المفارقة اللغوية في معهود الخطاب العربيpdf

دراسة في بنية الدلالة

 د. عاصم شحادة علي            

الجامعة الإسلامية العالمية- ماليزيا

 تهدف الدراسة إلى بيان مفهوم المفارقة في فهم الخطاب عبر تحديد المفهوم، وبيان عناصره المتعلقة به، مثل: عنصر الخفاء، وحقيقة كون المعنى المتخفي في اللفظ هو الذي يقصد أن يظهر. ولذلك سيتناول البحث مفهوم المفارقة وبيانها من حيث: الخفاء، وأسلوب الحكيم والتوقع والإلماع والتهكم والتعريض والكناية، وقد نجد بعض هذه العناصر في بعض النصوص، وقد لا نجد إلا عنصرا أو عنصرين، واختار الباحث النصوص بشكل عشوائي دون تحديد عنوان معين.

This study is investigating the concept of Irony when applied on analyzing Arabic text, and categorizing its elements. The terminology will explain the deep structure which understoodthrough surfacestructure. The study will study the concept of irony through the element of Rhetorical Enforcement, deep structure, expectation, Sarcasm. The study may find some elements in the text or more.

Key terms: Irony, deep structure, elements of Irony, Application of concept

   التمهيد:

المفارقة إحدى الطرق في اللغة ضمن سياق النص وخارجه، وتتحدد علاقة المفارقة على التضاد بين الدلالة الحرفية للمنطوق، وبين الدلالة الجديدة التي يظهرها السياق، وهي دلالة يمكن أن يطلق عليها دلالة المفارقة.

وهذه الدراسة محاولة لدراسة تحليلية لخطاب المفارقة في معهود الخطاب العربي. وسوف تتطرق إلى تحديد المفارقة في الأدبيات الغربية أولا، وفي التراث العربي القديم، لتحديد مفهوم المفارقة في معهود الخطاب العربي، ودراسة بنية الدلالة في النصوص التي يمكن أن نجد فيها مفهوم المفارقة.

المفارقة في الأدبيات الغربية والتراث العربي القديم

ورد مفهوم المفارقة في الأدبيات الأجنبية بمفردات عدّة، منها: (Irony, Paradox Sarcasm)، ونجد صعوبة في تحديد الكلمة المناسبة للمصطلح Irony؛ حيث ترجم في العربية إلى معانٍ عدّة، وهي: التهكم، والسخرية وغيرها )[i](.

و في الدراسات الأجنبية تعريفات لمصطلح (Irony) تدور حول معنى توازن الأضداد، أو وسيلة من وسائل التعبير يناقض بها المعنى الكلمات، أو التعديل الذي يصيب العناصر المتنوعة في السياق وغيرها من المعاني )[ii](.

فالمفارقة فيها معنى الازدواجية في الاستماع من قبل المخاطَب الذي يدرك بأن ظاهر اللفظ لا يصلح له معنى وفق السياق الذي وردت فيه، ومن ثَمّ يعني ذلك أن هذا التعبير له معنى مناقض للمعنى الحرفي (المعجمي).

وقد تناول الغربيون مصطلح (Irony) ورأو أنها تنفيذ بلاغي Irony as Rhetorical Enforcement، أو التواضع أو مفارقة الاستخفاف بالذات Mock Self-Disparaging Modestyأو مفارقة بالتشابه Irony by Analogy،المفارقة غير اللفظية Non- Verbal  Irony، أو المفارقة اللفظية أو الدرامية Dramatic Irony، أو مفارقة الأحداث  Irony of  events وغيرها )[iii](.

فمثلا ذكر الغربيون مفهوم المفارقة في التضاد، إذ رأى شوبرت أن المفارقة تكون في أي تنافر يحصل بشكل طبيعي، مثل: تجاور  في السياق الطبيعي بين إنسان عاقل وقرد مضحك أو جواد مطهم وحمار أخرق)[iv](.

وأما خداع الأداء ء فيمكن أن يبرز في النكتة والملحة والسخرية والضحك، فمثلا السخرية تعد هجوما سافر على الشخص الثاني، ولهذا فإن راوي النكتة الذي يعد الشخص الأول يكون في حاجة إلى الشخص الثالث وهو المستمع الذي يعلن عن إعجابه بصنعة الهجوم المفاجئة له عندما ينفجر في الضحك، وضحك المفارقة ضحك متولد من خلال بنية التضاد، أو من خلال عدم الانسجام بين العلة والنتيجة في الشيء المضحك)[v](.

أما المفارقة في النقد العربي فقد تناوله في بداية الأمر مقالات لكتاب الحداثة، ذكروا فيها تعريفات عدة للمفارقة كما يأتي:

المفارقة قد تكون تعبيرا انتقاديا يعرض ملمحا سلبيا في مبالغة فيهون من شأنه، أو طريقة لخداع الرقابة حيث إنها شكل من الأشكال البلاغية التي تشبه الاستعارة في ثنائية الدلالة، أو تعبير بلاغي يرتكز إلى العلاقة الذهنية بين الألفاظ أكثر مما يعتمد على العلامة النغمية التشكيلية، أو قد تكون عبارة تلطيف، إذ يقال مثلا: هذه ليست فكرة غبية، وفيها إشارة إلى الذكاء وقدره، ولو قال: هذه ليست _  بحال _  فكرة ذكية،كان وضع الذكاء في موضع الغباء علامة للتخفيف أو التهوين من شأن الغباء، ويكون هذا التعبير تلميحيا لطيفا تهكميا )[vi](.

مما سبق يلاحظ في مفهوم المفارقة أنه يظهر فيه عنصران، هما:

أ‌.        عنصر الخفاء.

ب‌.     حقيقة كون المعنى المتخفي في اللفظ هو الذي يقصد أن يظهر. 

ذكر سعيد شوقي مرادفات كثيرة للمفارقة في اللغة الأجنبية واللغة العربية، وما يهمنا في ذلك المصطلحات العربية التي ترتبط بالتراث العربي القديم، ومنها: المجاز المرسل، والمجاز الاستعاري: الاستعارة، التمثيل، المثل، الكناية، التعريض، التلويح، التورية، التوجيه، الرمز، الإيماء، التلميح، الملح، اللمز، الغمز، الإلماع، الاستعارة، التضاد، المقابلة، التهكم، المدح بما يشبه الذم، الذم بما يشبه المدح، معنى المعنى عند عبد القاهر الجرجاني، الوحي، الأحجية،الإشارة، الطباق، المقابلة، السخرية، الاستهزاء، الازدراء، الهجاء، الإثبات بالنفي، النكتة، الكوميديا، الفكاهة، المزاح، المبالغة، التفخيم، الانقلاب، تجاهل العارف، سوق المعلوم مساق غيره، التشكك، الجد في موقف الهزل، الهزل في موقف الجد، الكذب، تخفيف القول، وغيرها من الألفاظ )[vii](. وهذه الألفاظ ليس فيها رؤية واضحة ودقيقة لمصطلح مفارقة، ولكن وفقا لمعطيات تعريف المفارقة كما ورد في الأدبيات الغربية فإن هذا المفهوم لا بد أن يتوافر فيه عناصر عدّة أربعة تكون في نصه، وواحد من فهمه، وهي كما يأتي: ازدواج المعنى، وتنافر الإدراك، وخداع الأداء، وحيز الضحية، والذات المفارقة، وهذه العناصر سنشرحها باختصار _ حتى نستطيع ربطها بالأدبيات العربية التراثية، كما يأتي:

ازدواج المعنى: وفق تعريف نبيلة إبراهيم للمفارقة التي ترى أن بناء المفارقة يحتاج إلى مستويين، أولهما: المستوى السطحي للكلام، وثانيهما: المستوى الكامن الذي لم يعبّر عنه بعد، وبسبب توالد تواصل بين المستويين يبرز فيهما دلالة تسمى بالمفارقة، وهذا يعني أن المفارقة تلحّ على القارئ أن يفهم الكلام المنطوق أو المكتوب معنى ما سطحيا، وفي الوقت نفسه يعلم في قريرة نفسه بأن الكلام المنطوق لا يناسب أن يؤخذ معناه على ظاهره في ضوء السياق الذي قيل فيه أو الموقف التبليغي.

