ملامح التفكير اللساني الحديث عند حمزة بن قبلان المزيني pdf

                              

د. نعمان عبد الحميد بوقرة

 جامعة الملك سعود- السعودية

ظهرت اللسانيات في العالم المتقدم في بداية القرن العشرين حاملة نظرة جديدة للغة ،وقضايا التواصل اللساني المتعددة، معبّرة في جوهرها عن قيم الحداثة،والتجديد الفكري ،وكان لهذا البعد الحضاري أثره في تطور الدراسات اللغوية العربية ، من حيث التعديل في الأسئلة البحثية المطروحة،ومناهج فحص الظواهر،وفي هذا البحث محاولة للكشف عن جوانب هذه الحداثة اللسانية في الفكر العربي من خلال وصف وتحليل نموذج لساني تمثله كتابات حمزة بن قبلان المزيني بوصفها ملمحا حداثيا للكتابة اللسانية في الوطن العربي بعامة،والمملكة العربية السعودية بخاصة بهدف تتبع مسار الكتابة اللسانية العربية بعامة والكتابة السعودية بخاصة .

La linguistique moderne a réalisé un grand développement dans l’étude de la langue, et dans les problèmes de sa compréhension, son acquisition et sa production, à la lumière de sa vocation de communication individuelle et sociale. L’un des aspects de ce développement est l’émergence d’écoles linguistiques distinctes dans leurs méthodologies, leurs hypothèses et leurs objectifs, et qui ont eu un écho apparent dans les travaux des linguistes arabes contemporains. Notre étude entre dans ce contexte, puisqu’elle décrit une importantes études linguistique arabes pose par le linguiste saoudien Hamsa Al Musaini qui a essayé de vulgariser les théories linguistiques occidentales et la theorie genirative trensformationel de N.Chomesquy, et de la présenter, de définir ces principes, et de la fructifier dans l’étude de grammaire arabe, dans le contexte de connaître l’autre méthodologiquement et scientifiquement, dans le but mettre à jour la culture linguistique arabe contemporaine, en plus de la démarche développementrice qui essaye de résoudre quelques problèmes didactiques liés à la compréhension du phénomène linguistique dans la vie de l’homme Arabe contemporain.

1-توطئة

إن من اللسانيين العرب المعدودين في العالم العربي ،والمشتغلين بميدان الترجمة اللسانية حمزة بن قبلان المزيني([1]) الذي تعدّ بحوثه اللغوية نموذجا لتلاقي الرؤية التراثية في دراسة اللغة بمناهج النظر اللسانية الحديثة في المملكة العربية السعودية ، ولا نكاد -في زعمنا -نجد له نظيرا في الكتابة اللسانية الحديثة بالمملكة العربية ([2])،يدل على ذلك انشغاله بقضايا اللسان واللسانيات من زاوية حداثية صرفة، فجمع بين الدراسات التاريخية المقارنة والوصفية البنوية طورا وبين البنوية والتوليدية طورا آخر، ولنا أن نتوقف في هذه الحال المتوزعة على هموم بحثية متعددة المشارب والأهواء مع دراسته التحليلية لآراء لويس عوض عن الصلة بين اللغات الهندية الأوربية ومجموعة اللغات السامية([3])، خالصا إلى أن مثل هذه الدراسة التي لم تبتغ وجه العلم وحده غير جديرة بكل ذلك النقد والاهتمام الذي لاقته من طرف نقاد ذلك العصر ، فالزمن كفيل في رأيه بأن يسدل الستار عليها لقيامها على أسس واهية من التعصب والعنصرية ضد عرق معين([4])، ودراسته الفنولوجية حول ترقيق الراء وتفخيمها في القراءات القرآنية([5])،ومسألة الاختيار بين الكسرة والضمة في المضارع (فعل)([6])،ودراسته في المصطلح اللغوي الموسومةبـ:المشكِل غير المشكل في قضية المصطلح([7]) ،ودراسته عن تعاقب الحركات وحذفها في اللغة العربية قديما([8])، ودراسته في الوقف بالنقل أم مبدأ الجهرية([9]) ، وبحثه مكانة اللغة العربية في الدراسات اللسانية المعاصرة ([10])،ودراسته حول الاحتجاج للغة والنحو([11])، ومراجعته لكتاب "دراسات في المعجم العربي" لـ: إبراهيم بن مراد([12]) ،هذا وقد صدع الباحث بآرائه اللسانية الثورية في تقاليد علمية تهيمن عليها النزعة التراثية المثقلة بعبء رفض التصورات اللسانية الحديثة ، والتقليل من أهميتها في دراسة اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، واحتفت كثير من المجلات والجرائد المحلية كالرياض والمدينة واليمامة والدولية كالشرق الأوسط بنقل فكر الرجل،وتعريف القارئ العربي به، لقد بذل صاحب "موت النحو"([13]) جهودا لا تنكر لمن رام التأريخ للكتابة اللسانية العربية المعاصرة في كبرى قضاياها بالرغم من تعدد أطر البحث ، وتشرب روافده إلا أن الحاكم فيه كان دائما النظر اللساني الحديث دون رغبة جامحة أو متطرفة في التحرر من الفكر التراثي الذي ثار عليه الباحث في مشروعه أكثر من مرة ، وفي أكثر من مناسبة، والحقيقة التي بدت لنا من خلال ملاحقة أهم مقاربات الباحث أن نزعته الثورية لم تكن على مفاهيم التراث وأصوله ذاتها من مثل ما نجده عند أنصار الحداثة العربية ، بل هي ثورة على أساليب النظر ، وطرائق الاستمداد من الماضي في أعمال النحاة المعاصرين، والدعاة لهم في البلاد العربية، ويمكن تلمس هذه الرؤية في بحوثه التالية:1- مع لغة قريش، 2- سر بقاء العربية،3- مساءلة المساءلات ، أو فهم ما لا يلزم،4- موت النحو،5-النحاة والرواة ، 6- توثيق الحديث النبوي الشريف ، وغيرها من البحوث والمقالات المؤطرة لفكر الرجل ونقده.

