عناصر الإبداع في الشعر الشعبيpdf

( الجزائري أنموذجا)

                      

أ. حميدة سعاد

المركز الجامعي: عبد الحفيظ بو الصوف- ميلة( الجزائر)

الملخص بالعربية:

لا يمكن الوصول إلى هوية الأمة إلا من خلال تراثها، و لا يخفى الدور الكبير الذي يلعبه هذا التراث في الدلالة عليها حيث هي دونه جسد بلا روح ووجود بلا هوية  ،و هذا التراث في شقه المكتوب أو الشفاهي وليد لعمليات إبداعية لكن الحديث عن الإبداع و عناصره فيهما يحمل العديد من الاختلافات حيث عامية الأدب الشفاهي( الشعبي) و تميز طرق أدائه و طرق إبداعه تمثل أهم عناصر الاختلاف، ففي مجال الشعر الفصيح لم يخرج النقاد في حصر عناصر الإبداع عن اللفظ و المعنى أثناء الحديث عن مقاييس جودة اللغة و أسباب جودة المعاني، ثم إضافة عنصري العاطفة و الخيال و أما الحديث عن هذا الإبداع في الأدب الشعبي عموما و عناصره، فذلك يبقى من الأمور التي لم تحظ بالدراسة رغم أن وجوده لا يحتاج لإثبات حيث وجود نصوص مبدعة يحتم وجود عملية إبداع، و هو ما أردت التطرق إليه لتفنيد و دحض تلك الآراء التي تتوهم أن التراث ركام من الخرافات من جهة، و لمعرفة عناصر الإبداع في الشعر الشعبي بصفة خاصة من جهة أخرى.

الكلمات المفتاحية:   الإبداع، الشعر الشعبي، الأداء، القائل.

Résumé :

A travers le patrimoine,on peut parvenir à l'identité de la nation et c'est évident que cet patrimoine joue un grand rôle pour l'indiquer. Là óu la nation sans son patrimoine est comme un cadavre et un inconnu. Cet patrimoine est le produit des opérations créatives dans la partie écrite ou orale.Cependant,la création et ses éléments contiennent des plusieurs variations et le plus important d'elles est la langue vulgaire utilisée dans la littérature orale ( populaire) et la spécifité dans les façons de performance ainsi que de création.

De plus,dans le domaine de la poésie lucide,les critaires entourent les éléments de création dans le terme et le sens en parlent dux mesures d'excellence de la langue et les raisons d'excellence du sens pui ajouter les éléments du sentiment et l'imagination.Mais,la création dans la littérature populaire en générale et ses éléments à partir de cette création reste parmi les sujets qui n'a pas eu l'intérèt à l'étudier même qu'îl n' a pas besoin d'une confirmation parceque comme il y a des textes créatifs,il y a donc une opération de création. Et cela m'encourage à faire cette étude pour détailler d'une part ces idées qui croient que le patrimoine n'est qu'un amas de superstition et pour savoir spécifiquement les éléments de création dans la poésie populaire d'une autre part.

Les mots clés: la création, la poésie populaire, la performance, qui dit.

تمهيد:

لقد طرحت كثير من القضايا المتعلقة بالشعر الشعبي و في الآن ذاته أهملت أمور هي الأخرى لصيقة به و لها دور مهم في النهوض به، و منها عناصر الإبداع في الشعر الشعبي حيث تتعدد العناصر التي تدخل في العملية الإبداعية و تتداخل فيما بينها، لتنسج عبرها عملية الإبداع و لعل أهمها قائل الشعر الشعبي تليه مناسبة قول و إلقاء هذا الشعر إضافة إلى عنصر الأداء و المؤدون فما مفهوم الإبداع ؟ و ما أهم عناصره في الشعر الشعبي ؟

1- الإبداع كمفهوم لغوي:

عند استقراء القاموس نجد أن كلمة (إبداع) في معناها اللغوي هي كل محدث و جديد حيث هذا المبدع ليس له ما يسبقه، و من أتى بأمر جديد فهو مبدع و جاء في لسان العرب" أبدعت الشيء  اخترعته لا على مثال" [1]

كما أن عاميتنا الجزائرية يتداول فيها لفظ " بدع " بمعنى أتى بشيء لم يسبقه إليه غيره، و في مجال الدين هناك لفظ " بدعة " و هي" عبارة نستنكر بها الأمر أو الحدث الذي يفاجئنا و نستهجنه "[2]


 فيتبين لنا من خلال لفظتي ( بدع – ابتدع )، تقبلنا أو رفضنا للأشياء حيث أن موافقتها أذواقنا و أهواءنا تجعلنا نصفه بصيغة ( بديع )، و إن كانت عكس الأهواء و الأذواق وصفت ( بالبدعة).

