الفنون النثرية في الأدب المغربي والأندلسيpdf

دراسة سميائية للمقامة البربرية

د/ أحمد قيطون

أ/ فايزة بن عمور

جامعة قاصدي مرباح ورقلة (الجزائر)

الملخص:

لم تكن أقلام المغاربة والأندلسيين في النثر الفني أقل إبداعا مما كانت عليه في الخلق الإبداعي الشعري، حيث برز إلى الساحة النثرية عديد من المبدعين الذين يمموا يراعهم صوب الفنون النثرية محاكاة واختراعا، فكانت لهم هذه الفنون مطواعة يصورون من خلالها واقعهم المعيش بكل ما يحمل من تفاصيل، ومن أهم المواضيع التي طرقتها هذه الفنون المدن واختلفت أسباب الكتابة عنها، إلا أنها اتفقت على أنها تصور واقعا معينا. حديثنا في هذا المقال سيركز على موضوع هجاء المدن المغربية من خلال دراسة للمقامة البربرية للسرقسطي.

Résumé :

El n'ètait pas les Marocains et Andalous stylos en prose artistique moins créatives à ce qu'il était dans la création créative de la poésie, où a émergé sur la scène de prose de nombreux créateurs qui'ils vers la simulation prose des Arts et de l'invention, était pour eux ces arts souples pour décrire leur réalité de vie avec tous ces détails, et les discussions les plus importantes que ces villes Arts et des raisons variées pour écrire sur eux, mais ils ont convenu qu'ils visualisent une certaine réalité. Notre conversation dans cet article se concentrera sur le sujet de la Satire villes marocaines à travers l'étude de berbère makama construit pour sarakosti.                                                                                                              

هيكلة النص:

بنية الاستهلال:

يبدأ النص شأنه شأن المقامات عند بديع الزمان الهمذاني و الحريري ببنية الاستهلال السردي، لتشكل هذه البنية مقدمة يلج من خلالها الكاتب إلى النص، ويسلم من خلالها الراوي الأحداث إلى بطل المقامة.

فالمقامات من هذا المنظور تستحضر العرف التقليدي القديم السائد في نسب الحديث أو القول إلى أشخاص معينين، وإن كان النسب قد ارتبط في الغالب بشخصيات معلومة، خاصة إذا تعلق الأمر بمجال الحديث النبوي الشريف في الحضارة الإسلامية قبل انتشار فكرة التدوين بادئ الأمر، وقد اعتمدت هذه الطريقة بسبب الثقافة الشفاهية والسماعية آنذاك.

غير أن المقامات قامت في الغالب الأعم على رواة مجهولي الهوية « وكما قام الهمذاني/ الراوي المجهول، بافتتاح مقاماته بجملة الاستهلال السردي: حدثنا عيسى بن هشام، وكما تبعه الحريري في ذلك في مقاماته بافتتاحها بجملة: حدث أو حكى أو روى أو أخبر الحارث بن همام»[1] نجد السرقسطي نهج نفس النهج في هذه المقامة واستفتح مقامته بقوله:« قال السائب بن تمام»[2] وهو شخصية مجهولة أيضا، فالتقليد والتأثر في هذا الموضع واضح جدا وهذا يؤكد مدى امتزاج الثقافة المغربية بأختها المشرقية في الفنون النثرية.

الشخصيات:

وكأي فن شبيه بالقصة ترتكز أغلب المقامات على شخصيات تقوم بأدوار تحرك الأحداث، وتعيش في زمان ومكان معيين، وما ميز المقامة على العموم وجود شخصيتين واحدة منهما تختفي مع بنية الاستهلال السردي وأخرى تواصل لعب دور البطولة فيها، وقد قام السرقسطي بافتتاح مقامته بذكر أول شخصية في المقامة وهو الراوية المدعو" السائب بن تمام" وهو راوية مجهول على غرار أغلب المقامات وكما افتتح الهمذاني مقاماته بالراوية "عيسى بن هشام"، والحريري "بالحارث بن همام"، قام السرقسطي بإسناد الرواية "للسائب بن تمام" ويظهر جليا تأثره بمن سبقه في هذا الميدان إذ سيتحضر نفس البنية الاستهلالية بشخصية مجهولة وبنفس الصيغة الصرفية للاسم، إلا أن ما نلحظه في هذه المقامة أن السائب بن تمام لا يقوم برواية أحداث المقامة التي وقعت لشخصية البطل بل يعتبر هو البطل الذي قام بالدور الرئيسي في هذه المقامة إلى جانب شخصية أبو حبيب المحتال. هو الراوية والبطل في نفس الوقت إذ أنه كان يعيش الأحداث التي وقعت له في مدينة طنجة المغربية حين وجد نفسه بين أقوام غرباء، لباسا، ولغة، وعادات...

