الذكورة و الجسد في رواية "الذروة"لربيعة جلطيpdf

 

أ.خضور وليد

جامعة محمد خيضر ـ بسكرة (الجزائر)

الملخص :

تسعى هذه الدراسة لتحليل نص سردي نسوي استنادا على المقاربات النقدية للنقد الثقافي،من خلال رصد مفاهيم الذكورة والجسد في رواية "الذروة"كنسقين ثقافيين مهيمنين داخل النص وتفكيكهما،في محاولة لتقديم تصور حول الأنساق الثقافية في السرد النسوي في الجزائر.

Résumé:

Cette étude cherche récit analyse de texte féministe basée sur des approches critique de la critique culturelle, par le biais de la surveillance de la "androcentrique" et du "corps" concepts dans le roman «adhrwa» que les systèmes culturels dominants dans le texte et le déconstruire, dans une tentative pour amener la perception sur les systèmes culturels dans le récit féministe en Algérie.

Summary :

  This study seeks narrative text analysis feminist based on criticism approaches of cultural criticism, through the monitoring of "androcentric" and "body" concepts in the novel " adhrwa " as the dominant cultural systems within the text and déconstruction, in an attempt to bring the perception about the cultural Systems in the feminist narrative in Algeria.

يروم هذا"المقال"تحت مظلة المقاربات النقدية للنقد الثقافي أن يقدّم قراءة نقدية لنص سردي نسوي مستأنسا بــ الآليات الإجرائية للنقد الثقافي،مستهدفا إمكانية الوصول للكشف عن بعض الأنساق الثقافية المضمرة في رواية "الذروة"لربيعة جلطي،منطلقا من فكرة أن النصوص السردية هي الأقدر على احتواء الأنساق،فالنسق ذو طبيعة سردية1،ومستفيدا من طبيعة النص _ موضوع المقاربة_ الذي هو نص نسوي يحيل على الكتابة النسوية وما تفرضه من رؤية مختلفة،وما تتسمبهمن أسلوب في الكتابةينمازعن أسلوب الرجل في ذلك،2 فهي تنطلق _ أي المرأة الكاتبة _ من رؤية ناقدة للثقافة التي تؤطر ممارستها الإبداعية على اعتبار أن هذه الثقافة هي مؤسسة ذكورية بامتياز تخضع لمنطق الذكورة وشروطها،وبذلك فهي تنطلق من رؤية ناقدة للرجل فتؤسس كتابتها على منطق الصراع مع الرجل من البداية، 3 فكأنها تحاول أن تثبت كتابتها بمحو كتابة الرجل والقضاء عليه بــ القلم/الخنجر 4كأداة قادرة على شق جسد الكتابة الذكوري.

إن منطق الصراع الذي تؤسس عليه "كتابتها يحتم عليها تقديم النص المخالف الذي يكتسي بزي الأنثى والذي يتحول إلى جسد وتصبح الكتابة بعد ذلك تعويضا عن الآخر واستغناء على وظيفته التقليدية5 وسيلة لممارسة الرغبة والاحتفاء بالنص/الجسد،استنادا إلى "أن علاقة المرأة بجسدها علاقة نرجسية وشبقية في نفس الآن".6

إن النص الأنثوي يتّخذ من جسد الأنثى مادة خام يقوم بصياغتها لتحقيق الإغراء والإثارة واللذة النصية،* فالجسد في النص الأنثوي قيمة إغراء وافتراق لرجل وعنه،حيث أن استعمال الجسد من طرف الأنثى يتفوق عن كل الاستعمالات له،فلا يستطيع وصف الأنثى إلا الأنثى الخبيرة بأحوال أنوثتها والقادرة على تقديم الجسد بالطريقة المناسبة واستثماره لتأثيث المساحات السردية في النص7،فالجسد هو أيقونة الكتابة النسوية.

تبرز إذن توظيفية الجسد ونقد الذكورة كمركزية للكتابة النسوية ولهذا يسعى"المقال"لأن يقدم مقاربته في النقد الثقافي على ضوء هذين المفهومين انطلاقا من كونهما يعبران عن نسقين ثقافيين أو بالأحرى أن "تمثّلاتهما"**في نص "الذروة"تنطوي على مفهوم النسق الثقافي المضمر.

وهنا نأتي لتحديد مفهوم "النسق"الذي هو مفهوم زئبقي يصعب تثبيت صيغة محددة له،فقدتعددت استعمالاته في الدراسات النقدية بصيغ مختلفة،ولهذا فإن حصر مفهوم محدد وثابت للنسق في هذا البحث أمر ضروري انطلاقا من كيفية فهم "المقال"للنسق.

ولن يخرج "المقال"في تحديده لمفهوم النسق عن محددات الغذامي له في كتابه "النقد الثقافي"،فالنسق عنده مفهوم مركزي في مشروعه النقدي تتمحور حوله أفكار الغذامي النقدية التي تتخذ من النقد الثقافي منهجا لها.

وبناء على هذا فالنسق يتحدد كالآتي:

النسق يتحدد بالوظيفة لا بالوجود:فدور النسق في النص ووظيفته هما من يحددانه بمعنى:أنه "حين يتعارض نسقان أو نظامان من أنظمة الخطاب أحدهما ظاهر والآخر مضمر ويكون المضمر ناقضا وناسخا للظاهر"8في النص المشتغل عليه فنحن أمام نسق ثقافي يستجيب للمضمرات النسقية التي تسير تحت توجيه المؤسسة الثقافية فيحدث أن يكون المضمر في نص ما ناقضا ومنافيا للظاهر أو المعلن الذي يستهدفه النص دونما وعي من صاحب النص لأن هذه الأنساق المضمرة منكتبة ومنغرسة في الخطاب مؤلفتها الثقافة تتحكم في الجميع فيستوى معها الكاتب والقارئ9

-إذن فالوظيفة النسقية تفرض نسقان يتجاوران في نص واحد وآن واحد ويكون المضمر فيهما نقيضا للظاهر،وهذا ما يسعى "المقال"لتأكيد عليه.

وبهذا فالتركيز في هذه المقاربة سينصب على ثنائية المضمر والظاهر (المخفي/اللامرئي والبارز/المرئي) في النص الذروة*** انطلاقا من مفهومي (الذكورة والجسد)اللذان سيحاول البحث كشف تمثّلاتهما في النص اعتمادا على ثنائية ****(المضمر والظاهر) مع الليونة في التعامل مع معطيات النص لألاّ تقع المقاربة في مغبة الإجحاف في التعامل مع النص وإرغامه على الدخول في هذا التصنيف الذي تفرضه المقاربة،فالبحث يسعى للكشف عن بعض الأنساق الثقافية،المضمرة في حدود ما يسمح به النص المدروس. وهنا نطرح السؤال الآتي:

$1-      ماهي تمثلات"الذكورة والجسد"بوصفهما نسقان ثقافيان مضمران في رواية الذروة لربيعة جلطي؟وكيف نكشف عنهما؟.

I-النسق الثقافي "الذكورة" وتمثلاته:

إن حقيقة التهميش الذي طال المرأة عبر مراحل التاريخ لا يمكن أن نفهمها إلاّ بتحديد السبب وراء ذلك والدوافع التي جعلت المرأة تقصي من كثير من المجالات الحياتية،ويحجّم دورها في المجتمع وتوصف بالعورة الفاضحة والقاصرة والناقصة،وتصنف على أنها جسد مثير للشبق والرغبة،ويأخذ وجودها معنى واحد،أنها مادة للذّة موضوعها الجسد الذي يقلب على كل جوانبه ويفحص باستهام ذهني،وتدرج تفاصيله في سياق الشبق اللغوي ويعاد إنتاجه كمادة دعائية من أجل استثارة الرجل10الذي يمتلك السلطة في المجتمعات الذكورية التي رتبت الأنثى في مرتبة أدنى من الذكر،واعتبرت أن المجتمعات الطبيعية هي المجتمعات التي يستأثر فيها "الذكر" بكل شيء ويكون نصيب"الأنثى" الانقياد والانسياق لإرادة"الذكر".

إن المجتمعات الذكورية هي تلك المجتمعات التي تنتج مفهوم "الأب"أو"الأبوة"وتقوم على تقديس له ينبع من الهالة التي تحيطه بها هذه المجتمعات "البطريركية"،إنها هالة ترتفع به من مرتبة الأب الطبيعي إلى مرتبة الأبالثقافي والروحي لتمنحه بعد ذلك شرعية لكل أفعاله وأقواله دونما أدنى مسائلة ويكون استنادا إلى ذلك المرجعية الأولى في كل القضايا والمشكلات وتكون رؤيته هي الرؤية الوحيدة وقادرة على تفسير كنه الأشياء واختراق حجب الغيب وإعطاء التفسيرات التي لا تقبل المراجعة،إنه جنوح إلى التقديس هو ما تتصف به المجتمعات الذكورية في نظرتهاللذّكر.

