مسوغات العودة إلى الماضي في الروايةpdf

 

د.علي حمودين

جامعة قاصدي مرباح ورقلة(الجزائر)

الملخص:

البحث عن الذات الضائعة، واكتشاف معنى الاستمرار، والانتماء إلى شيء قد ضاع إلى الأبد، ومسح الغبار عن الصور القديمة، وإعادة بناء الماضي.. كلها معان نستذكرها عندما يكون الحديث عن الرواية التاريخية. كثيرة هي مسوغات الاندفاع نحو الماضي، وقد حالت الدراسة أن ترصد جملة من هذه المسوغات، فإذا انطبق أحدها على رواية ما قد لا ينطبق على رواية أخرى، من هنا ستحاول الدراسة استقصاء جملة من الأسباب والمسوغات في كل رواية على حده لاستنباط المغزى.

Résumé:
Pourquoi retour romancier au passé ? La question est encore susceptible plus d'une réponse, pourquoi cette ruée vers le passé? Y at-il pas dans le présent la matière qui occupe le romancier à retourner dans le passé, Tout le texte , peu importe l'écart de la présente liée d'une façon ou d'une autre à la présent; Le roman historique est un texte, dans le mouvement apparent loin de la présent mais il reste le fils de la présente, bien que sa distance dans le passé est un moyen de comprendre le présent.

يظل الأدب موقفا من الحياة، وصياغة لضمير العصر وتعبيرا عن القيم الإنسانية الكبرى وهو يرصد حركة الإنسان، ويسجل جانبا من كفاحه ومعاناته، وآماله وطموحاته فعلاقته بالحياة سلبا وإيجابا. ويتحقق هذا المعنى لدى الأديب الذي يستند في رصد واقعه، والتقاط جزئياته وتفصيلاته، وتحسس نبضه الخفي إلى رؤية واضحة، يمكنه من الكشف عنها امتلاكه أدوات الإبداع ليصل إلى نوع من الصدق الفني، الذي لا يتحقق بتسجيل الواقع كما هو، بل بتصوير علاقة الإنسان بالواقع، وفهمه الخاص حركة المجتمع.

يقسم هيجل التاريخ إلى ثلاثة أنواع: التاريخ الأصلي، والتاريخ النظري، والتاريخ الفلسفي، أما الأصلي فيعني به التاريخ الذي يكتبه المؤرخ وهو يعيش أصل الأحداث ومنبعها[1]، وهي تشبه الرواية الواقعية في نقلهما للواقع وتمثله، "أي الشكل الذي يستطيع المدرك إدراكه من الدليل الحاضر في الوعي، في حدود معرفته به وحدود وضوحه في وعيه."[2]

أما النظري، فيعني به التاريخ الذي يكتبه المؤرخ، فتغيب فيه المشاهدة أو الحضور كآليتين لإدراك الموضوع التاريخي، ما يعني غياب المؤرخ عن الحقبة المؤرخ لها، فيحل محله الوثائق المختلفة، وهي طبعا ليست دوما أمينة، وهنا وجه الشبه سيكون مع الرواية التاريخية التي تعود بنا إلى التاريخ الأصلي، وكلاهما يختفي خلف اللغة للتعبير عن الوقائع.

ويعني التاريخ الفلسفي دراسة التاريخ فكريا، وهو لا يختلف عن الروايات التي همها البحث في أغوار الشخصية التاريخية أو الحدث التاريخي ومحاولة رسم كل ما هو جوهري وعميق في تلك الشخصية أو ذاك الحدث.

إذا كانت الرواية بشكل عام "هي تاريخ متخيّل داخل التاريخ الموضوعي"، فإن لنا أن نلتمس الخيط الذي يشد الرواية إلى التاريخ عبر اشتراكهما بالعناصر الرئيسية: الإنسان والزمان والمكان، وأكثر من ذلك اشتراكهما بالقصّة أو الطابع القصصي.