    ليكون في الإجمال أن لفظ ( إبداع) يحمل معنى الجديد المحدث المتفرد، و ينطبق ذلك على الفعل الإنساني حيث إذا أتى بما يثير إعجابنا أطلقنا عليه (المبدع).

2- الإبداع الفكري:

كلمة إبداع قد ترد في مجال الحديث عن أي جانب عطاء إنساني سواء تعلق الأمر بالرياضة أو الصناعة أو الموسيقى أو التمثيل، فهي ليست متوقفة على النشاط الفكري في المجال الأدبي و مجالات الإبداع تطول قائمتها حيث المعنى المتولد من وراء هذه النشاطات و العطاءات يكون معنويا مرتبطا بما " يثيره فينا الإحساس بالجمال أو المتعة ،و من ثم  فإن الإبداع قدرة كامنة في الإنسان المبدع يستطيع عن طريقها أن يثير فينا الإحساس بقدر من الجمال في مجال معين ، بحيث نستطيع أن نحكم بأنه أتى فيه بشيء متفرد " [3] 


و لايعني الإبداع في معناه المترجم " الخلق " باعتبار هذا الأمر يلقى صدا من الناس من ناحية عقيدتهم الإسلامية  فهذا الأمر من شأن الله وحده ،و قد نقل لنا الأستاذ ( فرح عيسى محمد) عن الأستاذ الباحث (عباس الجراري) رأيه في استعمال هذا اللفظ قوله"علما بأني أستعمل لفظ الإبداع و لا أستعمل لفظ الخلق الذي يقتضي الإيجاد من العدم وإن شاع استعماله في ميدان الأدب و العلم مرادفا للإبداع" [4].

و تجدر الإشارة إلى أن أي عطاء إنساني لابد أن يكون وراءه عمل فكري يمهد له بتوفر شرطي الذكاء و الموهبة في المبدع و تفاعلهما مع معطيات المحيط الاجتماعي و الثقافي، ليتولد عمل تتقبله الجماعة حيث أنه " مهما قيل عن كون الإبداع قضية معنوية فإنه يجب أن ينظر إليه من خلال الإطار الاجتماعي و الثقافي و البيئي  الذي يحتوي الفنان المبدع، فلا يمكن تصوره بمعزل عن تلك المؤثرات على هذا الفنان " [5]  حيث أن المبدع هو نتاج لبيئة يعيش فيها و عصر ماثل أمام عينيه و ماض هو غير منفصل عنه.

و الإبداع لأي فنان عبارة على معاناة يعيشها  و حتى تعطي ثمارها يجب أن يكون للذاكرة الجمعية تأثير عليها حيث أورد ( عباس الجراري) عن العملية الإبداعية قوله " تعني بلورة ما قد يفعل في الشاعر و يحثه على التعبير من رفض و تجاوز و تطلع و تجديد ، مع اتخاذ موقف من القديم مهما كان فإنه لا يفضي إلى القطيعة معه ، لأنه يعدّ عنصرا مكونا لثقافة الشاعر الذي هو مطالب حتما بإلغاء كل ماهو سطحي في التراث للنفاذ إلى عمقه و الانصهار فيه" [6]

و فيما يخص الإبداع في المجال الشعري فهناك ما يسمى ( لحظة المخاض الشعري) و كثيرا ما نظم الشعراء قصائد محورها قضية الإبداع في حدّ ذاتها، و قد أورد فيها الشعراء و صوروا الصعوبات التي يجدونها أثناء عملية الإبداع  قبل نزول إلهامهم الشعري ، و ما أعطى تجارب هؤلاء في هذا المجال وزن و قيمة هو الرجوع " إلى التراث و توظيف معطياته للتعبير عن العملية الإبداعية " [1] و هم بذلك يصورون تلك العلاقة بين الشاعر و شعره.

 فما نستنتجه إجمالا أن الإبداع في أي مجال معاناة و مكابدة كبرى، حيث تعتصر من المبدع ملكاته الفنية و لكنه في الشعر أكبر لما يتطلبه من دقة و شفافية في التصوير و رهافة في التعبير.

   و فيما يخص الإبداع في الشعر الشعبي، فذلك مرتبط بالشروط الواجب توفرها في المبدع و الوسائل المستخدمة من طرفه ليخرج عملا ذا قيمة، و صفات لغوية و جمالية و موسيقية بماهو متعارف عليه في بيئته و سوف نتعرف على عناصر الإبداع في الشعر الشعبي أولها قائل الشعر.

