الميتارواية والسرد على هامش التاريخpdf

في " البيت الأندلسي " لواسيني الأعرج

 أ _صابر حرابي

المدرسة العليا للأساتذة - بوزريعة

التاريخ يلزم الأديب إعطاء الأدب دلالات قد لا يتحكم فيها " "

رولان بارث

" يتدخل في الإبداع الروائي وبصورة حاسمة الحدس

والتخمين والحساسية وحتى المصادفة "

ماريو بارغاس يوسا

Resumé

      Nous essayons dans cette approche, traiter l’un des concepts architecturaux qui dominent en bonne place dans l’elaboration romancier accompli de waciny laradj, et qui contient deux volets ; renouveler l’ecriture de romancier algérien, et la présence historique de romancier dans le texte. Et il met en évidence la première partie à l’adoption de remans waciny laradj chemins d’expérimentation moderniste et post – moderniste, en termes de travail sur métareman complexe par nature. Et il reflète la deuxième partie : à l’intersection du roman avec Patrimoine, à travers la relecture de l’histoire, en faite que l’histoire est une partie du patrimoine. Et par conséquent, nous sommes à la recherche pour savoir comment investir le roman et d’autres domainse cognitifs, er la relation organique dans la plupart des travaux de waciny laradj – entre l’histoire et le reman – Comment écrire l’histoire de reman ? Et pour décode cette relation de chevauchement et intégrée nous avios supplié la théorie la transtextualéti, ainsi que l’aide par des récits modernistes, ces des programmes, qui débute pour elle d’atteindre ce qui est exposé.        

  ّ في البدء-  تحديدات

كيف يتخلق المتخيل السردي في كتابة تتحرك في آفاق الخطاب التاريخي؟ ولماذا استندت الرواية الواسينية إلى هذا اليثاق؟

نحاول في هذه المقاربة، التماس شعرية القول الروائي في تقاطعاته الثرة والمثرية في آن. من خلال تلمسات الرواية الواسينية، كتجربة ريادية تتموضع في سياق الرواية الحداثية وما بعدها. من حيث الوعي بالمتخيل السردي وإغنائه بالمقابسات المضيئة، المتجذرة والوافدة. ولأن الرواية كما يقول باختين ( شكل الأشكال وتقترض من سائر الفنون والمعارف )1 من حيث الرحابة والتشعب وتعدد الطبقات، يوشح واسيني الأعرج أعماله برهانات سردية متأصلة وغيرية. بغية شحذ آليات الكتابة الروائية بممكنات، تضيء الحساسية الجمالية والوجودية للمحكي، حيث تغدو سمة محاورة الموروث المحلي والعربي، والانفتاح على الإرث العالمي إحدى تيمات هذه التجربة. وهي إذ تروم ذلك، فإنها تتجذر في النسق الثقافي للهوية، في صيرورة التجديد والتثوير الحداثي.

     ولم تكن تجربة واسني الأعرج فريدة في سياق ترهين الموروث، ولكنها ذات فرادة، لكونها تنهض على مشروع روائي متعدد ومختلف، قوامه تجديد الرواية الجزائرية في ظل حداثة مأزومة. من هذا المنطلق، تسعى الرواية الواسينية نحو تجريب منواليات، تحاور أنساق القص التراثي تارة، ومعمارية تتأسلب - في زيغان – بميثاق الكتابة التاريخية تارة أخرى. محافظة على الاستبصار الداخلي للذات المبدعة، التي تدرك سلفا أن السرد في جوهره، وعي بالظاهرة الإبلاغية ، ويشكل بمفرده القسم الأكبر من جماليات الخطاب، فهو ليس أداة ناقلة وطريقة تبسيطية لتشكيل الحكاية، وإنما إحدى غايات الكتابة في مواجهة ألم القول وفي التصدي للرتابة والمعيارية2.

      لذلك تنفتح الرواية الواسينية على المنجزات التنظيرية الحداثية، التي تقتات من التسريد المتحول والمغاير، لتليين المرجعيات المتصلة بالهوية الثقافية، والتي يتعذر تجاوزها لقيمتها وصفاء أدواتها وخلفياتها. أي أن التجربة مترافدة من حيث الإحالة والمتكأ.

1_ في المهاد النظري:تتأطر المقاربة بقاعدة مفهومية مصطلحية، ترصد تمفصلات الأبعاد التاريخية، في التمظهرات الجمالية والدلالية للخطاب الميتاروائي. وتنطلق هذه المستندات مما هو آلي لتقبض على ما هو تأويلي، ذلك أننا لا نكرس النظرية في آلياتها الشكلية المتواترة، بل نرسي مساءلة مسوغات المنهج ومقصديته وحدوده في التعامل مع المنجز، مساءلة ضرورية، وشكلا من أشكال الاستباق الذي ينوع القراءة. أي تجاوز الآلية المنهجية. ذلك أن المحكي الواسيني خطاب منفلت، ينفتح على قراءات تخرج من السرديات الواصفة، إلى حراك السيميوزيس والسيمياء السردية، وبالتالي يتعين شبكة قرائية ممطة، تقبض على هندسة المعنى، كجزء يتحرك في البنية الكبرى للنسق الروائي.

  أ_ الجهاز المنهجي :نستند إلى نظرية المتعاليات النصية، أو العلاقات عبر النصية La transtextualité

  التي أرسى قواعدها جيرار جنيت G.Genette في مشروعه البيويطقي المؤسس والمتتابع. ولقد فصل هذه المعابر النصية في كاتبه " أطراس" Palimpsestes. غير أن إرهاصات الشعرية الجينيتية التي أخرجت النص من بؤرة الدرس الممحص إلى فضاءات الهامش والتراسلات النصية، ظهرت في كتابه " جامع النص ". حيث كانت نظرية التناص تسهم في معمارية العمل الأدبي، وكانت مدار العلاقات التي يقيمها النص مع نصوص أخرى. في سيميائية تهتم بنظام العلامات وتشكيلها، ومدى تحولاتها الرمزية، أي ( القدرة على التوجيه  الخارجي )3 للنصوص في تبنين معمارية النص.