  والرواية الأدبية إذ تفرز الرواية الاجتماعية والرواية الواقعية بأنواعها، والرواية الجديدة، والرواية التاريخية وغيرها، فإنّ لهذه الأخيرة علاقة خاصّة بالتاريخ ، مستمدة من موضوعها وأسلوبها، فالرواية التاريخية تشترك مع الرواية الأدبية ـ بصورة عامّة ـ في وجود بنية تاريخيّة تتأسس عليها، بمعنى وجود فضاء وأحداث وشخوص كما في الواقع، إلاّ أن الرواية التاريخية تنطلق من أحداث وذوات حقيقية مختلفة في الغالب، وتشكل جزءاً من تاريخنا وماضينا الممتد حتى اللحظة الراهنة. فالرواية ابتداء تقوم على بنية زمنية تاريخية، تتشخص في فضاء تاريخي، يمتد من الماضي وحتى اللحظة الراهنة أو القادمة، تضيئه أحداث تحييها شخصيّات إنسانية فنيّة، حيّة وكاملة.

يكتب النص في زمن تاريخي. ويتحدد هذا الزمن أولا بسياق اجتماعي وثقافي محددين. ولا يمكن لإنتاج الكاتب النصي أن يكون خارجا عن هذا السياق الذي يتفاعل معه إيجابا أو سلبا، قبولا أو رفضا. وهذه البنيات المنتج في زمنيتها التاريخية هذا النص تتجلى لنا ضمنيا أو مباشرة في النص ذاته. لذلك يجب أن نقرأها من داخل النص ذاته. أما أن نسقطها عليه من الخارج فإننا في هذه الحال نقع في مغبة سوسيولوجية عقيمة. فالنص ينتج في إطار هذه البنيات، ويتفاعل معها، لكنه في الآن ذاته "يتعالى" عليها من خلال إمساكه بـ"زمنيتها" الجوهرية المتعالية، أما إذا كان مجرد عاكس لها فلا يمكن اعتباره نصا، ولكن وثيقة عن العصر لا يهمنا البحث فيها[3].

وتحتلق الرواية بالسياسة في مقام الشهادة على العصر؛ فـ(الروايات الطامحة إلى معاينة عصرها أكثر من أن تحصى، ومعظم الكتاب –روائيين وغير روائيين- يتملكهم هاجس النهوض بمهمة "الشهادة على العصر" بهذا القدر أو ذاك، وهذا طموح مشروع نبيل دونما شك، ولكن ذكره يستدعي ضرورة ذكر الشرخ القائم موضوعيا وفي كل زمان ومكان، بين الطموح والإمكانية، برغم العلاقة الجدلية القائمة بينهما، فالإمكانية أرضية ضرورية لخلق الطموح، والطموح يعمل على تطوير الإمكانية، وتحريضها على تجاوز ذاتها، وعندما ينشأ التفاضل نوعيا وتراتبيا، فإنه ينشأ ضمن حقل الإمكانية والفعل المنجز، ونادرا ما ينحاز إلى حقل النوايا والطموح)[4].

إن الزمن التاريخي هو المدة الزمنية التي تشكل الخلفية التاريخية للأحداث الروائية، فكما أن للأحداث الروائية زمنها الداخلي الذي تترتب على أساسه، وتسير وفقه فلها زمنها الخارجي الذي حدثت فيه، وهو الزمن التاريخي -المدون أو المعاش- الذي يمثل للروائيين (المقابل الخارجي الذي يسقطون عليه عالمهم التخييلي)[5].

وتتم الإشارة إلى الزمن التاريخي في النصوص الروائية بطريقتين:

الطريقة الأولى: أن يذكر بصورة واضحة ومباشرة، كأن يذكر التاريخ مقترنا بالحدثأو يذكر قبل بداية الرواية.

أما الطريقة الثانية فأكثر فنية من الأولى؛ إذ تتم بواسطة الأحداث التاريخية والاجتماعية المهمة، وغيرها من الأمور التي تكون بمثابة علامات يهتدي من خلالها القارئ بصورة غير مباشرة إلى الفترة الزمنية التي تعالجها الرواية.

وسواء ذكر الزمن التاريخي بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإنه لا يأتي للزينة أو للزخرف، وإنما ليؤدي وظائف بنائية في النص الروائي. وأولى هذه الوظائف الوظيفة الإيهامية، أي إيهام المتلقي بواقعية ما يقرأ، إذ التواريخ الحقيقية، والأحداث التاريخية الشهيرة المزامنة لأحداث الرواية تزيد القارئ يقينا بمنطقية ومعقولية الرواية.