وتظهر لنا شخصية السائب من بداية المقامة شخصية أدمنت السفر والتنقل، إلا أنها تعيش نوعا من الاضطراب، إذ تسبب عدم استقراره المكاني إلى انعدام استقراره الوجداني ويظهر ذلك في قوله« مازلت أجول في المشارق والمغارب وأغرى بالمساري والمسارب حتى اشتكتني الذرى و الغوارب، وملتني الطوالع و الغوارب، وحتى قذفتني الأيام إلى بلاد طنجة...»[3] وواضح من خلال قوله قذفتني "الأيام إلى بلاد طنجة" أن هذه المدينة جاءت عرضا في سفره و ما كانت مقصودة لذاتها ولكن ساقه إليها القدر المحتوم، إذ أنه كان يقصد السفر إلى الأندلس فلابد له من المرور من هذه المدينة التي تربط بينها وبين المغرب.

أما الشخصية الثانية في هذه المقامة والتي تقتسم البطولة مع السائب بن تمام فهو أبو حبيب التي يقدمها لنا السائب  كشخصية ممتزجة امتزاجا كليا مع طبيعة أهل البلاد، يجيد فن التواصل معهم والحفاظ على مكانته بينهم، ويقوم هو أيضا بتقديم نفسه في هذه المقامة بالوجه الذي يرتضيه، فهو شخصية ذكية محتالة تتواجد في المكان المناسب الذي تستطيع من خلاله كسب القوت وفنون الاحتيال في ذلك، دون أن يكتشف أمره سواء كان هذا المكان قفرا أو مدينة أو غيرهما يقول السائب مثلا « فقلت: دواليك دواليك، وإليك عني بالمعتبة إليك، أحتى في البرابر الدهم، وبين البهائم البهم؟ لقد برحت بنفسك اغترابا، ونظمت في الصحبة أعاجم وأعرابا...»[4]

ويقول هو عن نفسه:

« العرب والعجم لي صديق      إذا غلت بالقرى القدور

دع عنك ما قيل من ملوك      لها الدهاليز و الجدور

فارقت ربعا بها و دارا      وكلها أربع ودور»[5]

فأبو حبيب هي الشخصية التي تقوم بدور الكدية في هذه المقامة ومع ذلك لا يعد الشخصية الرئيسة الوحيدة فيها.

السرد والوقفات:

يخوض البطل/ الراوي في سرد مقامته بعد بنية الاستهلال السردي ويقص الأحداث التي وقعت له في البلاد المغربية، إلا أنه كان غالبا ما يكسر السرد ببعض الوقفات التي تعطل منه.

$1أ‌-   الوقفات الوصفية:

يستعمل الراوي تقنية الوصف فيتوقف السرد بفعل ذلك للحظات لا تطول، فنجده بعد أن يمل من الترحال من مكان إلى آخر، ويجد نفسه في بلاد طنجة يشرع في وصف أهلها وذمهم بأبشع النعوت:« فأقمت بين أقوام كالأنعام أو كالنعام، وأناس كالسباع أو الضباع، لا أفقه مقولهم ولا يوافق معقولي معقولهم، قد فارقت القوم زيا ولفظا»[6]

كما يقوم بتعطيل السرد أيضا عندما يشرع في وصف الأطعمة التي أكرم بها كضيف وافد بعد أن آنسوا إليه بفضل أبو حبيب الذي ادعى أنه بن عمه « قدموا إلينا من الشيزى[7] جفانا كالجوابي[8]، عليها ثرائد[9] كالهضاب أو الروابي تنهل سماؤها بدرر اللحم، وتشرق أرجاؤها بفدر[10] اللحم»[11]ووجود هذه الأطعمة المتنوعة والشهية وبعد تعب السفر الذي عناه السائب يستلزم وصفا لطريقة الأكل النهمة التي كانوا يلتهمونها بها« وجعلنا نأكلها خضما وقضما، ونوسع الأجواف ردما و رضما، و الودك من على معاصمهم يسيل»[12] والقضم والردم و الرضم كلها صفات لأساليب الأكل وقد استعملها الكاتب لبين مدى التنوع في المأكولات والأطعمة المقدمة في هذا المجلس، وبالرغم من أنها صفات إلا أنها تحمل في طياتها دينامية و حركة لا تعطل السرد تماما.كما قد تشابك الوصف مع السرد في كثير من الفقرات والجمل وهذا التلاحم بينهما لا يعطل السرد إذ قد يعمد السرقسطي إلى كلمة أو اثنتين فقط يبين من خلالها طبيعة الشيء الذي يتحدث عنه وماهيته.