أ)- قائل الشعر و مؤهلاته:

اهتم الدارسون بعديد القضايا المتعلقة بالشعر الشعبي، و لكنهم لم يولوا الشاعر و طبيعته و مؤهلاته اهتماما تماشيا و تلك النظرة التقليدية في التمسك بمجهولية المؤلف ، حيث لازالت ذات تأثير على الفولكلوريين الفرنسيين التقليديين الذين يبعدون النص الذي يعرف صاحبه من مواد الفولكلور فنظرتهم إليه " على أنه عمل فني محض  لم تزيفه المدنية و الكتب و ،أنه مؤلف من قبل الجماعة و هذه الفكرة تكاد تكون راسخة تماما في عقولهم ، حتى أنهم يذهبون إلى أنه طالما وجد اسم مؤلف على أغنية كانت من قبل مجهولة المؤلف أو ينظر إليها على أنها كذلك ، فإن الفولكلوريين الأنقياء الحقيقيين لن يولوها اهتمامهم ذلك أنها تفتقر إلى نقاء الأغنية الشعبية الجماعية العفوية المجهولة المؤلف " [7].

و لذلك نحن أمام قضية مهمة هي قضية قائل الشعر، و الحديث عنه هو من الأمور الأساسية ما يدفعنا للبحث عن أدلة تؤكد هوية الإبداع الشعبي حول من هو المبدع له هل هو الفرد أم الجماعة ؟ أو بطرح آخر هل الملحون ذو طبيعة جماعية أم هو فردي منبعه الذات الحاملة لمؤهلات تجعله من شعراء النخبة؟  لقد استطاعت الذاكرة الشعبية أن تحتفظ بمادة كبيرة من الشعر الشعبي، كان الفضل في تدوينها للعديد من الباحثين الميدانيين و كانت الرواية الشفوية هي الوسيلة المتاحة في وصول هذه المادة إلى أيديهم فسجلوها مثلما ساهمت في حفظ كل أشكال تراثنا الإسلامي، و مع وفرة تجميع هذه المادة ظل الحديث عن القائل غائبا و كأنه غير مهم مقارنة بالنصوص ، التي تعدّ بالنسبة إليهم الميدان الخصب للدراسة و التحليل بعيدا عن هذا القائل عكس الأدب الرسمي فـ " لئن حظي أولئك الفصحاء بتهافت حملة الأقلام و عشاق الأدب العربي ، يدونون نفثاتهم و يسجلون خاطرتهم  فقد حرم الأدباء الشعبيون من ذلك و العذر واضح لأنهم كانوا يخاطبون في القديم عامة الشعب ، و العامة لا تقيم وزنا للتدوين و لا تحفل بالتسجيل و لا تطرب إلا بالسماع "[8].

و إن أثيرت إشكاليات و قضايا حول الشعر الشعبي ، فمحورها يدور حول إشكالية المصطلح حيث تختلف الأقطار في إطلاق التسميات بين الملحون و الشعبي و العامي و الزجل ، و يغيب طرح قضية القائل و هذا دليل يؤكد ذلك.

إن بحث مفهوم الشعر الشعبي و خصائصه يؤكد دائما مجهولية المؤلف ، مع أن الكشف عن عناصر الإبداع في الشعر الشعبي و تعدادها تراتبيا يؤكد أن " المؤهلات المطلوبة في شخص الشاعر و الدوافع التي تحفزه للإبداع تمثلان قمة عناصر الإبداع ، و بالتالي إن غيابها يحدث ضمورا في مستوى العمل المبدع و إن توافرت بقية العناصر الأخرى " [9].

إن الشاعر الشعبي و لزمن طويل يعيش المجهولية حتى غدت هذه المسألة لا تؤرق أي مهتم بدراسة الشعر الشعبي ،و أصبح همّ الدارس جمع المادة فحسب دون إهدار الجهود في الوصول إلى قائلها الأول و لكن من جانب آخر أصبح نسب النصوص إلى غير قائليها من القضايا المؤرقة في الشعر الشعبي  ما يدعونا لتكثيف الجهود حول تحقيق النصوص لإنصاف أصحابها ، و طرح قضية القائل طرحا جدّيا باعتباره أهم عناصر الإبداع الشعري و لذلك واجب علينا العودة إلى قضية الإبداع الشعبي لأن القول بجماعية الإبداع في الأدب الشعبي في الواقع " إما أنها أسيء فهمها بحيث حملت على غير وجهها الصحيح (...) ذلك لسببين، أحدهما استحالة أن يكون كل الشعب مبدع – بمعنى مؤلف- لمادة قولية (...) لأن الإبداع عموما معاناة ذاتية ، و الإبداع في الأدب الشعبي ليس استثناء في ذلك و السبب الثاني أن التطور الذي واكب مسيرة علم الفولكلور قد تجاوز و حسم قضية مجهولية المؤلف كشرط لدخول النص دائرة التراثية " [10].