لقد أصبحت الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة في المجتمعات التقليدية مدعاة لخلق فروق طبقية بينهما، وإلاّ كيف يحظى الأب بهذه المكانة التقديسية التي تتيح له كل شيء حتى المحظور،فالمؤسسة الذكورية تعمل على غرس سلطة الأبوة في عمق المجتمع وترسيخ هيمنته بكل ما تملكه من أساليب تستخف بها العقول وتستميل بها القلوب لتجعل مفهوم الأب مفهوما مركزيا يستند إلى سلطة دينية وتاريخية ونفسية تحصنه ضد كل تقويض.

وتصف "مارلينفرينش""M. FRANCHE" النظام الأبوي بأنه يتميز بــ "العدوانية وبالبنية الهرمية وبالوجود المستقل عن التغيرات الاجتماعية"11،ولعل هذا ما جعل كثيرا من الباحثين يعتقدون بوجود شبه بين الأبوية الذكورية والظاهرة الاستعمارية التي يصفونها بالدعامة الأساسية للذكورية12،والحاضنة الفكرية لها فالنظام البطريركي يستمد مفاهيم كثيرة من الظاهرة الاستعمارية،فكلاهما يقوم على العنف والتفسير الطبقي والتحيّز والتمييز بين فئات المجتمع إضافة إلى أنّ النظام الأبوي عادة ما يصبح الوريث الشرعي للاستعمار الذي يترك المستعمرات في حالة جاهزية فكرية ونفسية لتقبل النسق الأبوي والتعايش معه.

وبالعودة إلى السرد يمكن القول أن السلطة البطريركية وظفت هيمنتها الثقافية في المشهد السردي واستطاعت اختراقه والالتفاف حوله ليصدر عن رؤيتها ويجسدها لغويا في كثير من النصوص وقد ذكر صاحب "موسوعة السرد العربي" مجموعة من الأعمال السردية التي مثلت المركزية الذكورية في نطاق الثقافة العربية وبين الكيفية التي جسد بها السرد هذه الرؤية الذكورية،حيث أن السرد يصبح مشدودا إلى التعبير عن المركز في الرواية الأبوية،وتكون المرأة فيها مكونا ثانويا مكملا للذكورة وتقوم بتأثيث الخلفية العامة لحياة الرجل،ويصبح أي تطلع خارج النظام الأبوي تطلعا غير أخلاقيا،وينتظر عقابا أخلاقيا وجسديا صارما،ويوظف موت الأب أو اختفائه بطريقة تجعل من العالم السردي عالم معرض للتفكك والتدهور والانحلال،فكأن الحضور الرمزي للأبوة يحول دون انفراط العقد القيمي المقدس،13فموت الأب هو غياب للمركز السردي في الرواية الذكورية،وهذا ما تحيل عليه ثلاثية "نجيب محفوظ"التي بني عليها الباحث افتراضاته حول النسق الأبوي وتقديس الفحولة.

إن هذا الامتلاء السردي بما هو ذكوري والفراغ من كل قيمة أنثوية جعل الأنثى تبحث عن فضاء سردي خال من كل ما هو ذكوري،ودفع بها إلى الولوج إلى عالم الكتابة ومحاولة دحض التمركز الذكوري وتقويضه،فكان نقد الذكورة هو حجز الأساس في الصرح السردي النسوي،فمنه تبدأ عملية الكتابة وإليه تنتهي وإن لم يوجه الخطاب الناقد للذكورة مباشرة فإن عمق الخطاب ينطوي على ذلك،وهذا ما عبر عليه "المقال"بمنطق الصراع في الكتابة النسوية.

وهنا تبرز القضية الأهم في هذا الحديث،حول نقد الذكورة في السرد النسوي إنها قضية السقوط في فخ الذكورة والصدور عن رؤيتها والتماهي في منظومتها اللغوية والسردية،وتأكيد على مركزيتها الفكرية والثقافية من لدن المرأة الكاتبة التي تستسلم للنسق الذكوري المضمر في وعيها الكتابي وفي لاوعيها الثقافي،وتقوم بهدم منطلقاتها الكتابية ونقد رؤيتها الأنثوية في وقت كانت تريد نقد الذكورة وما تنطوي عليه من إقصاء وتهميش لصوت الأنثى،إننا إزاء مفارقة إبداعية نسوية تتصارع فيها قيم الذكورة الثقافية مع قيم الأنوثة الثقافية وتقوم الأنثى الكاتبة فيها بتقويض أنوثتها دون أن تشعر بذلك،وتُعلي من قيم الذكورة التي كان من المفروض أن تقوم بحطّها والقضاء عليها،إنها سلطة النسق وحيله وقوته في التغلغل داخل الرؤية المضادة له واستخدامها لتدعيم سلطته.

هذا ما نجده في رواية "الذروة"14 التي تنطلق من نقد للرؤية الذكورية في الجانب الثقافي والسياسي وتحاول كشف أمراض السلطة الذكورية،وتعرية واقعها المأزوم وفضح سياساتها الفاشلة إنها رواية نقد للذكورة بامتياز لأن صاحبتها تعبر بامتعاض شديد عن الواقع الذكوري وأمراضه مستخدمة كفاءاتها اللغوية والسردية في ذلك.

إن الكاتبة لا تتوانى في توجيه الخطاب الناقد للرجل الذي يمثل السلطة السياسية والاجتماعية،هذه السلطة النابعة من مفهوم الذكورة وما تفرضه من تهميش وإقصاء للمرأة واستخدام تكميلي تزييني لها يقوم برسم حدود زمانية ومكانية لها،فهي مخلوق منزلي وليلي حضورها معادل موضوعي عن الرغبة والمتعة واللذة.

إن نقد الذكورة في هذا النص السردي يعبر عن توجه أساسي ومركزي،تصبح فيه السلطة السياسية الحاكمة هي المعادل الموضوعي عن الذكورة أو هي التجسيد المادي لمفاهيم الذكورة،ومن هنا فإن نقد السلطة هو نقد للذكورة،لكنّ الكاتبة في نقدها "للذكورة/السلطة "تستسلم للنسق الذكوري المضمر في نصها،ويستجيب سردها للمعطيات الأبوية استجابة لا ريب فيها تجعل من المضمرات النسقية الذكورية حاضرة بقوة في هذا النص من خلال تمثلاتها التي رصدها "المقال"في مجموعة من النقاط لعل أهمها:

I-1-السرد المقيد والفضاءات المغلقة:إن الحيز الروائي(l’espace) هو الفضاء المساحي والزماني الذي يتأسس فيه الخطاب بفعله وشخوصه،15ويحظى مفهوم المكان في السرد بأهمية كبيرة فهو الذي يمثل البعد المادي الواقعي للنص وهو الفضاء الذي تجري فيه الحوادث وله القدرة على التأثير في تصوير الأشخاص وحبك الحوادث ويؤدي دورا حيويا في الفهم وعملية التفسير والقراءة النقدية للنص الروائي فمن خلال المكان يمكننا أن نعرف الغاية والقصد من النص الروائي. 16

ويبرز المكان في نص "الذروة"محددا بالغرفة والحمام،فهما الفضاءان اللذان تباشر فيهما الكاتبة خطابها الناقد للذكورة،وليس من الصادفة أن تكون أول جملة في هذا النص حاملة لدلالة نسقية تتحدد من خلال محاولة الكاتبة تضيق مساحتها السردية والبحث عن الفضاء المغلق.

"أغلقت الباب دوني،هكذا.....17"

إن هذه الجملة الثقافية التي تبحث عن المكان المغلق "الغرفة"تنطوي على نسق ثقافي ذكوري مضمر فالفضاء المغلق يعتبر من نتائج الهيمنة الذكورية في هذا النص،فالكاتبة قبل أن تشرع في نقد الذكورة استسلمت للحدود التي ترسمتها لها الذكورة وهي حدود البيت (الغرفة،الحمام) حيث تنكمش الأنثى على ذاتها وتحس لمرارة التضييق والتهميش والاستلاب الذي أوجدته المجتمعات الذكورية وفرضته عليها،فالقبول بالفضاء المغلق من لدن الكاتبة ناتج عن تأثير النسق الذكوري المضمر فيها وذلك في وقت كانت تحضر نفسها لنقد الرؤية الذكورية.

