تحول العلاقات الاسرية في مجال الدور والسلطةpdf

داخل الاسرة الجزائرية

أ/ بن بعطوش أحمد عبد الحكيم

جامعة الحاج لخضر باتنة ( الجزائر )

 

Résumé :

-  Quelle est la signification des relations familiales etquelles sont ces formes ?

-  Quel est le rôle du système de valeurs dans le changement de la structure du pouvoir au sein de la famille dans la transmission paternelle de style s'étend à caryotype matrimonial?

-  Quelle est la relation entre les valeurs changent de rôle et de la culture communautaire, à la lumière de l'évolution des relations familiales?

Sont des questions fondamentales se révèlent les sujets importantes dans le domaine des valeurs et des relations familiales en termes de la relation entre la structure générale des valeurs et de la famille, Qui décrit important pour déterminer le domaine de style structural de la famille dans ces deux cas, la stabilité et le changement, En outre, le plan des valeurs jouer un rôle dans le degré qualitatif de l'urbanisation que ces valeurs des contrôles et des restrictions sur les effets de l'urbanisation, en particulier dans les communautés où les valeurs jouent un rôle de premier plan dans l'élaboration de la vie des gens dans la plupart des points tels que la société algérienne, En plus de détecter la réalité d'éléments de du rôle et du statut et de clarifier le lien entre le rôle des valeurs et de la culture à la lumière des relations familiales changeantes entre la famille traditionnelle élargie et de la famille nucléaire moderne.

 مقدمة:

شهدت الأسرة العربية تغيرات عديدة منذ النصف الثاني من القرن الماضي، في ظل التغيرات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى تأثير بعض القيم الجديدة. وبالتوازي شهدت هذه المؤسسة تطورًا على مستوي الحقوق والقوانين والسياسات الداعمة لوظائفها؛ باعتبارها وحدة أساسية لتوازن الفرد وتماسك المجتمع، ويقر المهتمون بالشأن بأن الأسرة بوصفها خلية أساسية في المجتمع تشهد بعض الصعوبات التي تهدد تماسكها واستقرارها، وتحدث اضطرابًا في وظائفها التي نتبيّنها من خلال بعض الإشكاليات الأسرية  كالخلافات الزوجية والمشاكل العلائقية وضعف الروابط الأسرية،تغير في بنية السلطة داخل الأسرة،تغير في قيم الأدوار وهي إفرازات تساعد على انتشار العنف الأسري.

هي قضايا هامة ومحورية في مجال والعلاقات الأسرية وتحولاتها من نمط الأسرة الممتدة التقليدية إلى شكل الأسرة النووية الحديثة حيث سنسلط الضوء في هذه الورقة على دور النسق القيمي في تغير بنية السلطة داخل الأسرة العربية عموما والجزائرية على وجه الخصوص، بالإضافة إلى كشف واقع عناصر الدور والمكانة فتوضيح العلاقة بين قيم الدور والثقافة المجتمعية في ظل العلاقات الأسرية المتغيرة.

 1- مفهوم العلاقات الاجتماعية الاسرية:

يقصد بها تلك العلاقات التي تقوم بين أدوار الزوج والزوجة والأبناء ويقصد بها أيضاً طبيعة الاتصالات والتفاعلات التي تقع بين أعضاء الأسرة الذين يقيمون في منزل واحد ومن ذلك العلاقة التي تقع بين الزوج والزوجة وبين الأبناء أنفسهم . وتعتبر الأسرة الحضرية أسرة ممتدة وابوية وتتميز بهيمنة الرجل على المرأة وكذلك الكبار على الصغار لذا يكون هنالك توزيع هرمي للسلطة وتكون السلطة في يد الرجل . وبالرغم من ذلك كله إلا أن الدولة عملت على إعادة إنتاج هذه العلاقات التي تخص التعليم والدين والتشريع.(1)

ومنه نستنتج أن العلاقات الاسرية هي مجموعة من الصلات والتفاعلات والعلاقات الاجتماعية الحاصلة بين أدوار أعضاء الاسرة الواحدة أي الزوج والزوجة والابناء، و  تنطوي  هذه العلاقات على الفعل ورد الفعل ومجموعة ممارسات ورموز سلوكية وكلامية وادوار اجتماعية.

2-أشكال العلاقات الاجتماعية الاسرية:

نجد أن هناك تحولات أساسية بسبب التغيرات البنيوية في الأوساط الحضرية من قيام الأسرة النووية وتحديد الاقتصاد والحرية والاستقلال من خلال هذا كله ندرك أن العلاقات الاجتماعية الأسرية تحتوي على ثلاث مجموعات من العلاقات وهي: (2)

أ - العلاقات الاجتماعية بين الزوج والزوجة:

ففي الماضي كان الأب هو الذي يرأس الأسرة ويصدر القرارات الخاصة بالمنزل ويعمل جاهداً في توفير الحاجات الأساسية للحياة الأسرية كما أن علاقة الزوجة بزوجها علاقة الطاعة والخضوع ويشتمل عمل المرأة على تربية أطفالهم ورعايتهم . ومع التطور الذي حدث تقطعت تلك الصورة التقليدية بسبب التصنيع والتحضر وتبين مدى ذلك التغير الذي حدث من حيث:

1-مساعدة الزوج لزوجته في الأعمال المنزلية.

2-تحمل المرأة المسؤولية في حال غياب الزوج عن المنزل.

3-الخلاف بين الزوجة والزوج .

الملاحظة فى الوقت الذى ضعفت فيه العلاقات بين الوالدين وأبنائهما وأصبحت ذات طابع ذاتى وشخصى واضح ، ازدادت فيه قوة العلاقة بين الزوجين ،فازداد اقترابهما وتركزت علاقتهما وطالت مدة حياتهما التى يقضيانها مع بعضهما . وذلك بالطبع بافتراض سيطرة الزواج الأحادي  واستمرار العلاقة الزوجية مدى الحياة ، أما الأسرة التى ينهى فيها الطلاق الحياة الزوجية فلا نقصدها فى حديثنا هنا .

ويشير بعض المؤلفين إلى شواهد واضحة تؤكد هذه الظاهرة الجديدة حيث نجد اغلب التشريعات الحديثة فى أكثر البلاد الغربية الصناعية تضع قانون الزواج اسبق من قانون الأسرة . ولا يرجع ذلك فقط إلى أن الأسرة تبدأ حتما بالزواج ، ولكنه يرجع كذلك إلى أن الزوجين فى الأسرة الحديثة قد أصبحا يحتلان أهمية كبرى من الناحية البنائية .