في الحقيقة أن الجماعة تطبع الإبداع الشعبي ببصماتها، و لكن يظل المبدع فرد من هذه الجماعة تسيطر عليه أجواؤها الثقافية و الاجتماعية، و لكنه متميز بموهبة خاصة عنهم ما يعني " أن طبيعة التأليف و الإبداع في الأدب الشعبي فردية البداية، مع الاعتبار الكافي للمؤثرات الثقافية الشعورية و اللاشعورية على نفسية المبدع ، ثم تتلقف الجماعة المعينة المادة المؤلفة فتعمل فيها بالتعديل حسب مزاج الجماعة في وسطها الثقافي المحدد" [11].

و رغم ما ذكر فإن الدراسات الخاصة بالشعر الشعبي تعمد دائما إلى طمس روح القائل و تغييب الفردية و إذابتها ليظل الشعر الشعبي موروثا جماعيا تتناقله الأجيال بالرواية الشفوية، و تردده  ما يدفعنا إلى طرح آخر غير طبيعة الإبداع من ناحية الفردية و الجماعية، و هو هل الإبداع في الشعر الشعبي نابع من شخصية عادية تنتمي لعامة الشعب أم شخصية نخبوية لها مكانتها في المجتمع ؟  و هو الطرح الذي اتجه إليه الأستاذ بورايو في إطار بحثه عن موقع الشعر الملحون في الثقافة الشعبية الجزائرية  بحيث أحصى عددا من شعراء الملحون " كانوا ينتمون للنخب الثقافية في زمنهم ، و حسب معايير عصرهم و أغلبهم تقلد مناصب وظيفية هامة مثل القضاء(عبد الله بن كريو) و القيادة السياسية للقبيلة ( مصطفى بن إبراهيم) و الحصول على قدر كبير من التعليم الرسمي ، و التخصص في علوم عصرهم فنجد كثيرا منهم تخرجوا من مدارس المدن التي عاشوا فيها و من الزوايا ، و هم عادة ذووا تكوين فقهي عالي مثل ( سعيد بن عبد الله المنداسي و الشيخ محمد بن يوسف و الشيخ أحمد السماتي)"[12].

لقد كان كثير من شعراء الملحون في الجزائر يتمتعون بمكانة اجتماعية و سياسية هامة  و لكن إبداعاتهم ظهرت في ظروف اجتماعية ،كانت عائقا كبيرا أمام تحقيق الفردية في الشعر و ليكون الشاعر نخبويا.

يشير الأستاذ بورايو أن هذا الشعر الذي عرف ازدهارا منذ القرن السادس عشر و طبع بطابع ذاتي كان يمكن أن " يعدّ من الشعر الرسمي لو ظهر في غير ظروف المجتمع الجزائري لقد كان هؤلاء الشعراء من رجال النخبة المثقفة " [13] ، و نخبوية هؤلاء الشعراء  تمثلت فيما عالجوه من مواضيع و ما وظفوه من صور عكست ثقافتهم الواسعة.

و خلاصة القول أن انتشار شعرهم و تداوله الواسع ، إنما هو مستمدّ  من كل المواضيع التي عبرت عن تجارب مجتمعاتهم، فعكست آمالهم و آلامهم ما يعني أن هذا الشعر نتيجة مجهود فردي أنتجه صاحبه في لحظة إبداع فتبنته الجماعة و تداولته و نسبته لنفسها ، و باعتبار أن الشعر الشعبي هو عمل فكري يتطلب إبداعه توافر مؤهلات خاصة في قائله و ممارسه، فحدوثه لا يمكن أن يكون تلقائيا ما يحتم أن تتوافر في مبدعه مؤهلات خاصة تؤهله لممارسة هذا النشاط الفكري، ما  يضعنا أمام تساؤل آخر هو ما طبيعة تكوين شخصية المبدعين ؟ و ما الذي يمكن أن تختلف فيه شخصياتهم عن سائر الناس الذين لم يتميزوا بالإبداع أو التفوق؟ .

يقر الباحثون أن الإبداع يكون محصلة مزيج موفق لمجموعة من الخصائص العقلية و الاستعدادات الانفعالية  و من الشروط و المؤهلات المطلوبة في شخص الشاعر، "أن يتمتع باتساع في المعرفة العامة و عمق في فهم الأشياء يساعده في ذلك عقل لماح و الشاعر ذو قدرة على تحوير الكلمات للتعبير عن الأفكار بلغة  فيها الكثير من التّورية و الرمز" [14] حيث أن التمكن من مفردات اللغة هو أهم المؤهلات فيمن يحب ممارسة الشعر و الإبداع فيه ، يضاف غلى ذلك القدرة على استخدامها مجازا  ثم المرونة في استعمال قواعد اللغة مع ما يناسبها من الأساليب و الوسائل الجمالية.