2-الفصاحة ولغة قريش

إن القول بأن القرآن نزل بلغة قريش يتنافى مع الحديث الذي يقول إن القرآن نزل على سبعة أحرف ،وهو حديث صحيح .كما أشار الباحث إلى وجود حديث في صحيح البخاري ورد فيه أن القرآن أنزل بلغة قريش ، وقال إن هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة مستقدمة به ولم يبين لنا هذه الدراسة وماذا يريد أن يقول حول هذا الحديث ، لكنه أشار في آخر المقال أن مفهوم " لغة " في الاصطلاح العربي القديم يجب ألا يستدل به على نظام متكامل من الأنظمة الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية .فقد كانت الكلمة تستعمل لكي تحدد نطق كلمة معينة أو استعمالها أو وظيفتها النحوية عند قوم معينين . ولهذا يرى أن تفضيل لغة قريش وتميزها في الفصاحة عن العرب الآخرين يفتقر إلى الأدلة القوية .ومن المواضيع التي يظهر فيها التحيز الكلام عن نشأة النحو ،إذ القول السائد أن سبب نشأة النحو هو انحلال نظام اللغة العربية نتيجة لتأثير الداخلين في الإسلام من غير العرب . حيث تروي بعض المصادر العربية قصصا مفادها أن أبا الأسود أو غيره هو أول من وضع النحو،وذلك لما كثر اللحن بسبب الاختلاط بالأمم الأخرى غير أننا حين ندرس المصادر العربية نرى أنها تورد أخبارا تعود إلى عهد النبي صل الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين يحث فيها على توقي اللحن فهذه الأخبار وغيرها تدل على أن اللحن لم يظهر بتأثير الأعاجم ، بل كان الخروج على القوانين النحو حادثا في أداء العرب أنفسهم ، قبل أن يختلطوا بالأعاجم ، كما أنه لا يعقل أن ينحل نظام اللغة،ويتغير بهذه السرعة في فترة لا تتجاوز ثلاثين سنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم – كما أنه وجد في بعض المصادر العربية ما يوحي بوجود لغة غير معربة – عند العرب – إلى جانب اللغة الفصحى ومن ذلك ما يرويه ابن سلام في سياق الحديث عن أبي الأسود قال : " وإنما قال ذلك ( يعني أبا الأسود ) حين اضطرب كلام الناس فغلبت السليقية ، ولم تكن نحوية ، فكان سراة الناس يلحنون ووجوه الناس ،ويدل هذا النص على أن " السليقية " أي اللغة التي لا تعرب كانت موجودة ، وإنما الذي حدث هو تغلبها وشيوعها.ولهذا فإن القول بأن العرب قبل اختلاطهم بالعجم كانوا يتكلمون لغة معربة فيه كثير من المبالغة بل توجد لغة رسمية يتكلمها الخطباء والشعراء ، ولغة يومية سهلة ليس فيها شيء من اللغة الرسمية .وعلى هذا فإن نشأة النحو لها أسباب غير انحلال الإعراب واضطراب اللغة وهذه الأسباب كثيرة منها :1- أن اللغة تكون من أول اهتمامات الدول في فترة تأسيسها ، فهي أحد العناصر المهمة في إرساء كيان الدولة .2- أن القرآن الكريم محور الحياة ، فلا بد من قراءته وتفهم معاينة وذلك ما يقتضي معرفة القوانين التي تضبط لغته . 3- أننا لو قلنا إن الأعاجم كانوا السبب في نشأة النحو ، فيجب أن ننظر إلى هذه المسألة من زاوية أخرى بعيدة عن التحيز،فيمكن أن يقال إن من الأسباب التي دعت إلى تأسيس النحو أن العرب بدأوا في تعليم لغتهم التي هي لغة رسالتهم إلى غير المتكلمين بها وليس بسبب الخوف على اللغة . كما يرى المزيني أن العلماء عندما حددوا المدة التي يأخذون فيها اللغة وأيضا المتكلمين الذين يمكن أن تؤخذ لغتهم أن هذا من التحيز للغة لأنهم بذلك فاتهم الشيء الكثير من اللغة فلم يأخذوا إلا ما ناسب القواعد التي وضعوها أما ما عدا ذلك من الكلام فلا يمكن الاحتجاج به ولعل وراء هذا التحديد أسبابا متعددة منها :1-أنهم كانوا مهتمين -فقط- باللغة الفصحى التي تماثل اللغة التي نزل بها القرآن الكريم وذلك لأغراض عملية ، إذ لا يمكن أن يقعدوا لكل ما يسمعون .2- عدم وجود الوسائل التي تمكن من العمل الميداني المستقصي ، إذ إن أكثر ما أخذوه من اللغة كان من مدينتي البصرة والكوفة .ثم إن المصادر الأولية تبين أن أكثر جامعي اللغة كانوا يسجلون المواد اللغوية نفسها ، فالأخبار والروايات تتكرر في أكثر المصادر . لقد أدى وقف الاحتجاج بعد الفترة المبكرة من تاريخ الإسلام إلى إخراج أكثر مراحل اللغة العربية ازدهارا في العصر العباسي من فضاء الاستشهاد اللغوي حين أصبحت لغة العلم والحضارة .ولهذا برى أن هذه الطريقة التي سار عليها العرب في جمعهم للغة ليست صحيحة- وهو موقف قال به غير واحد من اللسانيين العرب المعاصرين مثل تمام حسان وعبد الرحمن أيوب وغيرهما- إذ إن كثيرا من القواعد التي وضعوها تخالف الواقع اللغوي وذلك أنهم يقولون مثلا لا يصح أن تقول كذا وكذا مع أن التعبير الأول صحيح وقال به العرب ويضرب لذلك أمثلة كثيرة، وقد أدى هذا المنع في تاريخ اللغة العربية إلى التضييق على مستعمليها مما حدّ من الإبداع والارتجال .ويمكن أن نقول هنا أن العرب في جمعهم للغة لم يكونوا متحيزين لأي لغة في ذلك العصر ، وإنما تحديدهم لهذه القبائل التي أخذوا عنها اللغة لعلمهم أن كثيرا من القبائل قد اختلطوا بغيرهم من الأمم مما أثر ذلك على لغتهم وليس معنى ذلك أن جميع اللغة قد اختلت ولكن حصل فيها تغيير بسبب هذا الاختلاط إن قول المزيني إن النحاة لم يستقصوا اللغة وأنهم اقتصروا على جمعها على مدينتي البصرة والكوفة يناقض ما قرره أهل اللغة من أنهم سافروا وحرصوا على جمعها من بوادي نجد و الحجاز والروايات التي في هذا كثيرة ، فليس صحيحا أن نقول إن اللغة في جمعها كانت قاصرة ، وإنما الذي تركه العلماء يعتبر شادا عند بعض القبائل ، وقد أشاروا إلى ذلك في كتبهم ، ثم استدل الباحث بهذا الحديث على صحة ما يقول ، فإن العلماء لم يهتموا بالحديث في دراستهم للغة لعلمهم أن الحديث في أغلبه روي بالمعنى ،وليس باللفظ الوارد عن الرسول صلى الله عليه وسلم .ثم إن ورود شواهد معدودة من اللغة تخالف ما عليه القاعدة التي وضعها العلماء لا يعني أن هذه القاعدة ليست صحيحة،وإنما وضعت القاعدة على الأغلب الشائع ، لكن لا أحد يخطئك على الأخذ بالسماع .ثم ختم المزيني هذا البحث بدعوته إلى معان النظر في القواعد التي أرساها اللغويون للغة من حيث كونها ملزمة للنموذج الذي درسوه فقط ، أما نحن فيجب علينا ألا نقيد لغتنا في صورتها الراهنة بالحدود والمقاييس التي وضعوها ، بل علينا أن نعيد النظر في كثير مما عملوه([14] ) ،إن الواجب علينا تجاه لغتنا أن نعيد النظر في كيفية توصيلها إلى المتلقين،وأن نسعى جاهدين إلى تسهيل الطرق التي تساعد على فهمها ، لا أن نغير في نظامها .أما عن دواعي التحيز اللغوي في القديم ، فقد أرجعها إلى الصراع العرقي بين الشعوب الإسلامية ، لأن العرب سيطروا بدينهم ولغتهم على الشعوب التي فتحوها ،مما جعل بعضهم يطعن في الجنس العربي ولغته وعاداته ،فما كان من العرب إلا مقابلة هذا الطعن بالدفاع عن لغتهم ووصفها بهذه الأوصاف،كما أن العوامل السياسية والدينية ، كانت وراء شيوع الثناء على لغة قريش ، بل تجاوز ذلك إلى الثناء على بني هاشم بخاصة بما يتجاوز حدود المعقول .وخلاصة القول أنه يجب أن نرى الآراء المتحيزة للغة العربية في سياقها الزمني والثقافي ، وألا تؤخذ على أنها حقائق ثابتة ، ذلك أننا نجد المصادر المتحيزة نفسها في بعض الأحيان تعود إلى النظر إلى هذه الأمور بموضوعية .

3-التحيز اللغوي في النظرية اللسانية الحديثة

لعلنا نتوقف مع أهم آرائه اللسانية الرائدة في الكتابة اللسانية العربية من خلال عرضنا لكتابه التحيز اللغوي وقضايا أخرى([15]) بوصفه من أهم كتب الباحث في نظرنا.إذبدأ الباحث موضوعه بمدخل عرض فيه للغة،وكيفية تعامل الإنسان معها عبر العصور المختلفة ،حيث إن جميع الحضارات السابقة كانت تفتخر بلغتها وتعتز بها،وتفضلها على غيرها،وتعدها أول اللغات نشأة،وأن ما عداها إنما نشأ متأخرا وناقصا نتيجة لعقاب إلهي بها نزل. وفي هذا السياق يناقش قضية التحيز اللغوي في الفكر القديم ،عارضا لنماذج من هذا التحيز في الحضارات المختلفة ، مركزا بشكل واضح على اللغة العربية. أما عن أسباب التحيز اللغوي فيرجعها إلى أمور ثلاثة هي :1- العنصرية العرقية ،2- التحيز الثقافي ،3- الجهل بطبيعة اللغة .هذا ويشمل التحيز اللغوي أنواعا كثيرة ،مثل:1- النظر إلى لغة معينة على أنها أقدم اللغات وجودا ،2- النظر إلى اللغة على أنها أكثر اللغات منطقية في نظمها ،3- النظر إلى اللغة على أنها أجمل وأكفأ اللغات في التعبير مما عداها،4- القول بأن مستوى من مستويات اللغة يتميز عما عداه من المستويات في اللغات الأخرى ،5- القول بأن نطق صوت معين أو خاصية معينة في لغة ما أجمل من غيرها في اللغات الأخرى ،6- القول بأن كلام فئة معينة من متكلمي لغة ما يتميز على كلام الفئات الأخرى ،تلك هي أهم أنواع التحيز في الحضارات كلها،لكن الباحث سيقتصر على الحضارة الأوروبية،والحضارة العربية والإسلامية، في إظهار ما فيها من تحيز لغوي صارخ.ولم يكتف الغربيون بالشكل العام للتحيز،فبدلا من الزعم المجرد بتفوق لغاتهم على غيرها ،أخذوا في القرون الأخيرة بالتنظير لهذا الزعم،واستخدام منجزات العلم في التدليل على صحة دعاواهم .