فالباب المغلق/الفضاء المغلق هو المجال المسموح به للأنثى في التعبير عن ذاتها ورغباتها المكبوتة،إنه سجن ذكوري لطالما حاولت المرأة أن تؤثثه وتزينه في أعمالها السردية،وهذا دليل على القبول به والاعتراف بالهيمنة الذكورية في السرد النسوي،فالأنثى تحت تأثير النسق الذكوري أصبحت تخاف وتتوجس من (الباب المفتوح/الفضاء المفتوح) وهذا ما يعبر عليه نص الذروة،الذي صرّح من البداية بأن جو الرواية هو جو (الغرفة المغلقة) وما يدور فيها من هواجس نسائية.ويبدوا أن الكاتبة قد أحسّت بهذا القيد السردي الذي فرضته على نفسها فاستعملت الخطاب المذكر في محاولة لإدخال الرجل إلى عالمها المغلق،ومن ثم منح هذا العالم المغلق شرعية تنفى عنه صفة السلبية والهامشية لينال بعد ذلك اعترافا من طرف المؤسسة الذكورية:

"أغلقت الباب دوني ، هكذا......"

أنت أيضا يحدث لك ان تغلق الباب دونك:
أعرف..!!

يحدث أن تلملم زغب ذاتك المنفوش،مثل عصفور وقع من عش أمه،أعزل إلاّ من ألوان عيون القطط،ألوانجميلة للموت .
أعرفك. أنت أيضا يحدث لك أن تغلق الباب دونك"

ويمكن القول أن ثنائية(غلق/فتح)اصبحت تنوب في هذا النص عن ثنائية (مضمر/ظاهر)،وتحوّل الفضاء المغلق في هذا النص إلى فضاء للتعبير عن المضمرات النسقية في هذه الرواية وهذا ما يعبر عنه "الحمام"بوصفه فضاء مغلقا صالحا لممارسة الطقوس الأنثوية،فتطالعنا الراوي المشارك،18"أندلس"بوصف لما يجري في حمام البيت من صراع وسجال وعراك سياسي عالي المستوى بين "العمةزهية"المترجمة الشخصية للزعيم والموظفة السامية في القصر الرئاسي، وأشخاص مهمين في السلطة(الوزراء،المستشارين...)حيث تعودت زهية على الاختلاء في الحمام كل صباح ساعة كاملة قبل ذهابها إلى العمل:

"تدخل زهية الحمام،تغلق الباب دونها،رويدا يتعالى صوتها ليس بالغناء كعادة الناس تحت الماء،ولكن بصراخ الغضب والشجار تسب وتلعن بأعلى صوتها وتسمي أشخاصا بأسمائهم علمت في ما بعد أنّهم مسؤولون مهمون في السلطة وتسيير أمور البلاد،هؤلاء الذين ستلقاهم خلال يوم العمل الجديد هذا، وتكون على موعد عمل معهم في الساعات المقبلة. حين تدخل زهية قاعة الحمام تحمل إضافة إلى حقيبة يدها بعض الملفّات والصور،وأدوات أخرى تخفيها عن العيون.

تغلق زهية الباب دونها بعد أن تدير المفتاح مرتين...

تلصق زهية صورة الواحد من شخصياتها على مرآة الحمام الكبيرة تدخل معه في حوار عن أمر ما عن مسألة تبدو جادة في البداية ثم لا تلبث أن تكيل له السباب بأعلى صوتها وتبصق عليه،وتهينه وتأمره وتنهاه، وتوبّخه وتشزره،وتنهره،وتحذره من نطق كلمة: -اسكت يا كلب،يبدو أنّك صدّقت أنّك وزير...

كيف لك أن تكونه وأنت على ما أنت عليه من الغباء والشطط.

أنت لست اكثر من ذبابة زرقاء،الأحسن لك أن تبيع بعر الماعز إذا وجدت من يشتريه،ذلك ما يليق بك تماما... ياله من بلد وياله من زمن أغبر بئيس أصبح فيه أمثالك مسؤولين عن مصالح الناس!...

أغلق فمك. لم أكمّل كلامي ولم أسمح لك بالكلام !

أما الزعيم صاحب الغلالة فتناديه باسمه الخاص،وتسمعه ما لا يسمع بلغات مختلفة...

سمعتها ذات صباح تصرخ في وجهه:

-ألم تعلّمك أمّك الفطنة أيّها الدب...؟ أكان عليّ أن أنبهك إلى غلق فتحة سروالك؟ هذه ليست مهمتي ...مهمتي غلق فتحات مخّك أيها الأجرب،ثم تنشب أظافرها في الصورة وتمزّقها إربا إربا".19  

إن هذا الحمام المأهول بالذكور المسؤولين الذين يشكلون هرم السلطة بدءا بالزعيم ووصولا إلى الوزراء وكبار المستشارين،الذين يخضعون إلى محاكمات أنثوية خيالية داخل فضاء مغلق،فيه دلالات واضحة على سطوة النسق الذكوري المضمر في النص،إذ كيف نفهم هذا "المجاز الكلي"20الذي يؤطر النص المنقول من الرواية دون ربطه بالمضمر النسقي الذي تصدر عنه الرواية،فالتمثلات الذكورية تبدو واضحة المعالم ولا تحتاج إلى تأمل كبير،فالكاتبة تحاول التعبير عن ذلك النقد اللاذع للذكورة فتلجأ إلى الحمام كفضاء مكاني وإلى الصور والمنشفات تجسد بهم رجال السلطة (الذكور) لتقوم بمحاكمتهم ومساءلتهم،وكيل السب والشتائم لهم وضربهم وتهشيم رؤوسهم:

"ككل صباح،تكوّر زهية المناشف على حافّة المغسلة،تجعلها على شكل رؤوس ووجوه أشخاص تشبه أحجام رؤوس الشخصيات المهمة وألوان شعرهم،فتسمّي أصحابها تصففهم الواحد جنب الآخر وتوجّه ضرباتها إلى عيونهم وأفواههم،فتسمل لهذا الوزير عينا وتكسر لذاك المدير سنا وتحطم لتلك المستشارة فكّا* وتشتم رئيس الحكومة شخصيا،ثم تهشيم رأس الصحافي الذي يجري تقريرا..."21

  إن هذه الاستعانة بالحمام الفضاء المغلق كبديل عن القصر الحكومي الفضاء الذكوري المفتوح وبالشخصيات الورقية والمنشفية كبديل عن الشخصيات الحقيقية الذكورية،يؤكد على الفعل النسقي في هذا النص،فقد عمل الفعل النسقي على جرّ الكاتبة للتعبير عن نقدها للذكورة الى الفضاء المغلق والاستعمال الخيالي،ليُحكم بعد ذلك النسق  قبضته عليها،ويؤكد على الهيمنة الذكورية من جديد هذه الهيمنة التي حاولت الكاتبة القضاء عليها بنقدها وتعريتها وجدت نفسها استجابة للنسق تؤكد عليها وتستسلم لها وترضخ لها،باستسلامها ورضوخها للفضاء المغلق والخيال الجامح والوهم في نقدها للذكورة،فالمحاكمات في الحمام واستخدام الشخصيات المنشفية والورقية هو سقوط في شرك النسق الثقافي الذكوري المضمر،حيث تعجز الكاتبة على صوغ أفعالها في الواقع فترتمي في حضن الخيال الذي يجسد سطوة الذكورة وقوتها وعدم القدرة على المساس بها إلا في ما هو خيال،إذن يبرز المكان المغلق في هذا النص كمكان تتحرر فيه الأنثى نسبيا من سطوة الذكورة وهيمنتها وكمتنفس للمكبوتات وكتطهير من الوسخ والدرن الذكوري،وهذا ما عبرت عنه زهية التي تدخل الحمام لتتطهر وتغتسل من الأوساخ الذكورية لتخرج بعد ساعة تطهيرية في كامل زينتها ورونقها:

"تضع زهية المناشف (الرؤوس)المهشّمة في سلّة الثياب الموسخة،تنفض يديها منها بل منهم ثم تغتسل في هدوء وبعد لحظات صمت تفتح الباب.تخرج زهية من الحمام صامتة،هادئة،مبتسمة كالعادة...".22

I-2-فوبيا الجسد وإضمار الأنوثة:ومن تمثلات"الذكورة"أيضا في هذا النص تبرز ظاهرة"فوبيا الجسد"أو "الخوف من الجسد"ومحاولة إخفائه وحجبه نهائيا استسلاما للنسق الذكوري وتأكيدا على هيمنته،فإخفاء الجسد وحجبه يتوافق تماما مع المضمر النسقي (إضمار الجسد/إضمار النسق)فعملية إخفاء الجسد فيها قتل للأنوثة وقهر لها وتعبير عن التحيز ضدّ الأنثى،حيث توظف الفروق البيولوجية بين الذكر والأنثى توظيفا ثقافيا يجعل الأنثى أدنى قيمة من الذكر،ويصبح الجسد الأنثوي عورة وعيبا ثقافيا،وحين يصبح هذا الإخفاء من صنع أنثى (الساردة)التي كان من المفروض أن تحتفي بجسدها لا أن تستحي به أو بالأحرى منه،نتأكد وبشكل لا ريب فيه من فعل النسق في نص "الذروة"فقد جاء على لسان "أندلس"بطلة الرواية قولها:

"في التاسعة من عمري بدأت معاناتي فتحت عيني ذات صباح فإذا بجسمين مثل حجرين يتربّعان بالإصرار تحت جلد صدري

الحق أنّ الموضعين منذ مدّة كانا يؤلمانني من حين لآخر،ثم يختفي الألم لفترة طويلة إلى أن أنساه،ولكن هذه المرّة استقرّ الألم بشكل نهائي،وبدا شكلهما الدائري يأخذ مساحة واسعة من صدري ومع الوقت بدأ في التوسع والتعاظم والانفتاح رويدا رويدا.