كما أضاف أحد الباحثين النفسانيين ( سويف) في دراسات نفسية تناولت الإبداع أن " الخطوة الأولى في الكشف عن عبقرية الشاعر أو المبدع بوجه عام ، تكمن إذن في الكشف عن علاقته بمجتمعه " [15] حيث أن الباحث يفترض شرطا و مؤهلا من الضروري  توفره في الشاعر :و يتمثل في وجود علاقة معينة بينه و بين مجتمعه  و هذه العلاقة " فتتضمن إحساسه بنقص في هذه البيئة  فيدفعه شعوره بهذا النقص إلى البحث عن الحل الذي يرضيه من خلال إبداعه للقصيدة أو اللحن أو الصورة (...) إلى غير ذلك من الأعمال الفنية التي يبدو و كأن الفنان يريد بها إيقاظ استجابات معينة في الذين يشهدون فنه" [16].

2)- الأداء و المؤدون:

لقد أوضح الدارس ( أحمد مرسي) أن فهم و حل مشاكل الأدب عامة و الشعبي خاصة إنما يتم بوضع الجوانب المختلفة المكونة له على قدم المساواة، دون أن يجور جانب منها على غيره من الجوانب  فدعا إلى الاهتمام بالمؤدي قدر الاهتمام بالنص، و حتى الجمهور المستمع و المناسبة الداعية لذلك و التي يؤدى فيها باعتبارها عناصر مهمة في الإبداع  و هو موضوع أثاره حديثا الأستاذ بورايو حينما طرح موضوع الرواية الشعبية شعرا و نثرا، و تناول في قضية الاحتراف في الرواية الشعبية القائل أو القوال و قسمه إلى قسمين : " الشعراء المبدعون الذين يلقون قصائدهم  و الرواة الذين يحفظون شعر غيرهم من الشعراء و يروون عنهم، و قسم ثالث يتمثل فيمن يجمعون بين الإبداع الخاص بهم و الرواية لغيرهم " [17] أما الفئة الأولى فإن الشاعر هو صاحب الإبداع يقصد دائما إلى الاستفادة من خصائص اللغة و إمكانيات أوزان الشعر و القدرة على تحوير الكلمات و العبارات للتعبير عن الأفكار، كما مطلوب في شخص هؤلاء الشعراء التميز بـ " الفعالية و النشاط و دقة الملاحظة ،كما يمتازون بقدرة عالية من الاستجابة في الحواس المختلفة إلى جانب القدرة على البيان في نقل طلباتهم للآخرين  و تفسير سلوك الذين حولهم من الناس " [18].

يضاف إلى هذه الصفات السرعة في الأداء حيث لذلك دور في العملية الإبداعية خاصة إذا وضعنا في الاعتبار خصائص الشعر الشعبي كالشفهية، و طرق الانتقال المعتمدة على الحفظ و الذاكرة.

أما الفئة الثانية و هي التي فصّل في الحديث عنها الباحث ( أحمد مرسي ) ، فأسقط على اللوم على نفسه و على دارسي الأدب الشعبي  و أعاب إهمالهم التأكد من المؤدين من ناحية هل هم مؤدين حقيقيين أم مجرد مرددين لما سمعوه مشيرا إلى أن " المادة التي يقدمونها هي من قبل كل شيء إنتاج أدبي على درجة كبيرة من الصقل الفني" [19] .

  ما يعني أن هناك مؤدين أكفاء تنفذ من خلالهم إلى المادة الشعبية الحقيقية، و مؤدين أقل موهبة و مهارة سماهم حاملي التراث فحسب.

و قد اشترط ( مرسي ) في إطار حديثه عن الرواية النثرية و الشعرية التي سماها ( الغناء) شروطا في المؤدي أولها الذاكرة الحية الممتازة التي تساعد على حفظ الكثير من الأشكال و الأنواع و تجعل المؤدي قادرا على الاحتفاظ بها لمدة طويلة، فأدى هذا  الاعتقاد بأن أهم الميزات العظيمة للمؤدي هي " تمسكه الأمين بالنص و الاحتفاظ بالمادة في ذاكرته دون تغيير " [20]، فالمؤدي هنا يعتبر نفسه مسؤولا على النص مع يقينه أن عليه أن يحفظ تراثا ثمينا ، و يحافظ عليه في الوقت ذاته فأي تغيير يعدّ بالنسبة إليه تزويرا و تزييفا يضاف إلى ذلك أنه لابد أن  يتمتع " بمقدرة عالية على الأداء و الإلقاء " [21]  حيث أن جودة الإلقاء تعطي المادة الشعبية شكلها الحقيقي ، فلولا مهارة هؤلاء لكان مصير المادة الشعبية أن تظل مجهولة إذا كان حفاظها عاديون.

