صناعة الكلام في البلاغة العربية برؤية لسانية نصيةpdf

 

د. نعيمة سعدية

جامعة محمد خيضر بسكرة (الجزائر)

الملخص:

يجد القارئ في كتب البلاغة فكرا شموليا حاول البلاغيون القدامى من خلاله صناعة هندسة كلامية بنظم عبقري تتحكم في كل من يحاول التعبير والتأثير.؛ وسيقف الدارس في هذه الكتب عند قضية صناعة الكلام، التي تحدث عنها البلاغيون ، والتي نجدها -حسب معتقدنا- مقاربة شبه لسانية، تحقق مكانا لها في لسانيات النص.

وعليه، نحاول في هذه الدراسة فهم القضية ومد وتفعيل جسر التواصل بينها وبين ما نجده في النظريات اللسانية النصية؛ باعتبارها الفرع اللساني الذي ظهر أواخر الستينيات؛ باعتبار أن نظرية صناعة الكلام في البلاغة العربية قد أشارت إلى عديد القضايا اللسانية النصية، وهو الأمر الذي حاولنا جاهدا إثباته في هذا المقال.,

نتساءل: كيف تجلت فكرة صناعة الكلام البلاغية في النظريات اللسانية النصية المعاصرة؟ و إلى أي حد يمكن اعتبار نظرية صناعة الكلام نظرية لسانيه نصية ، تأجل الانتباه إليها؟

Résumé:

Le lecteur trouva une pensée totalitaire dans les livres rhétorique, les anciens rhétoriciens essayent a partir de cette pensée une génie verbal .

L’étudiant tient sur la question de produire le parole, qui a étudie les rhétoriciens et que nous trouvons une approche textuelle linguistique. Par conséquent, nous essayons dans cette étude de comprendre le cas et le lié avec les théories de linguistique comme une branche de linguistique apparu dans les années soixante .

Nous l’idée de produire le parole dans les livres de notre héritage rhétorique .Ce que nous avons essayé de prouver dans cet article.

Comment est venue l’idée de produire le parole rhétorique ?

Dans quelle mesure peut on considérer la question de discoure comme question linguistique textuelle et reporter l’attention sur elle ?

تمهيد:

تعدّ" لسانيات النص" فرعا معرفيا جديدا، ومجالا بكرا في البحث اللساني، تكون بالتدريج في النصف الثاني من الستينيات والنصف الأول من السبعينيات، وهو مصطلح لم يلق التوحيد من الجانبين، لا عند منظريه، حيث نجد هارفج (Harveg) يستخدم "Textologie" "علم النص" وتبعه فان ديك (.Van Dijk 1980) للدلالة على هذا الاتجاه -وهو مصطلح أكثر قبولاعند سعيد حسن بحيري - في حين استخدم درسلر (w.Dressler) – علم دلالة النص – ونحو النص(TextGrammatik والتداولية النصية، ويختار "كلاوس برينكر" مصطلح (linguistischetextanalyse)، أي "التحليل اللغوي للنص"في حين يرى سوينسكي (Swinskie) أن المصطلح الأنسب، والذي يعتبره جامعا لكل البحوث المتعلقة بالنص، ونموذج النص داخل علم اللغة، وهو مصطلح " لسانيات النص" (Texte linguistique)، ولا عند المترجمين، لأننا نجده مصطلحا قوبل بترجمات عدة: " علم اللغة النص"، " علم اللغة النصي"، " نحو النص"، " الألسنة النصية"، " علم النص"، "لسانيات الخطاب"، لكن أنسبها كان " لسانيات النص".

ويهتم هذا الفرع اللساني بدراسةجوانبعديدةفي النص، أهمها التماسك وأدواته وأنواعه والإحالة وأنواعها، والسياق، ودور المشاركين (المرسل والمستقبل)، باعتباره الوحدة اللغوية الكبرى. ومن هذا المنطلق، يجب على الباحث في لسانيات النص أن يبقى بحثه محصورا في أبنية النصوص وصياغتها مع إحاطته بالعلاقات الاتصالية والاجتماعية والنفسية العامة"[1]. وهي ذات الرؤية للباحث الألماني هربار ريك(Herber Truck)، الذي اعتبر لسانيات النص مثل" علم البنية النصية اللغوية"، الذي أخذ أهميته شيئا فشيئا ضمن مناقشات البحث العلمي في السنوات الأخيرة، فلا يمكن إطلاقا اليوم أن تفهم على أنها تكملة ضرورية لتشكل اللسانيات الوصفية، التي اعتادت اعتبار الجملة أكبر وحدة نصية، لتجد نفسها مجبرة على التوصل إلى إعادة بناء عامة للسانيات، تكون على أسس تعمل على تقديم النص الوحدة الأكبر لا غير"[2]؛ وقد كتبت دراسات عديدة انتسبت إلى هذا الفرع اللساني بقوة المصطلح أم بقوة المنهج والآليات المعتمدة، قمنا بتسليط الضوء عليها وتوضيح منهجها وآلياتها في دراسات لنا سابقة[3].

والحديث في هذا المقال ليس عن لسانيات النص في حدّ ذاتها، بل للحفر في البنية المعرفية العربية القديمة بفروعها المختلفة قصد الوقوف على الأطر والإسهامات المشتركة بين علوم العربية، ولسانيات النص، التي تقوم على دراسة اللغة، كأداة لممارسة التواصل، وكون لسانيات النص العلم الذي يسعى لمقاربة النصوص في المنجز الخطابي بأشكاله المختلفة.

ولما كانت لسانيات النص هي الدرس العلمي الموضوعي والمنهجي الدقيق للغة النص (أو الكلام) ] شكلها ومضمونها، وتركيبها ودلالتها وتداولها[ كان علينا واجب التأصيل، والبحث عن الجذور لبعض المصطلحات والمفاهيم، التي اشتركت فيها لسانيات النص المعاصرة، مع الموروث العربي؛ فوجدنا بعضها في البلاغة أم العلوم ومعقل نقد النصوص، وآخر سكن كتب النحو العربي، وعليه كان لزاما علينا العودة إلى هذه الأصول في هذه الإطلالة التأصيلية، التي نحاول-بها- تسليط أشعة باحثة عن إسهامات وممارسات عربية، شكلت في - نظرنا - صورة الفكر اللساني النصي في هذا الموروث نحوا و بلاغة، إيمانا منا بأن علوم اللغة في الموروث العربي قد شكلت بمؤلفاتها الموسوعية.

الشمولية(أبوابها وفصولها) إرهاصات وإشارات تمكن الدارس اللساني المعاصر من إحداث هذه الإطلالة.

