النص الشعري الجزائري المعاصر و المناهج الحداثيةpdf

التجربة النقدية لأحمد يوسف –نموذجا-

بن الشيخ حياة      

جامعة قاصدي مرباح ورقلة(الجزائر)

  

الملخص:

استفاد الناقد أحمد يوسف من المنهج السيميائي في تحليله للنص الشعري الجزائري المعاصر، من خلال توظيف أدوات اجرائية متمثلة في: ثلاثية العلامة عند بيرس و التناص و جمالية الفراغ الباني و المربع السيميائي حيث أبرز بعض خفايا هذه النصوص التي لم يتسن لها قراءات نسقية من قبل.

الكلمات المفتاحية:المنهج السيميائي ـ النص الشعري الجزائري المعاصر ـ أحمد يوسف ـ جمالية الفراغ الباني.

Le résume : Le critique Ahmed Youcef a bénéficié de l’approche sémiotique dans son analyse de la poésie contemporaine algérienne, en utilisant des outils et des procédures tels que le triple mécanisme sémiotique chez Peirce, l’intertextualité, le blanc typographique en écriture poétique et le carré sémiotique, par lesquels il a repéré certains aspects cachés dans ce genre textuel que la lecture systématique n’pas pu dévoiler.

Mots clés : Approche sémiotique -le texte poétique contemporaine algérienne - Ahmed Yousef- le blanc typographique en écriture poétique.

تمهيد :

حاول النقد في الجزائر أن يستفيد مما وفرته المناهج النقدية المعاصرة على مستوى تمثلها نظريا أو على مستوى التطبيق، و ذلك من خلال تحليل النصوص و ما واكب هذا من توظيف لمفاهيم و أدوات إجرائية، و قد برزت أسماء نقدية منها: عبد المالك مرتاض، رشيد بن مالك، حبيب مونسي و أحمد يوسف، فهذا الأخير حاول أن يستثمر آليات المناهج النقدية المعاصرة في تحليل النصوص الشعرية الجزائرية المعاصرة - التي ندرت الدراسات حولها - من خلال كتابه "يتم النص" فكيف كان هذا التوظيف؟ و ما هي أهم الآليات التي اعتمد عليها؟

