغزارة أسباب الكذب والخداع، وعجز الإنسان عن إدراك السلام والطمأنينة »[38]. ولذلك نجد للرواية الجاسوسية علاقة وثيقة بالرواية السياسية، لأن السياسة أقرب للنظام الأمني للدول من مجرد كتابة بوليسية.

نقد الكتابة البوليسية

وقبل التطرق لتفصيل إمكانية وجود نقد أدبي للكتابة البوليسية، وجب الوقوف مع التصورين الآتيين:

أولا: « إن أسلوب الكتابة البوليسية يميل إلى العقلانية والتفكير ويهمل العناية بالشكل. والذين تعرضوا لمقارنة مضامين الكتابة البوليسية بالآداب الكلاسيكية، ركزوا على الجانب الإنساني المفقود في القصة البوليسية»[39].

ثانيا: «الأدب البوليسي، أدب استهلاكي بالدرجة الأولى، وهو جنس أدبي لا يمكنه التحرر من القيود المفروضة عليه مسبقا، وهو إن حاول التحرر من هذه القيود، تجرد من سمة "البولسة"، وتحول إلى مجرد أدب عادي»[40].

يؤكد التصور الأول أن هذا النوع من الكتابة لا يعتني بالعناصر اللغوية اعتناءه بالأحداث التي يريد رصدها، لأن الحدث بالدرجة الاولى يؤسس لوجود ركائز وعناصر الكتابة البوليسية المتمثلة في: الجريمة، والمجرم، والمحقق. لذلك يتجه الكتاب نحو البحث عن القضايا الجنائية، والتقليب في ملفات الشرطة والمحققين والبوليس قصد تحصيل قضايا إجرامية، يكون لها الفضل في صناعة النص المكتوب وتقريبه من الواقع الحقيقي لإثارة عواطف القارئ واستجداء اهتمامه عبر التغيير من نمطية الجريمة وأساليبها وتصوير المستقبح والفضيع منها، طلبا لقتل مشاعر الشفقة نحو المجرم وتأكيدا على دور المحقق وبطولته، لذلك «تنشر حوادث القصة البوليسية نوعا من الغموض السحري، يهيج التفكير وينتظر الحل الأكيد، إذ إن القارئ على ثقة بأن هذه الألغاز واقعية إنسانية وأن شريرا ابتدعها، و سيهتدي إلى حلها إنسان خير أقدر منه، يغلبه فيها على أمره، ألا وهو رجل الشرطة المكلف بتتبع الجاني في القصة البوليسية»[41]، أو يوجه الكاتب اهتمامه نحو المجرم يصوّره بطريقة مرعبة منفرة للقارئ، أو العكس، يبعده تماما عن الشبهات فالمجرم شخصية مثقفة متزنة غنية لا تملك أدنى سبب للقتل ولكنه مع ذلك سفاح محترف؟

إن اتجاه كتاب الكتابة البوليسية نحو التقنيات المتطورة والبحوث العلمية الدقيقة المتعلقة بالأحياء، واستفادتهم من علوم حديثة كعلم الإجرام والتحقيق الجنائي، ينفي عنهم اعتمادهم التخييل الأدبي المعروف في كتابة نصوصهم بل يستعيضون عنه بالحقائق العلمية التي يوضبونها بهندسة غريبة تسقط قيمة الأدبية عن النصوص المكتوبة وتجعلها أقرب إلى التحقيق والتقرير منها إلى الأدب، إنما يتغير فيها توافر عناصر الجريمة وسير التحقيق وتراتبيتها من كاتب لآخر، فنصوص الكتابة البوليسية بعيدة كل البعد عن الخيال الأدبي متشابهة مع بعضها لا يميزها إلا «أن تكون الجريمة جرائم متعددة، كما أن أسلوب الرواية في التعامل مع هذه الركائز يختلف من كاتب لآخر، فهناك من يتخذ شخصية المجرم محورا يركز عليها كل الانتباه، ويبني تحقيقه على تتبع تحركات المجرم، مبرزا الحيل المستخدمة من قبل هذه الشخصية في تغطية الحجج المؤدية إلى اكتشاف إجرامه. كما يلجأ عرض بعض الأحداث المساعدة على تعتيم عملية التحقيق، وتبقى العناصر الأخرى في طي الكتمان؛ كالضحية، والمحقق، وهناك من الكتاب من يركز الانتباه على (المحقق)، فيتخذ منه الشخصية المحورية، ويتفنن في عرض قدراته الذهنية، وطرق بحثه وتفكيره، ليجعل منه في النهاية عبقريا في فن البحث وحيل المطاردة»[42].