فكان المدخل إلى إبراز التفكير اللساني النصي فيما أفرزته جلالة البلاغة، في معانيها وبيانها وحتى بديعها، فإذا كان الصرف والنحو، هما علم النظر في أبنية الألفاظ، وإعراب ما تركب منها، فقد أخذت البلاغة بعلومها الثلاثة مهمة مكملة للمهمة الأساسية في النحو، وحتى الصرف؛ فأما علم المعاني، فقد اهتم بالقضايا التي تعمل على تأدية المعنى الذي يريده المتكلم؛ لإيصاله إلى ذهن السامع، وأما علم البيان، فعمل على القضايا التي يحترز بها الكلام عن التعقيد المعنوي، أي أن يكون الكلام غير واضح الدلالة على المعنى المراد؛ ليكون إكمال هذه المهام بما أفرز العلم الثالث "البديع" من قضايا يريد بها تحسين الكلام، فتولى مهمة الجمع بين الجانبين فبعد تشكيل الكلام وتركيبه على طريقة تبعده عن التعقيد، تقربه إلى السلاسة والوضوح، والقصد لإيصال هذا الكلام إلى السامع، لابد من تحسينه وتجميله بالمحسنات البديعية، تجعل القارئ أو السامع يتلذذ ويستمتع بذلك النظم ويطرب بذلك الالتحام والانسجام بين البنيات النصية؛ لأن البلاغة تتخذ بأقسامها الثلاث وضعا جديدا في سياق لسانيات النص، يتيح لها تجاوز أسوار الجملة الواحدة، والمعيارية في بعض إسهاماتها النظرية.

وعن ذلك يمكن القول، إن علم البيان يساهم في إمداد الدارس اللساني النصي بمفاتيح البداية، التي يمكن من خلالها رصد حركة المفاهيم والعلاقات الرابطة بينهما في العالم النصي، وهو ما يجعل الجرجاني يقول: "ثم إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا، و أبسق فرعا، وأحلى جنى وأعذب وردا وأكرم نتاجا وأنور سراجا، من علم البيان الذي لولاه لم تر لسانا يحوك الوشي..، والذي لولا تحفيه بالعلوم وعنايته بها، وتصويره إياها لبقيت كامنة مستورة ولما استبنت لها يد الدهر صورة، ولا استمر السرار بأهلّتها واستولى الخفاء على جملتها، إلى فوائد لا يدركها الإحصاء"[4].

و السكاكي يجعله العلم الذي يتطلب إعمال العقل (الفطنة والذهن) مع المعرفة فيقول:" وأما علم البيان، فهو معرفة إيراد المعنى الواحد في طرق مختلفة"[5]، في حين يجعل من علم المعاني علما للتداول والمقاصد :" اعلم أن علم المعاني هو تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره..."[6]، فهو التركيب الجاري مجرى اللازم للفهم، فعلم المعاني في نظر السكاكي، هو الفرع الذي يتولى إبراز خاصية الإفادة في التركيب، وتحديد سياقه من أجل فهم أفضل لازم له، صادر عن كفاءة لغوية عالية ( له فضل تمييز ومعرفة في اللغة). لذلك، نشير إلى أن علم المعاني في تراثنا العربي قد عرض لكثير من المسائل والأبواب التي تدخل الآن في صميم (نحو النص)، وبمصطلح عام "لسانيات النص"، والتي ركزت على بحث سلامة النص ودلالته؛ولعله السبب الذي جعل فان ديك يقول: "إن الأمر في البلاغة يتعلق بصورة موجزة للغاية باستعمال واع وهادف ومعلل لمعارف جمهور المستمعين وآرائهم ورغباتهم، من خلال سمات نصية خاصة، أو الطريقة التي يتحقق من خلالها هذا النص في الموقف الاتصالي"[7].

لقد انطلقت البلاغة في مباحث عديدة وقضايا مختلفة من منطلق المعالجة النصية كالإيجاز، والوصل، والفصل، والالتفات وغيرها من القضايا، التي أكدت التضام والاتساق بين الكلمات؛ وهي قضايا تجادلتها علوم اللغة قديما وحديثا؛ فتشاركت في ما يمكن مشاركته، ولعل هذا ما دفع ابن الأثير (ت 637هـ)، إلى القول: " وعلى هذا فموضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة، وصاحبه يسأل عن أحوالها اللفظية والمعنوية، وهو والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي دلالة خاصة، والمراد بها أن يكون على هيئة مخصوصة من الحسن...، إن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم و المنثور ويعلم مواقع إعرابه، ومع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة"[8].

وكأن بابن الأثير، ينشئ علاقة تكاملية تنبئ بعلم يتناول النص من المستوى النحوي إلى الدلالي إلى البياني البلاغي، أي التداولي، أرسيت قواعده و إستوى علما ذا مبادئ ومفاهيم وقوانين وآليات إجرائية للتحليل، في مطلع القرن العشرين (ق 20م)، ولكن تاريخيا، لمح منذ زمن بعيد، إذ قالت به النبوءة البلاغية بأقسامها جمعاء على ألسنة شيوخها وأعلامها الذين مارسوا قضايا نحوية بلاغية مشتركة ذات منطلق لساني نصي؛ لإدراكهم تمام الإدراك دور اللفظة عموما، والمصطلح خصوصا في نقل المعاني والأفكار إلى المتلقي، إذ كلما كان المصطلح دقيقا كان النقل أمينا، وكلما كان مدلول المصطلح مرتبطا بالمدلول العام للنص كان استعماله وجيها ومناسبا، وهو استعمال انفتحت به النصوص التراثية بمصطلحاتها على ما تقدمه اللسانيات اليوم.

وأما علم البديع, الذي نسبت له مهمة التحسين و التزيين في الكلام، فقد أخذ دوره في هذا الوضع مساهما فعالا في أبرز قضاياه: التكرار و الاشتقاق الذي اتخذ درجاته الخاصة في لسانيات النص. وكان من أبرز وسائل التماسك النصي، حيث ساهم الطباق والتضاد، بطريقتهما في تحقق التماسك من خلال العلاقات الدلالية، و عبر الثنائية الضدية و حتى الجناس والتقسيم و المشاكلة، واتساق النظم*؛ ورد العجز على الصدر فهي وسائل لعبت دورا بارزا في تحقيق التوازي كظاهرة اتساقية، تساهم بفاعلية شديدة في إحداث التماسك وغير ذلك من فنون البديع، التي أخذت موقعها في لسانيات النص وبرزت كأدوات ربط نصية.

ناهيك عن إسهامات الدرس النحوي، في إطار حديثهم عن: الإسناد والضمير والشرط والعطف...الخ؛ فكان لهذا الموروث البلاغي النحوي، نقلة التحول من بلاغة المثال إلى بلاغة النص، ومن المعيار إلى القيمة والوصف، وكان تزاوج بعض قضاياهما إرهاصا للسانيات النص، التي قدر لها الاكتمال في العصر الحديث، في درس أوربي، وكتب علينا أن نكون من هذا المنطلق مؤصلين باحثين عن أصول هذا العلم ( لسانيات النص) في موروثنا الثري والموسوعي، لا منظرين محققين لمراحل النشأة و التطور، التي تتلو المخاض المعلن، بتلك الإسهامات التراثية، و خاصة في إلحاحهم على فكرة الترابط، و ارتباط الآي بعضها ببعض وأصل المعنى، وحديثهم بإصرار عن الوحدة و التماسك العضوي في القصيدة؛ و غير ذلك من المصطلحات اللسانية النصية الأصيلة، التي وجدت لنفسها مكانا في موروثنا، و لم تجده في الحاضر إلا بعد أن أمدنا هذا الدرس الأوربي بعلم يتناول النص بدراسة نحوية و دلالية/تداولية سمي لسانيات النص.