$1ب‌-الوقفات الحوارية:

كما يتعطل سرد الأحداث أيضا بفعل الوقفات الحوارية بين الشخصيتين الرئيستين في المقامة، وقد غاب الحوار بين السائب بن تمام وأهل المدينة بسبب الاختلاف الألسني بينهما، أما الحوار بين السائب وأبو حبيب فيقع في قلب المقامة، حين يصل السائب إلى ساحل المدينة وهو يهم بمغادرتها إلى الأندلس فيلتقي هناك بأبي حبيب الذي لا يتعرف عليه إلا بعد أن يدور الحوار بينهما ثم يعود بعد ذلك البطل إلى سرد أحداث مجلس الطعام الذي يشعر فيه مرة أخرى بغرابة عادات وتقاليد البربر في الضيافة فيستنجد في ذلك بحواره مع أبو حبيب ليشرح له المقصود من تلك التصرفات وأنه من واجبات إكرام الضيف وأن عليه الاستسلام وقبول ذلك« قال لي أبو حبيب هذه تحفة القوم وقرى الضيف(...) فقلت: هل من هذه النشبة خلاص أم لهذا المحض خِلاص...»[13].

وبعد هذه الوقفة الحوارية ينتقل البطل إلى السرد الممزوج بالوصف مرة أخرى حين خرج والقوم إلى مجلس ثان تقدم فيه الأطعمة ويركز أكثر هذه المرة على وصف المشروبات التي يقدمونها، ثم يعود إلى الحوار النهائي بين البطلين بعد خذا المجلس والبربر يغطون في نوم عميق بعد مجلس أنسهم ليظهر من خلال هذا الحوار حيلة أبو حبيب من استبقاء السائب بعد أن كاد يجتاز الساحل « قال يا سائب، لولا أني أخشى عدمك(...) قال: خذ طريقا غير طريقي وتخلى عن معشري ورفيقي...»[14]

جـ- الوقفات الشعرية:

لا يكتفي الكاتب بالوقفات الوصفية والحوارية فحسب بل يوظف الوقفات الشعرية إضافة لذلك، أما الوقفة الأولى تأتي مباشرة بعد أن يتعرف السائب على أبو حبيب، إذ عجب من أن يجده في مثل هذا المكان الغريب، فيشرح له أبو حبيب سبب ذلك، وفلسفته في الحياة من خلال قصيدة شعرية كاملة، ومن ذلك وجوده في أي مكان يستطيع من خلاله تحصيل رزقه منه سواء بالحيلة أو بغير ذلك ولا فرق بين البدو الحضر، مادامت الحياة تنقسم إلى بين صاحب وفيّ وآخر غدور فلا ضير في التجوال في كل البقاع.

أما الوقفة الشعرية الثانية فهي وقفة ختامية ينهي بها المقامة ويوجه الحديث فيها إلى السائب و يحثه على الهروب من طنجة ليسلم من الأذى:

بالله يا سائب سر راشدا     من قبل أن يقطع حبل الوريد[15]

ويشرح فيها أسباب احتياله على كسب الرزق ويمتدح نفسه على القدرة في ذلك:

         أما تراني الدّهر ذا عزمة      أساير النجم كأني بريد

         لا أرهب الليل ولا أتقــــي       إلا شهابا لرجيم مريـــــد[16]

وهذه الوقفات على اختلافها تمنح المقامة الثراء و التنوع الشكلي، من خلال تنوع تقنيات الكتابة، إذ لا يكتفي الكاتب بالسرد فقط بل يمنح المقامة الحيوية في السرد تارة وفي التعطيل تارة أخرى، وفي المزج بين السرد والوصف وبينه وبين المقطوعات الشعرية، فيؤدي ذلك إلى التنوع في الإيقاع الزمني للمقامة.