وقد تناولت العديد من الدراسات العلاقة بين الزوجين داخل نطاق الثقافات السائدة فى المجتمعات المختلفة، وخاصة ما يتعلق بأدوار الرجال والنساء ومكانة كل من الزوج والزوجة فى الأسرة من خلال قوة اتخاذ القرارات الأسرية ، حيث أكدت أراء عديدة أن مساهمة الزوجة فى دخل الأسرة يكسبها سلطة إتخاذ القرارات الأسرية ، إلا أن تلك الآراء تواجه بعض الاعتراضات، فهناك دراسات أخرى توضح أن هناك عوامل اجتماعية واقتصادية تواجه الربط بين المكاسب الاقتصادية أو الدخل للزوجة وتبوئها لمكانة أعلى أو اكتسابها قوة اتخاذ القرارات نظرا لأن نسق التدرج الجنسى السائد فى أغلب المجتمعات التقليدية والنامية يقوم على أساس أن الرجل مكانته أعلى من المرأة لإعتماد النساء عليهم ومسئوليتهم الاقتصادية عن الأسرة ، وفى إطار الأدوار التقليدية لكل منهما .

ب - العلاقات بين الآباء والأبناء:

أن الفرد خصوصاً العربي ما زال محباً للأولاد فهو يفخر ويتباهى دائماً بكثرة الإنجاب وخاصة إذا كانوا ذكور. وإذا لم يرزق الشخص بولد ورزق ببنات فإنه يظل راغباً في إنجاب الذكور لأنه يعتبر الذكر مصدر اعتزاز ، لذلك كانت العلاقة بين الابوين والابناء في الأسرة التقليدية علاقة قوية ومتماسكة نظرا لممارسة الاباء والابناء مهنة واحدة ، اذ كان الابن يمارس مهنة ابيه وكان يعيش الظروف والملابسات والمشكلات نفسها التي يعيشها الاب ، "فالمستوى الثقافي للابن يتشابه مع ذلك الذي يتمتع به الاب ، وافكار ومبادئ ومعتقدات وقيم ومقاييس ومصالح الابن هي نفسها التي يحملها الاب ، لذا كان هناك تقارب كبير بين الاب والابن وكانت العلاقة التي تربطهما علاقة قوية وحميمة".(3) الا اننا نجد هذه العلاقة علاقة يغلب عليها الطابع التسلطي في الأسرة التقليدية ، اذ ان الاب يفرض ارادته على ابنه وما على الابن الا الطاعة ، والا تعرض الى التوبيخ والمقاطعة والطرد من البيت, "وان الابن يكون مطيعا لوالده لانه يعده المثل الاعلى له فهو يتقمص شخصيته ويطيعه طاعة كلية ولا يعصي اوامره لاسيما وانه يكون معتمدا على والده في الاعالة وكسب موارد العيش  والشيء نفسه ينطبق على علاقة البنت بالاب والام في ذلك النمط من الأسرة" .(4)

وهناك دراسة عن ( السلطة الابوية والشباب) وجد فيها ان السلطة الابوية الدكتاتورية تزداد في الأسرة التقليدية وتنخفض في الأسرة النووية الحضرية ، كما ان الاناث اكثر تعرضا لهذه السلطة من الذكور.(5)
اما في الأسرة الحضرية ، فنلاحظ بان العلاقة بين الابوين والابناء قد تغيرت ولاسيما بعد انتشار التصنيع والتحضر وشيوع الافكار الحديثة والتعليم ، فاصبحت علاقة مبنية على اسس ديمقراطية ولكنها في الوقت نفسه يصيبها بعض الجفاء والضعف والاضمحلال على الرغم من ان الجيلين يعيشان في البيت نفسه، علما بان الضعف الذي يصيب العلاقة الانسانية في مقدمتها اختلاف الاعمال التي يمارسها الجيلان ، فالاب يمارس مهنة تختلف عن مهنة الابن ، فضلا عن الاستقلال الاقتصادي الذي يتمتع به الابن ، وان المستويات الثقافية والميول والاتجاهات والقيم والمقاييس للجيلين تختلف عن بعضها البعض لان طبيعة الحياة التي عاشها الاب تختلف عن طبيعة الحياة التي يحياها الابن في الوقت الحاضر. (6)

ونجد ان الدين الاسلامي يضع لكل من طرفي العلاقة سواء أكانوا آباء أم ابناء واجبات ومسؤوليات وصلاحيات تتناسب ودوره في العائلة ، فجعل الاب  مسؤولاً عن النفقة على ابنائه او التكفل بكل احتياجاتهم ماداموا صغارا لم يبلغوا الحلم، كما إلتزام الاب بالنفقة على الابناء ايضا حتى بعد بلوغهم اذا كانوا عاجزين عن النفقة لسبب مشروع يقره القانون الاسلامي كالمرض والعجز والدراسة لتستمر العلاقة وتتوثق الصلة ومبدأ التكافل بينهما ، فالرابطة المعاشية هي رابطة ذات أبعاد مادية واخلاقية مؤثرة في بناء العائلة والمجتمع، وبهذا أصبح الاب مسؤولا عن تربية ابنائه من حضانة ونفقة وخدمة ، ونجد كذلك ان الام مسؤولة عن رعايتهم وتربيتهم تربية صالحة ، فدورها في البيت هو المعلم والمربي والموجه.(7)

والحق الثاني للابناء على آبائهم هو التربية والتوجيه والعناية وافاضة روح الحب والحنان عليهم ، فالطفل يحتاج الى الرعاية النفسية والحب والحنان الابوي كما يحتاج الى الحليب والدواء والثياب . لذلك نجد الدين الاسلامي يؤكد ويشدد على مسؤولية الاباء التربوية ويشدد على حسن التربية والتوجيه بقوله تعالى " يا ايها الذين امنوا قوا انفسكم واهليكم نارا وقودها الناس والحجارة " .(8) (سورة التحريم ، الآية 6).