و لعله الأمر الذي يشير له تأكيدا الدكتور سعد مصلوح :" إننا حين نجهد لتحقيق هذه النقلة المنهجية نكون قد وضعنا جل العلوم ذات الأرومة العريقة في الثقافة العربية وضعا جديدا مفتوحا على أصولها التراثية من جهة، و على المنجزات المنهجية للفكر البشري في حياتنا المعاصرة من جهة ثانية. و ما كان هذا الأمر ليقوم بفرد أو أفراد ولكن حرى به أن يكون هما معرفيا أصيلا.. بثقافة هذه الأمة في حاضر أمرها وقابله"[9] ، و يدفعنا هذا إلى القول بأن من ابرز سمات النص التراثي و ملامحه، تعدديته و بناءه المركب، وقيامه على آليات تسمح بإعادة قراءته و تطويعه ومعاودة التفكير فيه بشكل دائم و جديد ومتجدد. و لعلنا نجد في قول القرطاجني، إشارة إلى ضرورة الانتقال من الجملة إلى النص: ".. لما يلاحظ في النظم من حسن الاطراد من بعض العبارات إلى بعض و مراعاة المناسبة و لطف النقلة.. "[10].

فبين ما يتطلبه-أولا- علم البيان من إعمال للعقل، وحكم على مدى الخطأ والصواب في التعبير (الصورة الشعرية) التي توجب العودة إلى متطلبات السياق، وخصائص الموقف، وبين علم المعاني الذي يقف على تتبع المتتالية النصية من أجل فهمها وتأويلها، بما يقتضيه الحال (السياق)، من أمور: الوصل – والفصل – الحذف –الالتفات، والتقديم والتأخير والإسناد.. الخ. و بين قضايا النحو وقضايا البلاغة – عموما، كان علما البيان والمعاني، التي عدنا بقضاياهما الجامعة النحوية والبلاغية باحثين عن الجذور التراثية، للسانيات النص، وإبراز الإسهامات العربية النصية في عملية إبراز الإسهامات عربية، في هذا العلم البكر من جهة، ومن أجل تشكيل صورة له في موروثنا العربي، بحسب متطلبات العصر آنذاك.من جهة ثانية. وبين كلام المفسرين، في بيان إعجاز النظم القرآني، وإبراز التماسك الحاصل في آيه وقوانينه المناسبة، والعلاقات الدلالية، البارزة والضاربة في صميم هذه المؤلفات، من جهة ثالثة. كان لابد أن يكون لهذا العلم المعاصر جذورا في موروثنا، لا يستطيع نفيه عاقل:

kal1

1. صناعة الكلام:

وإذا تقرر مبدأ التأليف وصناعة الكلام "وجب على طالب البيان أن يعرف قبل المشروع معرفة معنى "الفصاحة والبلاغة"؛ لأنهما محوره، وإليهما مرجع أبحاثه، فهما الغاية التي يقف عندها المتكلم والكاتب، والضالة التي ينشدانها، وما عقد أئمة البيان الفصول، ولا بوّبوا الأبواب إلا بغية أن يوقفوا المسترشد على تحقيقات وملاحظات وضوابط، إذا روعيت في خطابه أو كتابه، وبلغت الحد المطلوب من سهولة الفهم وإيجاد الأثر المقصود في نفس السامع، اتصف من ثمّ بصفة الفصاحة والبلاغة. يقول الجرجاني: "في معنى الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة، وفي بيان المغزى من هذه العبارات وتفسير المراد بها، فأجد بعض ذلك كالرمز والإيماء، والإشارة في الخفاء وبعضه كالتنبيه على مكان الخبيء ليطلب، وموضع الدفين؛ ليبحث عنه فيخرج، وكما يفتح لك الطريق إلى المطلوب لتسلكه وتوضع لك القاعدة لتبني عليها، ووجدت المعول على أن هاهنا نظما وتأليفا وتركيبا، وصياغة وتصويرا ونسجا وتحبيرا، وأن سبيل هذه المعاني في الكلام الذي هو مجار فيه سبيلها في الأشياء التي هي حقيقة فيها"[11].

إذن فالفصاحة هي خصوصية في نظم الكلم وضم بعضها إلى بعض على طريقة مخصوصة، في نسق الكلام، عبر علاقات تجاور تبرز قدرة وقصد وفائدة المتكلم من إدراجه هذا النسق التركيبي الخاص؛ لأن الكلمات تكتسب سماتها من موقعها في سياقها اللغوي مستثمرة ما يمكن أن يتميز به من خصائص محدودة، فلكل كلمة مجال من التأثيرات الممكنة يختلف طبقا للسيـاق والقصد والكفاءة اللغوية، وأخيرا لحسن النظم والترتيب في إخراج ذلك النص، وكلها أمور تعود إلى ما أسمته لسانيات النص بالبنية الكلية أو موضوع الخطاب؛ باعتبارها الموضوع الذي " يؤثر في تشكيل البنية على نحو معين، فهو الذي يستدعي استخدام كلمات ذات طابع خاص، وخلق مجاورات ومحاورات بين الألفاظ وتشكيل الموسيقى والصور"[12]واستعمال الرموز والأساطير في سبيل تحديد معمارية النص، ليكون نصا قابلا للقراءة والفهم.هي قضايا قام بعرضها الجرجاني عبر هذا التمييز الشمولي بين ما أسماه الفصاحة والبلاغة، والبيان والبراعة ليدرج روعة ونفسا لسانية نصية، امتدت سنين متقدمة.

فقد حاول البلاغيون القدامى وضع الأسس والمعايير لهذه الصياغة، سواء على المستوى الشعري أو النثري فألفوا في ذلك كثيرا من الكتب وأفردت له الفصول والأبواب، ووضعت الرسائل ومنها: (رسالة عبد الحميد الكاتب (ت 132هـ)، ورسالة بشر بن المعتمر (ت 210هـ)، ووصية أبي تمام (ت 228هـ) للبحتري في صناعة الشعر...) وغير ذلك من الوصايا والرسائل التي اهتمت بوضع قوانين وأسس صناعة الكلام، شعرا ونثرا، أما الكتب التي تناولت هذه القضايا بوجوه مختلفة فهي كثيرة، يأتي على رأسها "البيان والتبيين" والحيوان للجاحظ (ت 255هـ)، والذي شكل بمؤلفاته فترة مخاض لاهتمامات عربية، من أجل ما سمي صناعة الكلام، أو "فن التأليف" والذي يمكن اعتباره باكورة القضايا اللسانية النصية في هذا الموروث، أين تعرض الجاحظ إلى قضايا لسانية تعلقت بالكلام، أي النص تعلقا شديدا، مثل قضية اللفظ والمعنى، والإيجاز، والسبك (أي الاتساق)، يقول: "هذا مع جودة الطبع وجودة السبك والحذق بالصنعة"[13]، إذ جعل لكل صناعة ألفاظها، التي ستنظم بشكل خاص مقاما معينا، وحالا خاصة، تعرف بفضل الكلام، والمتكلم به، ليكون الجاحظ بكتابيه(الحيوان/والبيان) صاحب فضل في مخاض لسانيات نص عربية أصيلة، أو بالأحرى نراها كذلك.