في المدرسة أستمع إلى التعليقات الساخرة القاسية من طرف زملائي الذكور في القسم،يرفقونها بضحكات مموهة عن البنات اللواتي بدأت حبّات الفول تظهر تحت مأزرهنإلاّ أنا:

-ألم تلاحظوا يا أصحاب؟! "أندلس"الوحيدة بينهن،لم نر عليها تغيّرا أو انتفاخا؟.

لم يكونوا على علم بحيلتي،أضحك في دواخلي على ذقونهم تعلّمت مبكرا أن الذكور رغم ما يدّعونه من خبث نستطيع أن نخدعهم ببساطة،لم أستغرب فيما بعد عندما علمت في درس علم النفس أنّ دماغ الرجل يفكر في حركة تندفع في اتجاه واحد مستقيم مثل حصان ملجم،بينما دماغ المرأة يفعل ذلك في اتجاه حلزوني.

كلّ صباح نكاية أوقظ عمّتي ليلى،فتعصب صدري بمشدّ صيدلاني مثل ذاك الذي يستعمل عادة في شدّ الجروح،تلويه مرّات عديدة حول صدري إلى درجة أن يختفي النتوءان،ألبس ثيابي الداخلية بهدوء تام،ثم مئزري الزهري ثم لا شيء يظهر،صدر مسطح لا شيء،أحمل محفظتي وآخذ طريق المؤسسة التعليمية شامخة الرأس يغمرني إحساس بالانتصار على من؟ لست أدري".23

لقد اهتدت أندلس إلى حيلة العصب لإخفاء ما بدا من صدرها لألاّ تقع في الإحراج الذي يسببه زملائها الذكور للفتيات مثلها،فالمشدّ الصيدلاني الذي يستعمل عادة في شدّ الجروح يستعمل هنا في شدّ الصدور وإخفائها، فكأن الكاتبة توازي بين الجروح في الجسد ونتوءات الصدر فيه،فالفعل النسقي هنا يجعل من الأنثى ترى في صدرها ونتوءاته مرضا لا بد له من علاج،والذي سيكون العصب بمشدّ صيدلاني عند أندلس التي تعلمت مبكرا أن الذكور رغم ما يدّعونه من خبث يمكن خداعهم ببساطة؟.

إن ظاهر النص المنقول من الرواية يعبر عن نقد للذكورة واستخفاف بها وبقدرات الرجل العقلية مقارنة بقدرات المرأة لكن المضمر النسقي الفاعل في النص يقرّ بعكس ذلك،يُقرّ بخوف من الجسد ومن ثم إضمار له وقهر للأنوثة وحياء بها استجابة لشرط المؤسسة الذكورية التي تخفي جسد الأنثى متى تريد وتظهره حين تشاء.

ونلمس سطوة الذكورة وهيمنتها على النص وتغلل الفعل النسقي فيه حين تتفطن (الساردة)"أندلس"لحقيقة انتصارها  في حيلة العصب حين تتساءل على من كان انتصارها:

"...شامخة الرأس يغمرني إحساس بالانتصار. على من؟ لست أدري"24

وهنا يمكن أن يُطرح السؤال:هل حيلة العصب فيها انتصار على الذكورة أم انتصار لها؟.

فالسؤال عن حقيقة الانتصار من طرف "أندلس" يدل على مفعول النسق في النص حيث تتحول الأنثى من نقد الذكورة إلى نقد الأنوثة بالعمل على إخفائها وقهرها واعتبار ذلك انتصارا على الذكورة، فقرينة "على من؟ لستأدري"تؤكد ما ذهب "المقال"إليه من سطوة للفعل النسقي في النص وبروز لتمثلات الذكورة فيه.

I-3-تقويض الأنوثة بحثا عن الرجل: إن الحاجة الماسة للرجل،والتي يُعبر عليها النص في القصة الرمزية التي تحكيها الجدّة "لالة أندلس"للنساء من حولها حيث تنال القصة إعجابهن وقبولهن،وهي قصة المرأة التي تنتظر زوجها الجندي الغائب في الحرب،والحال الذي أصبحت عليه بعد غيابه،وقيامها بصناعة رجل من طين وخيوط وحجر:

"لا بد لي من صديق مؤنس يحمل معي صدري" !

تلمع الفكرة. تمزج المرأة التراب بالماء. وبالخيوط والحجر ترفع قامة منه، ثم عنقا جانبا ثم وجها، وعينين وأذنيين وأنفا،ثم تنزع خاتم الزواج من أصبعها،تصنع به الفم،تقبل التمثال الترابي تعانقه وتعطيه اسما-أسعد...أسعد...سأسميك أسعد"25

إن رمزية القصة تبرز من جانب بحث المرأة عن الرجل ولكن الرجل التمثال**الذي يجسد قيمة الاستعمال له من طرف المرأة دون أن تكون له سلطة أو رأى،فالرجل التمثال رجل صامت بلا إرادة،وهذا فيه نوع من الهجوم على الذكورة في هذا النص لكن القصة لا تلبث أن تعود للانتصار للرجل حين يتحول هذا التمثال (أسعد) إلى شبه إلاه تقف هذه المرأة عند أقدامه ولا تغادرها أبدا:

"عند أقدام أسعد تجلس المرأة،تنام وتصحو،وتتعطر وتغني

عند أقدام أسعد تمشط الزوجة شعرها وتبدّل الأثواب

عند أقدام أسعد تنتظر المرأة الوحيدة وتحلم وتغني

عند أقدام أسعد تشرب المرأة شايها الدافئ بالنعناع

عند أقدام أسعد يبدأ النسيان..."26

فالقصة الرمزية التي تسوقها"لالة أندلس"وتنال قبول النساء وإعجابهن فيها تأكيد على مركزية الذكورة في النص ولو حتى كانت على شكل تمثال، فجملة "عند أقدام أسعد"التي تكررت مرات عديدة،تصبح في عرف النقد الثقافي جملة نسقية تحمل دلالة الانقياد والانصياع للمؤسسة الذكورية في هذا النص.

ويتجلى تقويض الأنوثة في السرد النسوي من خلال الصراع والتنافس بين النساء داخل العالم السردي وما يحمله هذا الصراع من هدم وتقويض لمبادئ الأنوثة وإهانة وتجريح يلحق بالأنثى من طرف الأنثى،ورفض أنثوي للأنوثة ونقد لها، وتكاد تكون رواية الذروة هي رواية تقويض الأنوثة،وذلك لأنها تتناول حياة مجموعة من النساء في تقاسمهن وتخاصمهن للعالم الذكوري ونصوص كثيرة تعبر عن ذلك داخل الرواية،فنجد"أندلس،الياقوت،الطاووس،سعدية،زهية،" وهي أسماء جلّها مذكرة في مبناها ومعناها توحي برفض مطلق للأنوثة في محاولة لتجاوزها،وكما سبق وأن أشار "المقال"إلى أن الرواية تنطلق من نقد جذري للذكورة ممثلة في  السلطة إلاّ أنها تقع في فخ النسق الذي يستخدم الأنثى في تقويض الأنوثة،فالخطاب في هذه الرواية يحيل على صراع النسوة من أجل الظفر بـــ "الصفّارة"التي هي أداة ذكورية وتمنحها الذكورة للأنثى التي تتوفر على شروط المؤسسة الذكورية،فالياقوت التي تملك منصب"الكرسي والصفّارة" تضعها الذكورة في مواجهة الأنوثة،حيث تعمل على تقويضها والقضاء عليها فالمحافظة على "الصفّارة"يحتم عليها فعل ذلك فأي أنثى قد تنازعها فيها ستكون هدفا لتقويض الياقوت.

إن الياقوت استجابة للنسق الذكوري تعتبر أن الأنثى هي العدو:

"اسمعي يالياقوت....!عندما تصعدين إلى مجلس الزعيم صاحب الغلالة اسحبي السلالم معك، واحذري من "بونسوان"!!