ومما لا شك فيه أن إقامة عنصر ازدواج المعنى في مكونات بناء المفارقة يتطلب أن يجعل فنونا أخرى تطلبه، وتدعيه جزءا رئيسا منها، كالمجاز والاستعارة والكناية، ومعنى المعنى عند الجرجاني، واللمز وغيرها من الفنون؛ كونها مستويات للمعنى، سطحي وعميق خلافا للأسلوب الحقيقي الذي يحيل مستوى ظاهريا واحدا.

تنافر الإدراك: ويقصد به أن تكون العلاقة بين المستوى اللفظي والمستوى العميق على أساس التضاد، وبهذا المعنى يخرج من ساحة المفارقة مصطلحات، مثل: المجاز، والاستعارة، والتمثيل، ومعنى المعنى، وغيرها من العناصر التي لها تراكيب خاصة ببنائها، ويشترط في التضاد أن يكون من النوع المتدرج )[viii](.

ولذلك فإن التضاد يكون في أن تعبر الكلمة الواحدة عن معنيين بينهما علاقة، ويرتبط بالتضاد التقابل والتعريض والكذب والإثبات بالعكس.

خداع الأداء: لكي تحقق المفارقة فعلها في التنافر، وهي في صدد الانتقال بين المستويين فلا بد لها أن تسلك طريق الخداع، ويكون ذلك بما يأتي:

أ‌.    المراوغة وتعني المفارقة اللغوية التي يتمثل عملها في استخدام صانع المفارقة لكل الحيل اللغوية الممكنة بأسلوب المراوغة، وهي عندما تتعمد أن تقول شيئا وتعني شيئا آخر كلية، وعندما تثبت حقيقة ثم لا تلبث أن تلغيها، فيحدث ذلك من خلال المهارة الفائقة في تحريك اللغة، وهو نوع من أنواع اللعب الذهني )[ix](.

ب‌.  المغافلة وهو مفارقة الموقف، ويتمثل بإضفاء صفة الغفلة على الشخوص التي تنخرط في أدائها، وهي وظيفة تفيد معنى الخداع )[x](، وهذه المفارقة الهادفة في كتابة المسرحية تعود لأسباب عدة، منها: العامل الفني، والثقافي، والنفسي والفلسفي والتاريخي، والسياسي والاجتماعي.

ضحية الأثر: ويتم بتقديم ضحية في بناء نص المفارقة، ولا بد من توفر حيّز لضحية الأثر، ويقصد به حيز لضحية أثر المفارقة، وطريقة للتأثير على حيز ضحية الأثر، وذلك لكي تنجح المستويات الثلاثة في أداء فعل ينال من حيزه في سبيل بناء المفارقة؛ لا بد لها أن تعيد صقل فنون القول التي استمرت، وهي: السخرية والنكتة والضحك والمبالغة والكاريكاتير، والتقليد الساخر وتخفيف القول وتضخيم القول على طريقتها الخاصة في أداء فعلها.

الذات المفارقة:لكل عمل أدبي قارئ ضمني بآليات القراءة المتواترة، بمعنى أن العمل الأدبي ليس له وجود إلا من خلال قارئ، ومن ثم تكون عملية القراءة هي التشكيل الجديد لواقع مشكل من قبل العمل الأدبي نفسه.

من هنا تقوم المفارقة بوظائف متنوعة، منها: دعوة القارئ إلى ربط نفسه بها، وذلك لتفسيرها تفسيرا مقبولا، ولفهم النص وتركيبه؛ وهي مهارة خاصة للعلاقة بين المقال والمقام؛ وعامل من عوامل التطور الدلالي للغة.

ويمكن أن يتوافق مصطلح المفارقة في الدراسات اللغوية والبلاغية بمفهوم (التهكم)؛ إذ تناوله الزركشي ( -794هـ) ، وذكر أنه إخراج الكلام على ضد مقتضى الحال، كقوله تعالى: "ذق إنّك أنت العزيز الكريم" [سورة الدخان:49]. وجعل العلوي (يحيى بن حمزة _ 745هـ) للتهكم خمسة أوجه، وهي:

1.    أن يرد على جهة الوعيد بلفظ الوعد تهكما. كقوله تعالى: "فبشرهم بعذاب اليم" [الانشقاق:84].

2.     تورد صفات المدح وقصد بها الذّم. كقوله تعالى: "ذَق إِنك أنت العزيز الكريم"[سورة الدخان:49].

3.    القلة والقصد منه التكثير (لم يذكر من العلوي). كقوله تعالى: "قد يعلم الله المعوقين منكم" [الأحزاب: 18].

4.    لم يسمّه أيضا، وورد بمعنى التقليل والشك، وقصد به التكثير. كقوله تعالى: "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين".

5.    لمّ يسمّه، ورد بمعنى الحكاية. كقوله تعالى: "إنك لأنت الحليم الرشيد" [هود:87] )[xi](.

مع ملاحظة أن التهكم لا تشترط التضاد، على عكس المفارقة التي تشترط التضاد.

ومن جانب آخر جعل الجرجاني (- 471هـ) معنى المعنى من خلال الكلام ضربان؛ المعنى، ومعنى المعنى، فالمعنى هو المفهوم من ظاهر اللفظ، ونصل إليه بغير واسطة، وأما معنى المعنى فهو أن تعقل من اللفظ معنى، ثمّ يفضي بك ذاك المعنى إلى معنى آخر، ومعنى المعنى يدور حول (الكناية ، والاستعارة، والتمثيل) )[xii](.

ويمكن الربط بين ما قاله الجرجاني، وبين نظرية الحدث الكلامي؛ والمعنى المباشر والمعنى غير المباشر، والمباشر يعني : أن يلفظ المتكلم الكلام، ويقصد ما يقوله تماما حرفيا، ويشير الجرجاني إلى أن السامع يعقل معنى من الظاهر على سبيل  الاستدلال، إذ يمكن قول شيء ما، ويقصد به معناه، وذلك من خلال أن المتكلم يكون للمنطوق عنده معنى ، وللجملة معنى من خلال الاستعارة والمفارقة والأحداث الكلامية غير المباشرة.

ويمكن تجاوز المعنى الحرفي نحو المعنى الأسلوبي المفارقي في السياق اللغوي من خلال المقام، والموقف التبليغي والسياق التاريخي والسياق خارج النص؛ حيث تنظر نظرية السياق إلى الوظيفة الاجتماعية للغة، وأثر السياق في البنية، ودوره في تنوع الدلالة. والسياق يقصد به الظرف اللغوي المعرفي الذي يعين على تحليل المعلومات المنقولة بواسطة بنية النص السطحية، وترجمتها إلى مضمون (معلومات مفهومة). وأما المقام فيمكن أن يكون الموقف الذي أنشئ من أجله النص، ويتضمن العوامل التي تجعل النص مرتبطا بموقف سائد يمكن استرجاعه، وهو صياغة الكلام على وجه معين يتصل بمحل هذه الصياغة أو بزمنها، ويكون على المستوى الصرفي والصوتي والنحوي والمعجمي)[xiii](.