ولكن في ذات الوقت اضحت العلاقة بين الاباء والابناء اكثر ديمقراطية ، وادت الى ان يكون تدخل الآباء في شأن تكوين الابناء للعلاقات الخارجية اقل بكثير عما كانت عليه في الأسرة التقليدية التسلطية او الأسرة الريفية ، وان اتساع الحياة في المجتمع الحضري أدى الى اتساع علاقات الابناء وزاد في التزاماتهم سواء مع الافراد او المؤسسات ، ولكن مع كل ذلك فان هذه العلاقة لاتخلوا من أنواع الصراع بين جيلي الاباء والابناء، ولكن يجب ان لايصل الى الدرجة التي تؤثر على تماسك العائلة تأثيرا سلبيا لان ذلك سيحد من قدرة العائلة على تحقيق اهدافها المنشودة ، بل ربما يكون سببا من اسباب تفكك العائلة .

ج - العلاقات الاجتماعية بين الأبناء أنفسهم:

أطفال الأسرة هم مواطنون يعيشون في عالم الصغار وفيه يتلقون مجموعة مختلفة من الخبرات خلال معيشتهم المشتركة . وتتميز العلاقات بين الأخوة بالإشباع والشمول كما تتسم بالصراحة والوضوح ومما تجدر الإشارة إليه أن مكانة الأبناء تختلف حسب تسلسلهم داخل الأسرة.

إذ كانت العلاقة بين الابناء والبنات في الأسرة التقليدية علاقة يغلب عليه الطابع التسلطي اذ ان الابناء كانوا متسلطين على البنات وبخاصة الابناء الكبار حيث ان دور الابن الكبير شبيه بدور الاب في ذلك النمط من العائلة وعندما كانت العلاقة بهذا الشكل اي علاقة قائمة على التسلط فانها كانت ضعيفة وليس هناك اختلاط كبير بين الابناء والبنات في العائلة الواحدة اي بين الاخوة والاخوات، "فالابناء كانوا يختلطون بعضهم ببعض ويلعبون سوية والبنات او الاخوات يختلطن بعضهن ببعض فيما بينهن  فالاختلاط في تلك العائلة كان بين الابناء والاب من جهة ، والبنات والام من جهة اخرى". (9)

ونجد ان هناك عوامل عديدة كانت سببا في ضعف الاختلاط واضمحلال العلاقة بين الاخوة والاخوات في الأسرة التقليدية ومنها ان "الابناء غير ميالين الى الاختلاط واللعب مع الاخوات لان ذلك لايجلب لهم السمعة العالية فهم يميلون للاختلاط بالذكور وليس بالاناث وذلك لسبب وجود الفصل الجنسي بين الابناء والبنات فالابن كان يمتنع عن الاختلاط باخته لانه كان يفضل الاختلاط بالاخوة او الاصدقاء من نفس الجنس لذا كانت العلاقة ضعيفة بين الابناء والبنات". (10)

يضاف الى كل ذلك ان التعليم كان حكرا على الابناء دون البنات ، فالبنت لا تحصل على نصيبها من التعليم في المجتمعات التقليدية القديمة لاسيما في المجتمع العربي القديم بسبب العادات والتقاليد والقيم القديمة ، بينما كان الابناء يتعلمون في المدارس ولاسيما اذا كانت أسرهم غنية وميسورة. (11)

اما الدين الاسلامي فإنه يرفض مثل هذا التفضيل والتفاوت ويحث على المساواة بين الابناء والبنات من اول يوم في حياتهم ، وان السنة المقدسة والقران لتجد فيه ألواناً متعددة من التأنيث والاستذكار للذين يتخذون من التفريق والتفضيل بين الابناء منهجا لهم. (12)

ان النبي محمد صلى الله عليه وسلم نجده ينهر رجلا عندما قبل ولده وترك ابنته قائلا له " هلا ساويت بينهما".(13)

وكما ذكرنا في الصفحات السابقة اعطى الاسلام للمرأة حقوقا كاملة وساواها باخيها الرجل من حيث الحقوق والواجبات ، وكما هو معلوم فإن التحسن في الاحوال الاجتماعية وصولا الى علاقة ديمقراطية مبنية على اسس انسانية قد اعطى فرصة للمراة في توسيع شبكة علاقاتها في نطاق العلاقات العامة او المجتمع ، او في نطاق العلاقات الخاصة بالافراد ، وفي ظل هذه الاوضاع لم يعد الأخ قادرا على فرض إرادته على اخته وحملها على القيام باعمال او واجبات ليست راغبة فيها اذ ان البنت اخذت تحصل على الثقافة والتعليم ، وهنا تساوت البنت مع الابن في التحصيل العلمي.

كما شاركت البنت بعد انهاء دراستها بالعمل الوظيفي خارج البيت وتمتعت بالاستقلالية الاقتصادية عن اخيها وابيها مما كان لذلك الاثر الفعال في استقلالية القرار الذي تتخذه البنت او المراة في العائلة ، مما كان له الاثر الكبير في تعميق العلاقة بين الاخ واخته. (14)

اذ اكدت الدراسة  الموسومة (احتياجات الجيل الجديد في الوطن العربي) مدى تسامح الاخ مع اخته واعطائها المجال لابداء رأيها واتخاذ القرارات الخاصة بها في العائلة الحضرية مقارنة مع العائلة التقليدية ، وكذلك فأن تسامح الاخوة مع اخواتهم اخذ يزداد عند ابناء الجيل الجديد ، ابناء الجيل الراهن، (15) ولاسيما بعد ان خرجت من البيت الى المدرسة بعد الزامية التعليم خاصة  دخول البنت المدرسة ، وصولا الى إكمال دراستها في الاكاديميات والجامعات هيأ لها اختيار اصدقائها من كلا الجنسين على العكس مما كان عليه الحال في السابق اذ ان علاقة البنت بالعالم الخارجي لم تكن تتعدى حدود الاطار العائلي كما ان تفوقها الدراسي وتبوؤها المراكز العلمية التي كانت حكرا على الرجل جعل من البنت مصدر فخر للعائلة ولم تعد المرأة ذلك العبء الثقيل على العائلة كل هذا أدى الى اتساع شبكة العلاقات الخارجية للبنت.

وعلى الرغم من اتساع شبكة العلاقات الاجتماعية للبنت الذي يعد مؤشرا يدل على قوة العلاقة بين الابناء والبنات وكذلك يعكس الاجواء الديمقراطية في ظل العائلة الحضرية الا ان هذه العلاقة لا تخلو من المشاكل والحواجز، وذلك بسبب اختلاف الظروف والمعطيات التي يمر بها كل من الابناء والبنات واختلاف المهن والخبرات والتجارب والميول والاتجاهات، هذا كله بسبب تنوع الثقافات والبيئات والمعطيات المحيطية بالابناء والبنات على الرغم من كونهم يعيشون في بيت واحد .