فهمت بعدها أنّ عدوي المتربص بي لن يكون سوي "بونسوان"منذ اللحظة تلك. أنا التي كنت أتعاطف معهنّ وأمشي في مظاهرات الجمعيات النسائية،بدأت أخذ حذري منهنّ خشية أن يأخذن مكاني عند صاحب الغلالة.عدوّتي هن النساء....النساء خطر إبعادي من بلاط صاحب الغلالة".27

فالياقوت التي كانت من المنتسبات للجمعيات التي تدافع عن حقوق المرأة،تجعل منها المؤسسة الذكورية العدو الأول للمرأة،حيث تعطيها الصفّارة"المهماز""Eperon"28لتقوم بتقويض الأنوثة،فالنسق الذكوري يجعل الأنثى تعتبر أن عدوها الحقيقي هو الأنثى"بونسوان"وإن اتخذت من العداوة الظاهرية للذكر غطاء سرديا لها.

إن الصراع الأنثوي صراع يصنعه الرجل ويؤطره الرجل ويدور في فلكه،وتخوضه النساء من أجله،فالياقوت أصبحت ترى كل أنثى كعدو لها وخاصة إذا اقتربت من فلك"الزعيم صاحب الغلالة"أي السلطة/الذكورة،فالياقوت تحكي للأندلس بوصفها منافسة محتملة على مهمة الكرسي والصفّارة قصة ضحاياها من النساء اللواتي حاولن منافستها وانتزاع الصفّارة من يدها ومنهم الطاووس:

"...تعرفين؟يا أندلس مهمّة الكرسي والصفّارة علّمتني ألاّ أثق في أحدا أبدا...الجميع مشاريع أعداء مفترضون يجب الحذر منهم تعلّمت أن أبدأ بالهجوم خيرا من أن أضطر إلى الدفاع...مررت بتجربة مماثلة مع امرأة أخرى شديدة ولم يحدث أن شككت أو خفت وارتعبت من امرأة مثلما وقع لي مع "طاووس".هي امرأة جميلة وذات سحر وثقافة وحضور،بدأت تتقرّب من صاحب الغلالة فأثارت شكوكي جنّ جنوني وخفت أن يقع الزعيم في غرامها، ثم يرمي بي خارج السلطة ويسلبني الكرسي والصفارة،ويمنحها للقادمة الجديدة طاووس هذه،اضطرت للتخلّص منها.

-كيف تخلّصت منها ...هل قتلتها؟.

-لا فقد دبّرت لها مكيدة صغيرة أدخلتها السجن وهي الآن تقبع فيه...ارتحت منها...لم تعد خطرا عليّ".29

إذن عملية تقويض الأنوثة هي عملية تقوم بها الأنثى لصالح المؤسسة الذكورية،وفي هذه الرواية نستطيع أن نرصدها في مواضع كثيرة لا يمكن ذكرها كلها وإنما يمكن القول أنها متشابهة في الهدف الذي تسعى إليه وهو تقويض الأنوثة.

I-4-الأب وتقديس الذكورة: من حيل النسق الذكوري في السرد النسوي صرفه للاهتمام بالأب البيولوجي والصعود به إلى سدّة الأب الثقافي الذي يصبح مركز للعالم،ومادونه هوامش تابعة له،فيصبح العالم السردي ممثلا للعالم الواقعي الذي تسيطر عليه المؤسسة الذكورية،التي تحاول الأنثى في سردها تعريتها ونقدها فتصبح من أشد المدافعين عليها نتيجة لعمل النسق الثقافي الذكوري المضمر في الأنثى وسردها.

وفي نص الذروة نجد حضورا كثيفا للأب واهتماما سرديا به،ووصفا له يمتد من الواقع إلى الخيال،مع ما يمثله الأب بالنسبة للذكورة فهو أحد تجلياتها ومنه تأخذ كثيرا من مفاهيمها وهو قابع في عمق الذكورة/السلطة التي تحاول الرواية نقدها،لقد أضفت "أندلس"في عملية السرد على أبيها أوصافا كثيرة ومتنوعة وقامت بتضخيمه وتعظيمه تعبيرا عن امتلاءها وتمسكها الشديد به،وهنا يحق "للمقال"أن يتساءل عن أي أب تتحدث"أندلس"هل هو الأب البيولوجي أم الأب الثقافي؟وما يؤكد مشروعية هذا السؤال هو أن السرد في هذه الرواية قدّم لكل شخصية من شخصيات الرواية اسما محددا بما في ذلك الشخصية ثانوية إلا أنه حين وصل إلى الأب لم يعطى له اسما محددا به!.

  إن "أندلس"بوصفها _ساردة_ لم تحدد اسم أبيها وعدم التحديد فيه دلالة على عمومية الأب أي الأب بمفهومه الثقافي لا بمفهومه البيولوجي الذي يحتم عليها تحديد اسم له،فرواية الذروة تحتفي بالأب الذي جاءت لتحاربه في إحدى تجلياته الذكورة/ السلطة وتؤكد من جديد على دينامية الفعل النسقي فيها.

ويمكن ذكر أمثلة على الحضور الأبوي القوي فقد جاء على لسان أندلس:

"لا أحد يستطيع أن ينكر أن أبي واحد من هؤلاء الرجال الذين رغم بساطتهم الظاهرة وعدم اكتراثهم بالمظاهر خلقوا بوسامة وجاذبية طبيعيين شديدتين. لا يقف المقترب منهم دون انشداه،ودون شعور جارف بأنّ ريحا قويّة لذيذة تدفعه نحو الهاوية...

أرقب وجهه المشرق بانشداده لم أكن وحدي كانت البائعة تتسلقه عيناها في شغف،امرأة أخرى وبينما هي تسترق النظر إليه ربما عن سهو ليسإلاّ ،رفعت لباسها كاشفة فخذها كلها تقيس فردة حذاء".30

إنه إعجاب شديد بالأب وانشداد إليه،وانشداه فيه،ليس من أندلس فقط بل من الجميع أو بالأحرى من جميع النساء،إنه يمثل قيمة إغراء لكل النساء ولا يمكن مقاومته،إنه أب ينبع من الوعي الثقافي:

"أحبه ...كم أحبّه...

...كل شيء يفضح افتتاني ...دلالي وذلّي وخضوعي وانشغالي وانزلاق الأشياء في عيني وتدافع الحيتان المفزوعة في صدري...

لست أرى سواه...

كم هو وسيم أبي!

أرقب كل ساكن ومتحرك حوله...النساء يرمقنه بنظرة هل أدركها فعلا.واحدة منهن تعمدت ترك صغير لها خلفها.ذريعة معقولة للالتفات مجرّد نظرة..."31

إن الأب البيولوجي في هذه الرواية هو الأب الثقافي المضمر،فالساردة تنزع عليه صفات ينوء بها الرجل الواحد فهو أب مجاهد. مرتّل للقرآن الكريم، مثقف، شاعر...:

"كأنني أشاهد تحرّكاته بين الجبال وبزته العسكرية والراية مرفوعة عالية في يده وشجاعته وإقدامه وحلمه بتحرير البلاد،ورفضه لذّل وهوان الاستعمار.

إعجابي به لا حدود له،حين يرتّل القرآن والناس ينام،أو حين يرشق بالموسيقى اشعار  المتنبي أو فيكتور هيجو،أو حين يقلب صفحات المعرّي والتوحيدي في خشوع..." 32

إن الأب الثقافي وحده هو القادر على أن يحمل كل هذه الصفات التي تخلعها عليه "أندلس"والأكبر من هذا أنها تصل في مرحلة سردية إلى تقديسه أو الحاقه بالمقدس:

"يدبّ هواه في مياه بصري،في كينونتي وقدري. حين يضحك تكاد النار تضيء في صدري،وكأن من سواه جلّ جلاله،ركّز كل قدرته وحسن فعله وفنّه في هذا الوجه: وجه أبي...

كلّ الشوارع فارغة إلاّ منه كلّ زحام يفضى إليه...هو الشمس وما عداه عبّاد الشمس...

عيناي لا تبرحان وجهه بينما يقصّ عليّ أحسن القصص..."33

فالأب هنا يتماهى مع المقدس ونعثر في السرد على خطاب حلولي صوفي يصبح فيه الأب يقص "أحسن القصص" ونجد خطابا ثقافيا يكون الاب بموجبه الشمس/المركز وما عداه عباد الشمس/الهامش،أليس هذا هو الأب بمفهومه الديني والثقافي؟.

ترقى "أندلس"بوصف الأب إلى مراحل سردية عالية لتؤكد على سطوة الأب/الذكورة/السلطة في داخلها تقول:

"سبحان من زيّن منه الجبين،وأودع في لحظه بنت العنب،وفي صدره منبت الشعر والعجب".34

في هذا المقطع السردي تبرز ذروة الوصف للأب لتعبر عن هيمنة حقيقية للذكورة في هذا النص السردي "الذروة"، وإن حاول النص أن يبدوا بشكل مخالف لهذا ويسوّق نفسه بوصفه نقدا للذكورة/السلطة،فالفعل النسقي قد تحكم في النص وأفسح المجال للهيمنة الأبوية فيه،وقد يحدث في بعض المرات أن يتخلى الفعل النسقي عن الموارية ويتجلى ظاهرا في النص:

"أنا ابنة أبي،وأمي ابنة أبيها". 35

إنه أب واحدهو الأب الثقافي في هذا النص،فيمكن ان نعتبر هذه الجملة جملة نسقية ظاهرة الدلالة تجسد الهيمنة البطريركية في رواية الذروة.