وقد تناول أحد المعاصرين مفهوم المفارقة في القرآن الكريم ، وذلك عندما جعلها في المباحث الآتية )[xiv](:

مفارقة النغمة:وتعني أداء المنطوق بنغمة تهكمية، يعول عليها في إظهار التعارض أو التضاد، بين ظاهر المنطوق وباطنه، وبين سطحه وعمقه، وهي نوع من التهكمية الذي يبدو ذما في ثوب المدح، كأن يقال مثلا: ماذا تريد السيادة؟ على شكل نغمة تظلمية، أو يقال في صيغة الغائب: ماذا تريد السيادة؟! إذ تتميز النغمة بنغمة عالية لإظهار التهكم على المستويين اللفظي والتركيبي.

وفي القرآن الكريم وردت في قوله تعالى: "خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكري" [الدخان: 47-49].

المفارقة اللفظية:وهي تكشف عن قوة العلاقة بين المفارقة والمجاز، وهي شكل من أشكال القول، يساق فيه معنى ما، في حين يقصد به معنى آخر، يخالف المعنى السطحي الظاهر. والمفارقة اللفظية تشتمل على عنصر المغزى، وعنصر لغوي، أو بلاغي وهو عكس عملية الدلالة(المغايرة). وينبغي لإدراك المفارقة النفاذ من الحدث اللغوي أو اللفظي، أو إلى حدث المغزى، من القول إلى مقصد القائل. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم، قوله تعالى: "وبشر الذين كفروا بعذاب أليم" [التوبة:34]. إذ إن المعروف أن البشرى لا تكون كذلك إلا بخبر سار، ولكنها في الاستخدام المفارقي الخاص، وضعت مع الفاظ تتناقض معها في الدلالة، وذلك كالبشرى بالعذاب.

مفارقة الحكاية أو الإيهام: وهذا النوع من المفارقة خطاب بالشيء عن اعتقاد المخاطب دون ما في الأمر نفسه، أنه حكاية زعم المخاطِب أو المتحدث عنه في المفارقة. وتختار المفارقة هنا من اللفظ، ما يحكي هذا الزعم، ويوهم بأنه حقيقي ومقرر، وفي الوقت الذي تزدريه وتسخر منه، وبذلك يكون للفظ الذي تختاره المفارقة معنيان، أحدهما قريب توهم به المفارقة بصحة المعتقد، والآخر بعيد تنقض به المفارقة هذا المعتقد وتنفيه لتثبت ضده تماما. وقد يقصد بالإيهام التورية بأن يذكر لفظان لهما معنيان، إما بالاشتراك، أو التواطؤ، أو الحقيقة، أو المجاز. ويأخذ مفهوم الإيهام مجاوزة معنى المنطوق إلى ضده أو نقيضه.ومن ذلك قول الله تعالى: "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخفٍ بالليل وساربٌ بالنهار له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله" [الرعد:10-11]. والمعقبات عند الزركشي الحرس حول السلطان؛ وعند الراغب الأصفهاني أن يأتي بشيء بعد آخر، وعند العلوي الحرس حول السلطان ، وجاء في الآية بمعنى التهكم، أن أمر الله إذا جاء وقضي لا يحفظ عنه حافظ، ولا يمكن ردّه، ولا يستطاع دفعه بحال )[xv](.

المفارقة البنائية:وهي تعتمد على معرفة مقصد المؤلف الساخر، الذي هو من نصيب المستمع، ولكنه مجهول عند المتكلم، ووظيفتها تدعيم بنية الدلالة في النص وتأكيدها. ومن مظاهر المفارقة البنائية في النص القرآني أن يجعل النص القرآني المحكم متكلما آخر ينزل بغيره تهكما، فيصير هذا التهكم ذاته وقد انقلب إلى تهكم بالمتكلم الأول نفسه، وهذا التهكم يخفى على المتكلم، أو يجهله، لكنه مدرك لدى قارئ النص. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم قوله سبحانه وتعالى: "قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد" [هود:87]. يفسر الأصفهاني (-502هـ) الحلم بمعنى ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وفسره أيضا بمعنى العقل، ويكون بذلك معنى كلمة (حليم) بمعنى العاقل (xvi.)

الإلماع:وهو ملحظ أو إماءة تلميحية تصوب إلى شخص أو شيء ما، ومن ذلك قولنا: (إنه كان ذكيا في الأيام الأخيرة)، فإن السر في هذا الكلام يكمن في أن غباءه هو الوضع الطبيعي المألوف، وأن ذكاءه شيء يجعله ملحوظا ومراقبا. ويمكن أن يكون التضاد هنا بين المعنى المباشر وغير المباشر، وفي القرآن الكريم حالات للمفارقة في مجال الإلماع ، ويمكن أن يكون في قوله تعالى:"إن شر الدّوابّ عند الله الصّمّ البكم الذين لا يعقلون" [الأنفال:55]. حيث إن التضاد القائم بين المعنى المباشر المعروف للدواب، وبين المعنى غير المباشر الذي نقلت عنه هذه الكلمة إلى حقل دلالي آخر يبدو مضادا له، وهو حقل الحيوان )[xvii](.

مفارقة المفهوم أو التصور:ويطلق على المعاني المجردة، فتدل على عملية عقلية يقوم بها الفهم، لإدراك تلك المعاني أو تكوينها، والتصور يعني صياغة المفاهيم والمعاني الكلية مثلما ينطوي على إدراكها، أما التصور فإنها تشير إلى عملية التصور العقلي، أو تكوين صورة عقلية واضحة لكل الأشياء. ويبنى التضاد في هذا النوع على أساس التعارض بين موقف الضحية أو مفهومها للأشياء، أو مسلكها، وقد تبنى المفارقة على احتجاج الضحية احتجاجا جادا في الظاهر، على غير حق، والغاية من عرض المفاهيم هي النقد الأخلاقي والتهذيبي، ومن أمثلة الصور الصغرى لهذا النمط من المفارقة في القرآن الكريم:

أولا: الإخبار عن التصور إخبارا صريحا، كقوله تعالى: "يمنون عليك أن أسلموا" [الحجرات:17]. حيث إن الفعل (يمنون) هو أنسب شيء للدلالة على المغزى في هذه المفارقة، ذلك أن المنة هي النعمة الثقيلة، كما ذكر الأصفهاني، والمفارقة تبرز في تصويرهم لمردود المنة للرسول (صلى الله عليه وسلم)، مع العلم بأن المنة منهم )[xviii](.

ثانيا: حكاية قول الضحية، ومن ذلك قوله تعالى: "ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا" [آل عمران:188]. حيث قصد بها اليهود الذين سألهم النبي (صلى الله عليه وسلم) عن شيء فكتموه.

ثالثا: المقابلة المباشرة بين قولين، ومنها الإخبار الصريح عن مفهوم الضحية أو تصورها لكشف موقف الكافرين من الدين، مثل قوله تعالى: "وتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون" [الواقعة:82]. إذ نجد المقابلة بين الرزق والتكذيب، والتكذيب هذا لا يؤدي إلى الرزق، وذلك لأنهم جعلوا رزقهم تكذيبا عندما وضعوا الكفر والتكذيب موضع الشكر والإيمان؛ والرزق لا يكون حلالا، ويلاحظ أن المسند إليه هو (أنكم تكذبون)، في مناقضة المسند (وتجعلون رزقكم)، وهذا من ثَمّ يظهر مفهوم السخرية من الدين، ويحمل الخطاب حينئذ معنى السخرية لدى السامع.