     غير أن جينيت يتابع هذه العلامات المهاجرة، في سياق البحث عن شعرية جديدة، تتصل وثيقة بالعلاقات التي يضفرها العمل الأدبي مع أعمال قولية أو فنية، عبر أنماط تمثل مشروع جينيت في " أطراس". وتتمركز هذه الأنماط كمعابر فوقية توجه النص، وتوهج تفاعلاته الداخلية والخارجية. يسمي جينيت هذه المجاورة بالتعالي النصيLa transcendanc 4. حيث تتجزأ العلاقات، وتخرج من الكل - نظرية التناص- إلى الجزء، وتصبح ( كل ما يضع النص في علاقة مضمرة أو جلية مع نصوص أخرى )5. ويصنف جينيت المتعاليات إلى خمسة أنماط:

    التناصIntertextualité: الآلية الأكثر اشتغالا وانتشارا وغواية. ظهرت أولا في التباس عند باختين، في دراسته لشعرية دوستيوفسكي وأعمال رابلي في مصطلح الحوارية. وعنه أخذتها كريستيفا وأصّلت لها. والتناص حوار النصوص في جدلية الحضور والغياب، تدرّج من تقنية وظيفية إلى أداة ثقافية تخترق آليات البحث والتبصر. أي أنه تجاوز محدودية العمل الأدبي، إلى الأنساق الإبستمولوجية المعرفية6.

    المناص  Paratexte: وهو مجموع النصوص الموازية للنص/ المتن والمسيجة      له كعتبات، تشد النص بعلامات خارجية وتضيئه في آن. وينقسم إلى نصوص محيطة كالعناوين والإهداء.. وفوقية كتصريحات الكاتب والملاحق...

         الميتناص  Métatexte : وهوما يقترب من مفهوم الشروح والتعاليق التي تردف بالنص، سواء كبنية نسيجية في المتن، أو كشبكة للعلاقات التمهيدية القارئة في الاستهلال، أي كبنية نصية مستقلة ومتكاملة.

         النص الجامعl’architexte : وهو الذي تبرز فيه الصيغ القولية والخصائص التي يستميز بها كل نص. أي أنه العلاقة الصماء التجريدية بين النصوص، لكونه يحيل القارئ تلقائيا إلى الجنس الأدبي من خلال المؤشرات الخارجية، كالعنوان والمؤشر الجنسي. وبالتالي يندرج ضمن الجدلية التأولية بين العمل والمتلقي.

        النص اللاحقl’hypertexte : أو التعالق النصي، وهو علاقة المحاكاة أو المعارضة أو التحويلبين نصين محددين، يسمى الأول سابقا أ، والثاني لاحقا ب. ويترسم الثاني الأول في الصياغة الهيكلية وحتى الرؤيوية. ويسمه بعض الباحثين بالإتساعية النصية7. لأنه أشمل علاقة للنص، لكونه يضم جميع الأنماط الأخرى. لذلك يسمه سعيد يقطين بالتفاعل النصي العام 8. ويمثل هذا النمط الجزء الأكبر من دراسة جينيت في " أطراس".

     ونحاول في هذه المقاربة توسل الأنماط المتاحة في المتخيل السردي وظيفيا ودلاليا، حيث أن شعرية الرواية لا تكمن في ضبط هذه التناقلات، وإنما في كيفية ترصيعها في المعمار الروائي، الذي يغدو أصيلا ومتفردا. ما يعني تحقيق الاتساقية المحايثة، بين بنيات النص والأنساق الخارجية، أي بين الذات المنتجة للقول الثقافي والآخر. وهو ما يحيل إلى مسوغات جمالية ودلالية يتقصاها الروائي، أي الخروج من النمذجة إلى الشمولية totalité.

   إذ أن خيارات المجاورة والتماس في منجز واسيبي الأعرج، غدت هدفا تهتدي به في تشييد الرواية الحداثية. وهذا التليين للنظرية يضيء  التطريس من جهة، ويفكك هندسة المعنى من جهة ثانية، مما يجلي ممارسة  المثاقفة المركبة في الرواية الواسينية. ومن أهم هذه المجاورات محاورة الخطاب التراثي / التاريخي.

ب_ الميثاق التاريخي والمحكي، تشعب الاشتغال:

     يتداخل الخطاب التاريخي كوثيقة قارة، ذات مرجعية تأسيسية معيارية ترصد في سياق معين تحركات الإنسان، مع المحكي الروائي، في علاقات متعاضدة ومكملة، تجعل كلا منهما يتمم الآخر ويسد الفجوات الممكنة. إلا أن هذا التزامل يحد بين الخطابين في جوهر الوظيفة والوسائل التعبيرية، فإذا كان الميثاق التاريخي يعمد إلى النسق الجلي من المقولات  التي تعتمد على تكريس الحقائق كسلطة معيارية، فإن المحكي يمتح من سلطان المتخيل l’imaginaire الذي هو آلة الكتابة الإبداعية وهو ما يسم خصوصية الخطابين. والمحكي الروائي لا ينتظم فعله في الحقيقة التي تظل مطلقة وغائمة، أي أن الروائي يستند إلى المادة التاريخية ولكن لا يقولها، بل يستنطق ما لم تقله، استنادا إلى الهوامش والتأويل، مما يخلي المحكي في دينامية وخلاسية تحرك صيرورة المتخيل، في الخيال أو الوقائع التاريخية.

     لذلك يتساءل واسيني الأعرج ويوضح ( لا يمكن الخلط مطلقا بين الرواية والتاريخ، حيث لا يمكن لأحدهما أن ينوب عن الآخر، لا يمكن أن نتسلى بهما. فأين تكمن حقيقة الحكاية؟ هل فيما ترويه من أحداث.. أم في طريقة حكيها.. أم في مرجعيتها؟ ) 9. يمكن القول: تتضافر طرائق السرد في إخراج الوثيقة التاريخية من النمطية النموذجية، إلى أفضية وآفاق تتكئ أساسا على فتوحات التأويل، وإفضاءات الذات في لحظات التأزم. وهو حبك الرواية القائمة على نظام الحكي في أدنى درجات الكتابة، وليس على خطية الحاكي.           مما يجعل المادة التاريخية بطبيعتها الحكائية، ذات قابلية طبيعية، لانبناء الصوغ الروائي على الدرامية والحراك، ورصد نفثات البشر/ الوجود في الغياب وحالات الالتباس. وهو ما يحيل إلى صعوبة الولوج على قدر الغواية، في إيقاع روائي يتحسس التاريخ في تناقضاته  و( يستنطق نثاره في معماره) 10. من هنا تتمازج الذاتية الإبداعية، في الموضوعية التقريرية، في حوار بين صامت ومساءل، ضمن جدلية ترفع الثاني إلى القبض على حركية الأول وممكناته. مما يحيل المتخيل الروائي إلى الإحساس بالكلي، وبالسرمدي ( بالمعاصرة اللازمنية ) 11 كما يقول إليوت. ذلك أن ميثاق التاريخ مهما انحرف إلى الخطاب الرسمي، فإنه يتبطن قول الذات، وإن تشوهت، أي ( ذلك الشكل من التاريخ الذي كان خيارا رغم ارتفاعه دوما إلى النشاشط التركيبي للذات ) 12.