وقد تكتفي بعض النصوص الروائية من إدخال الزمن التاريخي فيها بهذه الوظيفة الإيهامية، بينما يتحول الزمن التاريخي في كثير من النصوص إلى جزء رئيس في بنيتها، يرتبط بأحداثها وشخصياتها وحبكتها وفكرتها، يحدث هذا في الروايات التاريخية التي تعمد إلى التاريخ وتستل منه الشخصيات والأحداث وتصوغها في قالب روائي، وفي الروايات الواقعية التي تصور مجتمعا ما في فترة زمنية معينة، عندها يصبح الزمن التاريخي عنصرا رئيسيا في بنيتها، إذا جردت منه الرواية فقدت مبررات وجودها ومعناها.

اللجوء إلى التاريخ في الخطاب الروائي، أية مسوغات؟

تعد الرواية بمعناها الحديث جنسا أدبيا جديدا على الأدب العربي، وإن الشكل الروائي الحديث إنما هو فن أوربي النشأة، والرواية العالمية سباقة إلى هذا النتاج النثري.

لقد عرف العرب على مر العصور أشكالا مختلفة من السرد، كفن الخبر والمقامة والسيرة الشعبية، وهي أنواع أدبية تنتمي إلى جنس السرد، وبذلك لم تكن الرواية العربية المعاصرة تطورا فنيا عن تلك إنما كانت نتاج التأثر بالرواية الغربية، ولكنها قامت على أرضية تلك الأنواع المعروفة عند العرب سابقا، واستفادت منها.

ويمكن القول: "إن الرواية العربية تأثرت بتراثها السردي الطويل الذي أنتج في مرحلة معينة تركيبة اجتماعية أشبه ما تكون بالطبقات البرجوازية الأوربية في شكلها غير المعقد" والشيء ذاته يمكن أن يقال في محاولات التجريب باتجاه الإفادة من المنجزات التقنية الحديثة في الرواية الغربية، فقد تعرضت الرواية لكثير من التطورات شكلا ومضمونا، وما تزال تتعرض لصنوف من التجريب استجابة للظروف الحضارية والثقافية، وإن الرواية العربية وفقا لظروف مبدعيها والعوامل الفاعلة في إبداعهم يجربون في اتجاهات مختلفة، ولهم الحق في أن يخلقوا الأشكال التي تستجيب لتجاربهم وتناسب إيقاعات أرواحهم وأفكارهم ومشاعرهم.

وتكمن مشروعية أي عمل روائي في فنيته أولا، فالشكل الفني هو الذي يميزه عن غيره من الأعمال الأخرى، ولذلك كانت الدراسة الفنية هي المعيار الأساسي لتقويم الأعمال الروائية ونقدها. 

وقد يكون أبسط مفهوم للرواية من حيث هي نوع أدبي راق هو أنها فن نثري، تخييلي طويل نسبيا بالقياس إلى فن القصة القصيرة ـمثلاـ وهو فن، بسبب طوله، يعكس عالما من الأحداث والعلاقات الواسعة والمغامرات المثيرة والغامضة أيضا.

ويختلف مفهوم الرواية باختلاف المناهج النقدية التي تنتمي إليها رواية ما: تاريخية أو رومانسية أو واقعية (اجتماعية) أو رمزية.. فهو لدى البنيويين ينطلق من الداخل اللغوي (الفني) وليس من الخارج (المرجعي)، ويرون أن هذه المرجعية تقع في بنية السرد الداخلية، بعد أن تمثلت ذلك الخارج تمثلا فنيا يصبح معه ذلك الخارج (المرجعي).

لماذا عودة الروائي إلى الماضي؟

مازال التساؤل يحتمل أكثر من إجابة، فلماذا هذا الإندفاع نحو الماضي؟ ألا تتوفر في الحاضر مادة تشغل الروائي عن ماضيه؟ إن كل نص مهما بعد عن حاضره مرتهن بطريقة أو بأخرى إلى بند من بنود الحاضر. والرواية التاريخية نص يبتعد في ظاهره عن نقطة الحاضر (نقطة الانطلاق) ويتوغل في الماضي لكنه يبقى وليد (الآن)، وإن ابتعاده في الماضي ما هو إلا طريقة لفهم الحاضر، فهي في كثير من نماذجها استعارة عصر غابر لتمثيل روح العصر الحاضر، فالروائي لا يرمي من وراء ذلك إلى أن يقول لنا: "هكذا عاش آباؤنا في التاريخ، وهكذا يعيش حاليا، إنه وهو يرهن الواقعي والاجتماعي يكتب نصا، وينتج عالما نصيا له استقلاله وهويته التي لا يمكننا معاينة نصيتها أو إنتاجيتها إلا بوضعها في إطار بنية سوسيو-نصية. "إنّ الروايات التاريخية لا يقصد بها سرد وقائع وأرقام ، فإنّ طالب هذه الوقائع والأرقام يلتمسها في كتب التاريخ حيث تكون قريبة المنال ليجردها عما ليس منها، لا في الروايات المطولة التي تشتبك وقائعها الخيالية بها، ويصبر طالب التاريخ على مطالعتها، وإنما المقصود من الروايات الخيالية ...تكميل التاريخ في جوانبه الناقصة "[6]