مفارقة السلوك الحركي: إذ ترسم هذه المفارقة صورة للسلوك الحركي للذي تقع منه أوعليه، عناصرها ومكوناتها. وتعد المفارقة حركة عضوية أو حركة جسمية عامة، تبرز فيها عناصر خاصة مثيرة للغرابة والسخرية. وهذا عند الغربيين يسمى المظاهر المختلفة للسلوك التبليغي غير اللفظي، بين المشتركين في الخطاب، والمفارقة هنا تبنى على رسم السلوك الحركي الغريب في دوافعه ومسبباته، والذي ينطوي على مغاطة شنيعة، رسما لغويا، حصيلته صورة تكنى عن الدلالة الثانية، أو المعنى غير المباشر الذي يتضاد مع حقيقة الشيء وأصله، فينتج عنه معنى الاستهزاء والسخرية. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم، قوله تعالى: "يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت" [البقرة:19]. حيث يلحظ في المفارقة هذه أن (مَن) تفيد التقليل، والأصبع في هذه الآية من قبيل الكناية التي يكون فيها السبب فيها أن يفحش ذكر اللفظ في السمع، فيكنى عنه بما لا ينبو عنه الطبع؛ إذ في قوله سبحانه: "يجعلون أصابعهم" إنما يوضع في الأذن السبابة، فذكر الأصبع وهو الاسم العام أدبا، لاشتقاقها من السّب )[xix](.    

المفارقة في معهود الخطاب

الخفاء:

عن أنس (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال لسائق الإبل التي عليها نساؤه (أي زوجات النبي عليه السلام): "رِفقا بالقوارير". رواه البخاري في الأدب برقم (6209)، ( 6219 ).

ورد في الحديث الشريف معنى ظاهر وهو أن نساء النبي (صلى الله عليه وسلم) مثل القوارير، والقارورة واحدة القوارير من الزجاج، والمتلقي للحديث سوف يفهم المعنى الظاهر، ولكن النبي (صلى الله عليه وسلم) استخدم أسلوب الكناية حتى يبين للمسلمين أن المرأة رقيقة كرقة الزجاجة، فأي شيء يمكن أن يؤثر عليها، فكأنها دعوة صريحة إلى التلطف مع المرأةبشكل عام، وهو نوع من أنواع المفارقة اللغوية التي يظهر فيها معنى باطن، فيه عنصر الخفاء، وهو المقصود )[xx](.

أسلوب الحكيم:

 ويتم ذلك للتخلص من العثرات في مواقف محرجة، وقد تحمل معاني عدة يفهمها المتلقي وفي الوقت نفسه أراد المتكلم التخلص من مشكلة، ومن أمثلة ذلك: أن رجلا سأل بلالا مولى أبي بكر (رضي الله عنه) وقد أقبل من جهة الحلبة: من سبقَ؟ قال: سبقَ المقرَبون. قال: أنا أسألك عن الخيل. قال: وأنا أجيبك عن الخير. فترك بلال جواب لفظه إلى خبر هو أنفع له )[xxi](.

ومن أمثلة أسلوب الحكيم قول القبعثري للحجاج لما قال له متوعجا بالقيد: لأحملنك على الأدهم، فأجابه قائلا: مِثلُ الأمير يُحمَلُ على الأدهم والأشهب. حيث في ظاهر الكلام وعيد في معرض الوعد، وأراه بألطف وجه أن من كان على صفته في السلطان وبطشة اليد فجدير أن يُصفِدَ لا أن يَصفِدَ، حيث الموقف والسياق يجعل المتلقي يفهم المعنى بهذا الشكل وهناك معنى آخر قصده المتكلم وهو الأولى بالأمير (الحجاج) أن يعطي لا أن يقيد )[xxii](.

أما عناصر المفارقة في فهم الخطاب العربي فسنحاول عبر التحليل الآتي لبعض النصوص العربية سواء من الحديث الشريف أم الشعر أن النثر العربي تحديد بعض المفاهيم التي في ظاهرها تحمل معنى ويقصد بها المتكلم شيئا آخر أو يفهمها المتلقي وفق فهمه للنص أو للعبارة أو للدلالة.

التوقع:ومن أمثلة ذلك إمكانية اختلاف المعنى في قول الشاعر المتنبي:

فَمَضت وقد صَبَغَ الحياءُ بياضَها     لَوني كما صَبغَ اللّجينَ العسجَدُ

إذ المعنى: صيّر الحياء بياضها لوني، أي: مثل لوني، وقد ضمن الفعل المتعدي لواحد معنى صيّر، وأصبح من باب ظنّ )[xxiii](.

ومن معطيات التوقع قضية الغموض في المعنى بسبب من التركيب النحوي، وهذا يعني أن الجملة تحتمل أكثر من معنى، بسبب المعنى المعجمي للمفردة، فمثلا في قوله تعالى: "وترغبون أن تنكحوهنّ" [النساء: 4]؛ فكلمة (ترغبون) تأتي بمعنى (تحبون)، حيث قدر الحرف المحذوف (في)، وبمعنى (تكرهون) إذا قدر الحرف بـ (عن) )[xxiv](.

ومن معطيات التوقع، ما يكون عندما تحتمل القرائن أكثر من وجهٍ، ويطلق  عليه قرينة السياق، ويرتبط المعنى المعجمي عندئذ – بالمتغيرات. وقد ترتبط  العلاقة التلازمية بالمعنى المعجمي )[xxv](، بحيث تعرف المفردة بما يلازمها من مفردات تجاورها في الاستعمال، مثلا: كلمة (ملك) تلازمها كلمة (الموت)، ومنه قوله تعالى: "قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكّل بكم" [السجدة:11]؛ حيث إن جزءا من معنى كلمة (ملك) تلازمها وتجاورها مع كلمة (الموت)، أو إن جزءا من كلمة (الموت) يتأتى معناها من تلازمها مع كلمة (ملك)، وقد ترد كلمة (ملك) متلازمة في الاستعمال مع كلمات في مواضع كثيرة في القرآن الكريم )[xxvi](.

الإلماع:

وهو كما ذكرنا إماءة تصوّب إلى شيء ما، ويظهر ذلك المفهوم في قولنا لإنسان ادّعى شيئا ما، ونحن لا نحبه ونرفضه، فنقول لهذا الإنسان: متى كان هذا الأمر؟ أفي ليلٍ أم نهارٍ؟  فظاهر هذا الكلام سؤال يتطلب من المتلقي أو المخاطب أن يبين فيه الوقت، هل كان ليلا أم نهارا، وهو في الوقت نفسه إماءة إلى الكشف عن كذب ادعائه إذا لم يقدر على ذكره )[xxvii](.

التهكم:

يمكن أن يذكر الكلام ويقصد به التهكم بالشخص فنقول مثلا: " هذا رجل طويل الأذنين"، ففي ظاهر القول وصف لأحد أعضاء الجسم، وهو الأذنين، ولكن المقصود بذلك الدلالة التهكم بالمقول فيه، بأنه بليد أو غبي.

التعريض:

ويقصد به أن يذكر القائل قولا له معنى ظاهر ويعرض عن معنى آخر يقصده ليفهمه المتلقي السامع، ومن أمثلته في الخطاب العربي: الشكوى والإساءة والمزاح وغيرها. فمثلا من أمثلة الشكوى ما ورد عن العقد الفريد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد سمع امرأة وهي تطوف، تقول:

فمنهُنّ مَن تُسقى بِعّذبٍ مُبَرَّدٍ        نُقاخٌ فتلكم عند ذلك قرّت

ومنهنّ مَن تُسقى بِأخضرَ آجِنٍ       أُجاجٌ ولولا خشيةُ اللهِ فرَت

حيث أرادت المرأة في المقابلة بين المرأتين اللتين كانت إحداهما تحت إمرة رجل نقي الفم معطاء لها، وامرأة تحت رجل أبخر  لا يقدم لها شيئا من المتعة التي تريدها المرأة، فعلم عمر (رضي الله عنه) بهذا الأسلوب والمواربة في طلبها، حيث كان يتوقع أن تدعو الله تعالى في هذا الموقف لا أن تطلب بشكل موارب وتشكو زوجها الذي لم يعطها حقها كامرأة )[xxviii](.