     وهو ما تتمثله الرواية، محاورة الصيغ النموذجية، في حمولة جديدة منبنية على الوعي والغائية، مرهونة بالخصوصية التي تتفق وتختلف في آن، مجدولة برؤية الروائي إلى العالم، من خلال الذات ومرصد السياق / الآخر/ التاريخ. لذلك ربط رولان بارط وثيقا، بين مؤسسة الأدب المعقدة، والتاريخ الذي يشيدها كطوق أزلي 13.

  ج_ المتخيل، من الرواية إلى خلاسية الميتارواية :

        تتشعب أساليب السرد الحداثي، وتتعدد طرائق بنائه. وذلك تساوقا مع محايثات الوعي والتشظي الزمني في إيقاعات العصر المفككة والمتواشجة. والرواية تساير الحياة في أقصى صورها تتابعا وإصغاء، لذاك ظهرت أنماط روائية تجريبية تقدم فهما ووعيا جديدا، في تمظهرات تشي بالتبدل في القول. إذ ظهرت الرواية ما بعد الحداثية مع مد الرواية الأمريكو لاتينية والأمريكية، يوسا و بول أستر. وأعمال هذا التيار ترتكز في كون الروائي، ( في الوقت الذي يبدع عالما متخيلا، يقدم إضاءات وشروحا حول ذلك العالم التخييلي )14. أي أن الروائي يقدم مسار الرواية، ويكشف عن المخيال الذي تتخلق فيه، وينشئ خطابا     موازيا – تداخل الخطابات. لذلك وسم هذا التواشج  بالميتاخطاب Métadiscours.

       ثم تدرج إلى مستويات السرد، ووسمت الرواية الحوارية من حيث تعددية القرائن والأصوات الشارحة المعلقة بالميتاروايةMétaromon 15. وهي مسرودة ذات سمك دلالي تتجاذبه عديد الأخيلة والمستويات، ذاتية ونقدية وثقافية. تتلولب في حياكة خلاسية تفقد السيطرة على النظام، وهذا جوهر اتساقها وتناغمها. كما أنها استجابة لروح العصر وإيقاعه الفوضوي. ففوضى الشكل تعادل فوضى السياق/ التاريخ / الواقع / الذات. حتى أنها تخرج إلى مفاهيم اللارواية، من حيث أن الناص لا يقدم حكاية / قصة محكمة البناء، بل يمارس تكسيرا للمسرود وخرقا للنمط. لذلك تصبح غواية هذا المحكي، أو إحدى غواياته، تتركز في التطريس وتقنيات الإنبناء، يقول رشيد بوجدرة (الرواية الحداثية تبحث عن كيفيات حكي الحكاية، وليس محتوى الحكاية، وبالتالي تنحو منحى التشعب وتراكم الطبقات والثقافات) 16. وهذه الهيمنة النصية تطبع الخطاب بالخصوصية. فالميتارواية هي مزج الوعي بالشعرية، بالرؤية من الداخل ومن الخارج، إنها الرواية التي تفكر في نفسها وهي تصوغ مخيالها الخاص.

2- تمفصلات التفاعل النصي في البيت الأندلسي:

      يقدم واسيني الأعرج في روايته " البيت الأندلسي " مقترحا يقارب من مفهوم الميتارواية، من حيث معمارية الخطاب المنفتحة على تداخل الأصوات واختلافها، الميثاق التاريخي، النص النقدي، الفني { الموسيقى والعمارة }. ومن حيث هجرة النص إلى مراجع / مرجعيات تراثية، ومدونات عالمية، أي ترهينا للموروث في مستويات تصقل الممارسات النصية ومساراتها الافتراضية، وتقطر الرؤية الخارجية في بؤرة الرؤية الذاتية. إنها إحدى ( قواعد اللعبة السردية) 17، الدائمة في تجدد مغاير للرواية الواسينية. كما ينضاف إلى هذا التوجس السردي، سمة أسلوبية بارزة في " البيت الأندلسي" تتصل بتقنيات الكتابة والخط   Gramatologé 18. إذ يتلون الخط/ الكتابة على حسب الصوت والمرجع والإحالة، فيرق في صوت الناص، ويغلظ في صوت الوثيقة / المرجع.

      وإذ نحاول البحث عن الأبعاد التاريخية في اليتارواية، فإننا ندرك سلفا أنها تتخلق وفق     نمط خطابي جديد  Nouvelle catégorie diccursive من تمازج القصة بالخطاب بالحكاية بالنص بالنقد بالإحالة بالتفاعلات النصية والممارسات غير النصية. إذ أن رواية "البيت الأندلسي " نص جامع ومتحرر من المنواليات الضابطة، ففي الترهين التاريخي يتدرج الروائي في التعامل مع الوثيقة، وفق وسائط ومعابر نصية تجعله ناصا موازيا في آن واحد، لا راويا بصوت النغم الذاتي، ولا مؤرخا يعلق على التاريخ، أو يعيد صياغته بشكل ما. حيث يتمظهر النثار التاريخي في نسيج الصوت السردي كبنية متممة، مفصولة تارة بالتناص أو أشكال التعالق، ومندغمة تارة أخرى في صلب تحولات الميتارواية. ومن ثمة لا نعثر على رواية تاريخية، أو ما بعد التاريخية كما في روايته الرائدة " كتاب الأمير"، وإنما نستشف نفثا في إيهاب ميتاروائي تتداخل فيه الأزمنة والأمكنة والرؤى، وتتقاطع دون مسافات جلية. إذ يستثمر الروائي بوعي فكري وجمالي، المقابسات / التفاعلات التي تنقل المراجع من تموجات وظيفية إلى هيئات جديدة تتسربل في الإيقاع الميتاروائي، وتمده شعرية خاصة، ليقبض على تساؤل كونديرا ( أين تكمن شعرية الوجود؟... إنها - في إحدى تصوراتها – في البعد الإنساني للشخصية التاريخية ) 19.