ولأن الكتابة البوليسية كتابة مستهلكة تستهوي القارئ في وقت فراغه طلبا للإثارة التي أصبحت تقدمها له اليوم أفلام الحركة والرعب والقتل التسلسلي، فإنه لا يمكن الحديث عن عملية نقدية أدبية أو أكاديمية لهذا النوع من الكتابة، لأنها لم ولن تكون يوما جنسا أدبيا من جهة، ومن جهة أخرى هي تستعين بالمنهج النفسي في تحليل شخصيات المجرمين ودوافع الجريمة منطلقة من تصور فرويد المجتمع بطبعه متأسس على الجريمة، وهو طرح غير عقلاني أبدا ينتفي مع يؤكده الدين الإسلامي من جوانب عقلية وعاطفية وأن الإنسان خيّر بطبعه وفطرته.

غير أن هذا لم يمنع بعض الدارسين العرب ولعل أولهم وأكثرهم إنتاجا ومتابعة للكتابة البوليسية عبد القادر شرشار، الذي وضع جملة من الأسس يعتبرها فنية يمكن أن تقوم عليها عمليات نقدية لهذه الكتابة، إلا أنني أخالفه في طرحه وتصوره ومحاولته تطبيق ما وضعه على رواية الشيء الآخر لغسان كنفاني التي تعد كتابة عربية بمقاييس غربية تنتفي وقيم الدين الإسلامي، خاصة حينما ركز على الجنس بالنسبة للمرأة وأسرف في تصوير مشاهده العارية، وتصوير ليلى الحايك* زوجة خائنة تنتقم من واقع عجز جنسي في علاقتها مع زوجها، التي عوضتها بعلاقة أخرى آثمة مع محامي زوجها في صورة غريبة عن المجتمع الإسلامي العربي تأنف عنها حتى العادات والأعراف والأخلاق العربية، التي صرح الرسولe بأنه بُعث ليتممها، تأكيدا من ذاته الشريفة على وجود أخلاق حميدة عند العرب احتاجت فقط أن توضع في موضعها الصحيح.

ومن جملة المقاييس الفنية التي وضعها عبد القادر شرشار، ما سمّاه هرم نص الرواية، الذي يتوزع على خمس مراحل أساسية، بداية بما قبل الاحداث وانتهاء إلى إعادة التركيب، توضحها الخطاطة الآتية:¯

maka3


إذ يجب على الكاتب أن قبل الشروع في سرد نصه تهيئة القارئ بما يراه مناسبا من مقدمات استهلالية تسمح له بالتوغل على تفاصيل الجدث شيئا فشيئا، كأن يصف الكاتب حجرة مغلقة أو مكانا مشبوها، أو وكرا لأعمال قذرة، كما يصف سلاحا او أدوات حادة ليستعد القارئ نفسيا لاستقبال ما سيكون من حدث مباشرة بعد الاستهلال.

وفي مرحلة الحدث، يتم الكشف عن الجريمة او جزء منها، كيفية وقوعها وبأي أداة، كما من الممكن أن يؤتى على ذكر المجرم أو أن يتم التعرف عليه، ليتدخل المحقق مبديا مهارته ودهاءه بالإضافة إلى حنكته وسرعة حيلته، ويشرع في سلسلة من التحقيقات المضنية تنتهي بإعادة ترتيبه للأحداث والقبض على المجرم، وبذلك تنتهي الرواية أو قد يبقى المجرم طليقا مثلما في كتابات القاتل المتسلسل.