ومن التعريض الإساءة حيث ورد في المصادر القديمة أن المأمون الخليفة العباسي قد قال لقارئ: اقرأ، فقرأ: "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله" [المائدة: 30] فأمر المأمون بحبس الرجل القارئ. والسبب في ذلك أن القارئ أساء للمأمون الذي قتل أخاه الأمين بسبب خلاف بينهما على الخلافة، وفهم المأمون قصة هابيل وقابيل في القرآن الكريم وعرف أنه المقصود، وهذا نوع من التناص)[xxix](.

الكناية:

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) : "أنا مولى من لا مولى له") [xxx](.

أشارالرسول (صلى الله عليه وسلم) في ظاهر كلامه أنه مولى من لا مولى له، والمولى تعني: الحليف، وهو من انضم إليك فعز بعزك وامتنع بمنعتك، أو بمعنى الناصر، أو من يلي عليك أمرك، أو يسلم على يديك، أو المعتق أنعم على عبده بعتقه )[xxxi](.

في ضوء المعنى الظاهر للحديث أراد الرسول (صلى الله عليه وسلم) بشكل خفي بيان التعامل مع هؤلاء اللقطاء؛ وهم من لا يعرف آباؤهم، وأنه مسؤول (صلى الله عليه وسلم) عنهم، ويظهر في حديثه مفهوم المفارقة من خلال الإشارة إلى لفظ له دلالة ظاهرة، تعني معاني عدة، منها: أنه حليف، أو ناصر، أو معتق، إلا أنه (صلى الله عليه وسلم) قصد معنى آخر مخفيا حتى يشعر اللقيط بأنه مثل الآخرين، لا فرق بينه وبين من يولد وله أب ينسب إليه، فنسب الرعاية إليه، ويقصد به رعاية القاضي أو الحاكم للقطاء من المنطلق نفسه. فالمفارقة اللغوية برزت بشكل واضح من خلال الكناية.

الاستعارة التمثيلية:

عن عبدالله بن عمر(رضي الله عنهما) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "إنما الناسُ كالإبلِ المائةِ لا تكادُ تجدُ فيها رَاحلةً". أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، باب الرقاق، رفع الأمانة، حديث رقم ( 6498).

شبه الرسول (صلى الله عليه وسلم) الناس مثل الناقة الراحلة النجيبة التي ترحل دائما لأنها يجعل عليها الرحل، ويندر الآن أن تجد بين الناس مثلها، فظاهر المعنى أن الناس مثل الناقة، وقصد به (صلى الله عليه وسلم) قلة وجود أحد مثل الناقة التي تحمل أثقال الناس وتفرج عليهم؛ أي ليس ثمة رجل أو امرأة جواد يمكن أن يتحمل مشاكل الناس وكربهم ويحل ما يصيبهم، فكأنها تحمل إشارة إلى الحث على أن يكون المسلم مثل الناقة الراحلة لقلتها ولقلة من يتصف بالجود والنخوة، وهي صفات حسنة. فالحديث في مقصوده يرمي إلى بيان معنى خفي أراده الرسول (صلى الله عليه وسلم)؛ وهو الدعوة إلى الجود، واستخدم أسلوب الاستعارة التمثيلية)[xxxii](، حيث استخدم اللفظ في غير المعنى الموضوع له، مع وجود قرينة تمنع من فهم المعنى الأصلي، وهو: الناقة النجيبة المختارة.

التقابل:

عن أبي موسى الأشعري (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "إنّ بين يدي الساعةِ فِتناْ كقِطعِ اللّيلِ المُظلم، يصبح الرّجلُ فيها مُؤمِنا ويُمسي كافرا ويمسي مؤمنا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليلٍ". رواه الترمذي.

أراد الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يوضح علامات لقيام الساعة، فذكر أن بين يديها؛ أي أمامها فتنٌ  مثل قطع الليل ؛ جزء من الشيء، يصبح الرجل؛ أي الكافر أو الكافرة مؤمنا بعد أن كان أو كانت غير مسلمة، والعكس صحيح؛ أي أن المسلم قد يكون وقت الصباح مؤمنا وفي المساء يكفر بما أنزل على الرسول (صلى الله عليه وسلم). في ضوء ما ذكره النص من معهود لغوي سوف يفهم المتلقي هذا المعنى في ظاهره، دون أن يشعر باستخدام الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأسلوب المفارقة من خلال التقابل أو الطباق؛ إذ إن (يصبح) تقابل (يمسي)، وكلمة (مؤمنا) تقابل (كافرا)، وهذه إشارة لطيفة من النبي (صلى الله عليه وسلم) جمع فيها بين لفظين متقابلين قصد منهما المفارقة بين اللفظين، مما يساعد المتلقي على فهم المقصود، ويقارن بين الحالين، فيتجنب أحدهما وهو المطلوب فعله، وذلك بأن لا يكون من النوع الذي يصبح مؤمنا فيمسي كافرا.

أما النوع الآخر من المفارقة فبرز في قوله (صلى الله عليه وسلم): "بين يدي الساعة" حيث يفهم من القول أن الساعة أمامها شيء، لكن المقصود من القول هو: أن الفتن قريبة من المسلم أو المسلمة كقرب اليد منه أو منها، وتلك المفارقة واضحة من خلال التشبيه المرسل المفصل كما يقول البلاغيون)[xxxiii](، فالقارئ لا بد أن أن يربط بين العلاقة الذهنية بين الألفاظ ليفهم المقصود بشكل مؤثر.

التلميح والانتقاد:

عن جابر (رضي الله عنه) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "اتّقوا الظّلم فإنّ الظّلم ظلماتٌ يوم القيامةِ، واتّقوا الشّح فإنّ الشّح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دِماءهم واستحلّوا محارِمهم". رواه الإمام مسلم، صحيح مسلم، ج4، كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، رقم الحديث ( 2578 ) .

ظاهر الحديث يدعو المسلمين إلى اتّقاء الظلم، أي تجنبهوالابتعاد عنه، والظلم هو التجاوز للحدّ، وهذا الظلم مثل الظلام لا يرى فيه الإنسان ما حوله، ثمّ يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك واتقوا الشح، أي البخل، لأنه كان سببا من أسباب هلاك الأمم السابقة؛ عندما سفكوا دماءهم؛ أي أراقوا دماء بعضهم بعضا، وقتلوا بعضهم بعضا بسبب الشح والبخل، واستحلوا محارمهم، أي ما حرمه الله تعالى عليهم من أكل الأموال وسفك الدماء.

في ظاهر الحدبث ورد بعض الألفاظ التي تحمل معنى مجازيا  (عقليا) ، فالشح نفسه لا يهلك لكنه سبب بالهلاك، وهؤلاء البخلاء لا يستحلون محارمهم حقيقة، ولكن على سبيل المجاز بالحذف، إذ التقدير سفكوا دماء إخوانهم، أو سفكوا دماء بعضهم. وهذه المفارقة اللغوية تؤدي إلى جعل القارئ و المتلقي يفهم من الحديث معنى التعبير الانتقادي، فكأنه (صلى الله عليه وسلم ) يعرض ملمحا سلبيا في مبالغة.