     من هذا المرتكز/ النسغ، تتوشح الرواية الواسينية بأنساق تحاول الإحاطة بهذه الشخصية، وتحاول الإمساك على البعد الذاتي الذي يرى هذه الشخصية ضمن سياقها، وضمن السياق المعاصر في آن، وبالتالي يتراءى التاريخ كامتداد، في الميتارواية التي لا تغدو أدبا بحتا. لذلك يبني الروائي صوغه من الموسيقى – الأندلسية- ومن التاريخ الإنساني ومن التاريخ الوطني ومن فن العمارة ومن ميراث السيرذاتي – شخصية سيرفانتتس- ليشكل بانورامية لا تتعالق مع نص محدد، وإنما تتفاعل بنصوص/ أشكال. أي تخرج ميتارواية " البيت الأندلسي" من ضيق التعالق النصي l’hyper textualité إلى رحابة التفاعل النصي العام، الذي يدمج التعالق والأنماط الأخرى. وتتمفصل هذه التحاورية – لأن واسيني يحاور الآخر وميراثه – في حوارية ميتاروائية تتجلى أولا في خطاب العتبات.

أ_ إستراتيجية خطاب العتبات: 

   تتمظهر التسربات التاريخية في " البيت الأندلسي" بعلامات بارزة في المناص، من  خلال عتبة العتبات "العنوان"، وهو أجلى درجات التفاعل. والعنوان باعتباره مؤشرا دلاليا وعتبة تضيء المحكي ضمن وظائف ومستويات، يموضع الميتارواية في سياق التقاطع التاريخي. وهو العتبة النصية الأولى التي تطبع العمل الإبداعي، وتؤطر كيانه اللغوي والدلالي. ولقد اهتمت المدونة النقدية العالمية – مؤخرا- به، كفضاء مهم للهامش. إلا أن الدراسات ما بعد البنوية وما بعد السيميائية والشعريات بريادة جينيت، وتأثرا بالمد التفكيكي  أسقطت سلطة المركز/ النص، كبؤرة أساسية للعمل الأدبي. وهو في هذا الاتجاه يمثل (مجموع العلامات اللسانية التي يمكن أن تدرج على رأس النص، لتحدده وتدل على محتواه العام، وتعرف الجمهور بقراءاته) 20.

     وتعتبر دراسة جينيت في كتابه " عتبات seuils " 1987، أهم دراسة علمية ممنهجة في مقاربة العتبات النصية. ثم ظهرت عديد المصطلحات التي تتصل بالمناصصة، مثل      مصطلح العنونة Tétralogir والذي أرسى له جهازا علميا " ليو هوك" .ويدرس النص من خلال فضاء العنوان في قراءة تصاعدية أو تنازلية، والأولى تنطلق من النص، ثم تربطه بتجاذبات التأويل وفق صياغة العنوان. أما الثانية فتنطلق من العنوان كمصباح يهتدي به القارئ لفك مفاصل النص/ المتن.وكلا القراءتين لا تفصل الهامشعن المتن، أي أن الخطاب هو اندغام الشكل/ العتبات في نسيج ولحمة النص21.

     وفي قراءة تنازلية تقبض على وظائف التعيين، واللغة الواصفة / الشارحة، والإحالة بالتأويل، والإيحاء التشويقي، يتبدى عنوان " البيت الأندلسي" بؤرة بيوطيقية لمخيال الميتارواية، وإضاءة مقطرة لرؤية الناص/ النص. إذ تتجلى أولا أن الميتارواية  تتخلق في الصوغ التاريخي، بالإحالة إلى وحدة " الأندلسي " وما تفجره هذه الوحدة/ العلامة من دلالات متناسلة. غير أن هذا الترميز يتخفف بالعنوان الفرعي- وهي لازمة الرواية الواسينية المتأثرة بالموروث- الذي رشق بلغة أجنبية "Mémorium  " وهي وحدة لاتينية تعني المذكرات، تناصا مع العنوان المكتوب باللغة اللاتينية في المخطوطة التي تشتغل عليها الميتارواية. وهنا يتمفصل الإيهام الروائي الذي يكشف عن سلطة التخييل الإبداعي على التاريخ، وهو ما تفصح عنه البنية السردية للميتارواية، المتعاضدة بالسياق/ التاريخ  والآخر{ الموروث العالمي } لغة وفكرا وتطريسا. وهو ما يحيل كذلك إلى البعد التوثيقي للخطاب، فالمذكرات هي تدوين / توثيق، أي شحذ الميتارواية بالبعد التوثيقي في ممكنات الصوغ. وإذ نتعمق في التفكيك، نلحظ أن العنوان الرئيسي تشكل من وحدتين: البيت = مكان، الأندلسي = زمان، أي ترافد المكان والزمان في العتبة التي تعكس تثوير الأساليب السردية، من خلال رؤيتي الذاكرة المكانية والزمانية.

      إذ تشيد الزمكانية Chronotope22، صورة العلاقات المتبادلة بين فضاءات العمل   الأدبي، أي تداخل الأصوات ووفرتها. كما تحيل إلى علائق التوتر بين الماضي والحاضر، التاريخ / الخطاب، حيث المكان وعبقريته والزمان وهلاميته. فتتأسس الميتارواية من مناصصة تنشد إلى الذاكرة في كل الأحوال، من حيث الإمساك على مكامن الذات المبدعة – ذاكرة النص، والإحاطة بشرخات الزمكان – ذاكرة المرجع أو التفاعل. بهذا المعنى تحيل العتبة إلى تجذر المحكي في المتخيل الإبداعي، إلى الأصول، وانفتاحه على الفروع، في محاولة تقصي طبقات المعنى / الدلالة في هندسة الكتابة المتقاطعة، أو تقصي خلاسية الميتارواية  بالإغتراف من أشد المناطق انفلاتا وكثافة، من قسوة الذاكرة.