وقد نلمس أيضا تصريحا بسلطة الذكورة في هذا النص بقول "أندلس":

"مبكرة،عارية من رحمها وعطشى لحليب أمّ،فطنت أن مصائرنا بين أيدي الذكور،كيف لي أن أرفض أو أن أقبل؟؟.36

إن هذه الجملة النسقية التي فيها يتخلى النسق عن عملية الإضمار نستشف منها تعبيرا عن الاستسلام والقبول بالسلطة الذكورية في رواية الذروة.

II-الجسد وتمثلاته الثقافية:

لم يعد الحديث عن توظيف الجسد في السرد النسوي أمرا ذا بال،إذ أصبح من القضايا المسلّم بها،إذ أن المرأة في كتابتها تنطلق من وعي خاص بجسدها الذي هو قناع ملازم للإبداع النسوي،يدق على وتر القيمة الخاصة التي ينطوي عليها ويؤكد على الخصوصية السردية النسوية.

إن الجسد مساحة لا متناهية لصياغة الرموز والكتابة،37 وهو فضاء للسرد الأنثوي يستخدمه في تأثيث الأجواء السردية،وإضفاء الخصوصية عليها،فالمرأة في كتابتها تقوم بعملية إفراغ جسدها على النص،فينكتب الجسد ويتحول إلى ذات نصانية38 قابلة للقراءة فهو تيمة دلالية توظفها المرأة وتستخدمها سرديا،وتحاول أن تجعل منها بؤرة تتغذى منها جميع مفاصل النص السردي عندها،كما أن للجسد تأثيرا كبيرا على اللغة في السرد النسوي،فاللغة تستمد طاقتها من الجسد39الذي يكسبها شاعريتها،ويحقق لها مبدأ اللذة التي يجدها القارئ الآخر،فالمرأة تمتلك سلطة الجذب والإغراء في الجسد وفي كتابة الجسد،ولهذا فهي تعمل على تفعيل مفهوم الإغراء في كتابتها انطلاقا من كونها تكتب داخل المجتمع الذكوري،فتحاول إنتاج جسدها بشكل مغاير،"ولكي تغري،وتعجب،وتؤسس علاقة مع الآخر تتخذ الصورة التي تحملها عن ذاتها مكانته أكبر من جسدها الحقيقي الواقعي،إنها تعطي للعالم قناعا لكي ترتب للجسد مسافة ما،فهي تفضل إبراز التمثل الذي تحمله عن جسدها بدل جسدها الملموس"40المخيال الثقافي إذن يعمل عمله في السرد النسوي ويجعله يستجيب لتصورات المجتمع الذكوري حول جسد الأنثى،فتقوم الأنثى الكاتبة بإنتاج جسدها نصيا وفق التصورات المترسبة عليه في الذاكرة الذكورية للمجتمع،لا وفق ما هو عليه جسدها في طبيعته،فتكون بهذا قد كتبت نظرة الرجل لجسدها لا نظرتها هي لجسدها،فالمخيال الثقافي الذي توجهه المؤسسة الذكورية هو المسؤول على كيفية صوغ الأنثى لجسدها سرديا،وهذا ما يجسد سطوة النسق وعدم استقلالية السرد النسوي،فيصبح التركيز على الجسد بوصفه موضوعا الاستثمار في بنية الخطاب النسوي حاضرا بقوة،وهنا يمكن أن نطرح قضية العلاقة التاريخية بين الجسد والسلطة،على اعتبار أن السلطة دائما ما تستثمر في الجسد بوصفه الحامل للنشاط الجنسي،كوسيلة من وسائل توسيع السلطة،41فعلاقة الجنس بالسلطة من القضايا التي ناقشها "ميشال فوكو" في منهجه الحفري،فقد توجه لنقد السلطة انطلاقا من عدم إيمانه بمركزية الهيمنة ورقابة المؤسسة.42

فالمقالسيستعين بمقاربة"فوكو"لخطاب السلطة وعلاقته بالجنس والجسد،ليبحث في العلاقة بين الجسد والسلطة في نص الذروة،بعد أن يشير إلى نظرة الأنثى إلى جسدها في السرد وكيفية توظيفه.

II-1-الجسد قيمة للإغراء والاستعمال: يدفع التهميش المرأة إلى محاولة العمل على جعل جسدها سرديا مركزا للعالم،فهي تحاول أن تقيم له وشائج مع جميع الظواهر الكونية،وتجعله منطلقا لها،فيصبح البحر والمطر والشجر والبرد والشتاء والليل والصباح كلها ظواهر تأخذ من الجسد حقيقتها وطبيعتها43وهذا ما قد يُوقع المرأة الكاتبة في فخ التضخيم والتهويل والتطرف في وصف الجسد والابتعاد عن الوصف الطبيعي إلى الوصف الثقافي،لتجد نفسها بعد ذلك تقوم بإنتاج جسدها على حسب شرط المؤسسة الذكورية،وتستسلم لتشيئ جسدها وجعله سلعة وقيمة للتبادل والاستعمال عند الرجال "تدخل ضمن سياق التبادل الذي يؤسس الاقتصاد العام للمجتمع وهذا التحديد يقرر قيمة المرأة داخل التجارة الجنسية،ومن ثم فالمرأة لا يمكن أن تكون أبدا!إلا مجالا للتبادل". 44

هذا ما تفرضه المؤسسة الثقافية وما ترفضه الأنثى الكاتبة،وتجعل من رفضها منطلقا لكتابتها،ولكنها في تضاعيف كتابتها تستسلم للفعل النسقي وترضى بجعل جسدها قيمة للاستعمال والتبادل،وفي نص الذروة نجد مثالا عن ذلك في إعجاب وقبول "أندلس" بذهنية أبيها حول النساء:

"المرا صوب راجل...لا يمكن أن نعزف بإتقان على آليتين موسيقيتين في الوقت نفسه". 45،إن هذه الجملة النسقية تحمل عدّة دلالات تأكيدية على قبول "أندلس"(كذات سردية)بالمعادلة الذكورية التي تجعل من جسد الأنثى قيمة تبادلية استعمالية عند الرجل،فهي وافقت على تشيؤ الجسد الأنثوي وجعله بضاعة أو سلعة صالحة للاستعمال والتبادل التجاري" آلة موسيقية"وزيادة على ذلك فإن اختيار الآلة الموسيقية كثف من حضور الذكورة في هذه الجملة النسقية،فلا قيمة للآلة الموسيقية في غياب الذكر/العازف عليها الذي بدونه لا تصدر هذه الآلة أعذب ألحانها وتصبح بلا معنى،فهي تنطوي على قيمة فنية لكن حينما يستعملها الفنان/الذكر فتشبيه المرأة بــ "الآلة الموسيقية"هو تعبير على القول بتشيؤ الجسد من لدن أندلس/الأنثى،والحديث عن العزف هو حديث عن القبول بالاستعمال للجسد الأنثوي.

ويكون الإغراء أيضا من الوظائف التي تحددها المرأة الكاتبة لجسدها،ويمكن اعتباره هاجسا أنثوي فالمرأة منذ طفولتها وعبر مراحل نموها ترى أن الجسد الذي لا يغري جسد ميت 46 فيصبح الإغراء معادلا موضوعيا للحياة عندها.

فالإغراء إذن هو العنوان الأبرز في الجسد،والذي تنتجه المرأة في كتابتها،وتركز اهتمامها في البحث عن الإغراء وسبل تحصيله وتقويته فتأتى مشروعية التجميل عند المرأة47 والتجميل للجسد من باب الاحتفاء والاحتفال بأنوثة الجسد يكون مقبولا وطبيعيا،لكن يحين يصبح هذا التجميل على شرط المؤسسة الذكورية،وخدمة لها فإنه يدل على انمحاء وجودي للذات الأنثوية،وحصر لها في الإغراء والاستعمال،وفي رواية"الذروة"نجد ظلالا لما سبق،"فالياقوت"ترسل بإحدى صديقاتها "سعدية"إلى عيادة تجميلية ومعها سندات ووثائق حول شروط الجسد الذي تريده من العيادة،وهذه الشروط المدونة في الملف هي شروط "الزعيم صاحب الغلالة"/الذكورة:

"انظري سيبدءون بالصدر،بتكبير ثدييك...ثم الشفتان...سيجرون لك عملية نفخ الشفة السفلى حتى تضحي أكبر من العليا ...والعملية الثالثة تتعلق بأنفك يا سعدية".48

إن هذا التوظيف السردي للجسد يعبر عن قبول الأنثى الفاعلة في السرد "ياقوت وسعدية "بمفهوم التحجيم للأنثى وحصرها في مجال الإغراء والاستعمال والتبادل،هذا المجال الذي ترسمه المؤسسة الثقافية الذكورية للمرأة وجسدها ثم تقوم بتحريك الفعل النسقي الذي يوهم المرأة ويقوم بقلب تصوراتها ويجعلها تنطلق من جسدها في قتل جسدها.