وهي فكرة أوضحها جون مشال أدام (Jean .M. Adam) بأسلوبه الخاص في كتابه "Linguistique textuelle"؛ يقول:" تهتم لسانيات النص بوصف المبادئ العليا التي تحكم الترتيبات المعقدة وغير الفوضوية (أي المنظمة) المتناسبة داخل نظام وحدة النص المتميزة والمنجزة "[14].

وفي أسس هذه الصناعة يقول أبو تمام الطائي لأبي عبادة البحتري(*):" يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم، فإن أردت النسيب فاجعل اللفظ رقيقا والمعنى رشيقا وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة وقلق الأشواق ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه وأبن معالمه وشرف مقامه وتغاضي المعاني واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الرزية، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك، ولا تعمل إلا وأنت فارغ القلب واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حسن النظم فإن الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك لما سلف من شعر الماضين، فما استحسنته العلماء فاقصده وما تركوه فاجتنبه ترشد إن شاء الله تعالى"[15].

لعل هذه الوصية التراثية تتلألأ حداثة من خلال عبارات عديدة تضمنتها: تخير الأوقات- يقصد الإنسان للتأليف، اللفظ الرقيق، المعنى الرشيق، بيان الصبابة- كأنك خيـاط- حسن النظم، الشهوة، تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين؛ إذ تثير هذه العبارات وغيرها قضايا لسانية عديدة، لعل مجملها مرتبط بالنص، أي بلسانيات النص وهي الإعلام، إذ كل نص في رأي أبي تمام يريد أن يعلم بشيء ما، وهذا الإعلام مصحوب بقصد معين زيادة على قضية رشاقة المعنى وانسجامه مع لفظه، لتحقيق بيان معين، ومن أجل حسن نظم وتأليف يحقق الوحدة الكلية للنص الذي نسج على سنة السلف، وهي بنظرة حديثة قضية التناص، وتفاعل النصوص؛ لأن النص تفاعل معرفي قبل أن يكون بنية لغوية، تندمج فيه دينامية الاستجابة المرئية في طبقاتها السطحية ضمن ما تحتويه من الموجود الملموس، مع روح التأمل الداخلي، قصد إدراك مخيلاته المخفية، ومن خلال ذلك تأتي القراءة الحديثة لمحاولة استجلاب أسراره، مع ورود منعرجاته الاحتمالية، إلى تصور تأملي، تتفق فيه الذات مع الآخر وفق مبادئ مشتركة تمثلها الشهوة، بمصطلح أبي تمام، واللذة والمتعة عند رولان بارث (R. BARTRES)، التي ولدت النص في نفس وذات صاحبه، من أجل أن يلقاه الآخر بلذة ومتعة تساويها أو تفوقها لتحقيق فعل القراءة.

وعلى الرغم من الإسهاب الحاصل في الوصية، نظرا للارتجال، يشعر القارئ أنها مركزة موجزة ومقتضبة، ما دفع ابن أبي الأصبع المصري (ت 654 هـ)، إلى القول عنها إنها: "تحتاج إلى تحرير لبعض معانيها، وإيضاح ما أشكل منها وزيادة تفتقر إليها"[16]، فحاول توضيحها وشرحها بشكل يكاد يكون علما دقيقا في كتابه "تحرير التحبير"، ولكن كله إيمان بما جاء في وصية أبي تمام في صناعة الشعر، فهو يراها نبراسا يستضاء به في هذه الصناعة، ودستورا يعتمد عليه ويتمسك بأهدابه ومنهجا يجب أن يسلكه كل من حاول صناعة الكلام، في قضايا تخير المعنى قبل تخير اللفظ، وحسن النظم وسلاسته. وكما يقول كل من في هي فيجروهاين منه:" إن أبنية النصوص ليست في الواقع إلا نتائج عمليات نفسية، مما يسمى لفظيات سريعة؛ لإظهار نتائج الإجراءات الإدراكية على السطح"[17]، بألفاظ مختارة تصل بسلاسة إلى القارئ.

وكذلك كتاب "عيار الشعر" لمحمد بن أحمد بن طباطبا العلوي (ت 322هـ)، الذي كان منهجا لتأليف ونظم الكلام بطريقة معقولة تولد فهما سليما صائبا له، حاول به ابن طباطبا وضع قواعد وأسس نظم الشعر، فيقول: "إذا كان الكلام الوارد على الفهم منظوما، مصفى من كدر العي مقوما من أود الخطأ واللحن، سالما من جور التأليف وموزونا بميزان الصواب لفظا ومعنى وتركيبا اتسعت طرقه، ولطفت موالجه، فقبله الفهم وارتاح له وأنس به"[18]؛ قضية-نراها- لسانية نصية مرتبطة بالجانب النفسي الإدراكي، ألا وهي "الفهم" يطرحها ابن طباطبا بأسلوبه، كما يفتح الكلام على نوافذ السياق المتعـددة، مع منح الكلام صفات التشابك والتعقيد والانفتاح، ليصطدم نص ابن طباطبا بما تفرزه لنا الحداثة في تحديدات النص وتقابلاته، ويزيد عليه قائلا:" والنفس تسكن إلى كل ما وافق هواها، وتقلق مما يخالفه، ولها أحوال تتصرف بها، فإذا ورد عليها في حالة من حالاتها ما يوافقها اهتزت له، وحدثت لها أرْيحية وطرب، فإذا ورد عليها ما يخالفها قلقت واستوحشت، وللشعر الموزون إيقاع يطرب الفهم لصوابـه وما يرد عليه من حسن تركيبه واعتدال أجزائه... ولحسن الشعر وقبول الفهم إياه علة أخرى وهي موافقته الحال التي يعد معناه لها"[19].

ويعتبر ابن طباطبا الشاعر أو الناص- بمعنى أعم- "كالنساج الحاذق الذي يفوق وشيه بأحسن التفويف، و يسد به و ينيره، و لا يهلهل شيئا منه فيشينه، و كالنقاش الرفيق الذي يصنع الأصباع في أحسن تقاسيم نقشه، و يشبع كل صنع منها، حتى يتضاعف حسنه في العيان، و كناظم الجوهر الذي يؤلف بين النفيس منها و الثمين الرائق، و لا يشين عقوده بأنيفاوت بين جواهرها في نظمها و تنسيقها"[20]؛ لأنه يعلق كل بيت يتفق له نظمه، على تفاوت ما بينه و ما قبله. و لذلك راح يلزم كل شاعر جيد بشرط من الضروري اتباعه في تأليفه قائلا: "ينبغي للشاعر أن يتأمل تأليف شعره وتنسيق أبياته، و يقف على حسن تجاورها أو قبحه، فيلائم بينها لتنتظم له معانيها و يتصل كلامه فيها، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه، و بين تمامه فضلا من حشو ليس من جنس ما هو فيه، فينسى السامع المعنى الذي يسوق القول إليه، كما إنه يحترز من ذلك في كل بيت، فلا يباعد الكلمة عن أختها ولا يحجز بينهما وبين تمامها بحشو يشينها، ويتفقد كل مصراع، هل يشاكله ما قبله؛ فربما اتفق للشاعر بيتان يضع مصراع كل واحد منهما في موضع الآخر، فلا يتنبه على ذلك إلا من دق نظره ولطف فهمه" [21]، وكلها قضايا أصبحت فيما بعد من صلب اهتمام لسانيات النص، حيث يتم" تقرير أن النص "قواعدي" أو "حسن التكوين" ،..أو أنه جيد الترتيب والإخراج.. وهي أمور تعمل على تحقيق فعل دمج الدلالة في معجم النص"[22].