    فالعنوان يجابه الزمان بالتذكار، أي يقاوم النسيان/ الآخر/ الحداثة الزائفة/ العولمة/ السياق بآلية التمرجع. كما أن البعد الدلالي لوحدة " البيت"، تشي بمعاني الا4ستعادة، فالبيت هو العودة إلى الأصل إلى الذات، إذا اعتبرنا أن اللغة تحمل وتحوي كينونتها بتعبير  هايدغر. وبالتالي يترسم المناص حساسية الكتابة الروائية التي تمتح من الذات- الذاكرة النصية، التي ترهف في الوقت نفسه الذاكرة المرجعية- السياق، وتترافدان لتذكية الاستسلاف والتوليف، أي الحرية الحوارية، وهي أهم تيمات الرواية الواسينية، لأن القول الروائي في جوهره هو( استكشاف للذات وللآخر في الوقت نفسه ) 23، مهما انحرفت الكتابة إلى المرجعيات والمقابسات الضرورية.

    ويمكن القول، إن المناص أجلى – في انزياحية - ميتاروائية الرواية، إذ المحكي لا يتفرد بالرؤية، النص المونولوجي بتعبير باختين حول أعمال تولستوي، إنما يضع القارئ مباشرة في سياق التفاعل، حيث حكايات الإنسان في التاريخ والآن، عبر ذاكرة الإبداع المتشظية والمنفتحة. ما يحيل إلى فتوحات التأويل الداخلي الذي يشد المناص بالنص، ويفتح العمل على الخارج، تطريسا بدلالات أخرى، تنزاح إلى أشكال غير لغوية، حيث يستعير الناص من الموسيقى  الأندلسية ناصيتها.

       وهو ما يتمظهر في نمنمة العناوين الداخلية، بزخمها الشعري والدلالي المحايث لنسق المناصات/ العتبات، فنجد " استخبار ماسيكا" ( الرواية ص 07)، و" توشية مراد باسطا" (الرواية ص 27)، وهما مقطوعتان أندلسيتان تستفتح بهما المعزوفة. ويعلق الروائي في الهامش، على القطعتين، بكونهما يؤديان دورا تجميليا، يشد انتباه السامع/ المتلقي، أي يهيأن مناخات السرد وإيقاعه. و يدرج الناصان في هيكلة الرواية، من حيث تموضعهما (كنصوص رأسية لصيقة ) 24، تكثف بؤر المحكي، وتوهج رؤية الصيغة السردية. وهي تقنية تراثية، تشبه الاستهلال، استثمرتها الرواية العالمية، كما نجدها مثلا في رواية " اسم الوردة" لأمبرتو إيكو. ويرصع الروائي عنوانين برشحات موسيقية ، الفصل الأول " نوبة خليج الغرباء" ( الرواية ص 35)، و الفصل الثاني " وصلة الخيبة" ( الرواية ص 103).            أما عناوين الفصول المتبقية، ثلاثة فصول، فهي تنويعات على دلالات تناصية، تتمحور في الإيحاء بالاشتغال على المرجعيات، الفصل الثالث " أسرار المخطوطة الشرقية" ( الرواية ص 197). وأخرى تسهم في مضاعفة التأويل التراجيدي بأبعاده المتوالدة من قسوة الذاكرة، الفصل الرابع " في مهب الرماد" ( الرواية ص 311)، والخامس" لمسة سيكا الناعمة" ( الرواية ص427). وكلها عناوين تخصب الميتاروية من حيث الشعرية وفائض المعنى.

   وإذ نتدرج إلى فضاء التصدير، كإحدى العتبات الإضائية التي تستسلف أقوال الآخرين، تتآزر تحاورية/ حوارية الميتاراوية، من حيث وظيفة  التصدير المتمثلة في المناورة والإحالة المباشرة إلى مناخات الخطاب. كما يتموضع ( خارج العمل كتعليق) 25، يحدد وجهة ورؤية النص، من زاوية الامتداد الدلالي بين المناصات والمتن. وتصدير الرواية ينفتح على مرجعين/ قولين، الأول لبطل الرواية المحوري سيدي أحمد بن خليل، القائل (إن البيوت الخالية تموت وحيدة)( الرواية ص 05). والثاني بيت شعري لأبي البقاء الرندي، شاعر مراثي المدن:

                  وهذه الدار لا تبقي على أحد          ولا يدوم على حال لها شان

       يتشرب المحكي الروائي من هذا الترصيع، حيث يؤدي دلالة ترميزية من خلال وحدة " اليت" المكررة/ المبثوثة في المناصين. كما تبرز مؤشرات سيميائية تحتكم إلى أفضية الزمكان. أي ثمة مجاورة تأويلية للذاكرة المتشظية، التي لا تقوى الميتاراية على تناقلاتها، لذا تستدعي خطابات أخرى تآزر السمك الدلالي وتعضد رؤية النص/الناص، أي التناغم التحاوري الذي يحيل بشكل آخر تموضع العمل في المرجع/ المرجعيات، إذ تغدو البنية الشعرية للغة وإيقاع الرواية إحدى المرجعيات/ المنواليات/ القوالب، التي تتخلق فيها الرواية، أي التبئير على جماليات تراثية، وتاريخية أندلسية. لأن المناص يكشف عن تموجات النص وحراكه، إنها الاتساقية في التفكك، حيث يروم الناص من خلال هذه العتبات إلى الأنساق المتداخلة المترابطة المنفتحة في آن، المتفرعة على الزمان والمتناثرة في المكان وتحولاتهما. كل هذا في قسوة الذاكرة، أساسا، والتي تختبر الآخرين في تحاورية/ حوارية الذاكرة النصية الموشومة، حيث يتماهى الزمان في استدارة إلى العبق الأندلسي انطلاقا من الآن، ويتراءى المكان عبر أمكنة عديدة تعاورت عليه، وأحالت رمزيته وجماله وخلوده إلى التلاشي والاضمحلال. إن الميتارواية هي خطاب ثقافي يطارد الهوية في تغيرات الثابت.