يمكن القول بصفة عامة بان كل العلاقات التى يمكن صياغتها فى صورة رسمية ، داخل الأسرة الحديثة آخذة فى التراجع . ونلاحظ في البداية دخول تعديلات ملحوظة في سلطة الأب على الزوجة وعلى الأولاد ، حيث أنها تسير فى اتجاه التخفيف الواضح . ويشير رينيه كونيج فى هذا الصدد إلى اتجاه بعض القوانين الوضعية فى كثير من البلاد إلى الكلام عن  سلطة الوالدين  لا عن سلطة الأب  فقط، كما تعتبر الزوج  ممثلا  لسلطة الوالدين فى التعامل مع المجتمع خارج الأسرة .

كذلك نلاحظ أن الأطفال لا يخضعون اليوم لسلطة الأب أو سلطة الوالدين من خلال قوة الجماعة الأسرية ، وإنما هم يخضعون لتلك السلطة بسبب كونهم قصرا ، أى بسبب عجزهم المؤقت عن الاستقلال والاعتماد على أنفسهم ، وفى مقابل هذا تزداد العلاقات الشخصية والذاتية داخل الأسرة أهمية واتضاحا ، بحيث تتفوق فى أهميتها على العلاقات الموضوعية أو الرسمية ، ومن شأن هذا التطور أن يضيق نطاق تلك العلاقات الموضوعية ذات الصياغة أو التحديد القانونى، ويوسع مجال العلاقات الحميمة التى تعتمد على التقرير الذاتى والذوق والحكم الشخصى .

 وهناك اعتبارات من طبيعة مختلفة هى المسؤولة عن هذا التطور الجديد ، فنلاحظ فى البداية أن تحول طابع العلاقات داخل الأسرة هو صدى لسيطرة الطابع الفردى على الحياة الاجتماعية ونمو الشخصية الفردية كما يرجع هذا التطور إلى الاكتشاف الهام الذى أبرز لنا بوضوح انه من الصعب فى ظل ظروف الحياة الحديثة إخضاع تلك العلاقات الأسرية للتنظيم والتحديد القانونى ، فهى إما تخضع للتحايل على القانون بسهولة ،أو أن أطراف العلاقة لا يهتمون بفرض حقوقهم القانونية على الطرف الآخر ، والظاهرة العامة في هذه الحالة أننا لم نعد نستطيع إدخال القوانين فى صياغة كثير من أمور حياتنا الشخصية . على خلاف الوضع فى الماضى البعيد حيث كان التراث الاجتماعى ( ممثلا فى القواعد الدينية أو العرفية أو غيرها) يتدخل إلى تحديد أدق تفاصيل وجزئيات السلوك الشخصى للفرد  خاصة على مستوى العلاقات الأسرية،علاقة الزوج مع الزوجة، ومع والديه، ومع أبنائه ،وبين الأبناء وبعضهم .... إلخ (16)

3-   دور النسق القيمي في تغير بنية السلطة داخل الاسرة في ظل انتقالها من النمط الابوي الممتد الى النمط النووي الزواجي:

إن العلاقة بينالنسق العام للقيم والأسرة هي مسألة جوهرية في تحديد مجال النمط البنائي للأسرة فيحالتي الثبات والتغير ، معتبرا أن نسق القيم يلعب دوره في درجة التحضر الكيفي لماتشكله هذه القيم من ضوابط وقيود على التأثيرات الصادرة عن التحضر وخاصة في تلكالمجتمعات التي تلعب فيها القيم دوراً بارزاً في تشكيل حياة الناس في معظم جوانبها كالمجتمعات العربية.

وتمتاز القيم الأساسية في المجتمع بقدر من الرسوخوالاستقرار، ورغم مرونتها في بعض المجتمعات إلا أنها تبقى على قدرً منالاستقرار والثبات للقيم العامة عند معظم المجتمعات، أما عن علاقة الأسرة بهذاالنسق القيمي فإن الأسرة هي الوحدة الاجتماعية الصغرى المسئولة عن زرع هذهالقيم في أفرادها وهي عملية تناسب طبيعة الأسرة ،ويحدث التفاعل بينالأسرة النووية ونسق القيم من خلال تلك المعايير ومستويات السلوك التي يحددها نسق القيم كسلوك مرغوب فيه و يشكل الدين جزءاً هاماً فيها مما يجعل الأسرتقبل بها وتقوم بتنشئة أطفالها عليه، وإذا كان للأسرة إسهام في المجتمعبإلزامها لأفرادها قيماً معينة فإنها ، وبالقدر الذي تسلك منه الأسرة وفق نسق القيموتصبح الأسرة بذلك قاعدة أو أساسا متشابهة بفعل اشتراك أفرادها فيالمعايير القيمية نفسها فإن لم يتحقق هذا التطابق فإن الأسرة تأخذ طابعاً مختلفاًحيث تظهر محاولات للتعديل من تلك القيم.