يضيف مرسي شرطا مهما  و هو موقف المؤدي تجاه المواد التي يملكها، بحيث يجب أن ينظر إليها على أنها تراث جدير بالاحترام و إن كنا نؤيد وجهة نظر الأستاذ ( مرسي)  هذه و نراها مناسبة للشعر الشعبي الجزائري من ناحية نقله بأمانة  حيث من الأفضل أن يحسن المؤدي المحافظة على المادة الشعرية  التي ينقلها ،فلا يغير فيها  لتصل إلينا المادة كما أبدعها الأجداد و لكن هذه الأمانة أو التمسك بالنص في رأي ( مرسي) ليس علامة تفوق في أشكال أخرى من الأدب الشعبي مثل الحكاية الشعبية حيث أنه " من غير المعقول أن الراوي مثلا يمكنه ، أن يحكي بكل دقة حكاية طويلة طبقا لما سمعه في طفولته أو صباه ، فالمادة الشعبية  تخضع لقوانينها الخاصة بها و ليس هناك في الواقع ما يسمى مثلا حكاية الكبار " [22].

فالأمانة الحقيقية حسبه تعني حفظ موضوع الحكاية أو غيرها أكثر من الترديد الحرفي لما حفظ أو سمع فهي صحيحة فيما يتعلق بمضمون المادة الشعبية أما من ناحية التشكيل فهي متنوعة.

و لأن الأساليب و طرق الأداء تختلف من إطار ثقافي لآخر، فهناك من البيئات من يتطلب الأداء الشعري فيها الإيقاع الموسيقي الصاعد لكلمات النص، فشاعر الغزل في السودان مثلا" تستهويه الكلمة الرقيقة ذات الجرس العالي مما يكسب النص الشعري عنده حلاوة منشؤها الموسيقي الرهافة التي تسترعي الانتباه و تمتع الأذن " [23] ،ما يعني أن موهبة الرواة و المؤدين الأكفاء القادرين على تشكيل المادة الشعبية و تنويعها يضاف إلى ذلك القدرة على الأداء و امتلاك مادة ثرية في ذواكرهم ، يعدلونها حسب متغيرات الحياة مختلفون عن حاملي التراث الذين يقومون بدور الناقلين له فحسب

و هذا التعديل تختلف نسبته من شكل أدبي إلى آخر، حيث المحافظة عليه في الشعر الشعبي مطلوبة و دور الفرد حسب الأستاذ مرسي في الأداء هو العرض و في أسلوب التعبير و التقديم لذا جدير بنا كباحثين أن نوجه اهتماما أكبر و أوسع، من أجل فهم أفضل للإبداع الشعبي عموما في كل أشكاله و في الشعر الشعبي بصفة خاصة.

3)- المناسبة:

مناسبة قول الشعر هي تقريبا ذلك التوقيت الزماني و الإطار الاجتماعي الذي يتم فيه أداء و إنشاد الشعر، و هذه المناسبات تختلف و تتنوع من مجتمع لآخر كل حسب الظروف التي تحكمه و قد اهتم بهذه القضية الأستاذ بورايو في إطار حديثه عن ظاهرة الاحتراف في الثقافة الشعبية الجزائرية حيث اعتبر الاحتراف من أبرز مظاهر ممارسة رواية الأقوال الشعبية ،و دعا إلى" تنظيم أدائها وفق طقوس معينة و في مناسبات محددة  بمراعاة الزمان و المكان من طرف أشخاص لهم مواصفات محددة و متلقين يمكن معرفة أفق انتظارهم و توقع ردود أفعالهم اتجاه ما يتلقون من مواد ثقافية سواء من حيث طرق الأداء أو المضامين"[24] ، و هذه الظاهرة حسب رأيه قد عرفها المجتمع الجزائري منذ قرون لذا أضحت جزء لا يتجزأ من التاريخ الثقافي، و قد ميز في مجال رواية الثقافة الشعبية عموما بين ثلاث فئات:

1- المداّحون( أو روّاة الحلقات العامة في تجمعات الأسواق و المناسبات العامة)

2- القوّالون: و هم الشعراء و رواة الشعر في الجلسات الخاصة التي تنعقد من حين لآخر بين هواة الشعر

3- راويات البيوت: هن من النساء اللواتي تتخصصن في رواية الحكايات الموجهة خصوصا للأطفال"[25].

و عن مناسبة إلقاء الشعر و قوله و مضمونه قد بين الدارس ( فرح عيسى محمد) " أن هناك ارتباطا وثيقا بين المادة المقدمة و مناسبات دورة الحياة و المناشط الاجتماعية و الدينية و السياسية للمجتمعات المختلفة"[26] ، و في الأغلب تشكل المناسبات الاجتماعية المسرح الرحب الواسع المناسب لإبداع الشعر فمن حيث الإطار الاجتماعي " فإن مواسم الأفراح من ختان و زواج هي مناسبة تداول الشعر و حتى ظروف المأتم لا تحول بينهم و بين رواية الشعر"[27] و هذه أبيات من الشعر الشعبي الجمعي قالها صاحبها عند موت حبيبته:

أفرح لحمام ألاحق الذهبية             فاتت بالجوف و لغمام

أمبلحق الدزيرية ماتت                لبّاست لحرام

ما أبقالي على من ننشد

عامين و الخطاب تخطب         عامين و كلموا باباها

ألفين للسماح و ألفين للرباح      و ألفين لراكبين الجحفة

خايفين من الطياح أ البية

سامعين و عاملين وشاية         سامعين و جاحدين عليا

لوحت سرجي على فرسي       و دخلت الدوار لعشيا

نلقى خبارها في النزلة           و نلقى لحودها مبنية

قعدت لحودها باللحدة            جو شعورها طايحات عليا

عطشان روحت بغبي          ألالة الحب يدربي"[28]

 فمثل هذه القصيدة يقولها الشاعر في لحظة تأثر بموقف ما و هو الفقدان عادة، فهذه المناسبة هي الأخرى تدفع الشاعر أحيانا أن ينتج قولا بدافع التأثر غالبا.

   و لا أدل على مثل هذه القصائد من الأثر الشعري الشعبي الجزائري المعروف و هو مرثية حيزية لابن قيطون حيث أن المحب سعيد قد " غادر الأسرة بعد موت حيزية، واتصل مباشرة بالشاعر طالبا منه أن يخلد ابنة عمه بقصيدة تجمع بين الرثاء و الغزل"[29].

  كما تمثل ظاهرة عقد حلقات المنافسة بين الشعراء هي إحدى مناسبات الإنشاد للشعر، و قد سماهم الأستاذ بورايو القوّالون و هم " رواة الشعر في الجلسات الخاصة التي تنعقد من حين لآخر بين هواة الشعر"[30] .

و في أحيان كثيرة يشترط في الشعر فيها أن يكون جديد التأليف أو وحدة الموضوع ما يضفي على المنافسة الجدية و الرغبة في التفوق.

و قريب من هذه الجلسات جلسات السمر و الترفيه، و إزجاء وقت الفراغ و هو ما عرفته كثير من الشعوب و منها بصفة خاصة المجتمع الجزائري، و إلى جانب المناسبات الاجتماعية نجد المناسبات الدينية حيث " عرف الشعر الشعبي الجزائري ظروف إنتاج و أداء متشابهة في مختلف أنحاء القطر الجزائري و نقدم مثالا لدلك عملية إنشاد الشعر و التغني به في ذكرى المولد النبوي"[31] ، فهذه المناسبة فيها تروى الحكايات ذات الطابع الديني كسرد قصة ميلاد الرسول صلى الله عليه و سلم  أو أشعار المدائح إضافة إلى مناسبات دينية أخرى منها تقديس الأولياء الصالحين و الزهاد ، و قد حدد لها الأستاذ بورايو أماكن كتلك التي تجري فيها" هذه  التظاهرات و في المساحات العامة و في المقاهي و في بعض الأحيان في أحواش البيوت"[32] .

و إلقاء مثل هذه الأشعار مرتبطة بمناسبات دينية، قد أضفى على "عملهم نوعا من الشرعية فتكتسب موقعا في الممارسات الثقافية المرتبطة بالمقدس، مما يخول لهم نوعا من السلطة المستمدة من الدين و التي لعبت دورا مهما في المجتمعات العربية الإسلامية خلال القرون الماضية بصفة خاصة"[33].

و لا ننسى المناسبات السياسية و ظروف الاحتلال التي مرت بها الجزائر حيث لعبت هذه الأشعار" دورا مهما في التحريض على ثورات المقاومة خلال منتصف القرن التاسع عشر، حيث كانت تنشد في الأسواق لتستنهض الهمم و تدعو لمحو عار الهزيمة"[34] فقد تغنت هذه الأشعار بقيم المجتمع و بعناصر هويته و عبرت عن مواقف مقاومة المحتل و ما عاناه الشعب من ظلم و جبروت، و أصبحت اليوم المناسبات الوطنية مدعاة لقول الشعر و بالأخص أعيادنا الوطنية حيث يستدعى الشعراء للتغني بها كلما حلت.

و فيما يخص الوقت و الزمن المختار لمثل هذه المناسبات " فالملاحظ أن هناك شبه اتفاق على أن المواسم المحددة للاحتفالات الاجتماعية و الدينية و ربما السياسية هي التوقيت الغالب"[35]حيث موسم الحصاد و هو أنسب وقت لاحتفالات الزواج و غيره.

إن تنوع مناسبات أداء الشعر يساهم بطريقة واضحة في إغناء المادة المبدعة و تشكيل مختلف الصور و الأخيلة الشعرية ،و لعل في ذلك ارتقاء بمستوى العملية الإبداعية لذا فإن الاهتمام من قبل الدارسين و الباحثين بمثل هذه المناسبات  مطلوب لأنها أحد عناصر الإبداع المهمة في الشعر الشعبي بصفة خاصة.