   3- الإيهام الميتاروائي والسرد على هامش التاريخ:

       يقول واسيني الأعرج ( أنا لا أكتب تاريخا آخر، بل حالة إنسانية أو وضع معين غفل عنه التاريخ ) 26. يحيل هذا النص الفوقي إلى حضور الأبعاد التاريخية في الرواية، كمشروع تتابعي تنهض عليه الكتابة عند واسيني الأعرج كإحدى التيمات المهيمنة. أي حداثة القول الميتاروائي. كما يحيل إلى أن الميتارواية لا تقول التاريخ، وإنما تستند إليه مادة النص الإبداعي، أي تدفعه إلى قول ما لم يقل. إلى البياضات إلى الهامش.

      من هذا المعطى تسرد " البيت الأندلسي" عبر استراتيجيات التفاعل النصي- التعالق، المتناص، الميتناص- حكاية بيت أندلسي تعاقبت عليه أجيال وتقص الشخصيات الأساسية- مراد باسيطا، سيكا السبنيولية- انطلاقا إلى استراد ميراث/ وضاءة هذا البيت الذي بناه في القرن السابع عشر أحمد بن خليل الروخو، وفاء لحبيبته سلطانة بلاثيوس. وينطلق السرد في متاهة التوالي الزماني والمكاني، عبر رحلة سليم حفيد مراد باسيطا، بحثا عن المخطوطة التي كتبها الروخو. لتأكيد شرعية البيت الأندلسي. الذي تهاجمه مافيا العقارات وتداهمه لتحويله إلى برج الأندلس. وعبر هذه المغامرة/ اللعبة، ينفتح خطاب المخطوطة كمرجع أو تمرجع تستنطقه سيكا، وهو الذي يبوح بدوره أو يعود إلى أجواء بناء البيت في عصر ترحال الموريسكيين. ويسرد في لغة معتقة جزائر القرن 17، ساردا في الوقت نفسه في المجدولة نفسها سيرا ذاتية لشخصيات تتقاطع معها الرواية في تشييد عمارتها الجمالية، وبناء عمرانها الدلالي.

      إنها لعبة/ حياكة معقدة، تجعل من النص رواية شبه متاهة أو قطعة موسيقية. كما يطرس/ يعزف الناص على إيقاعات عديدة أصيلة وآنية، يبتغيها، وأخرى تفرض سياقها وصوتها. إذ يلجأ إلى التعالق النصي الذي يتيح له إمكانية لعبة التناظر في كل المسارات (الزمان، الشخصيات، النص، المرجع). ويتمفصل هذا التعالق جزئيا مع المخطوطة المندسة ضمن مسالك النص. وبتالي تتأسس الأنساق السردية من خلال ارتداد النص إلى المرجع/ المخطوطة، والذي يرتد بدوره إلى الأزمنة الأندلسية وإلى مراجع أخرى. كتاب المقري، كتاب ابن ميمون البلنسي " ترحيل السلف إلى بلاد الخلف" ووثائق تاريخية وافرة  غير معروفة. ومن هنا تنداح الميتارواية إلى التفاعل مع الخطاب التاريخي الواسع. وبتالي يتراوح النص بين التفاعل والتعالق في آن. غير أن هذا التعالق يأخذ صيغة أخرى يمكن أن تندرج ضمن:

  أ_ المتناص التاريخي:

      وهو البنية المتحولة من شكلها في الوثيقة، إلى بنية أخرى بتمرجعات سردية جديدة، تندمج في مخيال الرواية، وتندغم في معمارها كبنية متممة ومكملة. وذلك من خلال الاحتكام إلى تقنيات التفاعل النصي، كنمط يفعل البنى النصية التاريخية كمستندات تسهم في دينامية النص نحو رؤية الميتارواية. وهذا المتناص  يشده صوت الناص بالإحالات المشفرة، وبتالي ينزاح الخطاب إلى الهامش، إلى السرد على هامش التاريخ.

       إذ ينثر الروائي صوته بشعرية باذخة ترفدها خلفيات/ وثائق تاريخية، تتمثل أساسا في أهم الوقائع وتثبيتها في الزمان والمكان. وهو الإيهام بالحقيقة التاريخية، ورد في الرواية " غادر حسن فينيزيانو البلاد في السنة التي سلم فيها رهينته النادرة سيرفانتيس للأسبان سنة 1780. وتسلط الرياس.." (الرواية ص 393). ويقول في حادثة ترحيل الموريسكيين "في سنة 1609 حيث وقع قرار الترحيل النهائي والجماعي للموريسكيين رجالا ونساء" (الرواية ص396). كما تعج الميتارواية بصوت المخطوطة بالتواريخ والأحداث التي  صاحبت بناء البيت الأندلسي. كما يبرز السرد على هامش التاريخ في تقنية التوازي والمعارضة، حيث يغدو النص محكي المحكيات، من خلال تتبع مسار حياة سيرفانتيس في الجزائر، حيث أسره رياس البحر في المغارة الشهيرة مدة خمس سنوات، وهنا يعارض الروائي الخطاب الرسمي، في الإصغاء إلى الأصوات الهامشية التي تحكي شذرات عن حياة سيرفانتيس – والتي تحايثها حياة الأصوات الأخرى- الناس في الأسواق في البيوت، وحكاية العشق الهارب بين الروخو وسلطانة بلاثيوس، وكذا توجسات سيرفانتيس وحنينه إلى بلاده ورؤيته السابقة، وشغفه إلى الحرية بؤرة الرواية، حيث الرغبة في الانعتاق من القمع. ومن خلال هذا الرصد يتشعب الخطاب – في إطار السير الذاتية outobiographe plurille l’- من خلال سيرة المكان وسيرة الشخصيات، أي  ذاكرة تجاه ذاكرة.

      ويسرد الروائي في لحمة المتناص التاريخي عبر اثنتي عشر ورقة - عدد أوراق المخطوط - حيوات متجاورة، عن فن العمارة الأندلسية بسرد فني خالص، وعن تشظي أحلام الموريسكيين، وعن معاناة سيرفانتيس في رحلته الاستكشافية التي أوحت إليه أو ساعدته في كتابة روايته العظيمة "دون كيخوطه" وعن شوق غاليليو الروخو إلى الزمن الغرناطي، وعن الرياس وتسلطهم، وزمن المجاعة التي ضربت البلاد في القرن السادس عشر، ولا ينفك حنين المرأة وأهواؤها كخطاب/ صوت مساوق يشع بالحياة والاستشراف. ولا يغفل الروائي مطلقا تيمته الأثيرة الثانية بعد المرأة، وهي البحر ومزاجه، إذ يرصد هدير الموج كالنغم الأبدي. كل هذه التحركات الروائية توازي خطاب التاريخ الحقيقي الذي يشبهها أحيانا، ويجرفها أحيانا أخرى، وهو ما يسمى بتأديب الوثائق أو رواية الوقائع itterarisationl  27،  مما يضمن قلق النص وخلاسيته الميتاروائية.