أما في الجزائر فأكدت عدد من البحوث و الدراسات منها "المسح الجزائري حول صحة الاسرة لسنة 2002" (17) على تحول في الأسرة الجزائرية من أسرة ممتدة إلى أسرة نووية "-المكونة من أبوين وابن أو عدة أبناء غير متزوجين- حيث أن هذه الأسرة أصبحت تشكل أكثر من 60% من مجموع الأسر الجزائرية"(18). إن هذا التحول يعود إلى أسباب اقتصادية واجتماعية بالأساس، حيث أصبحت صعوبة العيش ومتطلبات الحياة المتزايدة تفرض على الشباب أن يعيش مع زوجته وحدهما في منزل بعيدين عن عائلتهما من أجل مواجهة التكاليف والمصاريف والابتعاد عن التدخل في أمورهما الخاصة. وهذا التحول وغيره في بنية الأسرة أدى بدوره إلى انعكاسات سلبية على مجمل وظائف الأسرة ونشاطاتها ومن بينها وظيفة التنشئة الاجتماعية، إذ نتج عن الانتقال من الريف إلي المدينة والحراك المادي والاجتماعي تحول جذري في علاقات الأسرة وأدوارها ووظائفها وبناءاتها، فعلاقاتها أصبحت محدودة ورقابتها على أفرادها أضحت ضعيفة، وأدوارها تغيرت لمجابهة متطلبات الحياة الصعبة (غياب كلا الوالدين عن المنزل في نفس الوقت من أجل العمل). لقد كانت التنشئة الاجتماعية محصورة في عدد محدود من المؤسسات التربوية والاجتماعية كالأسرة وجماعة الحي والمسجد والجيران والمدرسة، بحيث تتساند تلك المؤسسات وتتآزر وتتكامل فيما بينها لتحقيق تنشئة متوازنة وسليمة وخالية من التناقضات والمضاعفات السلبية للفرد. لكن مع تطور المجتمعات وبسبب التحولات الاجتماعية التي حملتها العولمة، وبسبب هجرة الأسر من البادية إلي المدينة لأسباب اقتصادية واجتماعية .. تعددت وسائط التنشئة الاجتماعية لتشمل إضافة إلي ما هو موجود في الماضي، التلفزيون، والسينما والقنوات الفضائية والانترنات... الخ التي تتعارض فيما بينها لما تقدمه من رسائل وتعمل دون تنسيق لتأتي التنشئة الاجتماعية مشوشة وتؤدي إلى الارتباك والاضطراب والازدواجية في شخصية الفرد، هذه التحولات المجتمعية والأسرية انعكست سلبا على التنشئة الاجتماعية وذلك من خلال اقتحام بعض القيم الدخيلة على المجتمع الجزائري والتي أتت إليه من طرف وسائل الإعلام والمسلسلات المكسيكية والتركية، وأضحت الأسرة تعاني بسبب الرغبة في التقليد واتباع تلك الأنماط الاجتماعية والسلوكية على مستوى اللباس والقيم ومختلف أشكال الحياة.

كماأن المتغيرات السوسيواقتصادية و السوسيوانتروبولوجية، كان لها الدور الحاسم في هذا التحول في بنية الأسرة الجزائرية حيث انعكس ذلك على تمثلات وقناعات الأفراد إلى الميل نحو الاستقلالية وتكوين بيت مستقل، مما أفرز لنا هذه الأسرة النووية الصغيرة، وبالتالي هذه التحولات أدت إلي اضطرابات أسرية انعكست سلبا على التنشئة الاجتماعية وتتجسد تلك الاضطرابات أولا في علاقة الوالدين ببعضهما البعض ومنها: الخلافات، الزواج غير الموفق، عدم التكافؤ بينهما اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، الانفصال أو الطلاق أو الهجر أو الزواج الثاني، التضارب في الاهتمامات، الغياب الطويل عن البيت وبخاصة غياب الزوجين في العمل، تبعات العمل التي تحملها الأم إلي بينها (تعب تعصب...الخ). هذا الواقع الجديد للحياة الأسرية إضافة إلي تدني مستواها الاقتصادي والثقافي وانحراف معايير الأسرة الاجتماعية وعدم الاستقرار والتنقل المستمر سعيا وراء لقمة العيش... كلها أسهمت في تقليص دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية وأصبحت تشكل تهديدا لها. وهذا لا يعني أن العلاقات الاجتماعية بين أفراد هذه النواة الناشئة وباقي أفراد العائلة قد تغيرت كليا، فمازالت هذه العلاقات محتفظة ببعض من قيمها الاجتماعية السابقة.

 من جهة أخرى يظهر أن تحولا كبيرا قد طرأ على علاقة السلطة داخل الأسرة، فإذا كانت هذه السلطة في الماضي متمركزة (في يد الأب أو الجد أو من له شخصية قوية داخلالعائلة) فإنه في الوقت الحاضر أصبحت سلطة الأب في منافسة قوية لمؤسسات أخرى ومن ذلك سلطة وسائل الإعلام والتعليم وتحول القيم الاجتماعية، فاليوم لم يعد هناك هذا الأب المسيطر والمهيمن والذي يمتلك القدرة على تسيير الأسرة والتحكم فيها بشكل مطلق، ولم يعد يلعب نفس دوره السابق اعتمادا على التوجيه والتربية والتنشئة والنصيحة، كما أن حضوره لم يعد مكثفا وواضحا كما كان في السابق، بالنظر إلي غيابه أو انشغالاته أو هجرته، وبالتالي فإن سلطته داخل الأسرة لم تعد ترتبط بذلك الرأسمال الرمزي، أي الأب باعتباره نموذج الاحترام والوقار والطاعة، يستمد شرعيته من القاعدة الاجتماعية (ينبغي أن يكون مطاعا)، كما يستمد شرعيته من المرجعية الدينية، لكن في الظروف الراهنة لم تعد المرجعية اجتماعية أو دينية فقط، بل أصبحت هناك مرجعية اقتصادية، بمعنى أن من يمتلك نفوذا ماليا داخل الأسرة يمكن أن يصبح ذو سلطة، حتى أن الأب أضحى مجرد ممون للأسرة والمسؤول فقط على حاجياتها ومتطلباتها المالية، و بالتالي بدأ يفقد جزء هام من وظيفته التربوية والاجتماعية .(19)- ونظرا لخروج المرأة للعمل ومساهمتها في التدبير المالي لميزانية الأسرة– تحولت السلطة إلى سلطات موزعة بين أفراد الأسرة مما أفضى إلى نوع من الاستقلالية، سواء في اختيارات الأبناء وتوجهاتهم الدراسية أو في ارتباطهم بشريك حياتهم وغير ذلك من المظاهر البارزة في التحول في النسق القيمي للأسرة الجزائرية، وبارتباطها مع تراجع سلطة الأب، وفي ضوء هذه التحديات التي أصبحت تواجه الأسرة الجزائرية ومن خلالها المجتمع أصبحت العديد من الظواهر متفشية بشكل خطير، ومنها بالخصوص تعاطي المخدرات التي تعد من أهم المشكلات التي تسبب خطرا كبيرا يهدد أمن المجتمع لما يترتب عليها من أضرار بالغة ينعكس أثرها على الفرد والمجتمع، فالأسرة التي يغيب فيها دور البيت وفقدان السلطة الأبوية بفقدان الأبوين أو أحدهما بالموت أو السجن أو المرض أو الطلاق أو حتى في حالة حضورهما وتخليهما عن دورهما في تربية الطفل، كثيرا ما يؤدي إلي نتائج سيئة تهيء للانحراف والإدمان والتشرد (حالة: أطفال الفقر، أطفال الشوارع، خادمات البيوت، أطفال جانحين، أطفال عاملين...).