الزمان والمكان:

يعد الزمان والمكان من أهم مكونات الخطاب السردي، إذ لابد للشخصيات و الأحداث من حيز تجري فيه، ويظهر لنا المكان جليا في مستهل المقامة الذي ينقسم إلى قسمين ضيق، وواسع، أما اتساعه فمرتبط بموضوعة السفر والتنقل من مكان إلى آخر ، يبدأ البطل بالحديث عن ذلك مما يجعل الفضاء المكاني غير محدد المعالم ونقرأ ذلك من خلال قوله:« أجول في المشارق والمغارب»، ولعل تيمة السفر وارتباط المقامة بالتجول هي التي جعلت المكان يتسع في بدايته ثم ينتقل بعد ذلك ليحدد المكان الضيق« حتى قذفتني الأيام إلى بلاد طنجة»[17] وطنجة كما هو معلوم من مدن المغرب الأقصى« على ساحل بحر المغرب مقابل الجزيرة الخضراء، وهو من البر الأعظم وبلاد البربر»[18] ومع ذلك فهي تعتبر المسرح الواسع مقابل المكانيين الضيقين الذين سيذكرهما فيما بعد، وهما بالتحديد الساحل و رملة شعثاء كما وصفها.

وبعد أن يحدد الراوي هذه الأماكن الضيقة والواسعة يعمد إلى تحديد المكان المقصود« وأشرفت منها على بلاد إفرنجة»[19] والراوي إنما كان يعول في سفره للوصول إلى هذه البلاد« وكنت أسمع بأرض الأندلس وحضارتها، واحتفالها، ونضارتها  فأتمناها تمني المشتاق وأفديها بالكرائم و العتاق...»[20]

وواضح من خلال بعض الألفاظ التي يستعملها البطل أنه كان يعيش حالة اللاستقرار فانعكس ذلك جليا على اللا ستقرار المكاني« حتى اشتكتني الذرى و الغوارب وملتني الطوالع و الغوارب كما نلحظ أنه كلما ازداد المكان ضيقا ازداد الراوي غربة فزاد في هجاء أهل المدينة ويظهر لنا المكان مقسما بالطريقة التالية:

الـمكـــان


واسع                                             ضيق

المشارق والمغارب                               طنجة

                            

                                  الساحل                    سهلة شعثاء

وتتغير وظائف الأمكنة بالنسبة للشخصيتين الرئيستين في المقامة فالأندلس أو بلاد الإفرنج بالنسبة للسائب بن تمام هي المكان المنشود وهي معادل للخير، وأما طنجة فهي المكان المرفوض والمعادل للشر وهي العامل المعرقل على الوصول إلى مبتغاه فتصبح بذلك محط هجاء وذم من طرف البطل.

في حين يجمع أبو حبيب بين الوظيفتين فطنجة هي المكان المرفوض والمنشود في آن واحد على حسب ما ترومه الشخصية فهي المكان المرفوض لنفس الأسباب التي جعلته كذلك عند السائب من غربة واختلاف مع أهالي المدينة... بالرغم من أن هذه الشخصية استطاعت أن تحقق أهم شيء يمكن أن يحقق الألفة وهو التواصل، وهو المكان المنشود باعتباره سبيلا لتحصيل الرزق عن طريق الكدية والاحتيال.

نأتي بعد ذلك إلى الزمان الذي لم يحدد بوضوح تام في هذه المقامة ومع ذلك نستطيع أن نستشفه من بعض التعابير فعندما يقول البطل مثلا:« وكنت أسمع بأرض الأندلس وحضارتها»[21] فهذا زمان واسع يذكره البطل وهو يشمل فترة التطور الحضاري الأندلسي ثم يعود بعد ذلك في ثنايا المقامة لتحديد زمن آخر حين يقول:« حتى إذا طفلت العشية، وحنت إلى كميعها الحشية»[22] وهذا يبين أن أحداث المقامة وقعت في الفترة الصباحية إلى أواخر العشية.

                           

                             الزمــان


     واسع                                                  ضيق

ازدهار الحضارة الأندلسية                             الصباح إلى العشية

      

سميائية العنوان والنماذج العاملية:

$1أ‌-      سميائية العنوان:

لم تعن الدراسات العربية القديمة بالنظر في العنوان ولا بما يحيط النص من نصوص موازية قد يكون هذا راجع في أصل الأمر إلى أن مبدعي النصوص في ذاتهم لم يهتموا بعنونة إبداعاتهم، فكانت القصيدة تذكر بشطرها الأول أو بحرف رويها، إلى أن تجددت النظرة إليه مع الدراسات الحديثة خاصة السميائية التي نبهت إلى ضرورة الالتفات إلى العنوان وما يحيط بالنص باعتبارها علامات تحيل على فهم النص وتحليله.