التلطيف:

حدّثنا حذيفة، قال: حدّثنا رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدّثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرّجال ثمّ عَلِموا من القرآن، ثمّ علموا من السّنة، وحدثنا عن رفعها، ((قال: يَنَامُ الرّجُلُ النّومَةَ فَتُقبَضُ الأَمَانَةُ مِن قَلبِهِ، فَيَظَلَّ أَثرُهَا مِثلَ أَثَرِ الوَكتِ. ثمّ يَنَامُ النَّومَةَ فَتُقبَضُ، فَيَبقَى أَثَرُهَا مِثلَ المَجلِ، كجمرٍ دحرجتَهُ على رِجلك فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنبَتِراً وليسَ فِيهِ شَيءٌ، فيَُصبحُ الناسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلا يَكَادُ أَحَدُهُم يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إنّ فِي بَنِي فُلانٍ رَجلاً أَمِينَاً. وَيُقَالُ للرَّجُلِ مَا أَعقَلَهُ وَمَا أَظرَفَهُ وَمَا أَجلَدَهُ، وَماَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن إِيمَانٍ )) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج11، باب رفع الأمانة، حديث رقم ( 6497 ).

يفيد الحديث أن الأمانة ترفع من قلوب الرّجال  وهم نائمون  فيبقى شيءٌ من أثرهاكأثر الوكت (وهوالحرق الظّاهر الذي يغيّر لون الجلد)  ثمّ ينام الإنسان مرة أخرى  فيبقى من أثرها كأثر المَجلِ (بسكون الجيم) وهو أثر الحرق الخفيف الّذي لا يغيّر لون الجلد  وهذه الأمانة يبقى أثرها مثل الجمر الذي يصيب رجل الإنسان  فينفط (أي ينتفخ) الجلد منبترا (أي منتفخا) ليس فيه شيءٌ. ثمّ يتبايع النّاس، فيقلّ من يؤدّي الأمانة منهم، فيشار إلى الرّجل الأمين بالبنان في العشيرة كذا، ثمّ يقال للرجل صاحب المكانة ما أعقله! وما أظرفه (ما ألطف أخلاقه) وما أجلده (أصبره)، وليس في قلب هذا الرّجل مثقال حبة خردل من إيمان؛ لخواء قلبه، وعدم صدقه.

أشار الرّسول (صلى الله عليه وسلم) إلى أن الأمانة فطرة في قلوب الناس (رجالا ونساء)، والموقف الذي قيل فيه الحديث، يبين أن الناس سوف تغفل عن أداء الأمانة، وتتراكم في قلوبها بعض العادات السيئة، أو السلوكيات الخاطئة. وأن ترسيخ هذه الأمانة لا يتم إلا بالعلم بالقرآن الكريم، وبالسّنة النّبوية الشّريفة والالتزام بهما، فكأن المقام هو دعوة إلى تثبيت الأمانة باتباع كتاب الله وسنة نبيّه (صلى الله عليه وسلم). وبما أن الحديث عن الأمانة قد ظهر في موضوع الخطاب هو نزول الأمانة في قلوب الرّجال مع كون وجود الأمانة في قلوب النّساء والرّجال من الفطرة، فقد أشار النّبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الأحوال التي ستحدث في المستقبل، إذا ضيعت الأمانة من قلوب الرّجال، ففصل (صلى الله عليه وسلم ) في هذه الأحوال، ووجه هذا الكلام إلى المخاطَب، في أي زمان وفي أي مكان. ومن هذا النص أثر الحديث على المستمع، والمتحدّث (وهو الرّسول (صلى الله عليه وسلم). وقد ظهر في الحديث، مفهوم المفارقة  من قوله (صلى الله عليه وسلم): "ينام الرجل النّومة"، فالنومة هي دلالة على الغفلة عن أمر الله تعالى والتّعمد في نسيانه، فلذلك عندما يتعارض أمر الله تعالى مع هوى الإنسان (المسلم) ويقدّم هذا المسلم هواه على أمر الله، فإن الأمانة في قلبه تنقص حينئذٍ. يوتظهر ايضا في التشبيه عندما شبّهالرسول ( صلى الله عليه وسلم ) نقصان الأمانة لدى المسلم بتشبيهين، أولهما قوله: "فييبقى أثرها مثل أثر الوكت" بمعنى أنّه يظل من أثر الأمانة في قلب المسلم، كما يبقى الأثر من الحرق الظّاهر الّذي يغير لون الجلد، وهي دلالة على النقصان وعدم التّمام، فالذي يصيبه الحرق يحدث له نقص في موضع جرحه، كالمسلم الذي يغفل عن أمر الله فتنقص الأمانة في قلبه ثانيهما، قوله: "ثمّ ينام النّومة فتقبض، فيبقى أثرها مثل المجل". وهو أثر الحرق الخفيف الذي لا يغير لون الجلد، ولكنّه ينفخ الجلد انتفاخا  لا شيء فيه، وهو دلالة على فراغ المسلم من الأمانة في قلبه، وعدم وجود أثر لها، كما في الحرق الخفيف الذي يصيب الجلد، فينتفخ انتفاخا وهو فارغ في داخله، للدّلالة على النّفاق الذي يصيب المؤمن لتكرار قبض الأمانة من قلبه.

ويظهر من الظواهر السّياقية التي في الحديث، وهي: الجمل التّعجبية التّأثرية  (ما أعقله!، وما أظرفه!، وما أجلده!) الّتي تدلّ على تعجب الرّسول (صلّى الله عليه وسلّم) من هؤلاء الصّنف من النّاس في المجتمع الإسلامي. والتأويل المحلي من حيث إن القارئ ينظر إلى خصائص السّياق وطبيعة الخطاب، وسلامة تأويله، وتجربته في مواجهة مثل هذا الخطاب فيفهم سياق الحديث المبيّن لأثر الغفلة عن أمر الله، وسلوك أهل النّفاق وبروز نفاقهم كما يظهر للحرق وأثره على الجلد، سواء كان  الحرق ظاهرا أم خفيفا، ومن خلال المعهود اللغوي الذي يألفه حول صيغة الخطاب، حيث إن التّعجب يعني الحيرة في أمر ما، ولكنّ الخطاب أراد توجيه المتلقي إلى حقيقة ما سيحدث من النّفاق في السلوك الذي سيبديه المنافقون في المجتمع المسلم. وهذا بارز في صيغة النص، عندما ذكر الرّسول (صلّى الله عليه وسلّم) صور هؤلاء الصنف من الناس الّلاهين عن طاعة الله تعالى.

في ضوء ما تناولناه نجد ثمة مفارقة لغوية ظهر فيها عنصر الخفاء، وهو المعنى الذي يقصد أن يظهر وفق السياق الذي قيل فيه، ومن الملاحظات التي برزت عند التحليل ظهور عنصر الازدواج في المعنى، حيث لوحظ مستويان للكلام، أحدهما سطحي وهو ظاهر النص والألفاظ التي تتطلب معنى آخر بسبب السياق؛ والآخر المستوى الكامن الذي لم يعبر عنه، وبسبب التواصل بين المستوييين، ظهرت دلالة خاصة أطلق عليها(مفارقة)؛ إذ تلح على القارئ أن يفهم الكلام المنطوق، وهو في الوقت نفسه يشعر في داخله بأن المعنى المنطوق لا يناسب أن يؤخذ على ظاهره في ضوء الموقف التبليغي الذي قيل فيه. ولذلك ظهر في الأحاديث مكونات للمفارقة ترتبط بالبلاغة العربية، مثل: المجاز والاستعارة، والكناية والتشبيه،  والتهكم والتقابل  والتعريض، وكل هذه العناصر المكونة للنص كان الهدف منها إيصال المعلومة إلى القارئ بأقرب وسيلة يمكنها أن تؤثر عليه، وتجعله يقرأ النص قراءة واعية، لتثبيت له الصفة في ذهنه، ولتكون له عونا على فهم المعاني المقصودة من المتكلم (الرسول صلى الله عليه وسلم)  


 *الباحث أردني مقيم بماليزيا، حصل الباحث على درجة الدكتوراة في الدراسات اللغوية من ماليزيا، وعلى الماجستير في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها من الخرطوم وعلى درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من الجامعة الأردنية، وله منشورات علمية في مجلات محكَّمة في ماليزيا والسودان والأردن ومصر، وله أبحاث علمية وكتب منشورة ومحكَّمة في مركز البحوث في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا.