إن الرواية في بعض نماذجها تمثل خطابا بديلا عن التوجيه والإرشاد المباشرين إلى الاتعاظ بحوادث التاريخ ومساره واستعادة نماذج بطولاته ومفاخره، فالحاضر حله في الماضي، بل إن الحاضر هو نتاج ما مضى، ويرى جوروج لوكاتش في هذه الثنائية (الحاضر-الماضي) أن تصوير التاريخ أمر مستحيل على المرء ما لم يحدد صلته بالحاضر، إلا أن هذه العلاقة التاريخية، في حالة وجوده فن تاريخي عظيم حقا، لا تكمن في الإشارة إلى الوقائع الراهنة بل في جعلنا نعيش التاريخ مجددا باعتباره ما قبل التاريخ الحاضر، وفي إضفاء شعرية على القوى التاريخية والاجتماعية والإنسانية التي جعلت من خلال مسار طويل حياتنا الراهنة على ما هي عليه. من هنا لابد للرواية التاريخية حتى تكتسب هذا الوصف أن تحمل من قضايا العصر مشاغله وهمومه، فتعلق عليها وتبحث لها عن تفسير. أما اللجوء إلى الرواية التاريخية من هذا المنطلق فمتعددة، أبرزها:

1ـ إن اللجوء إلى الماضي لإنجاز رواية قد ينطلق بادئ ذي بدء من قيمة تعليمية محددة تكشف لنا التاريخ بطريقة قصصية شائقة تخلق لدينا وعيا سياسيا واجتماعيا بماضينا، إذ يمكن للرواية التاريخية أن تعمد إلى تربية الأجيال، ليس هذا فحسب، بل يمكن توظيف ذلك كله في بناء المجتمع العربي بإغناء ثقافته، وتقويم سلوكياته، وتصحيح اعوجاجاته، وتعزيز ملكاته، وتقوية أدبياته ولغته وأساليب كتابات أبنائه..كما يمكننا أيضا تقديم شيء للعالم الذي يسمع بما كان للعرب في الماضي من أدوار وتاريخ مأثور. ومن أهم الأمثلة المراعية لهذا المنطلق جرجي زيدان صاحب أول وأضخم محاولة في إلباس التاريخ ثوبا روائيا، وجورجي زيدان يحاول أن يظهر بمظهر المؤرخ عندما يكتب الرواية وليس العكس، إذ انتماؤه للتاريخ سابق على ولائه للرواية، فأثر التاريخ في أعماله مقدم على الفن، حيث أنه صب التاريخ في قوالب روائية متلاحقة، فلم يستطع السيطرة على ميله الشديد لتعليم التاريخ وتعميم معرفته. فجعل له سيطرة كبيرة على طريقته الفنية.. ولذا نرى أنه كثيرا ما يستطرد إلى التعليم والنصح والوعظ فيقطع سياق القصة، ويخضع العمل الفني للغاية الثقافية التي كان يتوخى بلوغها في كل ما كتب، وقد أدى هذا إلى إحداث ضعف عام ساد في أعماله القصصية، تغلب فيه الخطاب التاريخي التعليمي على الخطاب الروائي الفني.

2ـ بعث مجد الماضي وإحياؤه مجددا في الأذهان، وهذا منطلق يبدأ من الماضي ليرفد الحاضر، ومنطق يسمو على الأول في هدفه، وعندما يختار الكاتب لمعا من تاريخ أمته، ويعرضها روائيا، فإنما يزيد الصلة بين الماضي والحاضر وثوقا، فليس صحيح أن الروائي يعمد إلى التاريخ بدافع فني هو سهولة العثور على مادة أو موضوع يصلح نواة لعمل روائي، فالرواية هي أولا شكل وجنس أدبي يتطلب شروطا ملزمة للكاتب، وإذا لم يأخذ الكاتب موضوعه من التاريخ فحتما سيأخذه من ماضيه القريب. فمساءلة الروائي تنحصر في أدائه قبل أن تكون فيما اختاره من حكايات.