يعتبر العنوان من النصوص الموازية التي تعد من أهم مفاتيحه من وجهة الدراسة السميائية« إن العنونة هي أول المراحل التي يقف لديها الباحث السيميولوجي لتأملها واستنطاقها، قصد اكتشاف بنياتها وتراكيبها و منطوقاتها الدلالية ومقاصدها التداولية، إن العناوين عبارة عن علامات سيميوطيقية تقوم بوظيفة الاحتواء لمدلول النص»[23]

فالعنوان علامة أولية للنص ترتبط ارتباطا وثيقا به إذ يعبر في كلمة أو اثنتين، أو عبارة، عن نظام سميائي آخر وهو النص، إن العنوان« غير مستقر بذاته، بل يرتبط بنص أو نظام سميائي آخر يأخذ معناه منه أو على حد تعبير جيرار فيقنز أن العنوان سؤال والنص أو النظام السميائي جواب لهذا السؤال ومن هنا فإن العنوان واسطة اتصال بين النظام السميائي الذي يرتبط به، وبين المتلقي لهذا النظام وعلى هذا نستنتج وجود ثنائيتين هما:

أ: ثنائية العنوان/ النظام السميائي

ب: ثنائية العنوان/ المتلقي....... »[24]

فهو من خلال هذا المنطلق علامة مشتركة بين النص والمتلقي وكل منهما يحيل عليه العنوان بوظائف مختلفة.

  وإذ نعود إلى النص الذي بين أيدينا نجد أن صاحب المقامة يعنونه بعبارة محددة وهو المقامة البربرية، وإذا تأملنا فن المقامات عموما نلحظ أن كتابها كانوا يعنونون أغلب مقاماتهم بأسماء البلدان التي تقع فيها أحداثها، كالبغدادية، والكوفية... إلا أننا نجد السرقسطي يعنون هذه المقامة بالبربرية رغم أن أحداثها وقعت في مدينة محددة المعالم وهي طنجة فم الذي حمله على هذه العنونة؟

بالتنقيب عن معاني الكلمة في المعاجم نجدها تحيل إلى معاني مثل:« كثرة الكلام والجلبة باللسان وقيل: الصياح، ورجل بربار إذا كان كذلك؛ وقد بربر إذا هذى(...) وقد بربر في كلامه بربرة إذا أكثر، والبربرة الصوت وكلام من غضب، وبربر: جيل من الناس يقال: إنهم من ولد بر ابن قيس بن عيلان»[25]

وجاء في القاموس المحيط أيضا« و البربرة: صوت المعز، وكثرة الكلام والجلبة والصياح(...)، وبربر:جيل، ج: البرابرة، وهم بالمغرب»[26] من خلال هذا التعريف المعجمي نجد العنوان يحيل على النص والمتلقي على النحو التالي:

$11-ثنائية العنوان/ النظام السميائي:

يتحقق من من خلال التعريف المعجمي ونص المقامة ثنائية العنوان والنظام السميائي إذ النص مبني في أساسه على الاختلاف اللغوي، ويعبر البطل في كثير من المواضع عن غربته اللغوية بينه وبين أهالي المدينة، وعن عدم استيعابه للغة القوم وبربرتهم، وعن الصياح والجلبة مع انعدام التواصل والفهم« قنعت من الصهيل بصلصلة الجرس»[27]

« إلى أن جعل الشخص يبربر و يعجم، ويعرب عنهم و يترجم»[28]،وحتى في المجالس التي فرض عليه حضورها« فخرجنا إلى رملة وعثاء، و سهلة شعثاء، فركلوا هناك ركلا طويلا، و استعادوا حنينا أو عويلا لا يطربن ما يطربهم...»[29]

أما الوظيفة السيميائية في هذه الثنائية فهي الإحالية إذ يحيل العنوان إلى ما يحمل النص من دلالات وسياقات تتطابق ومدلول العنوان وتوحي بما هو موجود فيه« وتتلون كل رسالة بهذه الوظيفة عندما يكون محتواها مؤيدا للأخبار الواردة فيها باعتبار أن اللغة فيها تحيلنا على أشياء وموجودات تتحدث عنها وتقوم اللغة فيها بوظيفة الرمز إلى تلك الموجودات والأحداث المبلغة»[30] فعنوان المقامة يلتصق التصاقا وثيقا بما يرد في النص من إيحاءات.