هذا النقص الملاحظ في المراقبة والتوجيه ستعوضه مجموعات الرفاق كأحد وسائل التنشئة الاجتماعية حيث أصبحت الأسرة عاجزة عن تحديد طبيعة رفقة أفرادها نظرا لقدرة أبنائها على التحرر من رقابتها، هذا الضعف في قدرة الأسرة على الضبط الاجتماعي يجعل من جماعة الرفاق خاصة (صحبة السوء) خطرا على الطفولة والشباب خصوصا في سن المراهقة وفي غياب مراقبة مستمرة ويقظة. إن التراجع الذي تعرفه اليوم المؤسسة الأسرية والمنافسة التي تحد من دورها التربوي الطبيعي أمام المؤسسة الإعلامية يفتح المجال للعديد من الإشكالات التي تواجه التنشئة الاجتماعية السليمة وتطرح على المجتمع الجزائري الراهن بحدة والتي تفرض من جهة ثانية ضرورة وضعها موضع التفكير والتحقيق.

4-   العلاقة بين قيم الادوار والثقافة المجتمعية في ظل العلاقات الاسرية المتغيرة:

إن العلاقة الاجتماعية بين الوالدين لها الأهمية الكبرى في نسق اكتساب القيم من خلال التربية وتوافقهما يحقق للأبناء تربية نفسية سليمة خالية من العقد والمشكلات التي لا تبدو واضحة للأفراد آنياً، وإنما تظهر نتائجها بشكل واضح مستقبلاً، فإشباع حاجات الأبناء من قبل الأبوين يخفف إلى حد ما من درجات التناقض في التربية، فضلاً عن تحقيق التماسك الأسري واستقراره؛ حيث بالإمكان أن يسود جو العلاقات الخالي من الصراعات والخلافات خاصة بين الأبوين، فزيادة التناحر والصراع بينهما ينعكس تماماً على الأطفال مباشرةً ويترك آثاراً نفسية مؤلمة، ويصيب الأطفال باختلال في التوازن الانفعالي والنفسي.

 أما القيم التي تعلمها الأسرة لأبنائها فهي عبارة عن مفاهيم تختص باتجاهات وغايات تسعى إليها كاتجاهات وغايات جديرة بالرغبة، وتعد القيم بمثابة المعيار المثالي لسلوك الفرد، ذلك المعيار الذي يوجه تصرفات الفرد وأحكامه وميوله ورغباته واهتماماته المختلفة، والذي على ضوءه يرجح أحد بدائل السلوك، وأن الفعل أو السلوك الذي يصدر عنه وسيلة يحقق بها توجهاته القيمية في الحياة، لذا تعد الأسرة من أهم المؤسسات الاجتماعية في اكتساب الأبناء لقيمهم، فهي التي تحدد لأبنائها ما ينبغي أن يكون في ظل المعايير السائدة (20)، ومن القيم التي تكسبها الأسرة المسلمة لأبنائها السلوكيات الاجتماعية المتعلقة بالأخلاق والدين والتعامل مع الآخرين ، لأن الدين نسق قيمي، ذو نسب متفاوتة ومتباينة نسبياً، فالأشخاص الذين تتميز تربيتهم بالقيم الدينية وتتسم سلوكياتهم بسمات مثل الطاعة الأمانة، التسامح، التعاون، الوفاء.. الخ، وعلى العكس تماماً فيما يتعلق بالأشخاص الأقل تديناً أو تتم تربيتهم بسمات أخرى ليست دينية بحتة، فإن القيم السائدة لديهم تكون عادة القيم الوسيلية الخاصة، فهي تختلف عن الأولى بفروق نسبية، من حيث الدرجة.

فالتنشئة الاجتماعية هي امتداد لتربية الأسرة في البيت، حتى سميت بالتنشئة الأسرية، وهي أولى مهام التنشئة الاجتماعية، وقد تبين أن هناك علاقة بين أسلوب التنشئة الاجتماعية وما إكتسبه الأبناء من قيم فالأسرة كمؤسسة اجتماعية لا توجد في فراغ، وإنما يحكمها إطار الثقافة الفرعية التي ينتمي إليها، كما يتمثل في المستوى الاقتصادي - الاجتماعي، والديانة وغير ذلك من المتغيرات. إذن فالأسرة تلعب دوراً أساسياً في إكساب الفرد قيم معينة، ثم تقوم الجماعات الثانوية المختلفة التي ينتمي إليها الفرد في مسار حياته الاجتماعية بدور مكمل، بحيث تتحدد للفرد قيم معينة يسير في إطارها، فالفرد يتنازل عن بعض القيم التي اكتسبها في محيط الأسرة ليأخذ بغيرها مما تأثر به في إطار مختلف (21)، وإن كان يماثل في معظمه التنشئة الأسرية أو البيئة الاجتماعية، فهو امتداد لهما لأن المحيط الاجتماعي يؤثر في الإنسان تأثيراً كبيراً، وكلما كان المجتمع أكبر، كان تأثيره في الإنسان أكثر.

كما يمكن اعتبار ولوج المرأة سوق الشغل وتحملها المسؤوليات السياسية والإدارية وحتى الأمنية الكبرى داخل المؤسسات العامة والخاصة ثورة داخل المشهد التقليدي الذي كان يقوم على مبدأ تقسيم الوظائف والأدوار طبقا للجنس، أي المرأة داخل البيت والرجل خارجه. كما أحدث تغييرات عميقة في علاقات الهيمنة التي كانت مرتبطة بالجنس والسن وهيمنة الذكر على الأنثى والكبير على من هو أصغر منه ولم يعد الزوج الأب هو المسؤول الوحيد عن تسيير المؤسسة العائلية والمتصرف الوحيد في مواردها الاقتصادية، إذ استبدلت سلطته باتجاه تقاسم السلطات والمسؤوليات العائلية.

ويمكن القول إن عمل المرأة قد ساهم بشكل أو بآخر، في إحداث ثورة وسط العلاقات السلطوية بين الزوجين حيث تحول دخل المرأة من عملها إلى مصدر لسلطتها وحضورها في اتخاذ القرارات.