ومهما يكن من ترتيب هذه العناصر أو إعادة تشكيلها بحسب نوع الكتابة وتصور الكاتب الذي يتبنى قضية واقعية في اغلب الأحيان، فإني لا أقع على وجه للعملية النقدي في ذلك، فما يقدم ليس إلا سردا منتظما به نوع من التشويق ومساحة ضيقة جدا للتخييل لا ترقى لتشكِّل نصا أدبيا حقيقيا جديرا بعملية نقدية تكشف خباياه الجمالية والمعرفية تقف عليها بالنظر والتحليل، ناهيك عن الغرض والموضع الثابت والواحد في هذا النوع من الكتابة الذي لن يرقى في نظرنا ليكون يوما نصا أدبيا.



Marc Angenot , « Qu’est-ce que la paralittérature ? »Études littéraires, vol. 7, n° 1, 1974, p. 9-22.



Roger Bozzetto : écrits sur la Science-Fiction Notes pour un bilan portant sur la Science-Fiction et sa critique

http://www.quarante-deux.org/archives/bozzetto/ecrits/bilan/paralitterature.htmlنقلا عن الموقع الالكتروني:

: http://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/paralitt%C3%A9rature/57922نقلا عن الموقع الالكتروني

من المفيد إلفات النظر إلى أن القواميس الفرنسية تضيف للسابقة para معنى آخر هو ضد أو عكس. من الممكن جداً تبني هذه الترجمة عند الحديث عن نتاج مؤلفي ما يعرف بالرواية الجديدة الذين لا يخفون معارضتهم لتقنيات الكتابة الروائية الموروثة عن رواية القرن التاسع عشر والتي كان يصر بعض كتاب النصف الأول من القرن العشرين على إتباعها والتمسك الحرفي بآلياتها. إذا ما تبنينا الترجمة الأخيرة المقترحة للبادئة paraفسيكون معنى مصطلح paralittérature الأدب المضاد أو الأدب المعاكس على أنه لا فرق كبير بين الترجمتين. مقال موسوم بـ: بعض تجليات الأدب الشعبي في رواية ما بعد الحداثة، نقلا عن الموقع الالكتروني: http://www.alnaked-aliraqi.net/article/15834.php

لمزيد من التوسع ينظر: ·عبد القادر شرشار، الكتابة البوليسيةبحث في النظرية والأصول التاريخية والخصائص الفنية وأثر ذلك في الرواية العربية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003م، ص 11.

  • محمود قاسم، رواية التجسس و الصراع العربي الإسرائيلي، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، (د،ط)، (د،ت)، ص 19./ الموقع الالكتروني: http://ar.wikipedia.org/wiki

عبد الرحيم مؤدن، مقال موسوم بـ: القصة البوليسية في الأدب المغربي الحديث، فصول، مجلة النقد الأدبي، علمية محكمة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع76/صيف خريف 2009م، ص 83.

المرجع نفسه، ص 84.

المرجع السابق، ص 85.

مقال موسوم بـ : تعريف الأدب البوليسي، نقلا عن الموقع الالكتروني:    http://adabpolicier.blogspot.com/2010/12/blog-post.html

فيكتور سحاب، مقال موسوم بـ: الكتابة البوليسية، مجلة القافلة الالكترونية، ع46، سبتمبر/أكتوبر 2010م، نقلا عن الموقع الالكتروني: http://www.qafilah.com/q/ar/47/14/739

عبد الرحمان فهمي، مقال موسوم بـ: الكتابة البوليسية، فصول، مجلة النقد الأدبي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مج02، ع02، يناير/فبراير/مارس 1982م، ص 39.

la villa d’en face ;Boileau Narcejac

Copyright Éditions Didier 2012,Auteure : Myriam Louviot, Le roman policier

Atelier de Lecture asbl et Fr. Chatelain – 2003– Copie autorisée pour usage pédagogique en classe avec mention de la source.

Atelier de Lecture asbl et Fr. Chatelain – 2003– Copie autorisée pour usage pédagogique en classe avec mention de la source.

عبد القادر شرشار، الكتابة البوليسيةبحث في النظرية والأصول التاريخية والخصائص الفنية وأثر ذلك في الرواية العربية، ص 14.

المرجع نفسه، ص 14.

المرجع نفسه ، ص 15.

المرجع نفسه، ص 17.

المرجع نفسه، ص 18.