$12-   ثنائية العنوان/ المتلقي:

إن المتلقي لهذه المقامة والقارئ لها لا محالة يملك صورة  مسبقة ومرجعية تاريخية حول جنس البربر الذين يعيشون  في المغرب  وسبق وذكر في المعاجم العربية  أن كلمة بربر هم جنس في المغرب من أبناء بر بن قيس بن كنعان كما أن الاحتكاك الذي وقع بين العرب والبربر إبان الفتح الإسلامي للمغرب العربي جعلت العربي يملك ثقافة حول بأس وقوة هذا الجنس في الدفاع عن الأراضي التي يملكها ويحكمها ولكن بعد أن فهم البربري تعاليم الدين الإسلامي رضخ لشرائعه ولان فتغيرت أيضا طريقة تعامل قواد الجيوش مع أهالي المغرب، وأصبح المغاربة جزءا لا يتجزأ من الدولة الإسلامية المترامية الأطراف، ولكن يبقى الاحتكاك قائما عند ذوي النفوس الضعيفة الإيمان، ما جعل السرقسطي يصور في هذه المقامة طبيعة تلك العلاقة ولا نعلم هدفا من وراء ذلك إلا أن نقول أن السرقسطي كان يصور واقعا اجتماعيا يعيشه البربري في ظل غياب آليات التواصل بين شعبين يدينان بدين واحد ويختلفان في العادات والتقاليد، أما الوظيفة التي يحملها العنوان للمتلقي هنا كما هو واضح هي وظيفة تأثيرية

بـ- النماذج العاملية:

تبني السميائية تحليلها على وظائف بروب التي استقاها من تحليله للحكايات الخرافية، ونجد أن هذه الطريقة في التحليل لم تعد تهتم بطبيعة الشخصية في حد ذاتها بل وجهت زوية النظر إلى مختلف الأدوار التي تتقمصها واستخرج بعد دراسته لمجموعة من الحكايات الخرافية مجموعة من الوظائف تتكرر في كامل تلك الروايات كوظيفة البطل، والمساعد...،ورغم أن هذا التوجه لاقى الكثير من الانتقادات إلا أنه جاء من بعد برب من استطاع أن يطور في هذه المفاهيم أمثال غريماس الذي جاء بفكرة النماذج العاملية.

$11-   المقصدية:

أما مفهوم المقصدية فهو الموضوع الذي ترغب الشخصية في الوصول إليه إذ أن الشخصية مهما اختلفت وظائفها فهي تقصد وجهة معينة تسعى إلى الوصول إليها ويشرح محمد مفتاح هذا المفهوم بقوله:

« أي ذات           موضوع، بمعنى أن هناك توقا ونزوعا من الذات نحو الحصول على موضوع ذي قيمة، فهي بهذا المفهوم أساس كل عمل وفعل وتفاعل، وهي شرط ضروري لوجود أية عملية سميوطيقية؛ فالذات لا تحصل على موضوعها إلا بحركة ما قد تكون عسيرة أو يسيرة، وتتضمن هذه الحركة أطراف نزاع قد تكون متأبية أو منقادة، ومهما يكن الأمر فإن هناك تفاعلا يجري في فضاء – وزمان معينين، ويتحقق فيهما عبر العلامات اللغوية»[31]

وبقراءة متفحصة للمقامة نكتشف أنها تحمل ذاتين تقصدان موضوعين وتختلفان في المنطلقات والأهداف ما أدى إلى اختلافهما في علاقتهما بالموضوع.

$1أ‌-  الذات الأولى منهما وهو شخصية السائب بن تمام وموضوعها الأندلس التي يريد الوصول إليها ويساعده في ذلك بعض العوامل مثل كونه  رحالة متعود على السفر إلى المدن والبلدان، ضليع في ذلك، كما يعد وجوده في مدينة طنجة الساحلية القريبة من الأندلس  عاملا مساعدا أيضا، وقبل كل ذلك يحمله التمني والشوق وما سمعه عن أرض الأندلس إلى الرغبة في الموضوع والنزوع إليه. أما العوامل المعرقلة  على ذلك فهو شخصية أبو حبيب الذي أراد أن يثني عزمه في الرحيل حتى يستطيع أن يحتال من خلاله على القوم ويتضح ذلك من الخطاطة التالية:

 الذات1 (السائب بن تمام)                                              الموضوع (الأندلس)

عوامل المسـاعدة                                                عوامل معرقلة                                           

(السفر+ القرب+ الرغبة)                                                (أبو حبيب)                                       


وتبقى هذه الذات من بداية المقامة إلى نهايتها منفصلة عن موضوعها

ذات1 U الموضوع.

بـ- أما الذات الثانية فهو شخصية أبو حبيب المحتال وموضوعها الذي تنزع إليه هو سرقة أموال أهالي المدينة دون أن تلصق التهمة به، وقد عمل جاهدا على الوصول إليه، والعوامل التي تساعده في ذلك هو وجود السائب بن تمام حتى يستعين به في خديعته وتنطلي الحيلة على أهل المدينة ،كما يساعده في ذلك أيضا معرفته بلغة القوم وسهولة التواصل معهم، وقد نزيد هنا إلى ذلك الذكاء والحيلة الذي يتمتع بهما، إلا أننا نجد أن العوامل المعرقلة هنا غير موجودة.