هوامش البحث

 (1)انظر:: Reference and Electronic Media Division,Magmillan EnglishDictionary. U. k.

 (2) انظر:  M . H Abrams, Glossary of Literary.

(3)انظر: د. سي. ميويك، المفارقة وصفاتها، (1982)، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، قسم المفارقة وطبيعتها؛ وما ذكره شوقي، سعيد، بناء المفارقة في المسرحية الشعرية، (2001)، ص7 وما بعدها؛ والعبد، محمد، المفارقة القرآنية: دراسة في بنية الدلالة، (1994)، ص14 وما بعدها.

(4)  انظر: دي. ميويك، المفارقة وصفاتها، (1982)، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، ص33.

(5) انظر: شوقي، سعيد، بناء المفارقة في المسرحية الشعرية، (2001)، ص74؛ وويلسون، جلين، سيكولوجية فنون الأداء، (2000)، ترجمة شاكر عبد الحميد، مراجعة محمد عناني، ص239 وما بعدها.

(6) انظر: العبد، محمد، المفارقة القرآنية،(1982)، ص17؛ وإبراهيم، نبيلة، المفارقة، مجلة فصول، ص131 وما بعدها؛ وقاسم، سيزا، المفارقة في القص العربي المعاصر، مجلة فصول،(1985)،  ص143.

(7)انظر: شوقي، سعيد، بناء المفارقة، (2001)، ص35.

(8) التضاد في اللغة يعني أن يكون للدال الواحد معنيان متضادان، وأمثلة التضاد كالتشاؤم والتفاؤل والتلطف والتهكم والمبالغة في التعبير عن الانفعال.فالعرب قديما يطلقون على السليم من المرض والمريض كلمة (السليم)، ويطلقون على الجماعة الراجعة من السفر كلمة (قافلة) لأنها قفلت، أي رجعت، ويطلقونها على الجماعة الناهضة للسفر بأن تيسر لها سبل الرجوع سالمة. انظر تفاصيل التضاد في: قدور، أحمد محمد، مبادئ اللسانيات، (1996)، ص318 وما بعدها. وقسم أحمد مختار عمر التضاد إلى أنواع عدّة، وهي: التضاد المتدرج، وهو يقع بين نهايتين لمعيار متدرج، أو بين أزواج من المتضادات الداخلية، مثال: غال- حار-دافئ-معتدل-مائل للبرودة-بارد-قارس-متجمد؛ الحاد غير المتدرج، مثل: ميت-حي؛ والتضاد العكسي، مثل: باع-اشترى؛ والاتجاهي، مثل: أعلى-أسفل؛ والعمودي، مثل: الشمال بالنسبة للشرق والغرب، وغيرها من الأنواع. انظر: عمر، أحمد مختار، علم الدلالة، (1998)،  ص102 ما بعدها.

(9)انظر: إبراهيم، نبيلة، المفارقة، مجلة فصول، (1985)، ص139.

 (10) انظر: شوقي، سعيد، بناء المفارقة، (2001)، ص59.

(11) انظر: العلوي، يحيى بن حمزة، الطراز، (1977)، ج3، ص161 وما بعدها؛ وما ذكره الزركشي، البرهان في علوم القرآن. (1972)، ج4، ص58.

(12) انظر: الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، (1994)،  تحقيق محمد رشيد رضا، ص177.

 (13) انظر: بوجراند، روبرت دي، النص والخطاب والإجراء، (1998)، ترجمة تمام حسان، ص104؛ وحسان، تمام، اللغة العربية: معناها ومبناها، ص305؛ وعفيفي، أحمد، نحو النص: اتجاه جديد في الدرس النحوي، (2001)، ص84.

(14) انظر ما ذكر في: العبد، محمد، المفارقة القرآنية، (11994)، ص53 وما بعدها.

(15) انظر: الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، (1994)، تحقيق خليل عيتاني، ص343؛ وما ذكره العبد، محمد، المفارقة القرآنية، (1994)، ص112 وما بعدها.

(16) انظر في تفاصيل المفارقة البنائية في هذة الآية ما ذكره: العبد، محمد، المفارقة القرآنية،(1994)، ص143 وما بعدها.

(17) انظر : المرجع نفسه، ص153 وما بعدها.

(18) انظر: الأصبهاني، المفردات، (1994)، ص477؛ والعبد، محمد، المفارقة القرآنية، (1994)، ص166 وما بعدها. مع ملاحظة أننا استفدنا مما ذكره العبد، محمد، حول الصور الخمس للمفهوم أو التصور في القرآن.

(19) انظر: العبد، محمد، المفارقة القرآنية، (1994)، ص199 ما بعدها.

(20) الكناية في البلاغة العربية تعني: أن يقال الشيء بغير لفظه الموضوع له، وهو أنواع: التمثيل على سبيل الكناية، مثل: "فلان نقي الثوب". أي منزه عن العيوب، وهو ما يراد الإشارة فيه إلى معنى، فتوضح ألفاظ(تدل) على معنى آخر؛ الكناية من الأرداف، مثال: قولنا: " فلان طويل النجاد " . والمراد به طويل القامة، إلا أنه لم يتلفظ بطول القامة وهو الغرض، والإرداف قصد به أن تراد الإشارة إلى معنى فيترك اللفظ الدال عليه ويؤتى بما هو دليل عليه ومرادف. انظر: الجزري، ضياء الدين ابن الاثير، الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام المنثور، (1956)،تحقيق مصطفى جواد، وجميل سعد، ص160 وما بعدها؛ والسكاكي، أبو يعقوب يوسف، مفتاح العلوم،  (1987)،ص40.  

(21)  انظر: المراغي، محمود أحمد حسن، في البلاغة العربية: علم البديع، (1999)، ص107.

(22) انظر: القزويني، الخطيب، الإيضاح في علوم البلاغة،  شرح محمد عبد المنعم خفاجي، ج2، ص54.

(23) انظر: السيوطي، أبو الفضل جلال الدين بن أبي بكر، الأشباه والنظائر، (2001)، تحقيق غريد الشيخ، ج1، ص109، وقد تناول آراء العلماء في هذا الموضوع، وأورد أمثلتهم في التضمين.

(24) انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، (1975)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ج3، ص59؛ وما ذكره خليل، حلمي، العربية والغموض: دراسة لغوية في دراسة المبنى على المعنى، (1988)، ص214؛ وحمودة، طاهر سليمان، دراسة المعنى عند الأصوليين، (1983)، ص140.

(25) يقصد بالعلاقة التلازمية للكلمة أو التضام: أن المعنى المعجمي للكلمة لا يتوقف عند دلالتها، ولكن يتعداه إلى ما يلازمها من مفردات تجاورها في الاستعمال. وقد أطلق العاالم (فيرث) على هذه العلاقة بكلمة (COLLOCATION )، ويقصد بها لدى القدامى المطابقة في البديع، كالطباق والتضاد، ويكون لديهم ضمن تحسين الكلام. انظر: علي، عاصم شحادة، مظاهر الاتساق والانسجام في تحليل الخطاب النبوي: رقائق صحيح البخاري نموذجا، (2004)،  ص47 – ص50؛ والحسن، شاهر، علم الدلالة: السّمانتيكية والبراجماتية في اللغة العربية، (2001)،  ص114.

(26)انظر: عبد الباقي، محمد فؤاد، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، (2001)، مراجعة وضبط محمد سعيد اللحام، ص885، مادة ( ملك ).

(27) انظر: الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، (1994)،  ص85 وما بعدها.