نعمة الخالدي، مقال موسوم بـ: الحضور الخجل، مجلة الدوحة، قطر، ع08، 2008م، ص 92.

رشا عامر، مقال موسوم بـ: الكتاب والنقاد يتعاملون معها باستعلاء الكتابة البوليسية مرفوعة من الخدمة، مجلة الأهرام العربي، مصر ع 487، 22 يوليو 2006م، ص 10.

بوشعيب الساوري، مقال موسوم بـ: مفارقة الإنتاج والتلقي في الكتابة البوليسية العربية، فصول، مجلة النقد الأدبي، ع76، ص69.

المرجع نفسه، ص 77.

أنور الجندي، خصائص الأدب العربي في مواجهة نظريات النقد الأدبي الحديث، دار الكتاب اللبناني، ط 02، 1985 م، ص 19.

بوشعيب الساوري، مقال موسوم بـ: مفارقة الإنتاج والتلقي في الكتابة البوليسية العربية، فصول، مجلة النقد الأدبي، ع76، ص69.

عبد القادر شرشار، الكتابة البوليسيةبحث في النظرية والأصول التاريخية والخصائص الفنية وأثر ذلك في الرواية العربية، ص103.

رشا عامر، مقال موسوم بـ: الكتاب والنقاد يتعاملون معها باستعلاء الكتابة البوليسية مرفوعة من الخدمة، مجلة الأهرام العربي، مصر ع 487، 22 يوليو 2006م، ص 12.

عبد القادر شرشار، الكتابة البوليسيةبحث في النظرية والأصول التاريخية والخصائص الفنية وأثر ذلك في الرواية العربية، ص104.

المرجع نفسه، ص 114.

محي الدين محمد، ثورة على الفكر العربي المعاصر، ودراسات أخرى، المكتبة العصرية، صيدا، 1964م، ص 18.

شعيب حليفي، مقال موسوم بـ: هذا الملف، فصول، مجلة النقد الأدبي، ع76، ص58.

شعيب حليفي، مقال موسوم بـ: التخييل ولغة التشويق مقاربة في البناء الفني للرواية البوليسية في الأدب العربي، مجلة فصول، ع76، ص 66.

عبد الرحيم مؤدن، مقال موسوم بـ: القصة البوليسية في الأدب المغربي الحديث، فصول، مجلة النقد الأدبي، ع76، ص 83.

المرجع نفسه، ص83.

لمزيد من التوسع، ينظر: ·عبد القادر شرشار، الكتابة البوليسيةبحث في النظرية والأصول التاريخية والخصائص الفنية وأثر ذلك في الرواية العربية، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2003م.

  • مجلة فكر الثقافية، مجلة تفاعلية فصلية تعنى بالثقافة والفكر والأدب، ع7، أيار/مايو/تموز/يوليو 2014م.
  • مجلة العربية الثقافية، مجلة شهرية، عدد جمادى الأولى 1432هـ/ ابريل 2011م.
  • فصول، مجلة النقد الأدبي، علمية محكمة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ع76/صيف خريف 2009.

عبد الرحيم مؤدن، مقال موسوم بـ: القصة البوليسية في الأدب المغربي الحديث، فصول، ع76، ص 84.

محمود قاسم، رواية التجسس و الصراع العربي الإسرائيلي، ص 22.

المرجع نفسه،ص 19.

شعيب حليفي، مقال موسوم بـ: التخييل ولغة التشويق مقاربة في البناء الفني للرواية البوليسية في الأدب العربي، مجلة فصول، ع76، ص 67.

François Rivière, La fiction policière ou le meurtre du roman policier, Op. Cit. , P. 16

Ibid. P.17.

عبد القادر شرشار، الكتابة البوليسيةبحث في النظرية والأصول التاريخية والخصائص الفنية وأثر ذلك في الرواية العربية، ص119.

المرجع نفسه، ص 60.

بطلة رواية الشيء الآخر لغسان كنفاني.

لمزيد من التوسع، ينظر: عبد القادر شرشار، الكتابة البوليسيةبحث في النظرية والأصول التاريخية والخصائص الفنية وأثر ذلك في الرواية العربية، ص64.