3ـ استعادة الذات الضائعة باكتشاف معنى الاستمرار في شيء ما أو الانتماء إلى شيء يبدو قد ضاع إلى الأبد. إن اهتزاز وجدان أي أمة وإحساسها بأن شخصيتها الاجتماعية بدأت تضمحل بسبب أو آخر يدفعها إلى فتح سجلات الماضي، لإيجاد حل لمأزقها ورفع لمعنوياتها والبحث عن مخرج لها. وعلى صعيد الرواية التاريخية العربية فإن مكانة العرب الدولية المتواضعة وهدرهم لإمكاناتهم في المآزق الطائفية والإقليمية والقطرية وسواها، والإحساس بالخيبة القومية إثر الهزائم المتكررة في مواجهة الاستعمار الغربي والاستيطان الصهيوني ثم تفاقم الإحساس بهذه الخيبة إثر الحروب العربية والانشقاقات الداخلية، أدى إلى الالتفات بجد إلى الماضي، بل والاندفاع نحوه للتفكير فيه والدعوة إليه، فتعلقنا بالذكريات وبحثنا عن القيم الاعتبارية فيه واستعرنا أبطالا من زمن أفل إلى زمن مهزوم، كل ذلك من أجل البحث عن الذات مجددا، فعمد بعض الكتاب إلى أن تكون أعمالهم مصابيح هداية في سماء أمتهم العربية، متخذين من التاريخ ستارا تنعكس عليه أحداث الأمة وواقعها المرير، وكل ذلك دعوة لانتشال الإنسان العربي من وحل الكوارث العالمية والهزات والمحلية التي زعزعت كيانه وهدته، فالتاريخ إذا كان وسيلة يتخذها الفنان للتعبير عن رؤية معاصرة، لا ينفصل عنها بل هو تابع لها يتوسلها.

4ـ إعادة قراءة التاريخ بهدف التقصي أو الإتمام أو التصحيح أو الاختزال. فالتاريخ لا ينقل كل ما حدث بل أبرز ما حدث، والتاريخ موجه أصلا من قبل من يكتبه، لأنه يكتبه بطريقة تخدم وجهة نظره، وتبرهن على صحة آرائه، فهو غير محايد، مما أوقع التاريخ في مثالب جمة تنقص منه قدرا لا يعالج إلا بإعادة القراءة كأن يعاد تناوله روائيا، فالكتابة الروائية هي بمثابة قوة إضافية للتعلم الراصد المتابع، قوة تسمح له بأن يتجاوز كثيرا من الخطوط التي وقف أمامها المؤرخ مقيدا.

إن الاعتماد على الحدث التاريخي ضمن هذا المنطلق يتجاوز فكرة الاتكاء على التاريخ بوصفه موضوعا روائيا سيتم ما غفل عنه التاريخ، إن الرواية العربية وهي تعيد استثمار التاريخ في إنتاجها للدلالة الروائية، تقدم توظيفات مختلفة في الفهم والقصد لأنها تختار كيفية محددة في القول والتركيب وإنتاج التخييل، ولأنها تعبر أيضا عن الحاجة إلى الرواية، والحاجة لأن تكون تاريخية كذلك. فالخيال هو القادر على إتمام ما لم يذكره التاريخ بناء على معطيات التاريخ نفسه، فما عاد المهم أن نعيد سرد الأحداث، بل تعزيز جانب الخيال عند الناس الذين عاشوا تلك الأحداث، وأن نتقصى دوافعهم وحاجاتهم ورغباتهم لنقترب منهم أكثر، تلك التي أدت بهم أن يتصرفوا على ذلك النحو الجداب. وبعد فإن دوافع اللجوء إلى الماضي كثيرة ومتباينة، ولكنها في كل أحوالها ليست مجرد مرحلة كانت الرواية فيها غير واثقة من نفسها ولا موقنة من جمالها الغني وسلطانها الأدبي. "فالخطاب الروائي الذي يجعل التاريخ خلفيته الأساسية، يحفّز قارئه باستمرار على أن يقارن وأن يسأل : ما الذي تغيّر ؟ لماذا يلتفت الروائي إلى زمن انقضى ويعيد بناءه وتركيبه؟ أليس في الحاضر من الأسئلة والإشكالات ما يكفي ؟ وهل العودة اختيار فني جمالي فقط أم أنّها استجابة لنداء من نوع آخر كذلك ، كأن ندَّعي ،مثلا، أنّها نداء كينونة ترفض الاستسلام لوهن يحاصرها من كلِّ الجهات أو استجابة لوعي حاد شقي ، هو وعي المثقف بمسؤوليته التاريخية. "[7]