يحدد الناقد من خلال المقدمة طبيعة القراءة التي يعتمدها قائلا: "فالقراءة - بوصفها سيرورة سيميائية وفعلا تأمليا يقوم على أساس التواصل اللغوي- تقتضي تواشجا بين الإجراءات الداخلية والشروط الاجتماعية والتاريخية لإنتاج 'الدلالة'، وإذن فالبحث عن المعنى يتطلب الإحاطة بالمواصفات التي أتينا على ذكر بعضها وينفي السلبية عن القارئ التي تلصقه بها في العادة القراءة النسقية ولاسيما المقاربات البنوية المحايثة التي تصطدم في حالات كثيرة مع مقاربة النص الشعري الذي يستدعي القارئ لبناء انسجامه"[1]، وإذا كان الناقد قد اختار المنهج السيميائي الذي يمكنه من مدارسة المعنى وتجلياته التي أهملتها المقاربات البنيوية المحاثية (الصورية) فإنه يحدد طبيعة المنهج السيميائي الذي اختاره لأن السيمياء هي سيميائيات لها من التنوع والاختلاف ما يستدعي من الباحث تحديد طبيعة هذه السيميائية   فـ "يختلف تعريف السيميائية ومنظورها ومناهجها من منظر إلى آخر لذلك من المهم أن يحدد القادمون الجدد إلى هذا الحقل صاحب السيميائية التي يتبعونه" [2]، و لذلك نجد الناقد قد اختار "السيميائيات التي تحتكم إلى الخلفيات الاجتماعية التي أقرها دوسوسير في دروسه حول اللسانيات العامة من أجل مدارسة السيميوزيس التي تمثل سيرورة العلامات وحركتها وتحولاتها ونشاطها على النحو الذي نلفيه لدى رولان جارت و جوليا كرستيفا، و أمبرتو ايكو و غيرهما"[3]. وهو بذلك يحدد السيميائيات التي تهتم بنشاط السيميوزيس semiosis ))والتي تميزت بها سيميوطيقا بيرس(peirce) حيث "إن السبب النهائي في كون السيميوطيقا البيرسية ذات طابع اجتماعي هو أنها ليست نظرية ثابتة و جوهرية للعلامة، و لكن نظرية للسيميوزsemiosis )(أي لصيرورة إنتاج العلامات ولصيرورة جدلية"[4]، ولهذا نظر للمعنى والدلالة بأنها ليست معطى جاهزا يوجد خارج العلامات وخارج قدرتها في التعريف والتمثيل فالمعنى لا يوجد في الشيء وليس محايثا له، إنه يتسرب إليه عبر أدوات التمثيل، وهو يشير إلى أن إدراك الكون ليس مباشرا[5]، وهذه النظرة للمعنى والدلالة على أنها ليست معطا أوليا وقارا في بنية النص كما تحاول أن توهمنا بذلك أطروحات الشكلانيين الروس والمقاربات البنيوية الصورية، جعله يدرج منهجه ضمن المناهج ما بعد البنيوية والتي انتصرت للمعنى الذي رفضته المقاربات البنيوية الصورية والتي رفض ما جاءت به، وما قيده النسق المغلق للقراءات، ودعا إلى النسق المفتوح الذي يشكل فيه تعدد الوظائف تعبيرا، هو الذي يجعل من النسق البيرسي متفوقا[6]، و إذا كان هذا التوجه البيرسي((peirce للسيميائيات يعد منطلقه المنهجي من خلال مقدمته فكيف تبدى ذلك في أثناء الإجراء النقدي، وكيف تمت مدارسته للمعنى في الشعر الجزائر المعاصر.

الإجراء النقدي:

أثناء تحديد الناقد لمعاني تيمة اليتيم وغيرها من التيمات التي تنصهر في بوتقة تيمة 'اليتيم' باعتبارها التيمة المهيمنة في النص الشعري[7] عمد إلى جملة من الأدوات الإجرائية التي حرص من خلالها على مدارسة المعنى وهي كثيرة فاخترنا البعض منها :

1/ استثمار الناقد سيميائيات بيرس وتصنيفه الثلاثي للعلامة:

تناول الناقد تصنيف بيرس(peirce) للعلامة على مستوى الموضوع متمثلا في (المؤشر الأيقونة، الرمز) حيث "أصبح التقسيم الذي وضعه بيرس للعلامات مقولة أساسية في الدراسات السيميوطيقية"[8]، ويظهر هذا أثناء تحليل الناقد لسيميائية الرحيل يقول: "إن التحليل السيميائي للترحال دون الوقوف عند العائلة اللغوية لمفردة الترحال التي تكاد تكون النسبة الغالبة في شعر سعيد هادف ومتناسقة مع جملة من التيمات التي سيأتي ذكرها بعد حين تمثل المستويات الثلاثة للعلامة التي حددها بيرس بـ: الممثل والموضوع والمؤول، وسنقف على مستويات العلامة. الموضوع»[9]، فنجده يرصد بعض التيمات باعتبارها مؤشرا على الرحيل مثل الأوجاع، و الآه، و تخوف النقصان، و الهذيان، والبدايـات   واليبس، ولوح نوح[10] .

وفي تصنيف الأيقونة اخـتار علامة 'الشمس' من نص سعيد هادف وحــاول أن يبرز دلالاتها باعتبارها أيقونة، وعد تيمة الترحال الكلمة/ المفتاح لفهم العلامات الأيقونية في الصورة الشعرية[11]، كما اشترط على تيمة الترحال أن تكون رمزها بأن تقرأ في بيئتها الثقافية بموجب قانون أو تواضعات اجتماعية[12].