(28) انظر: ابن عبد ربه، العقد الفريد، (1999)، ج2، ص278. وتورد الرواية أن عمر (رضي الله عنه) قد أرسل إلى زوجها فوجد فمه متغيرا فيه ثلمة أو شرم، وخيره بين خمسمائة درهم أوطلاقها، فاختار الدراهم وطلقها.

(29) انظر: الآبي، أبو يعد منصور بن الحسين، نثر الدرّ في المحاضرات، (2004)، تحقيق خالد عبد الغني محفوظ، ج7، ص111. وقد ذكر في هذا الجزء وفي الصفحات التالية قصة أسر طيء لغلام من العرب وكلام أبيه إليه لينبهه إلى كيفية الهروب منهم، وقصة التحذير الذي وصل للخليفة المأمون تقول له فيها الرقعة المكتوب فيها: (يا موسى)، وفهم المأمون لمقصود الحذر الذي أراده الكاتب. انظر: ج7، ص113، ص117.

(30) انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة ولي. مع ملاحظة أن المعاني المعجمية التي سوف نتناولها لاحقا اقنبست من معجم لسان العرب.

(31) الاستعارة هي تشبيه الشيء بالشيء ، فتدع الإفصاح بالتشبيه وإظهاره، وتجيء على اسم المشبه به وتجريه عليه، كقولنا: "رأيت رجلا هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه سواء"، فتدع ذلك وتقول: "رأيت أسدا"، وهذا النوع يكون على نوعين: أحدهما: أن تجعل المشبه هو المشبه به، بأن تنزله وتسقط ذكر المشبه من البين، كقولك: "رأيت أسدا"، والثاني بأن تجعل المشبه به خبرا عن المشبه في باب الاستعارة، والمزية في الاستعارة هو تثبيت وتقرير الكلام، مثلا قولنا: (رأيت أسدا) تعني أنك أثبتت واقررت صفة الشجاعة للرجل وأكدتها له بشكل قوي. انظر ما ذكرناه بتصرف إلى: الجزري، ضياء الدين بن الاثير، الجامع الكبير، (1956)، ص82 وما بعدها.

(32) التشبيه له حدّ؛ وحدّه أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به. وهو الدلالة على اشتراك شيئين في معنى من المعاني، وأن أحدهما يسد مسد الآخر وينوب منابه، سواء أكان حقيقة أم مجازا. انظر:الجزري، ضياء الدين بن الاثير، الجامع الكبير، (1956)، ص90 وما بعدها؛ والقزويني، جلال الدين، التلخيص في علوم البلاغة،  ((1904)، شرح عبد الرحمن البرقوقي، ص238 وما بعدها.

المصادر والمراجع العربية:

1-   إبراهيم، نبيلة، المفارقة، مجلة فصول، المجلد السابع، العددان الثالث والرابع ( إبريل- سبتمبر)،(القاهرة، 1985م).

2-   ابن عبد ربه. العقد الفريد. (بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط3، 1999م).

3-   الآبي، أبو يعد منصور بن الحسين، نثر الدرّ في المحاضرات. تحقيق خالد عبد الغني محفوظ. (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2004م).

4-   بوجراند، روبرت دي. النص والخطاب والإجراء. ترجمة تمام حسان. (القاهرة: عالم الكتب، ط1، 1998م).

5-  الجرجاني، عبد القاهر. دلائل الإعجاز. تحقيق محمد رشيد رضا. (بيروت: دار المعرفة، ط1، 1994م). الجزري، ضياء الدين ابن الاثير. الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام المنثور. تحقيق مصطفى جواد، وجميل سعد. (العراق: مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1956م).

6-   حسان، تمام. اللغة العربية: معناها ومبناها. (المغرب: دار الثقافة، د . ت).

7-   الحسن، شاهر. علم الدلالة: السّمانتيكية والبراجماتية في اللغة العربية. (عمان، الأردن: دار الفكر للطباعة والنشر، ط1،  2001م).

8-  حمودة، طاهر سليمان، دراسة المعنى عند الأصوليين، (القاهرة، الإسكندرية: الدار الجامعية، 1983م).

9-   خليل، حلمي. العربية والغموض: دراسة لغوية في دراسة المبنى على المعنى. (الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ط1، 1988م).

10-  د. سي. ميويك. المفارقة وصفاتها. ترجمة عبد الواحد لؤلؤة، موسوعة المصطلح النقدي. رقم ( 13 ) سلسلة الكتب المترجمة ( 12). (بغداد، العراق: دار الرشيد للنشر، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، 1982م).

11-    الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد. المفردات في غريب القرآن. تحقيق خليل عيتاني. (بيروت: دار المعرفة، 1998).

12-    الزركشي. البرهان في علوم القرآن. (القاهرة: دار المعرفة للطباعة، 1972م).

13-    السكاكي، أبو يعقوب يوسف. مفتاح العلوم. (بيروت، ط2، 1987م).  

14-    السيوطي، أبو الفضل جلال الدين بن أبي بكر.الأشباه والنظائر. تحقيق غريد الشيخ. (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2001م).

15-    السيوطي، جلال الدين. الإتقان في علوم القرآن. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. (القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، 1975م).

16-    شوقي، سعيد. بناء المفارقة في المسرحية الشعرية. (القاهرة: ايتراك للنشر والتوزيع، ط1، 2001م).

17-    عبد الباقي، محمد فؤاد. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم. مراجعة وضبط محمد سعيد اللحام.  (بيروت: دار المعرفة، ط2، 2001م).

18-    العبد، محمد. المفارقة القرآنية: دراسة في بنية الدلالة. (القاهرة: دار الفكر،ط1، 1994م).

19-    عفيفي، أحمد. نحو النص: اتجاه جديد في الدرس النحوي. (القاهرة، مكتبة دار الزهراء، ط1، 2001).

20-    العلوي، يحيى بن حمزة. الطراز.  (الرياض، دارالمعارف، 1977م).

21-  علي، عاصم شحادة. مظاهر الاتساق والانسجام في تحليل الخطاب النبوي: رقائق صحيح البخاري نموذجا. بحث دكتوراه غير منشور. (ماليزيا: كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية،قسم اللغة العربية وآدابها، الجامعة الإسلامية العاالمية بماليزيا، 2004م).

22-    عمر، أحمد مختار. علم الدلالة. ( القاهرة:  دار الكتِب، ط5، 1998م).

23-    قاسم، سيزا، المفارقة في القص العربي المعاصر. مجلة فصول. (القاهرة: المجلد الثاني، العدد الثاني، يناير، مارس، 1982م).

24-    قدور، أحمد محمد. مبادئ اللسانيات. (بيروت، دار الفكر، ط1، 1996م).

25-    القزويني، الخطيب. الإيضاح في علوم البلاغة. شرح محمد عبد المنعم خفاجي. (القاهرة: من دون ناشر، من دون تاريخ).

26-    القزويني، جلال الدين. التلخيص في علوم البلاغة. شرح عبد الرحمن البرقوقي. (بيروت، دار الكتاب العربي، ط1،  1904م).

27-    القضاة، شرف. الهدي النّبوي في الرّقائق. (الأردن، عمان: دار الفرقان، 1988م).

28-    المراغي، محمود أحمد حسن. في البلاغة العربية: علم البديع. (بيروت: دار النهضة العربية،  ط2،1999م).

29-    ويلسون، جلين. سيكولوجية فنون الأداء. ترجمة شاكر عبد الحميد. مراجعة محمد عناني. (الكويت: سلسلة عالم المعرفة، العدد ( 258 )، 2000م). 

المصادر والمراجع الإنجليزية:

1- M. H Abrams, Glossary of Literary.

2-Reference and Electronic Media Division, Magmillan English Dictionary. U. k.