البحث عن الذات الضائعة، واكتشاف معنى الاستمرار، والانتماء إلى شيء قد ضاع إلى الأبد، ومسح الغبار عن الصور القديمة، وإعادة بناء الماضي.. كلها معان نستذكرها عندما يكون الحديث عن الرواية التاريخية. كثيرة هي مسوغات الاندفاع نحو الماضي، وقد حالت الدراسة أن ترصد جملة من هذه المسوغات، فإذا انطبق أحدها على رواية ما قد لا ينطبق على رواية أخرى، من هنا ستحاول الدراسة استقصاء جملة من الأسباب والمسوغات في كل رواية على حده لاستنباط المغزى.

1ـ رواية الحجاج بن يوسف[8] لجرجي زيدان(1901):

يتوقع كل من يهم بقراءة هذه الرواية أن يقرأ رواية تعرض بالتحديد إلى حياة الحجاج بن يوسف الثقفي أحد ولاة بني أمية على العراق، بل وأكثر الولاة جرأة في حكم العراق،  ولكن الرواية لم تتعرض إلى هذا الأمر بالتحديد، فكان الحجاج بن يوسف شخصية رئيسية في النصف الثاني من الرواية، ولم يكن شخصية محورية البتة، إذ اشتركت شخصيات رئيسية عدة في الأحداث مثل عبد الله ابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر وسكينة بنت الحسين.

ويبدو أن تسمية هذه الرواية باسم الحجاج له ما يبرره، إذا ما علمنا أن محاصرة الحجاج ابن يوسف لعبد الله ابن الزبير في مكة، ثم رمي الكعبة بالمنجنيق شكل سابقة عظيمة في حق التاريخ الإسلامي، فأراد جرجي زيدان أن يثبتها ويتوقع حيثياتها فدونها روائيا ونسبها إلى محدثها.

وإذا ما حاولنا استجلاء أسباب العودة إلى التاريخ في هذه الرواية، فإننا لابد أن نستحضر السياق الثقافي الذي كانت تعيشه المنطقة العربية في زمن كتابة الرواية أي مطلع القرن العشرين، ففي نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كان جهد الروائيين منصبا على إعادة بث التاريخ مجددا في أذهان الناس من خلال استمالته نحو الرواية، هذا الفن الغربي الوافد غير المقبول من قبل الناس حتى تلك الساعة، فكان لابد من التمويه من خلال التاريخ هذا السرد المتنامي في الذهن دون انقطاع.

لقد كان اللجوء إلى التاريخ لدى جرجي زيدان في رواياته عامة ضربا من تسويق التاريخ روائيا والرواية تاريخيا من خلال بلورة المعلومة التاريخية وإعادة بنائها ضمن قصة خيالية مفتعلة لا تمس تلك المرحلة إلا من خلال الزي الموحد. وفي نظر جورجي زيدان فإن الرواية تعظم " كلما عسُر التمييز بين حقائقها التاريخية وحوادثها الوهمية"[9]بحيث " لا يميّز المطالع بين حقائق الرواية التي يطالعها وبين أوهامها "[10]، ذلك " أنّ الجانب الوهمي من الرواية يكون غالبا في أعمال بطل الرواية المتعلقة بالحب وما يجري مجراهُ فإنّ المؤلف إنما يتخذ تلك الحكاية الغرامية أو ما يقوم مقامها وسيلة تبسيط الحقائق التاريخية وترغيب القارئ في المطالعة "[11]

كما أن لدافع التسلية نصيب في كتابة "الحجاج ابن يوسف"، من خلال تلك القصة العاطفية المدرجة بين ثنايا الرواية، وتكون هذه القصة محالة على السياق التاريخي الحقيقي لتشد أركانه وتثبت زواياه.