و حاول في الفصل الثاني والمعنون بـ'سيميائية الجسد في النص' أن يستثمر آلية التأويل السيميائي باعتبار أن آلية التأويل التي يتمظهر مفهومها في السياق وضمن حدود، هي القسيم المنهجي الأصيل الذي يشارك السيمياء وضعه النقدي في مقاربته للنصوص والظواهر الإبداعية، إذ لا تمظهر حقيقي للسيمياء من دون حضور نشاطات وفعاليات التأويل المشحوذة على نحو معرفي وذوقي ومزاجي عالي المستوى إذ هي تمثل الأدوات الإجرائية التي يكون لها القدرة على الخوض في غمار النصوص والظواهر[13]، وقد أشار في المقدمة إلى استناده على هذه الآلية النقدية بقوله: "قصد الارتقاء بفعل التأمل وإثراء أسلوب التحليل في أثناء التأويل"[14]، والتأويل لا يمكن أن يكون مجرد تعرف على معنى مطواع من السهل ترويضه، كما قد توحي بذلك حركية الانتقال من المعنى الحرفي إلى وجوهه الرمزية، بل يحيل على ما يجمع أفقين مختلفين، فإن التأويل نبش في ذاكرة الكلمات وانتقاء الدلالات التي تتلاءم مع الغايات التأويلية التي تقود خطى الهرمسي ( hermèneutique) وتربط بينه وبين الماضي أي تشد لحظة الإنتاج إلى لحظة التلقي[15]، ولهذا دعا الناقد إلى التحليل الذي تتراحم فيه السيميائية بالتأويلية فيقول: " وهذا الأنموذج من التحليل الذي تتراحم فيه السيميائية بالتأويلية هو ما نعتقده ونؤمن به، ودعونا له"[16].

ومن الأوجه التي يبرز اعتماده على سيميائية بيرس( peirce ) تناوله للعلامة البصرية حيث يظهر ذلك الاستثمار في تناوله للجمالية الخطية أو ما سماها بـجمالية(الفراغ الباني) أو مدارسة فضاء النص من حيث البياض والسواد، فيقول على سبيل المثال عند تحليله لنص نور الدين طيبي: "يمارس في هذا السياق نفسه نور الدين طيبي تفكيك الجسد ليس على الصعيد دلالي، كما هو في النصوص الشعرية السابقة، وإنما يأتيه من باب تفكيك الخطاب البصري، وإلغاء وحدته في الرسم وتماسكه في الكتابة الخطية، فصار شبيها بالكون السحري لسيمياء الحروف وأسرارها"[17]، إلى أن يصل لرأيه في هذه الآلية النقدية فيقول : "إن جمالية الخطاب البصري للجسد في النص في النص تعد وقعا في حد ذاته لكونها إشارة دلالية أملاها اللاتوقع واقتضتها البرهة القصيرة التي استغرقت في المسبح الصيني لشكل كتابة الجسد المفكك خطيا"[18]، كما أشاد بما قام به بعض الشعراء الذين استغلوا الطاقات التعبيرية التي توفر الفنون التشكيلية. وهي شعرية الخطاب البصرية بأبعاده السيميائية التي التفت اليها الشعر الحداثي مستثمرا جمالية الخط[19].

إضافة إلى ما وفرته سيميائيات بيرس (peirce)وانفتاحها للتأويل الذي اتخذه الناقد أحد أهم الآليات النقدية في تحليليه للنص الشعري "فصحيح أن طبيعة الفعل الشعري تكثف ولا تفصل، تبرق ولا تسهب، تومض ولا ترسخ، لكنها تتضمن حقائق فلسفية يستنبطها التأويل"[20]،فإنه قد عمد إلى السيميائيات الغريماسيةgreimas)) و مدارستها للمعنى "فأساس السيميوطيقا البيرسية هو أساس منطقي - رياضي كما هو الحال بالنسبة لسيميوطيقا أ، ج جريماس، والفرق بينهما أن جريماس يرتكز على المنطق الحملي لأرسطو من أجل أن يبني نظرية ما يسمى بالمربع المنطقي في حين أن بيرس يبني سيميوطيقا، على منطق العلاقات الذي هو مكتشفه"[21].