 ب_ تطريس الميتناص :   

      وهو الخطاب الذي يشرح أو يعلق على المتن أي ( كل ما يدخل في النقد من سرد يعلق على النص) 28، حيث يعمد واسيني الأعرج إلى هذه التحشية بشكل لافت، وهي إحدى تقنيات الميتارواية من خلال تطريز التهميش والإحالة في أسفل الصفحة، وذلك لشرح فكرة أو ترجمة اسم أو تعليق على حدث. وتندرج هذه التقنية ضمن المراوغات السردية التي أدرجها جنيت في كتابه " أطراس " ضمن أفعالالميتناصmétataxeteulité، وهي العلامة المسماة عند القدامى بالاستشهاد، عن طريق إيراد نصوص تاريخية بهدف تأكيد الفكرة وتعميقها. وهذه الإحالة في الميتارواية تنطلق من كون أن هذه النصوص غير قابلة للنقد. والاستشهاد بها هو تحقيق لسيرورة النص التاريخي، وصيرورة العمل الإبداعي. ومن ثمة يصبح النص الجديد تأويلا له وفق قوانين تعبيرية مغايرة، إذ يؤدي هذا الميتناص دور التوجيه، أي أكثر من النقد في " البيت الأندلسي"، حيث تحريك دينامية القراءة الموازية التناظرية للنص والهامشفي آن. كما يؤدي في النص تفاعلات إضائية ودلالية وجمالية توازي لولبيات السرد المتشعبة حد التتويه. أي تملك القدرة على الكشف حيال الواقع والسياق، وبالتالي تنتج تطريسا من منطلق الاحتفاظ بصياغاتها الخاصة / الحقيقية والمباشرة.

        يسمي ميشال فوكو هذا التطريز بالممارسات غير النصية pratique non textiulles  وهي ( معايير جمالية وابستيمولوجية وتاريخية تتعالق مع نص وتتحاور معه عند إنتاجه) 29. والميتارواية تتشظى أكثر من حيث ردف الميتناص بحقيقته مع المتناص بإيهامه في صوت النص بذاتيته وشعريته. وبالتالي ترسيخ الكتابة الخلاسية التي تضاهي التاريخ على الحواف وفي العمق في آن. أي ثمة تشابك بين الحقيقة واللاحقيقة، هو نفسه التواشج الذي تمخض في العتبات، وتمظهر في التعالق، من خلال تقاطع الذاكرة الإنسانية في وعي ولا وعي ذاكرة النص. وهكذا يرتبط الإبداع التخييلي المنفلت باليقين التاريخي الثابت في سيرورة  الوجود 30، وهو ما يجذر الكتابة الروائية في توسيع الرؤية إلى العالم.           

       اشتغل واسيني الأعرج على مائة وثلاثين إحالة تهميشية، تنوعت وظائفها الدلالية والجمالية، فقد بدت في أول النص تطريسية ترقش النص بصوت الموسيقى، حيث يشرح بعض آليات فن الموسيقى الأندلسية ( الرواية ص 36). كما يسرد بكثافة لحيوات متجاورة/ سيدي أحمد بن خليل ( الرواية ص 16). ومرات يكشف عن أسرار المخطوطة. كما نلحظ هيمنة التهميش/ الإحالة على كامل الصفحة، أي ثمة وعي يلح على هكذا ممارسة، المراوحة بين المتن والهامش. كما يسرد في سياقات أخرى ترجمة للأسماء الإسباني أو كتابتها بلغتها الأصلية (الرواية ص 156). وتجيء الإحالة أحيانا كتعليق على حدث تاريخي، مثلما يكشف عن وسائل التعذيب التي احترفتها محاكم التفتيش المقدس في حملاتها، ينص في التهميش ( وسائل التعذيب وأشكاله المختلفة حقيقة، وقد ذكرتها جل المصادر التي اطلعت عليها، آخرها ما رواه أحد ضباط نابليون بعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس...) ( الرواية  ص 68). وهكذا يتابع الروائي بإيقاع التوازي خرائط الميتناص في التفاعل النصي، الهامش في المتن، الميتارواية في المرجع/ المراجع العديدة، في مراوحة خلاسية بين الحضور والغياب من جهة، والزمان والمكان من جهة ثانية.

ّ شعرية الميتارواية / روح السرد:

      يبحث واسيني الأعرج على روح السرد وشفافيته، من خلال شعرية الكتابة، وشعرية التوليف الدينامي للمراجع. فالأولى تكمن في الاغتراف العميق من الذات واستنطاق الذوات المتاخمة في أبعادها الإنسانية خارج نطاق التكريس التاريخي، أي التكلم بصوت الإنسان المهمش الغائب بلولبيات لا متناهية، وهو ما يحيل إلى البعد الإنساني للشخصية كما يشير كونديرا. وتكمن الثانية في كيفيات استثمار المراجع المتعددة، إذ تتجذر الرواية في التراث من خلال محاورة السرد التراثي – الإتكاء على المخطوطة – وكذا الإنفتاح على الإرث العالمي من خلال الرشحات الموسيقية المنمقة في الرواية، والسرد المتماهي في فن العمارة. فضلا على تحاور المحكي مع الأدب العالمي، رواية " دون كيخوطه " لسيرفانتس. حيث تتقاطع رواية " البيت الأندلسي " مع رواية سيرفانتيس في الشخصية المحورية ( سيدي أحمد بن خليل ) الذي أورده سيرفانتيس باسم ( سيدي حامت بن خلي). من خلال تقنية العلب الصينية أو الدمى الروسي، أي تشجير الكتابة – وإن كانت هذه التقنية عربية خالصة استلهمها سيرفانتيس من كتاب السرد الخالد " ألف ليلة وليلة " – ويعمل الروائي على إيراد الرحلة العكسية لشخصية أحمد بن خليل، أين يقضي خمس سنوات في المنفى. كما نلفي أن سيرفانتيس في " دون كيخوطه " يشتغل على مخطوطة عربية، وهو ما نجده في رواية " البيت الأندلسي".

