مصطلح"نمط اللغة" و أهميته في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها   pdf

 

د: شمس الجميل يوب     

 الجامعة الإسلامية - ماليزيا

 يعد تعليم اللغة العربية عن طريق إغناء المفرداتلدى المتعلمين التي تبنى على المجال المعين من الأشياء المهمة في التعليم، و يعنى بذلك تعليم العربية لغير الناطقين بها عن طريق استخدام مصطلح "نمط اللغة" الذي بإمكانه أن يثمره، و يذلل عملية فهم العربية عن طريق المجال المحوري. و أما إثراء المتعلمين بالمفردات فيركز على تقديمها إليهم بغض النظر إلى المجالات المعينة، كما هو معروف في مفهوم "نمط اللغة". و "نمط اللغة" ليس ما يعرفه الباحثون بالأنماط اللغوية ذات الصلة الوشيجة بالأسلوب. ومما يجدر ذكره أن نمط اللغة أو باللغة الأجنبية Register ، عبارة عن نوعيات اللغة حسب الاستخدام. وقدكان هذا المفهوم مغمورا في القرون الماضية، من حيث إنه أداة من الأدوات التعليمية المؤثرة، ولا سيما في تعليم اللغة العربية. وهذا المصطلح غير مألوف لدى بعض الباحثين العرب، إذ إنه متشابه بالأسلوب. و سيجرى هذا البحث بناء على الدراسة الوصفية التحليلية، وسيقوم الباحث باختيار بعض أفراد العينات من الدارسين الذين سيُطَّبق عليهم هذا المفهوم، للتعرف على مدى فعاليته في تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها ثم تحليلها. 

 يتمحور هذا البحث حول  المجال اللساني التعليمي، و سيحاول الباحث إبراز طريقة فعالة لتدريس العربية لدى الناطقين بغيرها، و هذه الطريقة تتبنى مفهوما حديثا و هو مفهوم "نمط اللغة" المترجم من Register الذي يعد مجالا حديثا في اللسانيات الحديثة. فكان تقديمه استجابة للحاجة الملحة في سبر الأغوار الموجودة في هذا المفهوم (نمط اللغة)، ليكون موضوعا متناولا على صعيد الدراسات العربية الحديثة، و ليكون – أيضا - من الدراسات التي سوف يتتبعها الدارسون من الناطقين بالعربية و الناطقين بغيرها.

 و يحاول الباحث إبراز المعلومات المفيدة عن "نمط اللغة" لبيان الفرق بين ما يحيط به "نمط اللغة" والأسلوب و البلاغة و اللهجة. مع الوعي بأن هذا المفهوم لم يشر إليه اللغويون العرب كثيرا، و لا اللسانيات العربية الحديثة، لذلك يتصدى الباحث في دراسته هذه آملا أن تنظر الدراسة خصائص "نمط اللغة" للناطقين بغير العربية على وجه خاص و بالعربية على بوجه عام. و قد اقترح الباحث مصطلح "نمط اللغة" للدلالة على Register في اللغة الإنجليزية بوصفه مصطلحا رسميا في هذا البحث، و بوصفه نظاما ونوعا معينا من اللغة يستخدمه الناس في المواقف المعينة حسب مجال معين.

 و بوعينا لأهمية ترقية مستوى اللغة العربية لدى الناطقين بغير العربية بماليزيا، فسوف يحاول الباحث أن يربط بين هذا المفهوم بتعليم العربية، لعله سيؤدي يعين في تعليمها بوصفها لغة ثانية أو لغة أجنبية؛ و ذلك لأن تعليم المفردات حسب المجال المعين سيعين الدارسين على التعرف على نوع اللغة و المجال المحوري، ولاسيما المفردات التي تعد سمة أساسية لمفهوم "نمط اللغة".