لقد ظهر مؤخرا كتاب بعنوان " لغات الجنة : العنصرية والدين والفلسفة في القرن التاسع عشر لمؤلفه موريس أولندر ،فلقد كان الرأي السائر في أوروبا في العصور الوسطى أن العبرية هي اللغة التي تكلمها آدم في الجنة ،وهذه النظرة الكنسية الرسمية . وكان هناك من يقول إنها السريانية ،ومن يقول إنها الكلدانية ، وكان هناك من يعارض هذه الآراء،ويجحد أن يكون الله علم الإنسان أية لغة،ومع ظهور الوعي القومي أخذت هذه القضية وجها جديدا، إذ حاولت كل أمة في أوروبا أن تبرهن على أن لغتها كانت اللغة التي تكلمها آدم في الجنة، لذلك نجد أن بعضهم زعم بأنها الفرنسية ،وقال آخرون إنها الألمانية ،كما مال إلى كونها السويدية .وهكذا ظلت كل أمة من هذه الأمم تحاول أن تثبت أن لغتها هي اللغة الأم،وأنها هي التي تكلم بها آدم في الجنة ، وكان وراء كثير من هذه الآراء التفسير اللاهوتي للإنجيل، كما قامت المقارنات بين نظام اللغات السامية ونظام اللغات الآرية ، بدافع الرغبة في التميز ،والظن بأن العرق الآري جنس متفوق منذ القدم على الأجناس الأخرى،وظلت هذه الآراء سائدة في الغرب إلى أن ظهرت لسانيات فردينان دي سوسير الذي نقد هذه الاعتقادات في كتابه الذي جمعه طلابه بعد موته حيث يقول :"إن هذه الفكرة تكون خاصة معينة لمجموعة لغوية معينة على الرغم من ملاءمتها إلا أنها تصبح سببا في التضليل إذا عدت اللغة صفة محددة ليس للأمة فحسب بل للعرق أيضا إذ عني أن تكون في مستوى لون البشرة وشكل الرأس"، أما فريضة سابير ووورف فقد قامت على دراسة لغات الهنود الحمر في أمريكا من خلال مقارنة أنظمة هذه اللغات باللغات الأوروبية ،مستخلصة فرضتين هما([16]):الحتمية اللغوية التي تعني أن اللغة تحكم الفكر، وتحدد معالمه،أما النسبية اللغوية فتعني أن لا حدّ للاختلافات البنيوية بين اللغات،ومما تجدر الإشارة إليه أن هدف سابير -وورف من هذه الفريضة لم يكن بقصد التحيز ضد أي لغة ،بل كانا يهدفان إلى تفسير الفروق التي رأياها بين اللغات، غير أن هذه الفريضة استخدمت لأسباب إيديولوجية من قبل غير المختصين ،وانتقلت بسرعة إلى الأبحاث الأنثروبولوجية والنفسية .أما في الدراسات اللسانية فلم تكسب مكانة جيدة ، بل وجهت الأبحاث إلى التدليل على أن هذه الفرضية لا يمكن أن تصح في صياغاتها تلك .ومن صور التحيز أيضا اتخاذ مواقف معينة من اللهجات ، إذ كان السائد في الغرب أن الشكل الصحيح للغة هو النموذج الفصيح لها أما اللهجات فهي في منزلة أقل لأنها تعد خارجة على النموذج الفصيح لها .إلا أن البحث اللساني المعاصر في الغرب أثبت أنه لا مجال للمفاضلة بين أشكال اللغة، فتستمر اللغة النموذجية واللهجات كلتاهما بوجود أنظمة لغوية مطردة تحكمها. أما تفضيل اللغة النموذجية فسببه ارتباطها بعوامل أخرى غير لغوية،مثل التاريخ والانتماء القومي والثقافي . كما أن بعض هذه اللغات النموذجية كانت في فترة من الفترات لهجات تحقق لها الثبات والهيمنة لعوامل غير لغوية ،أو بسبب مصادفة تاريخية محضة أصبحت تعد في منزلة أرقى من اللهجات الأخرى بعد أن تتخذ لغة الإدارة والثقافة ،ولهذا اتجهت الدراسات الحديثة إلى عدم التفضيل لغة أو لهجة على أخرى بالنظر إلى تركيبها .ثم ينتقل الباحث إلى دراسة الظاهرة في الفكر اللغوي العربي ، مقررا منذ البدء أن التحيز عند العرب ظهر في أطوار تاريخهم الثقافي كله ،ثم قسم التحيز إلى قسمين : 1- التحيز في التراث العربي القديم،2-التحيز في الدراسات العربية المعاصرة ،ويمكن أن يتخذا التحيز اللغوي عند العرب المظاهر الآتية :1- أن اللغة العربية أول اللغات نشأة ،2- اللغة العربية أفضل اللغات وأكملها وهي لغة أهل الجنة ،3- فصاحة قريش،4- نشأة النحو ،5- وقف الاحتجاج بعد سنة 100 في الحاضرة و 400 هـ في البادية ، ولنا أن نقف بشيء من التفصيل مع رؤاه في هذه المواقف المتحيزة من خلال مناقشته لمسألة كون العربية أولى اللغات الإنسانية نشأة ،فقد كانت نشأة اللغة عند الإنسان من القضايا الكبرى التي ناقشها اللغويون العرب ، حيث كانت تتنزل في سياق تفسير قوله تعالى : ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ( البقرة:31 ) مما أدى إلى اختلاف المفسرين واللغويين في أصل اللغة ، أهي إلهام أم إصلاح ؟ ،وكان غالب كلامهم يدور حول اللغة العربية ،حيث يذكر المزيني أقوال العلماء حول هذه القضية ،وعدم اتفاقهم على قول واحد ،لكنهم في الغالب يميلون إلى أن اللغة العربية هي أول اللغات نشأة. وقد لخص السيوطي الأقوال والآراء التي قدمت وذكر أن الذين قالوا بأن اللغة توقيفية اختلفوا في لغة العرب ، فمنهم من قال : هي أول اللغات، وكل لغة حدثت بعدها ، إما توقيفا أو اصطلاحا ، واستدلوا بأن القرآن كلام الله ،وهو عربي، وهو دليل على أن لغة العرب أسبق اللغات وجودا .وهذه الآراء والأقوال مشابهة لما عند الأمم الأخرى من حيث النظر إلى اللغة المعنية أنها أقدم اللغات وأولها .كما نجدها شائعة في كتب اللغة والأدب والمعاجم والتاريخ .أما كونها أفضل اللغات وأكملها ،وهي لغة أهل الجنة ، فإن كتب اللغة والأدب والمعاجم تحوي نصوصا كثيرة يستفاد منها أن اللغة العربية لغة أهل الجنة ، وأنها أفضل اللغات وأكملها،وهذه النصوص تأتي على أشكال متعددة ، فتارة على شكل أحاديث تروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، يفهم منها أنه يفضل اللغة العربية على غيرها ، أو أنها هي لغة أهل الجنة ، فمن النصوص الواردة في تفضيل العربية ما نسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من قول:"أحب العرب لثلاث لأني عربي ،والقرآن عربي ،ولسان أهل الجنة عربي ،وأيضا ما يروي عن ابن عمر رضي الله عنهما عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:"كلام أهل الجنة بالعربية ،وكلام أهل السماء بالعربية،وكلام أهل الموقف بين يدي الله عز وجل يوم القيامة بالعربية ،وأيضا حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أبغض الكلام إلى الله عز وجل الفارسية ، وكلام الشياطين الخوزية ، وكلام أهل النار البخارية ، وكلام أهل الجنة العربية " ،كما نجد ذكر هذا الاعتزاز في مقدمات الكتب اللغوية والتفاسير والمعاجم والكتب الفقهية، فكثير من العلماء ذكروا في مقدمات كتبهم أن اللغة العربية أفضل اللغات،وأنها لغة أهل الجنة ،من ذلك مثلا نجده عند ابن منظور في مقدمة كتابه " اللسان " إذ يقول:"وشرف هذا اللسان العربي بالبيان على كل لسان، وكفاه شرفا أنه به نزل القرآن،وأنه لغة أهل الجنان " ،إن هذا التفضيل الذي نجده عند هؤلاء العلماء في شتى علوم اللغة العربية إنما هو نابع من كون القرآن نزل بها ، وإذا رجعنا إلى العلماء الذين فسروا الآيات التي تفيد نزول القرآن باللغة العربية نجد أن فريقا منهم لا يفسرون الآيات بكيفية توحي بتفضيلها ، فالإمام القرطبي في تفسيره لكل الآيات التي وصف الله القرآن بأنه عربي ، لم يذكر عندها بأنه يذكر تفضيل اللغة العربية على غيرها ، فهذا ابن كثير مثلا في تفسير قوله تعالى : ﴿إنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾( يوسف : 2)،يقول " وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات أبينها وأوسعها،وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس،فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل . والذي يراه الباحث غير صحيح بل يجب ألا يفهم من إنزال القرآن بالعربية أنه تفضيل لها،وأن الاحتجاج بالآيات التي تفضل العربية مردود بفهم بعض المفسرين لها.أما الأقوال السابقة التي قدمها اللغويون والفقهاء وغيرهم في تفضيل اللغة فيمكن أن يشك في صحتها لأسباب كثيرة منها . 1- أن الأحاديث التي كانت سببا في شيوع هذه الاعتقادات ضعيفة أو موضوعة ،2- أن هذه الأقوال توجد في كل حضارة ، إذ يعتقد كل قوم أن لغتهم في الأفضل،3- أن تفضيل العربية لم يكن ناجما عن مقارنتها بلغات أخرى.4- أنه كلما درست هذه الاعتقادات وجد أنه لا دليل عليها.إن تفضيل اللغة العربية على غيرها ليس محصورا بل نجد أصحاب اللغات الأخرى يفضلون على غيرها،ومن ذلك ما جاء في كتاب المثل السائر قال " حضر عندي رجل من اليهود ، وكان عالما بدينهم فجرى بيننا حديث عن اللغات ، وأن اللغة العربية هي سيدة اللغات ، وأنها أشرفهن مكانا وأحسنهن وضعا وأخذت الحسن ، ثم إن واضعها تصرف في جميع اللغات السالفة فأختصر ما اختصر وخفف فمن ذلك أسم (الجمل) فإنه في اللسان العبراني (كوميل) فجاء واضع اللغة ، وحذف منها الثقيل وقال: (جمل) فصار خفيفا حسنا " .كما حظيت قضية فصاحة قريش بنصيب وافر من مناقشات المزيني اللسانية([17]) ، إذ يرى أن ما حظيت به قريش من ثناء على لهجتها لم ينله غيرها من قبائل العرب ، وهذا الثناء يأتي على صيغة أحاديث تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم تتحدث عن فصاحته،وأحاديث أخرى يستدل بها على فصاحة قريش التي ينتسب إليها.ومن هذه الأحاديث ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أنا أفصح العرب بيد أني من قريش،وربيت في بني سعد " وهو حديث موضوع،كما نجد ذلك أيضا في بعض المصادر التي فسرت قول الله تعالى:﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾(إبراهيم : 4) من ذلك يعني بلسان قريش ،وهذا مخالف ما عليه بعض المفسرين ،كما ورد في المصادر العربية نصوص كثيرة تمتدح فيها لغة قريش ،ومن ذلك ما ورد في المزهر مرويا عن ابن فارس أنه قال " أجمع علماؤنا بكلام العرب ، والرواة لأشعارهم ، والعلماء بلغاتهم وأيامهم ومحالهم أن قريشا أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة ،وهي رواية طويلة مفادها أن قريشا كانت تأخذ من جميع لغات العرب ما حسن ولطف، وذلك عندما يفدون إلى مكة للحج .إن هذه الأخبار وغيرها مردودة في نظر المزيني لأنها ليست صحيحة ،وذلك لأمور:1- أن الأحاديث التي رويت في فصاحة قريش ضعيفة فبطل الاستدلال بها ،2- أن هذه الأخبار التي رويت تناقض أخبارا أخرى فضلت غيرها عليها ومن ذلك ما يروي عن أبي زيد أنه قال : " أفصح الناس سافلة العالية وعالية السافلة ، يعني عجز هوازن " . أو ما روي عن أبي عمر وبن العلا قوله " أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم " .3- أنه إذا كانت لغة قريش بهذا المستوى من الفصاحة والحسن ، أليس من المنتظر أن تستغني عما عداها ، أما إذ استعارات من غيرها ، وكان من نتيجة ذلك إضافة شيء لم يكن موجودا فيها فإن وصفها - قبل هذه الاستعارة – بالكمال ضرب من المبالغة .4- أن الزعم بأن قريشا أو غيرها يمكن أن تختار عن وعي من اللغات الأخرى يحتاج إلى برهان قوي لأنه عمل ضخم منظم لا يمكن القيام به بسهولة حتى في العصر الحاضر .5- أن الصفات التي عدت قبيحة ولم توجد في لغة قريش خصائص صوتية فقط،ومن الصعب أن تكون وحدها مقياسا للفصاحة،لأن لكل لهجة خصائص صوتية معينة تختلف عن غيرها ، وكل قوم يرون أن طريقة نطقهم أجمل .6- أن كثيرا من الصفات التي يقال إن لهجة قريش تتصف بها يمكن أن توجد في كلام أناس غير قريشيين ، ومن ذلك مثلا فك الإدغام في المضارع المضعف المجزوم خصيصة قريشية لكننا نجدها عند غيرهم.     أما التحيز اللغوي في العصر الحاضر فينقسم إلى قسمين، أولهما تحيز للغة العربية ،والثاني تحيز ضد اللغة العربية ؛فأما التحيز للغة العربية فيأتي على مظهرين أحدهما أن يكون عبارة عن نقل من المصادر القديمة ، وهذا أكثر من يحصي من ذلك ؛اللغة العربية أم اللغات فقد تأثرت الدراسات اللغوية التي تناولت اللغة العربية في العصر الحاضر بالنظريات اللسانية التي جدّت في الغرب ، حيث كان من أحد جوانب اهتمامها التأريخ للغات ، ولهذا ألف في التأريخ للغة العربية ، وقد ذكر المؤلف ثلاثة كتب تذكر أن اللغة العربية أقدم اللغات وأنها الأصل الذي تفرعت منه اللغات الأخرى وهي :1- كتاب الأب "أنستاس ماري الكرملي" " نشأة اللغة العربية ونموها واكتمالها " إذ يحوى الكتاب تسعة وثلاثين فصلا يعرض فيها المؤلف آراءه مقارنا بين اللغات،مرجعا كثيرا من الكلمات في لغات عديدة إلى أصول عربية . 2- كتاب لمؤلف هندي اسمه "محمد مظهر" عنوانه " العربية أصل اللغات كلها " حيث قسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب تحدث في الأول عن مسألة النقاش في أصل اللغة ، والثاني حلل الكيفية التي اشتقت بها اللغات جذورها من العربية ، وفي الثالث تحدث عن قاموس للجذور من مختلف اللغات وأصولها العربية .3- كتاب "تحية عبد العزيز إسماعيل" بعنوان " اللغة العربية الفصحى، أم اللغات الهندية والأوروبية وأصل الكلام "،وهذا الكتاب يرى المزيني أنه لا يستحق الدراسة ذلك إنه كتب بلغة إنجليزية ركية جدا مما أدى إلى غموضه ،كما أنه يفتقد إلى أدنى درجات التخطيط المنحني، وثالثا لكثرة الأخطاء التاريخية الواردة عن اللغة العربية .ويجمع هذه الكتب الثلاثة وغيرها أنها غير مقنعة علميا ، وذلك لأسباب منها:1- أن هذه المقارنات لا تفيدنا شيئا في إثبات أن الجذور العربية كانت الأصول التي جاءت منها هذه الكلمات .2- أن هذه المقارنات – إن كانت صحيحة – فهي لا تدل إلا على أن هناك تشابهات بين اللغة العربية واللغات الأخرى .3- أن هذه التشابهات مصدرها الصدفة المحضة،أو اقتراض اللغات بعضها من بعض . 4- أننا نجد كتبا أخرى تأخذ هذه الأمثلة نفسها لكي تزعم أن اللغة العربية نفسها مشتقة من لغات أخرى .ومن التحيزات الأخرى للغة العربية يرى المزيني أن لمطبوعات الجامعة العربية نصيبا وافرا من إشاعة التحيز اللغوي في المستوى الثقافي عموما ،فمن ذلك مجلة " اللسان العربي "،ومجلة " شؤون عربية " ،كما أن بعض الهيئات العلمية العربية لها دور في هذا التحيز مثل مركز دراسات الوحدة العربية إذ ينشر بعض المطبوعات التي تتناول هذه القضية مثل كتاب محمد المنجي الصيادي " التعريب وتنسيقه في الوطن العربي " حيث مال فيه المؤلف إلى تبجيل اللغة العربية بشكل زائد .أما التحيز ضد اللغة العربية في العصر الحاضر،فقد تلمسه الباحث من خلال جهل باللغة وكيفية عملها مثل كتابات سلامة موسى وغيره ، أو بالنظرة الإقليمية البحتة زيادة على الجهل باللغة مثل كتابات سعيد عقل ، كما قامت كتابات بعض المستشرقين العدائية بتأجيج التعصب ضد اللغة العربية في بعض السياقات بخاصة فيما يتعلق بالتأثر ببعض النظريات الحديثة عن اللغة وصلتها بالفكر، هذا وركز الباحث على هذه النقطة بالذات من خلال تأثر البعض بفرضية "وورف" و "سابير"، مما تجلى في كتابات اللبناني ي. شوبي في سنة 1951 م في مجلة الشرق الأوسط بعنوان " تأثير اللغة العربية على نفسية العرب "إذ رأى أن الازدواجية اللغوية، ،والنقص النحوي ، واللعب بالكلمات،ونظرة العرب الدونية إلى لغتهم ،وبشاعة أصواتها،وكثرة المترادفات فيها من أهم الأسباب التي تكون عبئا على فكر متكلميها ،ومانعة لهم من التفكير السليم،وفي هذا السياق يضطلع الباحث بالرد على هذه الرؤية بقوله :"إن هذه الادعاءات الساذجة مأخوذة من فرضية "سابير" و"وورف" التي لم يعد أحد يحملها على الجد . بالإضافة إلى أن المؤلف ليس محايدا ، فله أغراض عنصرية غير علمية .كما إن كتاب " تكوين العقل العربي " لـ " محمد عابد الجابري " تهافت على هذا التصور أيضا ففيه يرى صاحبه أن للغة تأثيرا كبيرا على نظرة الإنسان إلى الكون ،مناقشا القضية بربطها بواقع العرب ولغتهم ،كما ذهب إلى نقد علماء العرب بخاصة النحاة واستقرائهم للغة .