وللعسكري محاولة في وضع ما يلزم في الصناعتين النثر والشعر، لإحداث الترابط و صنع الكلام السلس الفصيح، الذي يراعي مقام وحال أصحابه (وبتمييزه بين الفصاحة التي هي آلة تمامها البيان والمرتبطة باللفظ والقاصرة عليه، وبين البلاغة التي جعل منها مصطلحا يقتصر على المعنى فحسب، ومرتبطا بالنفس والقلب؛يقولالعسكري:"الكلام...يحسن بسلاسته وسهولته ونصاعته، وتخير لفظه، وإصابة معناه وجودة مطالعه، ولين مقاطعه واستواء تقاسيمه وتعادل أطرافه، وتشابه أعجازه بهواديه وموافقة مآخيره لمباديه، مع قلة ضروراته، بل عدمها أصلا حتى لا يكون لها في الألفاظ أثر، فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه، وكمال صوغه وتركيبه"[23] .

لقد شكل العسكري امتدادا عريقا بقضاياه التي تستعمل في بناء الشعر والنثر، أي التي تحقق إنتاج الصناعتين، لقضايا اللسانيات النصية المعاصرة، من ترابط وانسجام وسياق حال، الذي تحدث عنه فان ديك و هاليداي وغيرهم؛ إذ يعني المرء في تخصصات علمية مختلفة بوصف النصوص إلى جانب أشياء أخرى، و يحدث هذا انطلاقا من وجهات نظر مختلفة ومن خلال معايير كثيرة، والمتعلقة بأبنية النصوص المختلفة[24].ولما اتخذت العلوم مختلفة قضية العناية بالنصوص على اختلافها ووصفها غاية لها، كان عليها تطويعها لمنهجها واتجاهاتها المتعددة، بما يتلاءم تركيزا مع البحث عن الأبنية النصية المتباينة، أو عن وظائف النصوص وتأثيراتها، وقد تولت البلاغة بأقسامها وفروعها وقضاياها –منذ القديم- ممثلة في كتاب الصناعتين وغيره دراسة البنية الخاصة والوظائف الجملية والبرهانية والإقناعية لنصوص وأقوال أدبية لأن الكلام مظهر لغوي متعدد الدلالات والأبعاد بين مرسل ومرسل إليه، يختص الأول بإبراز قضايا وجوانب يقصد إسقاطها في ملفوظاته، وأما الثاني يتلقاها ليبدأ بها رحلة القراءة والتأويل، وإظهار الجوانب الجمالية والفنية التي تلألأت في سمائه؛ فرؤية العسكري إسهام آخر فعّل تشكل هذه الصناعة، أو هذا الفن، "فن تأليف الكلام"، الذي تلاقت وتفاعلت وتلاقحت نصوصه وبعض قضاياه، مع نصوص وبعض قضايا لسانيات النص، ما يجعل هذا الفن صورة تعكس اللسانيات في محاورتها النص بعمومه، والأدبي بخصوصيته.

يقول أيضا:".. و حسن التأليف يزيد المعني وضوحا و شرحا، و مع سوء التأليف ورداءة الرصف و التركيب شعبة من التعمية، فإذا كان المعنى سببيّا و رصف الكلام رديا لم يوجد له قبول.."[25]؛ لأن صحة السبك و التركيب، و الخلو من عوج النظم والتأليف، شرط لكمال النظم، و وضوح الفهم مثل الاتساق الذي عد النص ـ من خلاله ـ نصا باعتباره معيارا رئيسيا من معايير النصية لذلك نجدهم يشيدون بالشعر الجيد المسبوك، و في هذا يقول-أيضا- الجاحظ: "أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا واحدا و سبك سبكا واحدا فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان"[26].

وإذا كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لذ سماعه، و خف محتمله وقرب فهمه وعذب النطق به، و حلى في أذن سامعه، ولا يكون كذلك إلا إذا كان متسقا، فإذا كان متنافرا متباينا عسر حفظه وثقل على اللسان النطق به، ومجته المسامع، فلم يستقر فيها منه شيء. ولذلك يستحسن القيرواني" أن يكون البيت بأسره كأنه لفظة واحدة لخفته وسهولته، واللفظة كأنها حرف واحد"[27]، ولو تسنى له أن يكمل هذه الفقرة النفيسة في كتابه لقال: "والقصيدة (نص)" ، كأنها جملة واحدة تتآخذ أجزاءها و تتماسك، حيث اعتمدت على قواعد النظام اللغوي لاسترجاع الاتصال اللغوي، .. والقائم تماسكها على معرفة شعرية النص المبنية على الوسائل اللغوية المستعملة والمتميزة، متبعة مبدأ التعاون والتزاوج بين علم اللغة والدراسات الأدبية من أجل صياغة النص الشعري، ومرتبطة بقضايا النص والخطاب[28]

ويؤكد الجرجاني على أهمية الترابط بين أجزاء الكلام قائلا: "إن مما هو أصل في أن يدق النظر، و يغمض المسلك في توخي المعاني التي عرفت أن تتحد أجزاء الكلام و يدخل بعضها في بعض.. وأن يكون حالك فيها، حال الباني يضع بيمينه هاهنا، في حال ما يضع بيساره هناك. و في حال ما يبصر مكان ثالث و رابع يضعها بعد الأولين...واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته، أن لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى لآل فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق.. "[29].

فصاحب الدلائل يشرح في هذا النص معنى الاتساق بصورة، تكاد تكون أقرب إلى مفهومه عند علماء لسانيات النص، بل تكاد تكون أوضح من شرحها في العصر الحديث؛ و ذلك لأن المفردات اللغوية لا تمثل إلا ناحية جامدة هامدة من تلك اللغة، فإذا نظمت و رتبت ذلك الترتيب المعين، سرت فيها الحياة، و عبرت عن مكنون الفكر، وما يدور في الأذهان. وليست اللغة -في حقيقة أمرها- إلا نظاما من الكلمات التي ارتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا، تحتمه قوانين معينة للغة[30].