 المنطلق النظري للبحث

 تعد اللغة وسيلة الاتصال الوحيدة الفعالة التي يعتمد عليها الإنسان في تعامله مع الآخرين، و هي عبارة عن: "مجموعة من الرموز، تعارف الناطقون بها على دلالة و معنى كل رمز منها، و يستعملونها في التفاهم بينهم"[i]. و بذلك يستطيع مستخدمها الاتصال بالمخاطب الذي يفهم ما يلقى إليه من فحوى اللغة المستخدمة، و يستجيب حسب مضمون الكلام الموجه إليه، أو بعبارة أخرى: إن اللغة قناة أساسية يتصل بها الإنسان بالآخرين، و يقيم بواسطتها تفاعله معهم، وينقل عبرها مشاعره و أفكاره لغيره من الناس. وقد وضع علماء الاجتماع تعريفا آخر للغة هو : "إنها نظام رمزي مفتوح، و بها يحقق الاتصال و تبادل المشاعر و الأفكار بين الأشخاص، و لها قواعدها التي تحكم استخدام الإنسان لمفرداتها و للصيغ والأساليب الكلامية التي تخضع بدورها لطبيعة المحيط الاجتماعي و الثقافي لمستخدميها"[ii]. إذن من خصائصها أنها ظاهرة اتصالية تواكب التطور و التغير في الوقت نفسه، و تختلف حسب اختلاف الشعوب التي تستخدمها في العصور المختلفة. و اللغة عند ابن جني هي: " ... أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"[iii] فهي إذن نظام صوتي تستخدمه مجموعة من الناس رامية إلى إبداء آرائها و أهدافها.

 إن من طبيعة اللغة أنها غير متجانسة (Heterogeneous)، حيث تختلف في استخداماتها، فإن اتسعت اللغة توسعت رقعة استخدامها؛ بحيث تؤدي إلى تنوع نوعيات اللغة في لغة ما و تعددها[iv].

 لقد ظهر مصطلح نوعيات اللغة (Varieties of language) للدلالة على مظاهر اللغة المختلفة، بحيث أصبحت هذه الدلالة بارزة جلية في كل لغة، و ذلك لأن "اللغة تعد أحد أشكال السلوك الإنساني الاجتماعي. و من طبيعة اللغات أن تتشعب إلى مجموعات تبرز منها اختلافات السلوك، فاللغة بذاتها تعكس هذه الاختلافات"[v].

 هذا و قد بذل علماء اللغة المحدثون في الغرب جهدهم في تبيان ماهية نوعيات اللغة التي تحمل مسميات مختلفة في كل لغة، منها: "نوعيات اللغة حسب الاستخدام" (Varieties according to use) و هو ما يطلقون عليه Register و آثرنا ترجمتها بـ"نمط اللغة"[vi]. و هي تختلف عن مصطلح "اللهجة" الذي يعني "نوعيات اللغة حسب المستخدِم" (Varieties according to user)"[vii].

 و أما نوعيات اللغة حسب المستخدِم، أي اللهجة، فقد قام بدراستها كثير من علماء اللغة، خلافا لنوعيات اللغة حسب الاستخدام، أي "نمط اللغة" التي تعد حديثة العهد في مجال الدراسة اللغوية، إلا أن الاهتمام الشديد من قبل اللسانيين لبيان هذا المفهوم ضمن الدراسات اللغوية الحديثة و دور العنصر الاجتماعي الفعال في استخدام اللغة - قد لفتا نظرهم إلى أهمية تطويره و دراسته.

 و تجدر الإشارة إلى أن اللغويين بدؤوا يهتمون بدراسة "نمط اللغة"، و لاسيما المشتغلين منهم في مجال علم اللغة الاجتماعي، من أجل سبر أغوار اللغة، و كشف أسرارها، و علاقتها بمجتمع معين[viii] .

 إن "نمط اللغة" مفهوم ذو أهمية بالغة في زيادة سعة اللغة و تنميتها، لأن اللغة ستصبح واسعة و منتشرة عندما تستخدم في مجالات مختلفة المواقف، و في العديد من الأغراض و الأهداف. و اللغة العربية مقارنة باللغات الأخرى - هي اللغة التي كان لها حظ وافر في مواكبة العصر، حيث أصبحت لغة من اللغات المستخدمة في جميع المجالات الحديثة مثل: المجال التقني و المجال الصناعي، فضلا عن المجال الديني وو يحيط به، و يكفي اللغة العربية فخرا أن القرآن الكريم أنزل بها.