كما يلفت الباحث الأنظار إلى شكل آخر من التحيز اللساني تمثله محاولة الانتصار لفئة أو مذهب أو جهة لغوية ، مع النيل من جهة أخرى بدون وجه حق ،وربما تلمسنا هذه الحال من دفاعه عن اللسانيين في "المغرب" من خلال نقده لبعض النقود التي وجهها "عبده الراجحي" عقب مشاركته في مؤتمر اللسانيات الذي عقد بالمغرب سنة1981م، والتي لم يسعفه الحظ في تثبيت صحتها لقيامها على أسس واهية، فمنها حمله عليهم عدم عد اللغة العربية لغة طبيعية، وتغافلهم عن قضايا المنهج الكبرى في نقد النحو العربي ،بانشغالهم مع جزئيات النظر النحوي بخاصة عند المتأخرين من النحاة، واتهامهم للنظر النحوي القديم بالبناء على الوهم([18]).هذا وقد ناقش الباحث هذه الآراء مفندا لها من خلال قراءة في أهم ما قدمه اللسانيون المغاربة بخاصة المشاركين منهم في تلك الندوة العلمية مثل الفاسي الفهري والأخضر بوجمعة ومحمد الإدريسي([19])،حاملا على "عبده الراجحي" عدم اتصافه بالموضوعية في النقد بإيراده مآخذ غير مؤسسة، كما تحمّل كلامه عن النحو العربي واللسانيات التوليدية بخاصة شيئا مهما من التناقض والاضطراب لخصه الباحث في بضع نقاط منها فهمه لموقف النظرية التوليدية من المعنى ،ومفهومها للقدرة اللغوية والمتكلم المستمع المثالي وقوة القاعدة وأوجه التشابه بينها وبين النحو العربي ، وغيرها من المسائل التي يبدوا اضطراب "عبده الراجحي" في عرضها للقارئ العربي([20])،يقول المزيني في سياق ردّه لهذا اللون من التحيز المذهبي: «إن التشكيك في منطلقات الزملاء اللسانيين العرب في المغرب العربي ،وفي أعمالهم لا يخدم البحث اللساني العربي بشيء ،وذلك أنه سوف يثير كثيرا من الريبة في النفوس من أولائك ، وسيحرمنا من الاطلاع على منجزاتهم، وسوف يباعد بيننا وبينهم ، علاوة على أن هذا التشكيك لا يقوم على أساس ، إني أقول إن من واجبنا الإشادة بهم ، ومشاركتهم ،وكسر الحواجز الوهمية التي أقمناها نحن بفعل شعور الريادة الوهمي الكامن في نفوسنا ، صحيح أنه قد لا تروق لبعضنا أساليب بعض هؤلاء عندما يكتبون ، لكن هذه قضية جانبية»([21]) .