II-2-الجسد بين المقدس والمدنس:تبرز العلاقة بين الجسد بوصفه الحامل الأساسي للنشاط الجنسي والسلطة بأنها علاقة تأثير متبادل ومواجهة مستمرة في عرف"فوكو"الذي حاول الربط بينهما باحثا عن الصلة التي تجمعها،وكيف تستثمر السلطة في الجسد وكيف يؤثر الجسد فيها،فبينهما ترابط وظيفي كبير حدده فوكو كاشفا ممارسات خطاب القوة في صراعه مع خطاب الرغبة،49وما ينتج عن ذلك من دلالات جسدية وسلطوية تترسب في الخطاب*** فالسلطة عنده "تسكن الجسد وتتحول إلى مستند من مستانداته المهمة،وتغدو فنا لصناعة الأجساد،بحيث لا يمكن تفكيك السلطة،إلا بعد تفكيك خارطة الجسد وتشريح توجهاته الجنسية".50

إن هذا الفهم للعلاقة بين الجسد والسلطة هو ما يحاول"المقال"تلمّسه في نص"الذروة"ورصد تمثلات الجسد في علاقته مع السلطة من منظور سردي نسوي،فالجسد في هذا النص يتموضع في ثنائية (الجسد المقدّس/الجسد المدنّس) في جدلية اقتراب وابتعاد عن سلطة التي لا ننسى أنها تمثل الذكورة في إحدى تجلياتها.

في هذا النص يمكن القول أن السلطة تستدعي الجسد "سدة الحكم وسدة اللحم"،51ولذلك فإن المنظور السردي يقوم بعملية تصنيف مضمرة للجسد في بعديه (المقدس والمدنس)فالجسد المقدس هو الجسد الذي يبتعد أو ينأى عن السلطة ويرفضها،وبالمقابل فإن الجسد المدنس هو الجسد الذي يدنوا من السلطة ويتوافق معها،وهذا ما نجده مبثوثا في النص الذي يصور لنا "أندلس"و"الياقوت"كجسدين تنطبق عليهما محمولات الثنائية (مقدس ومدنس).

ف:الياقوت وسعدية يعتمد السرد في وصفها على تنميط خاص ينبع من مفهوم المدنس في سلوكياتهما وتوجهاتهما منذ مراحلهما الأولى،تصف سعدية ذلك فتقول:"مراهقتنا أنا والياقوت كم من الجنون،حشد من المغامرات الحكايات تربطنا الواحدة بالأخرى ربطا وثيقا. حتى أنّنا فقدنا عذريتنا في اليوم نفسه. نعم في اليوم نفسه والمكان نفسه...

في يوم مشهود يوم حار تتوقّد الطبيعة منه،ومنه تعتمل في دواخلنا النار،نزلنا فيه إلى الشاطئ بالأتوستوب رفقة أجنبيين أحدهما أسود من ساحل العاج يدعى "توما"والثاني "دجيلبير"من فرنسا أشقر بعينين خضراوين جاءا ضيفين على البلد للمشاركة في مؤتمر أوربي-أفريقي حول استخدام الطاقة المتجددّة".52      

إن المسار السردي يعمل على التأكيد على الرؤية التي يحددها للياقوت كجسد مدنس،عبر مراحل تطوره فكأنه يقوم بتحضير هذا الجسد لإقامة علاقة مع السلطة،فالياقوت تصبح الحامل الأساسي لصفات السلطة "جسدالسلطة"،ذلك أن مفهوم السلطة ينطبق تماما مع جسد الياقوت،فالنص الروائي يصف لنا الياقوت على اعتبار أنها معادلا موضوعيا عن السلطة،ويبطّن نقده للسلطة في وصفه للجسد الياقوت الجسد المدنس.

تصف الياقوت علاقتها بالسلطة/الزعيم،فتقول:

"...أنا التي قدّمت الكثير لذلك الأخرق،والآن أشمّ رائحة التنكّر والجفاء وكما يقول المثل (الحمار ما يشم القرفة) سأكون صريحة معك يا أندلس السبب هو انه بعد كل عملية جنسية فاشلة يذكرني دوما بصوته المتحشرج:

-أخرجتك من البوهيمية يا"الياقوت"وأنت لا تساوين حتى بصلة خامجة...نصبتك حاجبة ورئيسية على الطواويس وسلمتك الكرسي والصفارة،بينما أنت لا تستطيعين حتى أن تكوني قادرة على انصاب هذه اللحمة في وسطي!..."

هنا يصبح الجسد مرآة للسلطة،وتسكن السلطة الجسد،ويصبح نقد الجسد هو نقد للسلطة وللذكورة في النص، وبالمقابل نجد أندلس التي يصورها السرد على أنها جسد مقدس منذ بداياتها جسد طاهر لا يتوافق مع السلطة ولا يقبلها ويبدى امتعاضه وثورته على كل ممارساتها،ففي حفل تنصيب أندلس في منصب مهم داخل السلطة تعبر أندلس عن رفض جسدها للسلطة تصف ذلك فتقول:"مبروك المنصب عقبال ما هو أعلى ...يا أندلس

الله بارك ويزيد يا أندلس

والله يا ندلس تستاهلي أكثر.

يتقاطع الكلام في أفواههم بحشرجة التهام الحلويات والإبقاء على ابتسامات المجاملة.يقفز وجه "نور الدين الوصلي"أحد الكتاب المعروفين بتملقهم للزعيم وحجابه،وهو يشدّ على يدي ليهنئني بالتنصيب،حرارة مبالغ فيها،يهزّ كفى بقوة شديدة،فيهتز صدري أشعر بالحرج فجأة صدري يتضخم ينتفخ،تنفر حلمتاي،أتلمس أزرار قميصي،تضيق في أماكنها فتعوّج أعناقها وتكاد تطير من الضغط عليها،أشعر بالحنق وأرى على وجهه شبه ابتسامة شبه تكشيرة لا أحب الوجوه المتفقهة في رسم تكشيرات النفاق".53 إن الجسد المقدس في تعبيره عن رفضه للسلطة ينتفض ويثور على طريقته الخاصة،ويرصد المقال هذا الرفض في الجمل التي تندرج في سياق جملة****"فيهتز صدري أشعر بالحرج فجأة صدري يتضخم ينتفخ تنفر حلمتاي...".54

-"ارتفع صدري وضاق فانفك الرافعان وكان الألم يتمركز في الحلمتين خبأت صدري وأنا أطوي ذراعيّ حوله..."55.

-"أشعر بثقل كبير في حمالتي ثديي،صدري يرتطم مثل بحر باغتته العاصفة يرتفع يتضخم...أكثر فأكثر...حلمتاي تنفران مثل رصاصتين ينفلت الرافع الأيمن عن كتفي..." 56-"كلما انتابني شعور قوي عارم ينتفخ ثدياي على غفلة ويرتفعان ويضغطان بقوة تحت الثياب،يسقط الرافع من على كتفي الأيمن،اعيده فإذا بالرافع الأيسر بدوره ينزلق،ويحدث أن ينقطع الرافع أو الرافعان معا فيحدث الشغب تحت قميصي..."57         لقدتكررت نظيرات هذه الجمل في النص عدّة مرات،واقترن تكرارها في كل حديث عن السلطة،تعبيرا على أن الجسد المقدس لا تسكنه السلطة فهو في حالة عداء دائم معها،لكن خطاب الرفض الذي تصنعه هذه الجمل يمكن وصفه بالإغرائي على الأقل في توظيفه الذي يجعل من جسد الأنثى مادة للإغراء والجذب،ولا مشكلة في هذا،ولكن حين يصبح الرفض للسلطة فيه نوع من الإغراء لها يمكن القول أن الفعل النسقي تدخل ليقلب المنظور السردي في رواية الذروة،إذ يصبح الجسد المقدس الرافض للسلطة،يمارس نوعا من الإغراءالنصي لها،فيتداخل مستوى الرفض للسلطة مع مستوى الإغراء لها أحدهما ظاهر"الرفض"والآخر مضمر"الإغراء"استجابة لسلطة النسق وتحكمه في النص.

إننا إذن أمام جسدين"مقدس/مدنس"حاول السرد توظيفهما ليؤكد على رؤيته الناقدة للسلطة/الذكورة التي تمتلك الجسد المدنس في هذا النص وتسكنه،أما الجسد فيبقى بمنأى عنها،لكنه لا يلبث أن يقع في عملية إغراء لها تنّم على سطوة الفعل النسقي وتوجيهه للعملية السردية النسوية من نقد للسلطة إلى خضوع و انقياد لها.