2/ استثمار الناقد للمربع السيميائي:

استعان الناقد بهذه الآلية النقدية المتمثلة في المربع السيميائي والذي نقصد به التمثيل البصري للتمفصل المنطقي لمقولة دلالية ما، فالبنية الأولية للدلالة، كما عرفت. في مرحلة أولى كعلاقة بين حدين على الأقل لا تستند إلا على تميز تقابل المحور الاستبدالي للغة[22] ، وفي تحليله قصيدة 'سيرة الفتى' لعبد الله العشي يقول "ونحن حاولنا أن نقدم صورة هذه الخطاب من منظور المربع السيميائي الذي طرحه غريماس لألفيناه يتناسل إلى جملة من الدلالات التي تعضدها البنية الكلية للقصيدة"[23]، إلى أن يخلص بعد تحليله لدلالة العزة والذل حسب ما قدمه هذا الإجراء إلى أنه لم يرد بهذا التطبيق السيميائي لمربع غريماس الذي استمد أصوله من المنطق الصوري الأرسطي إلا إبراز تناسل الدلالة بين الوحدتين السيميتين (sème) قصد تحليل مدلولاتها التي لا ندركها إلا من عملية الانتقال من مستوى البنية السطحية إلى مستوى البنية العميقة" [24] ، ومع ما يوفره المربع السيميائي في رصد دلالات ومعاني التيمات، و ايحائاتها ومضامينها حاول الناقد إضافة إلى دور المعنى وتجلياته في النص الشعري مدارسة شكل النص الشعري وكذلك الوقوف على عتباته النصية.

3/ استثمار الناقد للعتبات النصية:

تعد العتبات النصية من أهم ما يتناوله الناقد في تحليل النصوص حيث "بدأت تأخذ حيزا مهما من أحياز الدراسة النقدية الحديثة بعد أن نبهت المنهجيات الحديثة خاصة إلى قيمة العتبة النصية التي لا تقل شأنا عن المتن النصي ذاته"[25]، ومن بين أهم هذه العتبات التي ركز عليها الناقد نجد:

أ- عتبة العنوان: ركز الناقد كثيرا على قراءة العناوين في القصائد و الدواوين الشعرية وذلك لأن الحضور العنواني يرتبط بالثقافة الكتابية، وهو يبرز أمام المتلقي بوصفه شاهدا على النص الموجود بقوة الكتابة، ويتمركز في قمة الهرم النصي ليدل على ذاته وعلى فضاء النص، وعالمه وطبيعته، فانتقلت عتبة العنوان من مجرد فضاء مجرد وعام وتقليدي للتسمية، إلى ضرورة طباعية وعنصر فضائي وعتبة من عتبات القراءة، تساهم في استقبال، وينظر إليها بوضعها حاملا مركزيا ومفتاحا جوهريا من مفاتيح النص، لا يمكن إدراك طبيعة ودلالات المتن النصي من دون فهمه واستيعاب حدوده، ومن دون الكشف عن حمولته السيميائية والرمزية المكثفة[26]، ومن الأمثلة التى تدل على استناد الناقد على هذه الآلية النقدية، قوله عن شعرية العناوين: "إذا قدمنا مقاربة سيميائية لشعرية العناوين لألفينا أنها تحمل بعض هذه الدلالات التي أشرنا إليها آنفا بدءا من الثنائية التي يحملها عنوان الديوان 'اللعنة والغفران' أي الخطيئة ثم الرحمة، وهذا يدل على أن عز الدين لا يحمل قتامة "جيل اليتيم"[27].