4-آفاق نظرية تشومسكي اللسانية

إن اللغات جميعها أنظمة متكافئة من حيث التعقيد البنيوي ، ومن حيث وفاؤها بأغراض متكلميها ،وهي مهما بدت مختلفة في ظاهرها فإنها تشكلات شيء واحد عام لدى بني الإنسان،ومن النظريات اللسانية التي تعمل في هذا الاتجاه النظرية التوليدية التي أسسها اللساني الأمريكي تشومسكي،والتي تقرر في أدبياتها أن البشر متشابهون في هذه الظاهرة التي يشتركون فيها،وربما يقود ذلك إلى إعادة التفكير في كل الظواهر الأخرى التي يظنون أنها تصنفهم إلى فصائل مختلفة .ومن آثار عدم التحيز على المستوى اللغوي أن يتحقق المشتغلون بعلوم اللغة أنه يمكن أن تدرس اللغات جميعها بمناهج واحدة ، إذ لا تختص لغة بصفة تخرجها عن إمكان دراستها بهذه المناهج ، إذ إن الاختلافات بين اللغات وليدة مبادئ قليلة يمكن تحديدها .كما تجلت عنايته بالنظرية التوليدية عبر الجهود المهمة التي قدمها في سياق ترجمة أهم مؤلفات مؤسس المدرسة ، وكبار الباحثين فيها ، وتقديم ذلك للقارئ العربي ، ناهيك عن انخراطه في مناقشة بعض المسائل المثيرة في النظرية مثل بحثه لمفهوم الكليات اللسانية التي عرضت في نظرية "المبادئ والوسائط" إذ يعرض الباحث إلى نماذج من تلك الكليات اللغوية المشتركة في اللغات ،فمن ذلك –مثلا- التشابه في الموقف من نشأة اللغة وتطورها ، وأهمية دراسة اللهجات ،وصعوبة النحو ، وسبل إصلاح تلك الصعوبة ، وما إلى ذلك من النقاشات المختلفة حول إصلاح الكتابة والمحافظة على اللغة في الشرق والغرب([22])، مستشهدا في هذا الإطار بمقال للكاتب الإسباني الشهير جبريال غرسيا ماركيز الذي صرح قائلا: فإنني أود أن أقترح على هذا الجمع المثقف أن نعمل على تسهيل نحو الإسبانية قبل أن يسهلنا هو ، ومن أجل ذلك فإنني أدعو إلى أن نضفي على قواعدها النحوية وجها إنسانيا، وأن نقبل من لغاتنا المحلية – التي ندين لها بالكثير – الدروس العظيمة النافعة التي يمكن أن نتعلمها منها ، ولندخل بسرعة وكفاءة المصطلحات التقنية الجديدة قبل أن تتسرب إليها عنوة من غير أن تكتسب وجها إسبانيا([23]) ، لقد كشف هذا النص على أن الهموم اللغوية مشتركة بين لغات العالم ، ولعلها تكون كليات تنبئ عن وحدة اللغة الإنسانية بالرغم من تعدد أشكالها الفعلية في واقع البشر، كما يمكن الزعم انطلاقا من هذا الحال أن المجدي هو دراسة اللغة بوصف بنيتها ،والبحث في المسائل المتصلة بتعليمها مادمت تلك الهموم مشتركة ، لا تقتصر على اللغة العربية وحدها.