وهناك هدف تعليمي غير خاف في الرواية، فالمؤلف حريص على وضعنا في السياق التاريخي دائما وبمنتهى الدقة أحيانا، إلا أن جرجي زيدان لم يراع أحيانا في هدفه هذا التسجيل الأمين لأحداث التاريخ عندما يمزج بين الخيالي والحقيقي دون مراعاة للمعلومة التاريخية الحقيقية كما وردت، كلقاء حسن ابن الزبير ولقاءات حسن بالحجاج نفسه.

2ـ رواية رادوبيس[12] لنجيب محفوظ (1943):

وهي ثاني أعمال نجيب محفوظ الروائية عامة والتاريخية خاصة، وهذه الرواية تتناول حقبة الفرعون (مرنرع الثاني) أحد ملوك الأسرة السادسة، "والوضع الحقيقي لرواية رادوبيس لا يعدو أن يكون حلقة في سلسلة تاريخ مصر التي أراد المؤلف كتابتها.. ويشير موقعها التاريخي من تاريخ مصر الفرعونية إلى الفترة التي صاحبت انهيار الدولة القديمة، حين تعاظم نفوذ الكهنة، مما أدى إلى ضعف السلطة المركزية وانهيارها، لذلك لن تكون هذه الرواية باعثة لأمجاد الماضي متغنية بأهازيج التراث، كذلك لن تكون تعليمية؛ لأنها لم تتعامل مع القارئ تعامل المعلم بل تعامل المناقش المحاور، ومن هنا علينا أن لا  نحصر رؤيتنا الفنية لهذه الرواية في حدودها التاريخية، بل يمكن أن يكون لها ارتباط بالحاضر، كأن نستلهم العبرة والعظة من مجريات القصة الدالة على العواقب الوخيمة الناتجة عن إهمال الحاكم لأمور رعيته والالتفات إلى شهوات النفس ولذات الجسد. من هنا يمكن لنا أن نتحول بهذه الملحوظة إلى البعد الإسقاطي، فهذه الرواية تتجاوز هذا الإطار لتلقي بظلالها على واقع الحياة المصرية في ذلك الوقت الذي ظهرت فيه، وهو أوائل الأربعينيات إذ كانت مصر في ذلك الوقت تحت الحكم الملكي بكل أثقاله وأوزاره، فكأنها تنبه بوعي الوطني إلى معالم الطريق، كما تشير في الوقت نفسه إلى أصالة الشعب المصري، وعمق إدراكه من قديم لمسؤوليات الحاكم وواجباته، وتصديه له بالقوة إذا انحرف عن الجادة، ولم تفلح معه وسائل الإقناع السلمية من توسلات وتضرعات.

إن رواياتتلكالمرحلة،قدمتإجابات متقاربة ولكنها مختلفة، من حيث الوعي بأساليب التغيير الممكنة.تلك الأساليب التي فضل محفوظ أن تستعار من الماضي المصري، من أجلالتحفيزعلى محاكاتها في الحاضر.وتشكل هذه الاستعارة، تجسيدا لإيديولوجية محايثة ومزامنة لفعل الإدراك والإنتاج. وتمثلتفي فكرة الروح المصرية، التي-قبل أن تتراجعبعدأن تبين أنها مجرد نزوع رومانسي[13]

ومن الملاحظات التي يمكن إجمالها في هذا الصدد، أن من أهم الأسباب الداعية إلى العودة إلى التاريخ في هذه الرواية هو من منطلق إسقاطي على الحاضرالمعيش لغايات وعظية إرشادية، كما أن إظهار الشعب المصري القديم بهذا المظهر الخلاب من الوعي والقدرة على اتخاذ القرار ليكشف عن دافع الاعتزاز بالشخصية الوطنية وتمجيدها وإظهار قدراتها.

3ـ رواية ثلاثية غرناطة[14] لرضوى عاشور(1995):

إنها رواية الذات المهضومة، وأول هزيمة كبرى في تاريخنا. لقد شكل تناول موضوع خروج العرب من الأندلس، وبقاء ثلة منهم تراهن على البقاء الدرس الأعظم الذي تروجه الرواية وتحاول فضحه، والعودة إلى التاريخ في هذه الرواية حققت أكثر من مسوغ لهذه العودة، منها:

ـ إسقاط قضية ماضية على قضية حاضرة، إسقاط ما حدث في الأندلس بعد الهزيمة على ما حدث ويحدث في فلسطين اليوم، وهذا الإسقاط يجر الوعي نحو خانة التنبه والحيطة والحذر، إنه إسقاط يكشف ملامح المتعدي.