 واستطاعت الذات الثانية أن تتحد مع موضوعها في آخر المقامة ويحصل أبو حبيب على المال الذي يرغب فيه ويتهم السائب في ذلك باعتباره الطارئ الجديد.

الذات2(أبو حبيب)                                                  الموضوع ( المال)

العوامل المســـــــــــاعدة                                           العوامل المعرقلة

(السائب+ اللغة+ الحيلة)                                    


وتنفصل هذه الذات عن موضوعها ولا تصل إليه

ذات2   الموضوع

المربع السميائي:          

لا يكتفي التحليل السميائي باستخراج النماذج العاملية فحسب بل يعمل على صياغة الدلالات العميقة الموجودة في النص في شكل المربع السميائي« يعرف بورايو المربع السميائي فيقول أنه: صياغة منطقية قائمة على نمذجة العلاقات الأولية للدلالة القاعدية التي تتلخص في مقولات، التناقض والتقابل، والتلازم، فهو نموذج توليدي ينظم الدلالة، ويكشف عن آلية إنتاجها عبر ما يسمى بالتركيب الأساسي للمعنى، فهو أداة منهجية تسمح برصد انبثاق المعنى منذ حالاته الأولية، أو شبه خام»[32]

والعلاقات الدلالية التي تنتظم في هذا المربع تكون على الشكل التالي:

                      

                     الغربة                                                اللاغربة

        

                     اللإيناس                                              الإيناس

تنتج علاقة التناقض بين دلالتي الغربة والإيناس و بين اللإناس واللاغربة، التي تتجلى في مضمون المقامة وحالة الشخصيات، أما علاقة التضاد فتكون بين بين الغربة واللاغربة، وما تحت التضاد فتنشأ من ثنائيتي اللإناس والإيناس، أما علاقتي التلازم فالغربة تستلزم اللإيناس، واللاغربة تستلزم الإيناس. 

ج- التشاكل والتباين:

كما صبت الدراسات السميائية اهتمامها على دراسة التشاكل و التباين بجميع الأشكال على مستوى المضمون والشكل والتعبير« إن أول من نقل مفهوم التشاكل من ميدان الفيزياء إلى ميدان اللسانيات هو كريماس وقد احتل ،منذ ذاك الوقت، هذا المفهوم لدى التيار البنيوي السيميوطيقي مركزا أساسيا»[33] وما يمكن أن يقال عن منبعه أنه غربي المنشأ آت في أصل الوضع من جذرين يونانيين أحدهما هو (ISOS) ومعناه يساوي أو مساوي، والآخر هو(TOPOS)، ومعناه المكان، فقيل(ISOTOPIES فكأن هذه التركيبة تعني المكان المتساوي»[34]

ولا يتوقف التشاكل عند حدود المضمون كما قصره كريماس بل يتعدى ذلك إلى التشاكل في التعبير أيضا، إن راستي عممه ليشمل التعبير والمضمون معا، أي التشاكل يصبح متنوعا تنوع الخطاب، بمعنى أن هناك تشاكلا صوتيا، و تشاكلا نبريا، و إيقاعيا، و تشاكلا معنويا...»[35]

ويظهر التشاكل في  المقامة بين الشخصيتين الرئيستين أولا، إذ أن كلاهما شخصيتان تسعيان إلى موضوع تريدان الوصول إليه، وكلاهما من الغرباء عن تلك المنطقة  ومن غير أهلها.

السائب = أبو حبيب( التوق إلى موضوع والغربة)

كما يظهر  بين ثنائيتي الأندلس والبربر إذ نجد أن السائب لم يستطع الوصول لا إلى الأندلس حتى يشعر بالأمان فيها ولا إلى الإيناس إلى أهل المدينة رغم كل المحاولات .

الأندلس= البربر(بالنسبة  للسائب بن تمام)

كما يتشاكل السائب بن تمام أيضا مع البربر أنفسهم إذ أن كلا الطرفين يشعر بالغربة اتجاه الآخر وينعدم التواصل بينهما وبين أهالي المدينة

السائب = البربر( الشعور بالغربة في مدينة طنجة)

أما إذا جئنا إلى التباين فنجد أن السائب يتباين مع أبو حبيب إذ أن هذا الأخير يجيد التواصل مع البربر ويعرف عاداتهم وتقاليدهم عكس السائب الذي لا ينجح في ذلك، كما يتباينان أيضا في كون أبو حبيب استطاع أن يصل إلى موضوعه، أما السائب فلم يصل

السائب =  أبو حبيب( التواصل مع أهل المدينة و الوصول إلى الموضوع)

كما يتباين السائب أيضا مع البربر، إذ رغم الاستوحاش الذي عرفوه في البداية مع هذا الطارئ الجديد إلا أنهم آنسوا به بعد ذلك واستقبلوه وأكرموه، إلا أن السائب يبقى من بداية إلى آخرها في وحشته.