ومن بين العوامل التي ساهمت أيضا في إحداث تحولات عميقة في بنية الأدوار داخل الأسرة الجزائرية والتشريعات التي أنصفت المرأة من خلال قانون الأسرة الذي أخرج المرأة من طابعها التقليدي إلى طابعها العصري من خلال التعاقد على العديد من المرتكزات التي تكون نواة الأسرة العصرية إضافة إلى الدعم الذي تقدمه الأحزاب السياسية والتنظيمات النسائية والجمعيات الحقوقية للنهوض بالأسرة وتكافؤ الفرص بين الجنسين والقضاء على كل أشكال المعاناة التي ظلت المرأة تتجرع مرارتها إضافة إلى تمدرس المرأة وتبوئها مكانة خاصة بالمعاهد والمدارس العليا حتى أن هذه المطالب البسيطة التي كانت تنادي بها تحولت إلى مطلب إستراتيجي لدى العديد من التنظيمات السياسية والحقوقية والنسائية، هذه العوامل أفضت بدورها إلى بروز ظواهر أخرى دالة مثل التقارب الثقافي والمعرفي مع ما يعنيه ذلك من تنوع في الأفكار والرؤى كما يساعد على الإفلات من نماذج الثقافة التقليدية، فنضج الآراء والأفكار بين الزوجين يعطي إمكانات أوسع للأسرة الحديثة كي تشتغل وفق ما تقتضيه المتغيرات سواء ما يتعلق بتنشئة الأطفال أو التعامل مع متطلبات الحياة.

لكن السؤال المطروح في هذه الورقة هو كيف توزع الأدوار داخل الأسرة الجزائرية ؟ وهل ذلك مرتبط بالواقع الجزائري فقط أم بالثقافة المجتمعية وعلاقة الجنسين؟ فلنفترض وجود مساحات مشتركة بين الزوجين فيما يخص تقسيم الأدوار داخل الأسرة الجزائرية بفعل التحولات التي مست تربية الأبناء، القيام بالأعمال المنزلية،الترفيه ،الواجب اليومي، فإن الحديث عن كيفية تقاسم وممارسة الأدوار بين الزوجين واتخاذ القرارات داخل الأسرة والمناخ العام الذي تناقش وتحسم فيه العلاقات بين الأبناء والآباء وحدها الكفيلة بتحديد مدى نجاح الأسرة الجزائرية الحديثة من نزع ثوب التقليد وبالتالي فإنه يستوجب إعادة صياغة السؤال المحوري حول كيفية تقاسم الأدوار داخل الأسرة الجزائرية ؟لايمكن الحديث عن توزيع الأدوار بين الزوج وزوجته بعيدا عن المنحنى الجنسي، فالمرأة مازالت تتحمل لوحدها الشأن الداخلي في البيت حتى وإن كانت تعمل وتساهم في الدخل الاقتصادي للأسرة. بمعنى آخر، إن مشاركة المرأة للرجل في العمل خارج البيت لم يرافقه تحول في سلوكيات الرجل نحو مساعدة المرأة في الداخل، وهذا يعود إلى طبيعة الثقافة الاجتماعية التي تبعد الرجل عن الأشغال المنزلية والتي تلصق بصفة قطعية بالمرأة رغم أن البعض بدأ يستوعب أن من واجبه مساعدة المرأة في أشغال البيت، أما فيما يخص توزيع الأدوار بين الأزواج  فيمكن أن نلاحظ الفرق بين حق المشاركة في اتخاذ القرارات كفكرة وكقناعة، وبين هذه العملية كسلوك معيشي مجسد في الحياة العائلية، ويصح القول إن مسألة اتخاذ القرار تختلف عن وضعية تقسيم الأدوار، هذا الاختلاف يمكن إرجاعه إلى متغير مؤثر وهو عمل الزوجة، إذ يتسع التفاوت في حجم المشاركة في اتخاذ القرارات بين المرأة العاملة والمرأة التي تكتفي بشؤون المنزل، فالزوجة العاملة التي تنفق جانبا كبيرا من مرتبها في نفقات المنزل تتوفر على سلطة أكبر تمكنها من مشاركة الرجل في اتخاذ القرار وحتى المبادرة به في حين تكتفي المرأة غير العاملة بهامش من التصرف لايتعدى الإنفاق اليومي.

ولكن لايجب المغالاة في الحديث عن السلطة الذي تتمتع بها المرأة العاملة، ذلك أن بعض القرارات الكبرى والمصيرية التي تهم العائلة كإقتناء السكن أو السيارة أو مكان الاصطياف أو لباس الأبناء أو تزويجهم يبقى بأيدي الرجال ويتجاوز الزوجات وبالتالي فإن ذلك يعود إلى تأثير الثقافة والبيئة الاجتماعية، فسلوك الزوج في الاسرة الجزائرية مازال يتجه إلى الإبقاء على علاقات التفوق على المرأة ، ولذلك يمكن القول إنّ مشاركة المرأة للرّجل في العمل خارج المنزل لم يرافقه اتجاه الرّجل نحو مساعدة المرأة في الداخل وهذا يعود إلى طبيعة الثقافة الاجتماعية السائدة التي لم تترسّخ فيها بعد ظاهرة قيام الرّجال ببعض الأعمال المنزلية.(22)

وبالتعبير السوسيولوجي الحديث، يمكن القول إنّ الموروث الثقافي الاجتماعي بخصوص مسألة العلاقة بين المرأة والرجل مازال موروثا محكوما بمنطق المجتمع الذكوري وبتعبير عالم الاجتماع الفرنسي "دوركايم" مازال هذا الموروث يمثّل واقعا اجتماعيا قاهرا للمشرّع والجماعات والأفراد الذين يرغبون في إحداث تغييرات في هذا المجال، فالحتمية الاجتماعية هي حتمية عنيدة تقف أمام التغيير.

إن تناول مسألة الأدوار والمكانة والوظائف داخل الأسرة لايجب أن يقتصر على النظر في وضعية المرأة وشكل العلاقات التي تربطها بزوجها، ذلك أن طرفا ثالثا يكون مؤثرا وهم الأبناء، فماذا عن العلاقة بين الآباء والأبناء داخل الأسرة الجزائرية ؟

إذا كانت الأسرة تعد بمثابة الحلقة التي تتشكل فيها شخصية الطفل الناشئ من خلال التفاعلات التي تتم فيها، فإن الأبناء يتأثرون بمناخ العلاقات القائمة بين أفراد العائلة التي ينتمون إليها، واعتبارا إلى أهمية الأسرة في بناء المجتمع المتوازن، فقد عمِلت الدولة الجزائرية على تنظيمها بما يوفر لها أسباب الاستقرار آخذة بعين الاعتبار ما يعرفه العالم من تحولات في مجال الأسرة، إلا أن العلاقة بين الأبناء والآباء داخل الأسرة الجزائرية لاتصل إلى مرحلة الأخذ بعين الاعتبار قرارات الأبناء في اختيار وفرض بعض المسالك التي تهم مسار حياة الأسرة، وبالتالي فإن رأيهم يبقى في أحيان كثيرة استشاريا ولايعتد به لدى الآباء.