كما يتناول في موضوع لغة البرق وجمالية الفراغ عناوينا لبعض القصائد ويقدم تحليلا بواسطة استقرائه لهذه العناوين يقول: "تبدو عناوين هذه القصائد ذات وحدات معجمية قصيرة جد تصل إلى درجة أنها لا تشكل كلاما مفيدا بتعبير النحاة العرب مثل الاسم الموصول 'الذي' فهي مليئة بالفجوات والفراغ الذي يتطلب حضور القارئ لبناء انسجامه مثل العنوان الذي يرد في صيغة استفهام 'ما الذي' أو في صيغة الابتداء الذي يحتاج إلى اخبار أو موصوف، ولا سيما تلك المصادرة التي وردت نكرات مثل: انتهاك، و انخطاف، و انهمار، و سوار، و مخاتلة، و حماسة، و لباقة، و طرب، ومصيدة، و إن هذه العتبات النصية التي تشكل شعرية العناوين توحي لك بأن عالم سليم رحال لا يقبل التفاصيل المملة، ولا الزخرفة اللغوية المتهالكة، إنه عالم أشبه بلغة البرق المفتوح على السؤال، لأنه لا يعرف الأشياء و لا يقيد الكلمات بالختم البلاغي، والإيقاع الصداح"[28] وكثيرة هي المواضع التي لجأ فيها الناقد إلى عتبة العنوان لاستقرائه ، كما نجده قد اعتمد على عتبة نصية أخرى تمثلت في عتبة الإهداء أو شعرية الإهداء.

ب- عتبة الإهداء:

اعتمد الناقد على هذه العتبة النصية في مواضع عديدة، و الإهداء "هو تقدير من الكاتب وعرفان يحمله للآخرين سواء كانوا أشخاصا، أو مجموعات (واقعية أو اعتبارية)"[29] ، و نذكر على سبيل المثال ما أدرجه في بحثه عن تيمة الوطن يقول: "و لعل شعرية الإهداء في مقدمة قصيدة "آه يا وطن الأوطان ليوسف وغليسي أبلغ تعبيرا عن هذا الإحساس بالغربة داخل الأوطان"[30].

و يقول في بحثه عن تيمة 'اليتم' : "تعلن العتبة النصية التي تمثلها هنا شعرية الإهداء التي نلقيها في قصيدة "النهر" لميلود خيزار كما يشبه بيان اليتم الذي يقدمه هؤلاء الشعراء للتعبير عن رؤيا مشتركة لهذا الجيل "إلى الشاعر مصطفى دحية شقيقا وصديقا في اليتم"[31].

كما لجأ إلى هذه الآلية النقدية في بحثه عن تيمة "قتل الأب" في قصيدة "أغنية لأمر بلقيس" لميلود خيزار يقول: "إن ما يوضح هذا الانحياز للأمومة والأنوثة خطاب العتبة النصية الذي يتضمنه الإهداء "إلى صاحبتي ومصباح بيتي....حياة"، وبصيغة سردية يقدم صورة الأب وفي ملازمة لأسطورة الدهر"[32].

وبهذا فقد حاول الناقد أن يعدد في الأدوات الإجرائية التي أراد من خلالها إبراز تجليات المعاني التي تميز تيمة 'اليتم' أو التيمات التي تنصهر في بوتقة هذه اليتمة المهيمنة على الشعر الجزائري المختلف.

4/ استثمار الناقد لجمالية الخطاب البصري(الفراغ الباني) :