كما يتظاهر لنا في هذا المقام أن الناظم مهندس بناء،كما صورته البلاغة العربية والجرجاني في نص نفيس و بديع قام بتلخيص نظريته في صورة هندسية، لا يعتقد أن الدراسات اللسانية القديمة أو الحديثة فكرت في مثل هذا التصور العجيب بين البناء اللساني و البناء بالآجر عند رصف البنايات ورصها في اتجاه أفقي وإعلائها في اتجاهها العمودي مع مراعاة الجهات والأبعاد الأخرى و تكامل اللبنات أو تباينها وانسجام الأجزاء و تناسقها واتساقها لتحقيق البنية في الصورة الهندسية، التي اختارها المهندس لإنجاز بنائه المشيد، طبقا للصورة المثالية، التي ارتسمت في ذهنه قبل الشروع في البناء، والناظم الذي تقوم هندسته على نظم أجرات النص (كلماته ) ، ورصها في الجدار الكلامي رصا تراعى فيه الأبعاد الفضائية والسطوح المختلفة انطلاقا من النقطة، والمرور بالخط و الوصول إلى المساحة[31]؛ فتتحقق مطابقة الكلام لسياقه، من حيث إفادته المعاني الثواني، والتي هي الأغراض المقصودة للمتكلم، ما يجعل كلامه مشتملا على تلك اللطائف والخصوصيات التي بها يطابق سياق الحال، وهي قضايا تمتد إلى مجالات متنوعة غيرها، مثل: علم الاتصال، علم الاجتماع، نظرية التعامل والتداول، علم النفعية أو المنهج العملي، أوالمناهج التجريبية في البحث الاجتماعي"[32]، في اللسانيات المعاصرة، التي تخضع كل ما تحتاجه في سبيل تحقيق الغاية والمقصد، ألا وهي فهم النص والوقوف على معانيه ومقاصده.

وعن مجمل ذلك، يقول ابن الأثير: "اعلم أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة، وقد قيل ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم، حتى قيل: كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه فيقول: فلان النحوي، وفلان الفقيه، وفلان المتكلم، ولا يسوغ له أن ينسب نفسه إلى الكتابة فيقول فلان الكاتب، وذلك لما يفتقر إليه من الخوض في كل فن، وملأ هذا كله الطبع، فانظر أيها المتأمل إلى هذا التفاوت في الصناعة الواحدة من الكلام المنثور ومن أجل ذلك قيل: شيئان لا نهاية لهما: البيان والجمال"[33]؛ فصناعة الكلام أو الكتابة في مواضع أخرى صناعة لم ترتبط بأي علم ولا عالم، ما تحتاجه هو الآلات الكثيرة والتي يتحكم فيها الطبع إلى غاية البيان والجمال، أي اللذة والإثارة والتأثير لتتحقق قوة الناص وشاعريته وشعرية النص وفاعليته. ولعل في سبيل كل ذلك يضع ابن الأثير ثمانية آلات كشرط لتحقق فن الكتابة، أو "صناعة الكلام"، وهي[34]:

  1. معرفة علم العربية من النحو والتصريف.
  2. معرفة ما يحتاج إليه من اللغة (المتداول المألوف).
  3. معرفة أمثال العرب وأيامهم.
  4. الاطلاع على تأليف من تقدمه من أرباب الصناعة المنظومة والمنثورة.
  5. معرفة الأحكام السلطانية (الإمامة، الإمارة، القضاء).
  6. حفظ القرآن الكريم وإدراجه في مطاوي الكلام.
  7. حفظ ما يحتاج إليه من الأخبار (الواردة على النبي صلى الله عليه وسلم.
  8. معرفة علم العروض والقوافي (أي ميزان الشعر).

لقد أوجب ابن الأثير على ناظم الكلام أن يمعن النظر في علوم البلاغة، حتى يستطيع معرفة محاسن اللفظ مفردا ومركبا، ويحيط بما يتفرع من أصول النقد الذي منه البديع الذي هو رقوم الكلام، ونتائج مقدمات الإفهام، وليجعل عمدته على كتاب الله العزيز، وليميز إعجازه أدق تمييز، فإنه البحر الذي لا تفنى عجائبه ولا يظمأ فيه راكبه، منه استخرجت درر المحاسن، واستنبطت عيون المعاني، وعرف كنه البلاغة وتحقق سر الفصاحة، ولما خصه الله به من جودة سبك وحسن الرصف وبراعة التراكيب ولطف الإيجاز، وعذوبة الألفاظ، وجزالتها وسلاسة المعاني ورشاقتها[35].

تقوم الدراسة النحوية للظواهر اللغوية عند ابن الأثير على المقارنة بين "علم البيان" و"علم النحو**" ، وفي ذلك دعوة صارمة إلى تزاوج بين "القواعد النحوية البلاغية" والإحساس الفني الجمالي، لأن النص ليس نظاما من الوحدات اللغوية التي تستهدف الفهم فحسب، وإنما هو نظام ذو وظيفة تأثيرية، وبهذا التزاوج وآلياته، نتميز جيد الكلام من رديئه، كون العلاقات التي تربط بين مفردات الكلام من ناحية، وبنيتها البيئية الاجتماعية النفسية، من ناحية ثانية، قد تشكل سياق جديدا مغايرا، يعود برمته إلى المتكلم، و النسق والنص والقصد والقارئ،ليقرأ قول ابن الأثير عن فن تأليف الكلام كالتالي:

 

kal2

يفتح ابن الأثير نافذة كبرى على دراسة النص، وفق هذه الآليات، التي وضعت "لفن الكتابة"، ويشرع بأحكام الكلام، مسبقا لما سمي في الدرس المعاصر"لسانيات النص". كما أن المتأمل في قضايا النحو والبلاغة لدى العلماء، وفي إطار حديثهم عن التماسك الحاصل في تأليف الكلام، أوصناعة الكلام أو الصناعة الشعرية، وربطها بالرغبة وسياق الحال، تبين رؤية متكاملة* واضحة المعالم والحدود، تحكمت في تحليلاتهم ومناقشاتهم ووصاياهم لقضايا الكلام والنص-خاصة القرآني- وقد استطاع العلماء من خلالها أن يتجاوزوا ذلك الإطار الضيق الذي لم يتعد تحليل الجملة أو مجموعة الجمل الذي فرضته القواعد المعيارية التعليمية على مستوى النحو أو البلاغة؛ ذلك أن البلاغة ليست أمرا مستقلا عن النحو، وأن البلاغة تساعد اللغة على أداء وظيفتها البلاغية شرط أن تدرس عنصري اللفظ والمعنى، وهي فكرة وجدت صدى لها في لسانيات النص، "لأن كل عبارة متلفظ بها ينبغي ألا توصف فقط من جهة تركيبها الداخلي والمعنى المحدد لها، بل ينبغي أن ينظر إليها كذلك من جهة الفعل التام للإنجاز المؤدي إلى إنتاج تلك العبارة"[36]..

ومنه، فالبلاغة اشترطت على الأول- في تمام وظيفته- إن أراد عدولا وخروجا عن معايير اللغة، أن يشير إلى ذلك بقرينة تمنع من فهم التركيب على الحقيقة، وتوجه الفكر إلى المعنى المجازي الذي أراده مع عدم الغلو والمبالغة في ذلك إذ عدوها عيبا لابد من الابتعاد عنه. كما اشترطت على الثاني، إذا أراد السفر في رحلة فهم "غير ظاهر النص" ، أن يستند –في تأويله- إلى حجة تبرر فهمه ذاك، وكلا الطرفين مجبر على احترام قواعد اللغة، والعرف اللغوي، وهي أمور وقضايا تأكدت في اللسانيات الحديثة وتمت معالجتها برؤى جديدة. ليكون-ذلك- إسهاما عربيا بلاغيا تراثيا أصيلا، لا يجب أن نتجاوزه ولا نستطيع، بل علينا إبرازعبقريته ما أمكن، وإظهار ما فيه من شمولية وموسوعية.