ولعل الليونة التي يبديها الآباء تجاه أبنائهم من الجنسين تفسّر حدوث حالات من الاستبدال الاجتماعي حيث يتحول الابن إلى موقع المسؤول عن اقتصاد الأسرة خاصة إذا تعلق الأمر بمؤسسة عائلية صار الابن يتحمل فيها المسؤولية الأولى التي تخلّى عليها أبوه لفائدته. كذلك يتحول الابن أحيانا إلى موقع المسؤول عن تنشئة والديه وتعليمهم مقتضيات السلوك العصري، يحدث هذا خاصة في الوسط الريفي و داخل بعض الفئات الشعبية حيث يميل الأبناء الذين تعلّموا في المدن واشتغلوا بها وانفتحوا على ثقافة معيشية أخرى إلى غرس مثل هذه الثقافة في سلوك آبائهم وأمهاتهم ( فرض أنماط من اللباس وأساليب من الكلام خاصة إذا انخرط الابن في علاقة صداقة أو مصاهرة مع إحدى العائلات الحضرية أو الميسورة).

إجمالا يمكن القول إن محاولة وصف مناخ العلاقات المركبة بين أفراد العائلة الجزائرية الحديثة وأساسا بين الزوجين وبين الآباء والبنين تسمح بكشف مجالات التلاقي بين القديم والحديث، و تكشف مؤثرات التحديث الاجتماعي على وضع المرأة و شكل العلاقات الأسرية و عملية التنشئة.

إن النقاش الحقيقي داخل الأسرة الجزائرية يؤشر على وجود تواصل بين الأزواج كما بين الأجيال مبني على ثقافة الحوار وتبادل الأفكار والرؤى من أجل تحقيق توازن عائلي مبني على علاقات تكاملية قائمة على مبدأ التوزيع العادل للأدوار ومشاركة الزوجين في إتخاذ القرارات وتسيير شؤون الأسرة على أكمل وجه. 

الخاتمة:

مما سبق يتبين أن هناك اختلافات واضحة في بناء الادوار والعلاقات الداخلية  للأسرة نظرا لتعدد العوامل التي تؤثر في تشكيل هذا البناء ، فضلا عن تباين تأثير هذه العوامل وفقا للخصائص الاجتماعية والثقافية للأسرة ، ويتفق هذا مع ما سبق الاشارة اليه من أن أدوار الزوجين تتشكل من خلال مجموعة من العناصر من بينها : القيم الناتجة عن ضغط الثقافة وما تحويه من تعريفات للجنس والسن والدين والطبقة ودرجة التعليم ، كما تتحدد تلك القيم بطريقة تنشئة كل من الزوجين وإيصال تلك القيمة أو المحتوى الثقافي إليه.

الهوامش:

(1)- غيث  محمد عاطف ، قاموس علم الاجتماع ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ،1992، ص437.,

(2)- القصير  عبد القادر ، علم الاجتماع العائلي ، دار النهضة ، 1999، ص 216.

(3)- ثابت ناصر،  المراة التنمية والتغيرات الاجتماعية المرافقة : دراسة اجتماعية ميدانية على عينة من العاملات بدولة الامارات العربية المتحدة، منشورات ذات السلاسل، الكويت، 1983، ص 102.

(4)- الوردي علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، ، مطبعة العاني، بغداد، 1965، ط1، ص 276.

(5)- حطب زهير ، وعباس مكي ، السلطة الابوية والشباب ، معهد الانماء العربي ، بيروت، بلا تاريخ ، ص 122.

(6)- عمران  عبد الرحيم،  تنظيم الاسرة في التراث الاسلامي، المطبعة الانكليزية، صندوق الامم المتحدة ، 1994، ص 20.

(7)- تاليف ونشر مؤسسة البلاغ ، الاسرة المسلمة ، سلسلة كتيبات ، بيروت ، 1999 ، ص 102.
(8)- القرآن الكريم ، سورة التحريم ، الآية 6.

(9)- الوردي علي. دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، مصدر سابق ، ص 311.

(10)- خيري مجد الدين عمر، العائلة والقرابة في المجتمع العربي ،  بحث منشور في كتاب دراسات في المجتمع العربي ، اتحاد الجامعات العربية ، عمان ، الاردن ، 1985.

(11)- الوردي  علي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي مصدر سابق ، ص 377.

(12)- نفس المرجع ، ص 66.

(13)- القريشي  باقر شريف . النظام التربوي في الاسلام، دار التربية للطباعة ، بغداد ، 1978، ط1، ص 86.

(14)- عزيز  فريال بهجت . عمل المرأة واثره على دورها في الاسرة، مصدر سابق ، ص 79.

(15)-  حنفي  قدري وآخرون. احتياجات الجيل الجديد في البحرين ، الكتيب الاول، المجلس الاعلى للشباب والرياضة ، البحرين 1979.ص187

(16)- هبة فارس أبو شعبان، صراع الادوار بين الزوجين،جامعة قطر،2010 ،ص78.

(17)- المسح الجزائري حول صحة الاسرة،الديوان الوطني للاحصائيات،الجزائر،2004،ص23.

(18)- نفس المرجع،ص24.

(19)- مومن محمد ، الأسرة المغربية بين تحديات العولمة وتحولات المجتمع،مجلة علامات، كلية الآداب والعلوم الانسانية – القنيطرة- المغرب،2012،ص 48.

(20) – مجموعة من المؤلفين، علم الاجتماع العائلي، دار المسيرة ، الاردن، 2009،ص145.

(21) – إحسان محمد الحسن ، علم اجتماع العائلة، دار وائل للنشر ،الاردن ،2005،ص207.

(22)   - www. Ceneap.com.dz .la famille rurale en algerie – cotume et tradition- . le 25-02-2012 à 16.30h.p32-35.