قدم أحمد يوسف محاولات لاستقراء الجانب البصري في الشعر الجزائري المعاصر من خلال تتبع السواد والبياض الموجود في بعض القصائد إذ أن هذا التقليد اشتد عوده لحقبة ما بعد الحداثة، فتلقفه الشعراء في كل أنحاء العالم[33]، فكان لزاما على النقاد أن يتناولوا ذلك لأن معطى الفضاء في القصيدة المعاصرة يكون مهما للدخول إلى عالم المعنى ذلك أن الصفحة تتوزع بين البياض و السواد، و هذا يظهر في قوله: عليه يبدو شعر عبد الله العشي و اسطنبول ناصر مليئا بما يسميه أيزر بـ 'الفراغ الباني' و درس ايحاءات الخطاب البصري في قصائد السخرية في ألوان أغلفتها و رسوماتها و الخطوط المرافقة للملصقات المكتفية بالون الأبيض و الأسود[34]، يقول في ذات الموضوع : "إن الشيء الذي تغير أولا هو تفكيك ائتلاف الحروف، واختلافها عن البنية الخطية المعهودة وبعيدا عن النظر إلى كتابة الجسد بحروف غير متناسقة خطيا من أنها صنعة زخرفية وحذلقة فنية، وتحطيم لأصول الإنشاد الشعري ،فإن الأمر الثاني يتعلق باستدعاء المتلقي و اشتراط حضوره في بناء النص وإنتاج معناه. إن جمالية الخطاب البصري للجسد في النص تعد وقعا في حد ذاته لكونه اثارة دلالية أملاها الاتوقع و اقتضتها البرهة القصيرة التي استغرقت في المسح العيني لشكل كتابة الجسد المفكك خطيا ، ويواصل حديثه شعر اليتم "الذي أدرك الطاقات التعبيرية الخلاقة التي تتوافر عليها الفنون التشكيلية مما حعل لها حضورا متميزا في المتن الشعري سواء من حيث المحتو أو من حيث البناء الفني، و لا غرو أن نجد الفنان لخضر شوادر يخصص أحد عناوين قصائده للفنان كاندسكي'كاندسكي ظلام يتحرك' مضمنا معجمه الشعري بدلالة الفن و أدواته و ألوانه التي لها حوامل وجدانية وأغوار نفسية تتلاحق مع الآفاق الصوفية المتناهية. و عليه كانت قصائد لخضر شوادر لوحات مشكلة بألوان لغوية غارقة في العجائبية و موغلة في التعمية التجريد"[35] ، ليخلص بعد ذلك إلى "أن اللجوء إلى هذه التقنية في التعبير واستثمار الفنون التشكيلية هي إذن دعوة إلى لمشاركة المتلقي الجسدية عن طريق العين في تفكيك الجسد"[36] أحمد يوسف.

5/ استثمار الناقد للتناص:

لجأ الناقد إلى إبراز التناص أو ما أطلق عليه مصطلح (التهجين للشعر الجزائري المختلف) وحاول أن يبين ذلك من خلال رأيه المتمثل في يتم النص وغربته "فهو يقوم بتركيب ماضيه من خلال فصل المثاقفة المشوهة، ولا غرو أن يصبح هذا النص الشعري هجينا يمارس لعبة التشويه بلذة مرضية وبما أنه لا يحس بعبء المركز سواء أكان غريبا، أم عربيا مشرقيا، أم عربيا مغاربيا، فهو الهامش والمركز في آن واحد"[37]، وباعتبار التناص "هو تعالق (الدخول في علاقة) نصوص مع نص حدث بكيفيات مختلفة"[38]، فقد رصد الناقد حضور نصوص "صلاح عبد الصبور في بعض أشعار شعراء اليتم ونزار قباني، و بدر شاكر السياب و غيرهم من شعراء الحداثة، و خلص إلى الرأي الذي يدعم به حجته حول هذا الشعر الذي تميز باليتم و فقده لجينالوجيته وذلك لأن هذا الشعر بدل أن تهاجر إليه هذه النصوص، فهو الذي يهاجر إليها، محققا ما أطلقنا عليه فعل "المثاقفة المشوهة" لا هي سرقات شعرية ولا هي تناص، بل هي عبارة عن بناء نص على نص بطريقة ساخرة، متطفلة مجردة النص من صاحبه.[39]

فالناقد قد استعمل هذه الإستراتيجية النقدية لإبراز اليتم والاختلاف الذي مارسه النص الشعري الجزائري المعاصر عن بقية النصوص الأخرى.