ولم يبتعد ابن خلدون كثيرا عن هذه الرؤية، في طرحه لقضية صناعة الشعر التي تجدها تركيبة كيماوية من قضايا علم النحو، وعلوم البلاغة، وعلم العروض، ما أسماه: وظائف الإعراب، ووظيفة البلاغة والبيان، ووظيفة العروض** على التوالي. يقول: "اعلم أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة؛ إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها، وليس ذلك بالنظر إلى المفردات وإنما هو بالنظر إلى التراكيب، فإذا حملت الملكة التامة في تركيب الألفاظ المفردة للتعبير بها عن المعاني المقصودة ومراعاة التأليف، الذي يطبق الكلام على مقتضى الحال، بلغ المتكلم حينئذ الغاية من إفادة مقصوده للسامع"[37]؛ يضعنا هذا النص الخلدوني أمام جملة من قضايا وأسس لسانيات النص: الملكة اللغوية، وجودة السبك والتعبير عن المقصود مراعاة التراكيب لأداء البنية الكلية أو الوحدة الدلالية، وموضوع الخطاب والبنية الكلية، ومقتضى الحال وقضايا السياق والخلفيات المرجعية، إفادة السامع..الخ من قضايا اللسانيات الحديثة عموما.

و تشكل مقولة ابن خلدون أساسا هاما لهذا الاتجاه في تراثنا الفكري أو ما سماه" علوم اللسان العربي" التي تفرعت إلى علم اللغة وعلم النحو وعلم البيان وعلم الأدب؛ يقول: " ولا يُراجع إلى الكلام باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التراكيب، الذي هو وظيفة البلاغة والبيان، ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفة العروض، فهذه العلوم الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية، وإنما يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص، وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان فيرصّها فيه رصا كما يفعله البناء في القالب أو السياج في المنوال حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكـلام ويقع على الصورة الصحيحة باعتبار ملكة اللسان العربي فيه، فإن لكل فن من الكلام أساليب تختص به وتوجد فيه على أنحاء مختلفة"[38]؛ لأن فهم العبارة لا يحصل إلا بفهم أبعادها الدلالية وموقفها الاتصالي وموقعها فيه، لأن التواصل الإنساني يتم عبر ارتباط الدلالات بالأصوات اللغوية؛ حيث ترتبط مكونات الأداء الكلامي وتتفاعل في أداء سليم تحت رعاية القواعد الشكلية التي يكتسبها الإنسان من كفايته اللغوية، ورعاية ما يتوصل إليه ذوقه الخاص والمعلل في الحكم على فصاحة الكلمة في البنية النصية.

ولهذا كان "فن· تأليف الكلام منفردا عن نظر النحوي والبياني والعروضي"[39]، أي أن ابن خلدون يعتبر فن تأليف الكلام مزيجا ثلاثيا:

kal3

ويدفعنا هذا إلى وسم موروثنا العربي بالحداثة في معظم قضاياه و طرائق البحث فيه، خاصة العذراء منها التي لم تتزاوج مع غيرها، و تملك قضايا خاصة تقوم عليها كحديثهم عن السبك، والدخول في غياهب الربط، وافتتانهم بالتكرار وتقسيماته بشكل ما تحدثنا عنه من قبل، كما تجلي عند السجلماسي، وكلامهم عن فن الأسلوب بعلمية ومنطقية، تجعل القارئ و كأنه يقرأ ما تفرز الحداثة اليوم؛ ذلك أن القول بحداثة موروثنا النحوي/البلاغي، لا يجانب الصواب مطلقا مادام هذا الموروث تسكنه مثل هذه الحركات التجديدية التي لم تهدأ على هيئة، ولم تستقر على حال في مستواه الدنيوي الأمر الذي يمنحه حاضرا منفتحا دوما على التجديد والاستمرار نحو الإبداع؛ "لأن الحداثة- و بنعمة الله وفضله- مستمرة ما تطلع الإنسان إلى التفكير وما اشرأب إلى التجديد، و ما حرص على استكشاف المجهول، وما طمح في ارتياد آفاق المستقبل المفعم بما يدهش ويذهل"[40].

وصفوة القول، إنّ ما قاله علماء البلاغة بشأن صناعة الكلام، وما أفرزوه من نصوص تحتمل معنى واحدا لا يقبل التأويل في أذهانكم، ووفق مرجعياتهم اللغوية وسياقاتهم المعرفية آنذاك، وحملت معاني عدة في دراساتنا الحديثة والمعاصرة، التي تحاول دوما استنطاق الموروث من خلال مصطلحاته الموسوعية ونصوصه الشمولية، من أجل إحداث إطلالة تراثية، وهذا عن دلّ على شيء إنما يدل على جهود قيمة لا يستهان بها في هذا الموروث، ولا يجب تجاهلها إذا أردنا أن نؤسس للسانيات نص عربية، على الرغم من كونها جهودا ومحاولات مترامية أشتاتا وفرادى، والتي لم يقدر لها أن تكون نظرية قائمة بحد ذاتها، وقادرة على مقاربة النص مقاربة وفق منظور اللسانيات المعاصرة، كونها محولات فرضتها النصوص المنجزة آنذاك، من جهة، كما فرضتها المرجعية الفكرية النصية من جهة ثانية.

ويبقى موروثنا الفكري بشموليته الحضارية، لا يعدو أن يكون في جوهره مخزونا معرفيا وثقافيا، خاصة النحوي والبلاغي منه، والذي يظهر للدارس في صورة قضايا لسانية، تسمح بمقاربة ما أفرزته اللسانيات المعاصرة، في بعض قضاياها، إن لم نقل معظمها، وسبل الوصول إليها، والتعامل معها بتدبر منعم، وتفكر ثاقب لنصوص هذا الموروث؛ فنظهرها عملية استدلالية استكشافية لقضايا الحاضر اللساني النصي على الغائب، في موروثنا البلاغي والنحوي، فكل ما تقدمه لنا الحداثة إنما له جذور في التراث، لأن التراث غني، نجده بحق"ثروة الأجيال".



 



- فولفجانجهاين منه وديترفيهيفيجر، مدخل إلى علم اللغة النصي، ترجمة: فالح بن شبيب العجمي، جامعة الملك سعود، الرياض، المملكة العربية السعودية، 1998/1419 هـ، ص 21.

- Herbert Truck, Linguistique textuelle et enseignement du français, traduit : Jean Paul Colin, Hatier-Credif, Paris, 1980, p9.

- ينظر : نعيمة سعدية، الخطاب الشعري عند محمد الماغوط-دراسة تحليلية من منظور لسانيات النص، رسالة دكتوراه، 2009-2010،جامعة بسكرة الجزائر، ص75-88. والاتساق النصي في الموروث العربي، مجلة كلية الآداب والعلوم الانسانية والاجتماعية ، العدد جامعة محمد خيضر-بسكرة، العدد الخامس، جوان 2009.

- عبد القادر الجرجاني، دلائل الإعجاز في علم المعاني، إخراج وتقديم د. ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، 1422هـ-2002م، ص66

- السكاكي (أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر محمد بن علي ت 626هـ) مفتاح العلوم، ضبط: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1407هـ/1987م،ص159.

- المرجع نفسه، ص161.