ـ الإنطلاق من الاجتماعي للسيطرة على التاريخي، إن انطلاق الرواية من أسرة غرناطية والاستمرار في تتبع مفاصل حياتها، في هذه الحياة التي تصعب يوما بعد آخر، ليكشف عن هدف إكمال ما لم يقله التاريخ، وانعطاف نحو بؤرة الألم التي خلفها خروج العرب من الأندلس.

ـ ومن منطلق فني كان اللجوء إلى التاريخ في هذه الرواية "بمثابة الديكور الذي يؤطر الأحداث المتخيلة. إلا أنه أحيانا ديكور مصطنع تمليه حاجة العالم المتخيل أساسا. وما هذا التعميم والإفراط إلا أداة تحقق بها الرواية غايتها المتمثلة في المغايرة، أي في إخراج عالم روائي مختلف عن العالم المعيش. من هنا كان لزاما على المؤلفة أن تكتب ما تتوقع أن التاريخ لم يكتبه.

4ـ رواية أرض السواد[15] لعبد الرحمان منيف (1999):

تتناول "أرض السواد" فترة من تاريخ العراق (بداية القرن التاسع عشر) للنفاذ عبرها إلى معرفة أفضل لهذا البلد أولا، ومن أجل طرح سؤال مركزي يشغل كثيرين: لماذا فشلت أو تعثرت محاولات النهوض في المنطقة خلال العصر الحديث، إذن من أولى مسوغات العودة إلى التاريخ في رواية "أرض السواد" هي:

ـ استحضار زمن محدد من تاريخ العراق لغايات استقصاء وبحث مقدرات الوطن، فطافت الرواية في أرجائه ووصفت أماكنه.

ـ كما أن العودة إلى تاريخ العراق ولهذه المرحلة بالذات، يكشف لنا عن بعد إسقاطي، فهذه المرحلة من تاريخ العراق الحديث مرحلة تماثل، من بعض الجوانب، المرحلة الراهنة، من حيث الصراع الدولي والتنافس للسيطرة والاستحواذ على المفاتيح الأساسية في المنطقة، وبالتالي إخضاعها وإلحاقها، وهذا ما نراه بأعيننا الآن.

ـ استجلاء العظة والعبرة مما حدث في تلك الفترة، ووضع ذلك حاضرا أمام القارئ، يسهم في استيضاحه، ومن ثم الحكم عليه، فالماضي عندها سيشكل حاضرا في ذهن قارئ القصة، "ذلك أن حضور العمل شرط أساسي لنجاح العمل القصصي، وما العودة إلى التاريخ في محصلته النهائية إلا لنقله إلى الحاضر في صورة من صوره.


الهوامش:



[1] ـ  محاضرات في فلسفة التاريخ، (العقل في التاريخ)، هيجل، ترجمة:  إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، ط 2، 1981.ص66

[2] ـ  "عن حدود الواقعي والمتخيل"، عبد اللطيف محفوظ، ضمن مجلة فكر ونقد، المغرب.العدد33.2000

[3]ـ انفتاح النص الروائي، النص والسياق، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2: 2001، ص34

[4]ـ سرديات الرواية العربية المعاصرة، صلاح صالح، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط1: 2003، ص28

[5]ـ سيزا قاسم، بناء الرواية، ص64

[6]ـ التمثيل السردي للتاريخ في الرواية العربية ، عبد الله إبراهيم،  علامات في النقد ،النادي الثقافي الأدبي، جدة ، ج56 ، م14 ، ربيع الآخر 1426 /يونيو 2005 ، ص10 .

7- كتاب الأمير لواسيني الأعرج -أسئلة الكتابة وأقنعة التاريخ ، عمر حفيظ، ص9 .

[8] ـ الحجاج بن يوسف، جورجي زيدان، دار الهلال، مصر

[9]- التاريخ والقص - دراسة في أدب سعد مكاوي ، محمد عبد الحليم غنيم، متاح على موقع كتب عربية ، ص209 .

10- نفسه  ، ص 209 .

[11]- نفسه ، ص ص 209- 210 .

[12]ـ رادوبيس، نجيب محفوظ، دار الشروق، مصر،

[13] ـ مذكرات ثقافة تحتضر، غالي شكري، دار الطليعة، بيروت 1970. ص: 257.

[14] ـ ثلاثية غرناطة، رضوى عاشور، دار الهلال، مصر.

[15]ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.