خاتمة:

لقد أبرزت الدراسة ضرورة الاهتمام بالناحية الإبداعية باعتبارها أهم وسائل ضم الإنتاج الشعري الشعبي لركائز التأصيل الثقافي للأمة من جهة ،و من جهة أخرى ذلك الدور المتميز  له في حياة الجماعات التي أنتجته،إضافة إلى أن الدراسات في مجال الفولكلور و الاهتمام بالتراث بقدر ما اهتمت بتحليل المادة التراثية همشت و أقصت دراسة الإبداع في ذاته وعناصره و كذا المبدعين للمادة الشعبية و هو ما يدعونا لتكثيف الدراسات حولهم و حول إبداعاتهم.

كما لا ننسى أن تغييب أي عنصر من عناصر الإبداع في الشعر الشعبي أو إسقاطه تجعل هذه العملية ناقصة لأنها تكتمل بإحاطتهم جميعا بعناية خاصة من قبل الدارسين.

 الإحالات و الهوامش:



[1]- فرح عيسى محمد: الإبداع في الشعر الشعبي، مرجع سابق، ص 12.



[1]- ابن منظور: لسان العرب، ج9، الدار المصرية للتأليف، د ت، ص 352.

[2]- حسن أحمد عيسى : الإبداع في الفن و العلم، علم المعرفة ( سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب) ، الكويت، ع 4 ، ديسمبر 1979، ص 5.

[3]- فرح عيسى محمد: الإبداع في الشعر الشعبي ( مثال تطبيقي: الشاعر الشعبي عثمان ود جماع )،دار عزة للنشر و التوزيع، السودان،2003 ، ص 7.

[4]- فرح عيسى محمد، نقلا عن عباس الجراري: رأي في مفهوم الأدب الشعبي المبدع بين الفردية و الجماعية، مجلة المأثورات الشعبية، ع3، يوليو 1982، ص 40-41.

[5]- فرح عيسى محمد : الإبداع في الشعر الشعبي، مرجع سابق، ص 11.

[6]- عباس الجراري: قصيدة الملحون إبداع و تجديد،منشورات عكاظ، جمعية موظفي كلية الآداب و العلوم الإنسانية ( الأدب الشعبي المغربي)، الرباط 1989 ، ص 53

[7]- أحمد مرسي: مقدمة في الفولكلور، دار الثقافة للطباعة و النشر، القاهرة 1985 ، ص 84.

[8]- محمد الهادي العامري: الأدب الشعبي و أدباؤه، مجلة الفكر، تونس، السنة6، ع 9، جوان 1961، ص 28.

[9]- فرح عيسى محمد، الإبداع في الشعر الشعبي، مرجع سابق، ص 29.

[10]- المرجع نفسه، ص 19.

[11]- المرجع نفسه ، ص 21.

[12]- عبد الحميد بورايو،: في الثقافة الشعبية الجزائرية التاريخ و القضايا  و التجليات، فيسيرا للنشر ، الجزائر، 2011  ،ص 20.

[13]- المرجع نفسه ، ص 84.

[14]- فرح عيسى محمد، الإبداع في الشعر الشعبي، ص30

[15]- حسن أحمد عيسى، مرجع سابق ، ص 117.

[16]- المرجع نفسه، ص117.

[17]- عبد الحميد بورايو ، مرجع سابق، ص 84.

[18]- فرح عيسى محمد ، الإبداع في الشعر الشعبي، مرجع سابق ، ص 30.

[19]- أحمد مرسي ، مرجع سابق، ص 132.

[20]- المرجع نفسه، ص 133.

[21]- المرجع نفسه ، ص 137.

[22]- المرجع نفسه، ص 132.

[23]- فرح عيسى محمد : شعر الغزل الشعبي السوداني، مجلة الثقافة السودانية ، العدد  13، فبراير 1980، ص 27.

[24]- عبد الحميد بورايو، مرجع سابق، ص72.

[25]- المرجع نفسه، ص 74.

[26]- فرح عيسى محمد، الإبداع في الشعر الشعبي، مرجع سابق، ص 34.

[27]- المرجع نفسه ، ص 88.

[28]- مخطوط مجموع ميدانيا( الراوية حميدة مريم 1953 مدينة الشريعة ولاية تبسة)

[29]- أحمد الأمين:صور مشرقة من الشعر الشعبي الجزائري، دار الحكمة، الجزائر 2007، ص 5.

[30]- عبد الحميد بورايو، مرجع سابق، ص74.

[31]- أحمد الأمين، مرجع سابق، ص 254.

[32]-  عبد الحميد بورايو، مرجع سابق، ص 74.

[33]- المرجع نفسه ، ص 75.

[34]- أحمد الأمين، مرجع سابق، ص 254.

[35]- فرح عيسى محمد ، الإبداع في الشعر الشعبي، مرجع سابق، ص 36.