      وبالتالي تتألف الميتارواية في شعرية جديدة تجريبية وحوارية، تعنى بأهمية التحاور مع التاريخ، أي التماس مع السياق الأدبي والثقافي بحمولة ذاتية ترهن جوهر القول الروائي، وتقصى الحرية كركيزة للمحتوى، أي التحرر في الشكل الذي ينطلق من الأنا نحو الآخر( إنها ما بعد الرواية التاريخية في عصر مابعد الحداثة ) 31. وكل رواية تحاكي التاريخ تصل حتما إلى حوار الحضارات، عبر آليات الكتابة الإبداعية، التخييل والتأويل، وبذلك تصبح الرواية مخصبة من خلال التوالد والتناسل. أي أن النصوص تتكامل، وكأن الإنسانية لا تكتب في النهاية سوى نص واحد، نص أو خطاب يكتب الذات والسياق، أي ينفصل ويتصل في آن.   

 المصادر

واسيني الأعرج، البيت الأندلسي، منشورات الفضاء الحر، الجزائر، ط 1، 2010.

الإحالات

1_ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، دار الامان، الرباط، ط1، 1986، ص 78.

2_ السعيد بوطاجين، الرواية غدا، ضمن كتاب الملتقى الرابع عبد الحميد بن هدوقة، وزارة الثقافة، 2001، ص 41.

3_ G . Genette , introductio à l’architexte, ed. du seuil, paris , 1979, p 89 .

4_ G. Genette , palimpsestes, les littérature ou second degré, ed. du seuil, paris, 1982, p 30 .   

 5_ Ibid, P 07 .                                                                                                 6_  جراهم آلان، نظرية التناص، ترجمة باسل المسالمة، دار التكوين، دمشق، ط1، 2010، ص 52.

7_ سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي – النص والسياق، المركز الثقافي العربي، لبنان – المغرب، ط2، 2001، ص 38

8_ سعيد يقطين، الرواية والتراث السردي – من أجل وعي جديد بالتراث، المركز الثقافي العربي، لبنان – المغرب، ط 1، 1992، ص 99.

9_ واسيني الأعرج، حدود الكتابة / حدود التاريخ، محاضرة ندوة قابس، تونس، 1993.

10_ فيصل دراج، في نظرية الرواية والرواية العربية، المركز الثقافي العربي، لبنان – المغرب، ط 1، 1999، ص 266.

11_ ت. إليوت، ضمن كريس بولديك، النقد و النظرية الأدبية منذ 1980، ترجمة خميسي بوغرارة، منشورات مخبر الترجمة في الأدب واللسانيات، جامعة قسنطينة، ص 151.

12_ Michel Foucault, L’archeologie du savoir , ed . du Gallimard, paris, 1969,  p 14.

13_ رولان بارث، التحليل النصي، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار التكوين، دمشق، ط1، 2009، ص 39.

 14_ سعيد يقطين، قضايا الرواية العربية الجديدة – الوجود والحدود، الدار العربية للعلوم ناشرون- بيروت، منشورات الاختلاف – الجزائر، ط 1، 2012، ص 123.

15_ Dictionnaire International des Temes Littèraires, www. Ditl. Info. 

16_ Rachid Boudjedra , Une Tragédir Gracque Des embarqués del’histoir, L’everEscq, Magazine littéraoire Alger, N = 06. 2010, p 23 .

17_ عبد الفتاح كيليطو، قواعد اللعبة السردية، ضمن مؤلف جماعي، الرواية العربية واقع وآفاق، دار ابن رشد، بيروت، ط 1، 1981، ص 241.

18_ ويقصد به علم الكتابة الذي يندرج ضمن تيار فكري ميتافيزيقي، أرسى قواعده الفلسفية والفنية جاك دريدا، من حيث معيارية اللغة ونمذجة الكتابة وتقنيات الخطوط وتجريداتها.

     ينظر جاك دريدا، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، دار توبقال للنشر والتوزيع المغرب،ط 1، 1988.

19_ ميلان كونديرا، ضمن إمير مونتيجال، أدب أمريكا اللاتينية قضايا ومشكلات، ترجمة حسان عبد الواحد، عالم المعرفة، الكويت، ع 166/ 1987، ص 227.

  20_ G. Genette, Seuils, ed. De, seuil, paris, 1987, P 73.                                                                   

21_ محمد الماكري، الشكل والخطاب مدخل لتحليل ظاهراتي، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، ط 1، 1997، ص 71.

22_ ليس بالمفهوم الفيزيائي، وإنما كمصطلح يحيل على الفضاء بالمفهوم السيميائي الشعري، يقول باختين (إننا نفهم الكرونوتوب بوصفه صنفا أدبيا يتشكل من شكل ومحتوى)

    ينظر تزيفتان تودوروف، ميخائيل باختين المبدأ الحواري، ترجمة فخري صالح، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط 2، 1996، ص 77.

23_ سعيد الغانمي، خزانة الحكايات، المركز الثقافي العربي، لبنان المغرب، ط 1، 2004، ص 217.

24_ السعيد بوطاجين، المحكي الروائي العربي أسئلة الذات والمجتمع، دفتر الأثر، الجزائر نيوز، 03 ماي 2014، ص 14.

25_ G. Genettn, Seuils, P 147.           

26_ واسيني الأعرج، ضمن كمال الرياحي، هكذا تكلم واسيني الأعرج، الشركة التونسية للنشر والتوزيع، ط 1، 2009، ص 91.

27_ محمد طيبي، اختراع التاريخ في اختراع القفار للطاهر جاووت بحث في انتربولوجيا الأدب، مجلة اللغة والأدب، جامعة الجزائر 2، ع 15/ أفريل 2001، ص 91.

28_ جميل حمداوي، السيميوطيقا والعنونة، مجلة عالم الفكر، الكويت، مجلد 25، ع 03/ 1997، ص 106.

29_ M. Foucault, L’archiologe du Savoir, P 61.                                     

30_ جمال الغيطاني، بعض مكونات عالمي الروائي، ضمن الرواية العربية واقع وآفاق، ص 325.

31_ جراهم آلان، نظرية التناص، ص 258.