ومن خلال هذه الآليات النقدية والأدوات الإجرائية التي استعان بها الناقد والتي وفرها له المنهج السيميائي "بصفته أحد الاتجاهات التي حاولت أن تكشف عن بعض خصائص الأجناس الأدبية المختلفة وكونه أحد الروافد الرئيسية لحركة النقد"[40]، عمد في المستوى التطبيقي إلى التركيب المنهجي وقد دعا لهذه الآلية في المقدمة بحيث تكون القراءة عنده ليست أسيرة لأي عبودية منهجية وتستجيب لآلية التركيب و خصيصة النص المقروء،[41] ومن أمثلة ذلك رصده لسيميائية الإخضرار عند الشاعر محمد مصطفى الغماري باعتبارها "تيمة مهيمنة لها أبعاد فكرية وفنية يمكن أن تكون لديه ما اصطلح عليه لوسيان غولدمان برؤيا العالم، إن هذه الرؤيا للعالم التي تتعلق بالعرفانية في تعبيرها"[42]، فامتزجت عند الناقد آليات المنهج السيميائي بإحدى أهم مقولات البنيوبة التكوينية وهي 'رؤيا العالم'.

ورغم أن الناقد لم يوغل حسب رأيه في الجانب التطبيقي للمنهج السيميائي في بيان بعض التيمات إلا أن القارئ يلحظ ذلك العدد الكبير من الأدوات الإجرائية والآليات النقدية المعتمدة من طرف الناقد في المنهج السيميائي خاصة، مثل استثماره لثلاثية العلامة عند بيرس (الموضوع) (مؤشر، أيقونة رمز)، والمربع السيميائي في رصد تجليات المعنى، وحضور الخطاب البصري ومدارسته، تناوله للعتبات النصية (عتبة العنوان ، و عتبة الإهداء) كما جاءت عند جيرار جنيت G.Gènette) (وغيرها كثير مما عمق الدراسة ومكن الناقد من رصد جوهر هذا النص المختلف باعتبار أن قصيدة الشاعر المعاصر توليفا من تقاليد شعرية و موسيقية عديدة بل أنها تشابه الأعمال التشكيلية،و النحتية، و الهنــــدسية والمسرحية و إذا كان الأمر هكذا، فإنه، صار من الاختزال المعيب لآثار الشعراء المعاصرين أن تحلل بمفاهيم غير مؤهلة للنفوذ إلى أعماقها و بيان مراميها و مغازيها[43] .

رغم ما يلاحظ من توزع لبعض الأحكام النقدية التي حاول الناقد أن يقلل منها حسب رأيه إذ "أن الدارس لا يسقط في أحكام القيمة وإن كانت من الصعب التجرد منها"[44]. ويقول في موضع أخر "كما أننا لم نستطع الإفلات من قبضة الأحكام وإن كنا نسارع إلى التقليل من أهميتها لدينا، ونحتمي بلغة نقدية يغلب عليها المنطق النسبي أكثر مما يغلب عليه الحكم المطلق"[45]،حيث جنحت هذه الأحكام إلى ربط العلاقة بين النص الشعري الجزائر الحديث ببعض المؤثرات السياسية خاصة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية حاولت أن تبعد هذه القراءة عن المسار النصي وتخضعها لسلطة السياق، إلا أن تعمقه في النص الشعري الذي يجسد اليتم وبحثه في تيماته وبنيته اللغوية والفنية والإيقاعية. و رصده لشعرية الانزياح فيه مكنه من أن يلج محور المناهج النسقية عامة والبنيوية الموضوعاتية والتكوينية خاصة فتناوله كان تناولا نصيا حاول فيه أن يقترب حسب قوله من نبض النص الشعري المختلف دون تسليمه أي امتياز مسبق ومجاني وتفضيله على أي تجربة شعرية دون أخرى.[46]


الإحالات:

 

- أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف) منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط 1، 2002، ص 14.

- دانيال تشاندلز، أسس السيميائية، ترجمة، طلال وهبة، راجعه، ميشال زكريا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، ط1، أكتوبر 2008، ص 351.

- أحمد يوسف، يتم النص و الحينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 15-16.

- جيرار دولودال، السيميائية أو نظرية العلامات، ترجمة عبد الرحمن بوعلي، دار الحوار للطباعة والنشر، اللاذقية، سوريا، ط1، 2004، ص 243.