5-الحداثة والنحو

عرض المزيني موقفه من النحو في أكثر من موضع ، ولعل بحثه الموسوم بـ:"موت النحو" يلقي الضوء على خلاصة هذه التصورات النقدية،فمنذ الوهلة الأولى يتلمس الباحث مشروعية الفكرة من دعوات سابقة نادت بموت المؤلف وموت النقد خرجت من رحم البنيوية الغربية ،مقررا استصدار شهادة وفاة للنحو المعياري في صورته الحالية، مستغربا صمت الكثيرين عن المسارعة إلى تشييع جثمانه بالرغم من حدوث وفاته قبل مئات السنين، والأغرب أن يضل سلطانه مبسوطا على الأخيلة والعقول دون أدنى مقاومة، ولعل خضوع الناس اليوم لخيال هذا الجسد الذي فنيت روحه راجع إلى عدم وقوفهم على أدلة موته، ولنا أن نقدمها لهم مختصرة فيما يلي([24]):1-وقف الاحتجاج للغة والنحو،2-نضج النحو واحتراقه مع سيبويه،3-مقالة إبراهيم مصطفى في إحياء النحو،4-مقولة تجديد النحو عند النحويين أنفسهم ،5- تكرار أبحاث المحدثين في المسألة النحوية عينها .كما يحمل الباحث على النحو الذي عرضت مقولاته منذ القديم إلى الطعن في العربية ، ورميها بالفساد واللحن ، وقطع صلتها بأهلها ، حتى غدوا عند بعض النحويين من المستعربين([25]) ،إن ما يطبع الموقف من النحو كونه فشل في أهدافه التي جاء لأجلها إذ لم يستطع وصف اللغة العربية وصفا علميا شموليا دقيقا فكثرت الظواهر الشاذة التي تند عن القاعدة النحوية ،كما فشل في نشر العربية ،وتعميم استعمالها في أغلب البلاد التي دخلت في الإسلام ، ناهيك على أنه لم يمنع اللهجات من تطورها ، وانتشارها ، ومزاحمتها للفصحى، كما نشهد له فشلا ذريعا في تعليم اللغة العربية لأبنائها في عصرنا الراهن في شتى مستويات التعليم العامة والمتخصصة، والأدهى من ذلك فقد حرص النحو بمعياريته على تكميم أفوه المتكلمين بتخويفهم المستمر من مغبة الوقوع في الخطأ ، والزيغ عن صرامة القواعد، مما ترك آثارا سلبية في تكوين شخصية الفرد العربي، هذا ويختم الباحث موقفه بتساؤلات منهجية ومعرفية مهمة تتصل بضرورة إعادة وصف اللغة العربية لسانيا، وإخضاع وصفها للتجريب والتفسير المستمرين شأنها شأن سائر اللغات في العالم، فلا أحد يملك الكلمة الفصل في حياة اللغة العربية حاضرها ومستقبلها!ويتصل بحثه في مسألة التعريب بسياق بحثه في الكليات اللسانيات، فمسألة التعريب بنقل المصطلحات والمفاهيم من لغة أخرى إلى العربية ، لها ما يشبهها في الواقع العملي للغات أخرى،إلا أن الفكرة الأساسية التي يناقشها من خلال نقده لفكرة النسبية اللغوية التي تمثّلها عثمان سعدي رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية تقوم على نفيه لما يراه الكثيرون من أن تمثل علوم العصر لا يتحقق إلا باللغة القومية ، مع أن الشواهد قائمة على تمثل جنسيات مختلفة بلغات متنوعة للعلم في الولايات المتحدة الأمريكية –مثلا- يشارك في صناعة العلم علماء كثيرون ليست اللغة الإنجليزية لغتهم الأم ،بل ربما لا يمثل عدد العلماء الأمريكيين أصالة شيئا يذكر بالنسبة إلى العلماء الأجانب الذين تمثل الإنجليزية لغتهم الثانية ، ومع ذلك تنسب لهم الريادة والسبق العلمي،ويقوده هذا الموقف إلى نبد فكرة أفضلية لغة على أخرى ، وضرورة إحلال لغة محل لغة لاعتبارات دينية وعاطفية متحيزة، بيد إن المسلك الطبيعي لتعريب العلوم وتدريس المعارف باللغة العربية في واقعنا مرتبط بالضرورات الاقتصادية والاجتماعية والحضارية ، ولا علاقة لذلك بمسألة ارتباط اللغة بالعرق ،غير إن تعليمها لابد أن يقوم على أسس صحيحة تضمن الامتلاك الحقيقي لناصيتها بإدراك قوانينها وخصائصها ليتحقق لاحقا الفهم والتفكير الإبداعي لدى أصحابها.ومن هنا يخلص الباحث إلى نتيجة مهمة يحتاج اللغويون العرب إلى وضعها نصب أعينهم ، وهم يتباحثون مسألة التعريب وقضية القضايا المعروفة عندهم بالمصطلح، ألا وهي أن أسباب التقدم العلمي أو عدمه لا تكمن في تعليم العلوم باللغة القومية أو تعليمها بلغة أجنبية فقط ؛ بل إن أسبابها كثيرة جدا : وهي أسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ووجود أو عدم وجود قيم معينة([26]).