- فان ديك , علم النص،(مدخل متداخل الاختصاصات(، ترجمة وتعليق: سعيد حسن بحيرى، دار القاهرة للكتاب، مصر، ط1، 2001، ص 182-183.

- ضياء الدين ين الأثير، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق: محمد بن محي الدين عبد الحميد، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر ج1، ص07.

اتساق النظم: و هو ما طاب قريضه و سلم من السناد و الإقواء و الاكتفاء، و الإجازة، و الإيطاء، و غير ذلك من عيوب الشعراء، و ينظر في ذلك أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية و تطورها مكتبة لبنان، ناشرون، بيروت، لبنان، 2000، ص 30.

- سعد عبد العزيز مصلوح، .في اللسانيات العربية المعاصرة,ص242

- أبو الحسن حازم القرطاجني (ت 684)، منهاج البلغاء و سراج الأدباء، تقديم و تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان، ط 2، 1981، ص 364.

- الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص91

- ينظر: كلاوس برينكر، التحليل اللغوي للنص، مدخل إلى المفاهيم الأساسية والمناهج، ترجمة: سعيد حسن بحيرى، مؤسسة المختار، القاهرة، الطبعة الأولى، 2005، ص17-19.

- الجاحظ: الحيوان، تحقيق: عبد السلام هارون، ج2، ص27.وينظر: المرجع نفسه، ج3، ص 368، 367.

-Jean Michel Adam, Linguistique textuelle des genres de dicours aux textes, Nathan, Université, Paris, 1999, p35.

وردت الوصية بقريب من هذا الوجه فيما نقله لابن عاشور، ونقله القرطاجني في منهاجه، وابن أبي الإصبع سار على نهج من تقدمه في صناعة الكلام أمثال: أبي تمام، وبشر بن المعتمر، والجاحظ، وابن طباطبا والعلوي، والعسكري، وابن الأثير.

- القرطاجني، منهاج البلغاء وراح الأدباء، ص 203

- ابن أبي الأصبع المصري، تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، تحقيق:د/حنفي محمد شرف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي،القاهرة، 1383هـ/1963م، ص17.

- فولفجانجهاين منه&ديترفيهيفيجر، مدخل إلى علم اللغة النصي ، ص11. وينظر: صالح بلعيد، نظرية النظم، دار هومة للنشر والتوزيع، الجزائر، 2001، ص163.

- ابن طباطبا العلوي، عيار الشعر، تحقيق: محمد زغلول سلام، منشأة المعارف، الإسكندرية، ط3، ص52.

- ابن طباطبا، عيار الشعر، ص53، 54

- المرجع نفسه، ص 43، 44.

- المرجع نفسه، ص 165.

katie wales.A dictionary of stylistics, p392. -[22]

وينظر: إلهام أبو غزالة، مدخل إلى علم لغة النص( تطبيقات لنظرية روبرت دي بوقراندوفولفاجنجدريسلر)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، 1999،، ص49.

- العسكري، الصناعتين، ص 55.

- ينظر: فان ديك، علم النص، ص10.

- أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين، ص 161.

- أبو عثمان عمر بن بحر الجاحظ، البيان و التبيين، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت،ج1،ص 55.

- القيرواني (أبي على الحسن بن رشيق الأزدي (ت 456 هـ )، تحقيق: محمد محي الذين عبد الحميد، دار الجيل للطباعة والنشر و التوزيع، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة، 1401 هـ /1981، ج1، ص 257.

- voir; Maigeneaux, L’analyse du discours, p 48.

- الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 137.

- إبراهيم أنيس، من أسرار اللغة، ص 295. ينظر: محمود السعران، علم اللغة، مقدمة للقارئ العربي، دار النهضة، بيروت، ص226 وما بعدها.

- ينظر: محمد الصغير بناني، المدارس اللسانية، ص 35، 39

- [32]

.voir/Jean- Louis chiss/jacques Filliolet et Dominique Maingueneau , introduction ala Linguistique Française,Hachette,paris,2001,tome 1.p 48.

- ابن الأثير، المثل السائر، ج1، ص7، 8 .

- ينظر: المرجع نفسه، ج1، ص 09، 10.

- ينظر: المرجع نفسه، ج1، ص12. وينظر: ابن أبي الأصبع، تحرير التحبير، ج1، ص23

*وظيفة النحو هي استخراج مبادئ اللغة ونظمها، استنادا إلى الاستعمال المشترك، وغايته القصوى حماية اللغة من الفساد، والحرص على أن تواصل أداء وظيفتها الأصلية التي هي الإبلاغ ووسيلته في ذلك ضبط المعايير التي تفصل بين الخطأ والصواب، ومن ثمة تساعد هذه المبادئ على تفسير البناء اللغوي تفسيرا يقوم على توضيح العلاقات وكشف الترابط بين أجزاء القصيدة (النص). يقول ابن الأثير: " أما علم النحو فإنه في علم البيان من المنظوم والمنثور بمنزلة أبجد في تعليم الخط، وهو أول ما ينبغي إتقان معرفته لكل أحد ينطق باللسان العربي." ابن الأثير، المثل السائر، ج1، ص11.

هناك قضايا عديدة دفعتنا لهذه الرؤية: التماسك بين الآي –المناسبة (علاقة مقاميه)، العلاقات الاستطرادية –التمثيل – حسن التخلص، التشاكل النحوي- الحذف وتقدير المحذوف، التضاد –الحديث عن المقاصد والإفادة، هذه أدق القضايا التي قامت عليها لسانيات النص، خاصة عند فيهيفيجر، في حديثه عن السياق والترابط المفهومي، والمناسبة في تحليل المحادثة، والوصل والمتواليات النحوية عند فان ديك، كل هذه وأكثر دفع بنا إلى القول بهذه الرؤية التي لا تخفى عن أحد أراد أن ينظر إليها، ويتأمل تضاريسها ويرى مكنوناتها.

- فان ديك، النص والسياق (استقصاء البحث في الخطاب الدلالي والتداولي)، ترجمة : عبد القادر قنيني، إفريقيا الشرق، المغرب، 2000، ص18. وفان ديك، النص بنياته ووظائفه، نظرة الأدب في القرن العشرين، ترجمة: محمد العمري، إفريقيا الشرق ، 1996، ص 51، 52. وينظر: سعيد حسن بحيرى، علم لغة النص، ص 220، 221.

*في حديث ابن خلدون عن علم النحو وعلم اللغة وعلم البيان وعلم الأدب، وكأن به سعي إلى ضرورة اتجاه ينتقل من نحو الجملة إلى نحو النص.

- ابن خلدون، المقدمة، ضبط وشرح:محمد الاسكندراني، دار الكتاب العربي، بيروت،1425ه/2005م،ص508.

- ابن خلدون، المقدمة، ص522.

  • وردت في نص المقدمة بلفظ"من" وهو تصحيف، إذ لا يستقيم المعنى بها، والأقرب إلى المقصود هو ما ذكرنا.

-المرجع نفسه، ص524.

- حبيب مونسي، فعل القراءة، النشأة و التجول-مقاربة تطبيقية في قراءة القراءة عبر أعمال عبد الملك مرتاض، منشورات دار الغرب، وهران، الجزائر، ط1، 2001/2002 ، ص 266.