- ينظر:سعيد بنكراد، السيميائيات والتأويل (مدخل لسيميائيات ش، س، بورس) مؤسسة تحديث الفكر العربي بيروت ، لبنان، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب، ط1، 2005، ص 175.

- ينظر: جيرار دولودال السيميائيات أو نظرية العلامات، ترجمة، عبد الرحمن بوعلي، ص145 .

- ينظر: أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 13.

- ينظر: أحمد يوسف، يتم النص والجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 14.

- سيزا قاسم، نصر حامد أبو زيد، أنظمة العلامات في اللغة والأدب والثقافة (مدخل إلى السيميوطيقا) مقالات مترجمة ودراسات، دار إلياس العصرية ،القاهرة، مصر، ص 31.

- أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 131.

- ينظر: المرجع نفسه، ص 131.

- ينظر: المرجع نفسه، ص 136-137.

- ينظر: - محمد صابر عبيد، سيمياء الخطاب الشعري من التشكيل إلى التأويل (قراءات في قصائد من بلاد النرجس)، دار المجدلاوي للنشر و التوزيع، عمان،الأردن، ط1، 2010، ص 10-11.

- أحمد يوسف ، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 14.

- ينظر: سعيد بنكراد، سيرورات التأويل (من الهرمسية إلى السيميائيات) دار الأمان، الرباط، المغرب منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، ط 1 2012، ص 249.

- أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 253.

- المرجع نفسه، ص 219.

- المرجع نفسه، ص 219.

- ينظر: المرجع نفسه، ص 218.

- المرجع نفسه، ص 135.

- جيرار دولودال، السيميائية أو نظرية العلامات، ترجمة، عبد الرحمن بوعلي، ص 240-241.

- ينظر: أ.ج. غريماس، ج. كورتيس، د، باط ،الكشف عن المعنى في النص السردي (النظرية السيميائية السردية) ترجمة، عبد الحميد بورايو، دار السبيل للنشر و التوزيع ،الجزائر العاصمة، الجزائر، ط1، 2008، ص13.

- أحمد يوسف، يتم النص والجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 251.

- المرجع نفسه، ص 252.

- محمد صابر عبيد، سيمياء الخطاب الشعري من التشكيل إلى التأويل (قراءات في قصائد من بلاد النرجس)، ص 92.

- ينظر: المرجع نفسه، ص 147- 149.

- أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 118.

- المرجع نفسه، ص 152.

- جيرار جينيت، عتبات (من النص إلى المناص)، ترجمة عبد الحق بلعابد، الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت، لبنان، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط1، 2008، ص95.

- أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 111

- المرجع نفسه، ص، 145.

- المرجع نفسه، ص 179.

-ينظر:محمد مفتاح، مفاهيم موسعة لنظرية شعرية (اللغة-الموسيقى- الحركة) نظريات وأنساق المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ج 2، ط1، 2010، ص 260.

- ينظر: أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 179.

- ينظر : المرجع نفسه، ص 219 إلى 220.

- ينظر : المرجع نفسه، ص 221.

- المرجع نفسه، ص 155.

- محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري (استراتيجية التناص )، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط4 2005، ص 119.

- ينظر: أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 155.

- آراء عابد الجرماني، اتجاهات النقد السيميائي للرواية العربية ،منشورات ضفاف، بيروت، لبنان منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، دار الأمان، الرباط، المغرب، ط1، 2012، ص 12.

- ينظر: أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف)، ص 14.

- المرجع نفسه، ص 131.

- ينظر : محمد مفتاح، مفاهيم موسعة للنظرية الشعرية (اللغة- الموسيقى - الحركة) نظريات و أنساق، ص 296.

-أحمد يوسف، يتم النص و الجينالوجيا الضائعة (تأملات في الشعر الجزائري المختلف ، ص 267.

- المرجع نفسه ، ص 267.

- ينظر: المرجع نفسه، ص 267.