5-المراجعات اللسانية ونقد اللسانيات

عرض المزيني إلى كثير من الترجمات العربية التي حاولت نقل المعرفة اللسانية الغربية إلى اللغة العربية ، فأساءت من وجهة نظره إلى العالم والقارئ من حيث لا تدري، وما ذلك إلا انعكاس لعدم وضوح المفاهيم اللسانية في أنظار هؤلاء المترجمين ، يقول المزيني معلقا على ترجمة "عبد الله بن هادي القحطاني" و"محمد عبد الرحمن البطل" لكتاب "فريديريك نيوماير" السياسة في علم اللغة:«لابد من القول منذ البدء أن من المؤسف أن تكون هذه الترجمة مثالا آخر للترجمات التي تسيء إلى تخصص اللسانيات ، وذلك بإسهامها في صرف القراء عنها نتيجة لسوء اللغة المستخدمة وغموضها وعدم قدرتها على توصيل الأفكار الدقيقة فيها » ([27])، ويتركز نقد الباحث للترجمة على عدم دقة ترجمة العنوان الذي يوهم منذ اللحظة الأولى بشيء من السياسة التي تمارس في اللغة أو عليها بيد إن القضية الرئيسة التي يقوم عليها بحث "فريدرك نيوماير"هي صور ومظاهر الصراع الفكري والمذهبي بين التيارات اللسانية الغربية ، وثمار ذلك الاختلاف الإيديولوجي والمنهجي على تطور المدارس والنظريات اللسانية ،ولعبة ميزان القوى بينها في الجامعات ومراكز البحوث، هذا ناهيك عن جملة من السلبيات وقع فيها المترجمات أخلت بمبدأ الأمانة العلمية وحفظ الحقوق الفكرية ، والتجني على بعض الشخصيات اللغوية العالمية مثل : "نعوم تشومسكي" مؤسس اللسانيات التوليدية، والوقوع في بعض الأخطاء اللغوية في كتابة أسماء الأعلام ، وتعدد المصطلحات الواردة في المفهوم الواحد. لقد بنيت هذه الترجمة على مواقف متحيزة ضد اللسانيات الغربية وأعلامها، تجلت في محاولة الربط بينها وبين حركة التنصير والمخابرات الغربية ، مما يعطي الانطباع بخطورتها على اللسان العربي بخاصة والمعرفة العربية بعامة([28]).ولعل من المؤلفات المهمة في صعيد النقد اللساني، التي ناقش المزيني من خلالها قضايا لسانية تتصل بالكتابة اللسانية العربية المعاصرة، وآفاقها كتاب " مراجعات لسانية"([29]) ،الذي يعبر عن موقف المزيني من عملية نقد المنجز العربي في اللسانيات، فالمراجعة بالنسبة إليه من أهم العوامل التي تبعث الحياة في التخصصات المختلفة، بل ربما أمكن القول إن البحث العلمي بمجمله إنما هو بطبيعته لا يخرج عن كونه مراجعة مستمرة لما أنجزه السابقون ([30]) فقد عرض لواقع الكتابة اللسانية العربية درسا وترجمة ،مستخلصا جملة من السلبيات التي تحول بترسيخها دون وصول اللسانيات إلى مكانتها المنشودة في الوطن العربي ، ولعل من تلك السلبيات؛ السرقات العلمية ،و الترجمة الرديئة والمشوهة للأصل ،وإدعاء السبق العلمي،وتغيير المواقف بسرعة، إلا أنه يقرّ بموضوعية بوجود أعمال لسانية محترمة في بعض البلاد العربية ، في المغرب العربي وبعض اللغويين في المشرق ، ممن يشهد له بالصرامة العلمية والموضوعية([31])،هذا وقد تناولت مراجعات المزيني اللسانية أبحاثا للغويين عرب مثل :"رمضان عبد التواب" و الذي نال نصيبا مهمّا من اعتراضات الباحث المنهجية والمعرفية بخاصة في ميدان ترجمة النصوص اللغوية الأجنبية ، من مثل نقده لترجمة كتاب اللغة، دراسات في اللغة واللهجات والأساليب لـ:"يوهان فك" الذي تعاورته ترجمات عدة مختلفة تتزاحم السبق في نقله إلى العربية([32])،بالإضافة إلى ما رآه الباحث من خلل منهجي في كتابات "رمضان عبد التواب" يعود في جملته إلى مجانبة الأمانة العلمية من مثل ما نجده في كتابه ؛ "المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي" وكذا في مؤلفه" فصول في فقه اللغة العربية"([33]) ،والاعتداد بالنفس والتسرع،وعدم مراجعة ما كتب،والإسراف في النقل([34])، بل وتكرار ما قدم في مناسبات سابقة([35])، وبالجملة لا يمكن حمل ما قدمه هذا اللغوي محمل الجدة والإفادة ، بل إنه لم يحسن تمثيل آراء السابقين من الدارسين للسانيات([36]) .كما يشن الباحث حملة نقدية مماثلة على كتابات تلاميذ "رمضان عبد التواب"من خلال نقده الذي لا يخلو من شدة و قساوة قد تُحوّل اللسانيات إلى تلاسن ،وبالرغم مما يظهر من موضوعية ملبسة بخطاب لا يخلو من تحامل أحيانا – في نظرنا- لكتابين أولهما : "دراسات في علم اللغة الوصفي والتاريخي والمقارن" لـ: "صلاح الدين صالح حسنين"([37])،وثانيهما عنوانه:"ملامح من تاريخ اللغة العربية" لـ:"أحمد نصيف الجنابي"([38]) ،يقول المزيني:«إن النتيجة التي يخرج بها الباحث هي أن هذين المؤلفين لم يعمدا إلى ما عملاه إلا بسبب أخذهما عن أستاذهما الاستخفاف بالمنهج العلمي روحا ونصا ،فلو حملهما أستاذهما أثناء إشرافه عليهما على التمسك بالمنهجية لما وقعا هذا الموقع ، ولو أنهما رأيا رأيا فيه مثلا جيدا لتابعاه واقتديا به»([39]) . ولا يخفى على القارئ الحصيف ما في هذا الخطاب التهكمي القاسي من مبالغة وشدة على الآخر ، قد لا نجد له شبيها في مراجعات سائر اللسانيين العرب ،بل وفي مراجعات اللسانيين الغربيين بهذه الصورة الحادة ، وفي مجال مراجعة الكتب المترجمة عقد الباحث مقارنات لغوية ومفهومية مهمة بين ثلاث ترجمات لمحاضرات "فردينان دي سوسير" هي ترجمة "أحمد نعيم الكراعين" الموسومة بـ: "فصول في علم اللغة العام"([40])،وترجمة "يوسف غازي" و"مجيد النصر" الموسومة بـ:"محاضرات في الألسنية العامة" وترجمة "صالح القرمادي" و"محمد الشاوش" و"محمد عجينة"، الموسومة بـ:"دروس في الألسنية العامة"([41]) ،وبعد مناقشة مستفيضة لمواطن الصدع في تلك الترجمات يقرر الباحث وجوب اعتبارية الترجمة التونسية ، وتداركها لبعض النقائص ، والحكم بعدم القيمة على الترجمتين الأخريين([42]) ،كما تناول بالمراجعة ترجمة "محمد زياد كبة" لكتاب "جون ليونز" عن نظرية "تشومسشكي"([43]) مظهرا مواطن الضعف والزلل المنهجية والمفهومية ، والتي تنم عن عدم التزام المترجم من وجهة نظر الباحث بالدقة واطراد المصطلحات مما تفرضه الطبيعة العلمية للسانيات بوصفها علما إنسانيا ينشد دوما دقة وموضوعية وصرامة العلوم الطبيعية([44])،ناهيك عن وقوعها في الضعف الأسلوبي والأخطاء النحوية، وأخطاء الترجمة نفسها ، وضعف الروابط بين الفقرات والجمل،وكثرة الأخطاء الطباعية([45]).

الخاتمة :

لقد بلغت الكتابة اللسانية في المملكة العربية السعودية شأوا من النضج لا يمكن تجاهله في سياق وصف المنجز اللساني العربي العام ، وفي هذا الإطار تتنزل رؤية حمزة المزيني اللسانية القائمة على الجمع بين المقدمات النظرية التراثية ،والنظرية اللسانية الغربية في نموذجها التوليدي والذي كان الموجه المباشر لأفكاره التجديدية في النحو والفصاحة اللغوية ،وصناعة المعجم ،وتعليم اللغة للناطقين بغيرها. لقد مارس الباحث نقدا ذاتيا للفكر اللساني العربي القديم ،محاورا النظرية الغربية ،مستلهما منها التصور والإجراء.

هوامش وإحالات البحث



) ) - تخرج حمزة بن قبلان المزيني في قسم اللغة العربية بجامعة الملك سع ود في 22-04-1391 ، حصل على الماجستير والدكتوراه في اللسانيات اللهجية من جامعة تكساس في أوستن في بداية الثمانينات، تقلد مناصب علمية وإدارية بالجامعة الأم وهيئات علمية عربية مثل إدارة مجلة اللسانيات العربية بالمغرب ومجلة علوم اللغة بمصر والتواصل اللساني بالمغرب ومجلة العلوم اللغوية التي أصدرها مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث ، له مؤلفات مهمة تمثل رؤيته المتميزة للغة واللسانيات منها : مراجعات لسانية (1-2)،التحيز اللغوي وقضايا أخرى صادر عن سلسلة كتاب الرياض، ودراسات في تأريخ اللغة العربية والعولمة والإرهاب ، غير إن أبرز جهوده تركزت في مجال الترجمة فله فيها أعمال مهمة مثل ترجمته لـ :"اللغة ومشكلات المعرفة" لنوام تشومسكي (1990)و "الغريزة اللغوية ،كيف يبدع العقل اللغة" لستيفن بنكر (1994)و"دلالة الشكل في العربية في مرآة اللغات الأوربية المعاصرة" لديفيد جستس ( 1987) "آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل" لنوام تشومسكي و"اللغة والطبيعة" للكاتب نفسه

) ) - يسعى هذا البحث –كما مر بنا- إلى استحضار أهم الأقلام اللغوية في المملكة ، والتي عنيت بشكل متخصص بالدرس اللساني وفق رؤية وأطر المناهج اللسانية الحديثة.فاللساني(Linguiste) هو المتخصص في اللسانيات الحديثة ،الذي يهتم بدراسة اللغة في جانب من جوانبها وفق رؤية اللسانيات المعاصرة ، حتى لا تختلط صورته بصورة النحوي ( Grammairien)،ووفق هذا الوصف فإن أغلب من نعدهم أو يعدون أنفسهم لسانيين ليسوا كذلك.

) ) حمزة المزيني ، " ترقيق الراء وتفخيمها في القراءات القرآنية ، (مجلة كلية الآداب ، جامعة الملك سعود ، المجلد الخامس عشر، سنة 1408ه).

) ) – حمزة المزيني ، مراجعات لسانية ، ص153 ، ص46

) ) حمزة المزيني ، " دراسة تحليلية لآراء لويس عوض عن الصلة بين اللغات الهندية الأوربية ومجموعة اللغات السامية" (مجلة العصور ، السنة الثانية ، العدد 1، 1407).