السائب =  البربر(الإيناس بالغريب)

وتطفح المقامة بالتشاكلات على مستوى الشكل، خاصة ونحن نعلم أن المقامات بصفة عامة تعتمد اعتمادا كبيرا على السجع وهو توافق الفاصلتين في الحرف الأخير، نجد ذلك مثلا في قوله:« كنت أسمع بأرض الأندلس وحضارتها، واحتفالها، ونظارتها»[36]

« قلت: خطوة باع، وفرقة سباع، وخفقة شراع، وصحبة قراع»[37]

كما يتكئ كاتب المقامة كثيرا على أسلوب الترصيع، وهو توازن الألفاظ مع توافق الأعجاز أو تقاربها، وذلك مثل قوله :« مازلت أجول في المشارق والمغارب ،وأغرى بالمساري والمسارب، حتى اشتكتني الذرى و الغوارب، وملتني الطوالع والغوارب»[38]

إن هذه التشاكلات الشكلية في الأصوات والعبارات منحت المقامة إيقاعا صوتيا متناسقا تجعل القارئ يسترسل في قراءتها دون أ ن يفقد المضمون جمالياته أيضا.

وخلاصة القول التي نستنتجها من هذه الدراسة أن الفنون النثرية القديمة قد حاكت في بعض جوانبها فنون الآداب المشرقية ولكنها استطاعت أن تبدع بعد ذلك إنطلاقا من طبيعتها الجغرافية وتركيبتها البشرية فاختلفت من حيث المضمون وحتى الشكل.  

الهوامش:



[1].[1]الغزالي عبد الله محمد، المنجز السردي العربي القديم ، مكتبة آفاق، ط1،الكويت، 1432هـ- 2011م، ص81.

.[2] السرقسطي أبو طاهر محمد بن يوسف، المقامات اللزومية، تح: حسن الوراكلي ، عالم الكتب الحديث،ط2، إربد(الأردن)، 2006م، ص385.

[3]. السرقسطي، نفسه.

[4]. نفسه، ص386.

.[5]  نفسه.

[6]. نفسه، ص385.

[7]. شجر تعمل منه القصاع والجفان.

[8]. جمع الجوب، وهو الكانون.

.[9] جمع ثريد، وهو طعام من خبز يفت ويبل بالمرق.

[10]. قطعه.

[11]. السرقسطي، نفسه، ص387.

[12]. نفسه.

.[13]نفسه.

.[14] نفسه، ص388.

[15]. نفسه، ص389.

[16]. نفسه.

[17]. نفسه، ص385.

.[18] ياقوت الحموي، المعجم، ج4، ص43.

[19]. السرقسطي، نفسه، ص385.

[20]. نفسه.

[21]. نفسه.

[22].نفسه، ص388.

[23]. جميل حمداوي، السميوطيقا والعنونة، مجلة عالم الفكر، م25، ع3، 1997، ص89.

[24]. بالقاسم مالكية، عتبات النص- العنوان، مجلة الأثر ، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، ع14،2012، ص3-4.

[25]. ابن منظور، لسان العرب، ج1، ص254.

[26]. الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص349.

[27]. السرقسطي، نفسه، ص385.

[28]. نفسه، ص386.

[29]. نفسه، ص388. 

.[30]  الطاهر بن حسن بومزبر، التواصل اللساني والشعرية مقاربة تحليلية لنظرية رومان جاكبسون ، منشورات الاختلاف، ط1،1428هـ- 2007م، الجزائر، ص45.

[31]. محمد مفتاح، دينامية النص ، المركز الثقافي العربي، ط3، المغرب، 2006،ص9-8.

.[32]فيصل الأحمر، معجم السيميائيات ، منشورات الاختلاف، ط1، الجزائر،1431هـ- 2010م، ص230.

[33]. محمد مفتاح، تحليل الخطاب الشعري،استراتجية التناص ، المركز الثقافي العربي، ط4، المغرب، 2005، ص19.

[34]. فيصل الأحمر، معجم السميائيات، ص235.

[35]. محمد مفتاح، نفسه، ص19-20.

[36]. السرقسطي، نفسه، ص385.

[37]. نفسه، ص386.

[38]. نفسه.