الهوامش:                                                                        

1.   ينظر:عبد الله الغذامي:النقد الثقافي،ص 79.

2.   ينظر:محمد نور الدين أفاية:الهوية والاختلاف،ص 48.

3.   ينظر:المرجع نفسه،ص 58.

4.   ينظر:المرجع نفسه،ص 46.

5.   ينظر:محمد سالم سعد الله:الأسس الفلسفية لنقد ما بعد البنيوية،ص 276.

6.   ينظر:المرجع السابق،ص 44.

7.  *مفهوم طوره "رولان بارت"يعتقد من خلاله بأن حصول التواصل الأدبي وحصول الاستجابة لنص ما مرهون بتحقيق اللذة فهو يرى أن الكتابة هي :"علم متع اللغة".وتحدث هذه اللذة من خلال ما يطلق عليه بــ:الانقطاعات التي تحصل في جسد ولذلك فإن القراءة عنده هي الكشف عن اللذة المتمركزة في ذلك الجسد فكأن القارئ يلاحظ:خلسة لذة الآخر. للاستزادة:ناظم عودة:تكوين النظرية،ص 310.

$18.   ينظر:الأخضر بن السايح:سرد الجسد وغواية اللغة،ط1،عالم الكتب الحديث،الأردن،2010،ص 145.

$19.  **استعرت مفهوم "التمثّلات"من دراسة نقدية لـــ: هيثم سرحان بعنوان "الأنظمة السيمائية"حيث وظف هذا المفهوم كــ محدد منهجي في دراسته للسرد العربي القديم. للإستزادة ينظر:هيثم سرحان:الأنظمة السيميائية.

$110.    عبد الله الغذامي:النقد الثقافي،ص 77.

$111.    ينظر:المرجع نفسه،ص 79.

$112.  ***الذروة رواية للكاتبة الجزائرية ربيعة جلطي:من مواليد 1954،حاصلة على دكتوراه في الأدب المغاربي،شاعرة ومترجمة وصحفية،أعمالها الروائية الذروة،نادي الصنوبر،العرش المعشق.

$113.  ****إن مصطلح الثنائيات الضديّة هو مصطلح تشترك فيه كل مناهج النقد قديمها وحديثها وهو مصطلح فلسفي سحب على النقد الأدبي يتحكم في تفسير الكثير من الظواهر الإنسانية ماديا ومعنويا وقد شاع استعماله في النقد عند البنيويين فهو يشكل عصب النقد والتحليل البنيوي،لكن الرومنسيين أيضا استعملوه فوعيهم الفلسفي يقوم على ثنائية ( الأنا /العالم)،واستعملته الماركسية فهي تقوم أساسا على مفهوم الجدلية وثنائية الداخل ....الخ. وبالعودة إلى التراث النقدي العربي نجد اهتماما كبيرا بهذا المصطلح فقد وظفه الجاحظ في كتاباته ومن ذلك كتاب "المحاسن والأضداد"ونجده عند قدامة بن جعفر في حديثه عن "التكافؤ"ونجده عند البلاغيين في مباحث "الطباق والمقابلة"...الخ. وتأتي المناهج النقدية الما بعد حداثية لتؤكد على استمرارية الثنائيات الضدية في المسيرة النقدية فقد وظفت التفكيكية هذا المصطلح كثيرا وبنى عليه "جاك دريدا"كثيرا من رؤاه الفكرية والنقدية ومن ذلك حديثه عن "الحضور والغياب"أما النقد الثقافي فقد استثمر هذا المصطلح في حديثه عن "المضمر والظاهر"وجعل منه وسيلة للوصول إلى الكثف عن المضمرات النسقية التي تتحكم وتحرك الذهن الثقافي للأمة وبذلك فقد أكد بأن الثنائيات الضدية ليست مجرد أداة إجرائية لتحليل النصوص الأدبية بل هي رؤية للعالم والوجود،للاستزادة حول هذا الموضوع ينظر:مقال مصطلح الثنائيات الضدية:سمير الديوب،مجلة عالم الفكر،العدد1،المجلد 41،يوليو،سبتمبر 2012.

$114.    ينظر:عبد الله إبراهيم:موسوعة السرد العربي،ص 681.

$115.    ينظر:المرجع نفسه،ص 509.

$116.     ينظر:المرجعالسابق،ص 513.

$117.    ينظر:عبد الله إبراهيم:موسوعة السرد العربي،ص510 وما بعدها.

$118.    ربيعة جلطي:الذروة،ط1،دار الآداب،لبنان، 2010.

$119.    ينظر أمين زاوي:صورة المثقف في الرواية المغاربية،ط1،دار راجعي،الجزائر،2009،ص 336.

$120.    ينظر:إبراهيم خليل:بنية النص الروائي،ط1،منشورات الاختلاف،الجزائر،2010،ص 131-132.

$121.    المرجع السابق،ص 7.

$122.    ينظر:إبراهيم خليل:بنية النص الروائي،ص 300.

$123.    ربيعة جلطي:الذروة،ص 10-11-12.

$124.    ينظر:عبد الله الغذامي:النقد الثقافي،ص 67.

$125.  *يفهم "البحث"توظيف الأنثى"المستشارة"في هذا السياق على أنها تحسب على السلطة التي هي مؤسسة الذكورية وبالتالي فهي تدخل المجال الذكوري وينطبق عليها مفهوم الذكورة.

$126.    المرجع السابق،ص 13.

$127.    ربيعة جلطي:الذروة،ص 13.

$128.    المصدر نفسه،ص30-31.

$129.    المصدر نفسه،ص 31.

$130.    المصدر نفسه،ص 34.

$131.    **حول هذه القضية كانت للغذامي في كتابه "ثقافة الوهم"إشارات ووقفات للاستزادة ينظر:عبد الله الغذامي:ثقافة الوهم،ص 84.

$132.    ربيعة جلطي:الذروة،ص 35.

$133.    المصدر نفسه،ص 119.

$134.    ينظر:محمد نور الدين أفية:الهوية والاختلاف،ص 46.

$135.    ينظر:المرجع نفسه،ص 73.

$136.    ربيعة جلطي:الذروة،ص 42-43.

$137.    المصدر نفسه،ص 43 .

$138.    المصدر نفسه،ص 45.

$139.    المصدر نفسه،ص 44.

$140.    المصدر نفسه،ص 47.

$141.    المصدر نفسه،ص 62.

$142.    المصدر نفسه،ص63.

$143.    ينظر:محمد نور الدين أفاية:الهوية والاختلاف،ص 45.

$144.    ينظر:الأخضر بن السايح:سرد الجسد وغواية اللغة،ص 97.

$145.    ينظر:المرجع نفسه،ص 145.

$146.    ينظر:المرجع السابق،ص 41.

$147.    ينظر:محمد سالم سعد الله:الأسس الفلسفية لنقد ما بعد لبنيوية،ص 292.

$148.    ينظر:المرجع نفسه،ص 291.

$149.    ينظر:الأخضر بن السايح سرد الجسد وغواية اللغة،ص 148 .

$150.    محمد نور الدين أفاية:الهوية والاختلاف،ص 53.

$151.    ربيعة جلطي:الذروة، ص 39.

$152.    محمد نور الدين أفاية:الهوية والاختلاف،ص42.

$153.    ينظر:المرجع نفسه،ص 42.

$154.    ربيعة جلطي:الذروة،ص 146.

$155.    ينظر:محمد سالم سعد الله:الأسس الفلسفية لنقد ما بعد البنيوية،ص 294.

$156.  ***الخطاب كما يفهمه"فوكو"Discours مصطلح يجمل فيه فوكو كل أشكال الحياة الثقافية وتصنيفاتها،وهنا تبدو وجهود فوكو لإخضاع الحياة للنقد،فمثلا يحول السلطة إلى خطاب ليكشف كيفية تموضع السلطة واختفائها ومحاولتها الاستحواذ على النص واستغلاله وتوجيهه لخدمتها للاستزادة ينظر:إبراهيم مصطفى إبراهيم:نقد المذاهب المعاصرة،ج2،ص 121.

$157.    المرجع السابق،ص 294.

$158.    ربيعة جلطي:الذروة،ص 81.

$159.    المصدر نفسه،ص 105  .

$160.    المصدر نفسه،ص 66.

$161.  ****يبتعد هنا مفهوم الجملة على الفهم النحوي لها وإنما يدل على الجملة في بعدها لنسقي استنادا إلى الآليات الإجرائية في النقد الثقافي ، للاستزادة ينظر:عبد الله الغذامي:النقد الثقافي،ص 73.

$162.    ربيعة جلطي :الذروة،ص 66.

$163.    المصدر نفسه،ص68.

$164.    المصدر نفسه،ص 84.

$165.    المصدر نفسه،ص 37.