) ) حمزة المزيني ، " مسألة الاختيار بين الكسرة والضمة في المضارع (فعل)" (مجلة كلية الآداب ، مجلد5،1409).

) ) حمزة المزيني ، "المشكل غير المشكل في قضية المصطلح" ، ( كتاب علامات في النقد الأدبي ، نادي جدة الأدبي سنة1414).

) ) حمزة المزيني ، " تعاقب الحركات وحذفها في اللغة العربية قديما" ( مجلة أبحاث اليرموك ، مجلد 13 ،عدد2 ،سنة 1995 )، ص319 و366

) ) حمزة المزيني ، " الوقف بالنقل أم مبدأ الجهرية" (مجلة جامعة الملك عبد العزيز، كلية الآداب ، مجلد8، 1415) ص1

) ) نشر هذا البحث في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني ، عدد53 ، السنة الحادية والعشرون ، ص11-63

) ) نشر هذا البحث في مجلة جامعة الملك سعود ، مجلد 10 ، 1418.

) ) نشرت المراجعة في المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت ، عدد38 ، مجلد 10 ، ص 270 وما بعدها .

) ) نشر هذا البحث في جريدة الرياض ، ثقافة اليوم ، بتاريخ 11/8/1419ه

([14]) - هذا القول في نظر أنصار النحو غير صحيح ، لأن اللغة العربية عندهم ليست لغة تتغير قواعدها على مر العصور ، فالقواعد هي القواعد ، ولن يستطيع أحد أن يأتي بجديد في هذا فكل المحاولات التي جاءت للتغيير في هذا باءت بالفشل ، إن فكرة التغير لها أكثر من دلالة ، ولا يجب أن ينظر غليها من الخارج بل من داخل اللغة فاللغات تتغير بالرغم من ثباته غير الساكن في جوانب متعددة يكشف عنها الاستخدام ، أما التطور البنيوي المتعلق بنظم الكلام وقواعده الأساسية فغير وارد في اللغة العربية بدليل استمراريتها عبر الأجيال وسبب ذلك معروف ، أما في مستوى الاستخدام فوارد ، يظهر ذلك في هذه اللغات المولدة بفعل الاحتكاك الأجنبي في منطقة الخليج العربي ، ولنا أن نقارن بين بنية الجملة نحويا في الفصحى ، وبين بنيتها على السنة المولدين في عصرنا في أكثر من مكان.

([15]) - يمثل هذا العرض الملخص لكتاب التحيز اللغوي حصيلة نقاش في حلقة دراسية مع طلاب الدراسات العليا ، كانت لنا فرصة تدريسهم مقرر قضية لغوية في قسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود في الفصل الدراسي الأول من العام الجامعي 1426-1427 ه.

([16])- Sapir,1921,p8

([17])– يمكن الاطلاع على الرأي المخالف في أكثر من مرجع ، ولعل من الدراسات التي وضحت وجهات النظر – فيما نحسب-دراسة صالح بلعيد ، "الاحتجاج اللغوي" ، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية ، العدد1 ، سنة 1 ، ماي 2005 ،ص58

)) – المزيني ، مراجعات لسانية ، ص179 وانظر عبده الراجحي ،"النظريات اللغوية المعاصرة وموقفها من اللغة العربية"،محاضرة ألقيت في النادي الأدبي بالرياض ، بتاريخ 24/4/1408 ،و نشرت في جريدة الرياض في 4/5/1408ه)وانظر البحث اللساني والسيميائي، (منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط ، سلسلة ندوات ومناظرات ، رقم 26، الدار البيضاء ،مطبعة النجاح الجديدة ، 1405ه/1984م).

)) – المزيني ، مراجعات لسانية ، ص181و182 و185و186

)) – المزيني ، مراجعات لسانية ، ص191

([21]) – المرجع نفسه ، ص192

) ) - المزيني ، من الكليات اللسانية ،نشرت في جريدة الرياض ، ثقافة اليوم ،1/6/1418ه

) ) - هذا نص ترجمة المزيني لمقال غارسيا ماركيز الذي نشرته النيويورك تايمز في عددها الصادر في 3/8/1997م،وهذا النص مقتطف من كلمة ألقاها الروائي الكبير في مؤتمر عالمي حول الإسبانية في المكسيك بعنوان " الكلمات عجلى ، فابتعد عن طريقها .

) ) - حمزة المزيني ، موت النحو ،جريدة الرياض ، ثقافة اليوم ،14/8/1419.

) ) - عباس حسن ، النحو الوافي ، 1/1-2 .

) ) - حمزة المزيني ، قول عن التعريب ، جريدة الشرق الأوسط ،22/9/1995.

([27]) -السياسة في علم اللغة ، من موقع حمزة بن قبلان المزيني على شبكة النت Http://wwww.thebooks.jeeran.com/politic.htm

) ) – حمزة بن قبلان المزيني ،" السياسة في علم اللغة" ، (جريدة الرياض ،ثقافة اليوم ،عدد22/6/1418و8/7/1418)

) ) – حمزة بن قبلان المزيني ،"مراجعات لسانية" ،(النادي الأدبي ، الرياض ، ط1، 1990)

)) - المرجع نفسه ، مقدمة الطبعة الثانية

) ) – حمزة بن قبلان المزيني ،" مراجعات لسانية" ،ص11

) ) – حمزة بن قبلان المزيني ،" مراجعات لسانية" ،ص38

) ) – المرجع نفسه ، ص51 وانظر الكتب المذكورة في الصفحات التي أشار إليها الباحث في نقده مزيدا من التأكد،ومما يذكر في هذا السياق ذلك الشبه الكبير في التبويب والأفكار بين كتاب اللهجات العربية لإبراهيم أنيس وكتاب فصول في فقه اللغة لرمضان عبد التواب.

) ) – المرجع نفسه ، ص49

) ) – المرجع نفسه ، ص52

) ) – المرجع نفسه ، ص46

) ) – المرجع نفسه ، ص70و77

) ) – المرجع نفسه ، ص78-79

) ) – المرجع نفسه ، ص79 ويذهب الباحث بروح سوداوية لكثرة استفحال هذه الظاهرة لاستهتارنا بالعلم إلى أن الأمل في القضاء عليها ضئيل إلا إذا حدثت معجزة ،وهو ما يشكك في إمكان حصوله، انظر مراجعات ، ص 81

) ) – صدرت الترجمة سنة 1985 في 416 صفحة عن دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية

) ) – صدرت ترجمة مجيد النصر وزميله بلبنان سنة 1984 عن دار النعمان للثقافة في 290 صفحة ، أما تعريب صالح القرمادي وزميليه فقد صدرت سنة 1985 عن الدار العربية للكتاب ، تونس –ليبيا في 406 صفحة ، جدير بالذكر أن ترجمات أخرى ظهرت لاحقا منها ما ترجم النص السوسيري بأكمله ، ومنها ما اقتصر على أجزاء مهمة منه انظر عبد الرحمن الحاج صالح ، مجلة اللسانيات ،الجزائر سنة 1974.

) ) – المزيني ، مرجعات لسانية ، ص116 جدير بالذكر أن ترجمة تلاميذ صالح القرمادي كانت من اللغة الفرنسية ، بينما قامت ترجمة الكراعين ومجيد النصر وزميله على النسخة الإنجليزية ،فربما لا تتكافأ الترجمتان من هذه الناحية أثناء الموازنة بينهما،كما أن في بعض أحكام المزيني نوعا من الشطط في تجاوز اللسانيات لفكر سوسير بالسبق العظيم ، فقد يفهم معي المتابع حرصه على إظهار السبق لصالح نظرية معينة في اللسانيات ، هو من أنصارها ، انظر المراجعات ،ص116.

([43]) – ليونز،جون،تشومسكي ، (ترجمة محمد زياد كبة ، الرياض ، النادي الأدبي ، سنة 1407)،لهذا الكتاب ترجمة أخرى لحلمي خليل صدرت عن دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية ، سنة 1985م وهي ترجمة غير جيدة أيضا بحسب وجهة نظر الباحث المهتم بنقد الترجمات اللسانية.انظر المراجعات ، ص159م.

) ) – المزيني ، مراجعات لسانية ، ص163

) ) – المرجع نفسه ، ص164و171و172و173،لهذا يختم الناقد ملاحظاته بقوله: « أما الترجمة التي عرضتها هنا فمن الواضح أنها ليست نموذجية ، كما أنها ليست جيدة ، بل إنها ليست كافية بأي حال » ص175.