 اللغة العربية تتضمن أسلوبا خاصا يميز بين الوحدات اللغوية المختلفة و ذلك للغاية التي يستخدمها الفرد نفسه ليعبر فيه عن المعنى نفسه بصورة أو بأخرى في مختلف المواقف، و هو ما يطلق عليه اصطلاحا "نمط اللغة" أي "نوعيات اللغة حسب استخدامها في المواقف المختلفة".

 و لمفهوم "نمط اللغة"، (أي نوعيات اللغة حسب الاستخدام) أهمية يجدر دراستها. و قد جذبت انتباه الباحثين و منهم سترومين (Strauman)[ix] و سيبوري (Savory)[x] اللذان قاما بالبحث في مجالين مختلفين: أولهما في مجال الصحافة، و الثاني في مجال لغة العلوم، غير أنهما لم يستخدما مصطلح "نمط اللغة" (Register).

 إن إسهامات علماء الاجتماع و علماء علم الأجناس في بيان مفهوم سياق الموقف الذي يعد العروة الوثقى لنظرية "نمط اللغة" كبيرة و مثمرة. و قد خلص مالينوسكي إلى أن معرفة سياق الثقافة و سياق الموقف تذللان عملية الوصول إلى المعنى المراد لمعرفة اللغة الأجنبية، و هذا ما لا تستطيع الترجمة الحرفية القيام به[xi].

 إن اهتمام مالينوسكي بسياقَي الثقافة و الموقف يفتح بابا تنظيريا واسعا، و يذلل عملية معرفة اللغة وفهمها، و ذلك لأنهما يسهمان في إبراز الدلالة الحقيقية للكلمة، فتغيرهما يؤدي إلى تغير المعنى تغيرا كليا. وقد أقر مالينوسكي أن "الدلالة لكلمة ما يؤدي معناها حينما تكون في سياق أو في موقف معين"[xii]. 

 و قد وافق هاليداي (Halliday)على ما ذكره مالينوسكي عن "أهمية سياق الثقافة و سياق الموقف في تكوين نقطة الانطلاق للبحث اللغوي"[xiii]. و في الحقيقة إن هذين السياقين يحثان على البحث اللغوي الذي يساعد على سبر الإمكانية السلوكية للغة. و الفرد حين يتكلم أو يكتب، لا يقوم فقط بتحديد موقفه الذاتي في المجتمع حوله، و إنما يقوم بالربط بين الحدث الاتصالي، و بين نظام معقد لتصنيف السلوك الاتصالي[xiv].

 نستخلص من ذلك أن الموقف الذي يحدث فيه الحدث اللغوي، يمثل دورا فعالا و قاسما مشتركا في الوصول إلى المفاهيم الحقيقية لنص معين، و هذه الفكرة أيدها هاليداي و ايليس و اوري بالقول: "إن السياق و الموقف المعين يمثلان دورا مهما و إسهاما فعالا لمعرفة اللغة و فهمها"[xv].

 و تجدر الإشارة إلى أن إسهامات علماء علم الأجناس في مجال تحليل اللغة و ربطه بالمجتمع واضحة جلية، مما جعل اللغويين يهتمون بهذا المجال لفحص العلاقة بين اللغة و المجتمع، و يطوروه حتى يكون مجالا خاصا قائما بذاته. و قد كان هذا المجال مشهورا في بداية الأمر بمصطلح "اللسانيات الاجتماعية" (Sociological Linguistics)و استخدمه فيرث (Firth) عام (1935) و الذي ظهر في نهاية المطاف باسم "علم اللغة الاجتماعي" (Sociolinguistics) الذي استقر استخدامه حتى يومنا هذا[xvi].

 و بالرغم من أن الدراسات التي ذكرناها سابقا قد تطرقت إلى مفهوم "نمط اللغة" و تناولته تناولا خفيفا، إلا أنها لم تتبن الاصطلاح: "نمط اللغة" الذي تجلى استخدامه في الميدان اللساني استخداما رسميا عام (1956) من قبل رايد (Reid) في مقالته "اللسانيات البنيوية و فقه اللغة" (Linguistic Structuralism and Philology) حيث قدم رأيه حول "نمط اللغة" في كلام الفرد حينما "يتحدث في الموقف المختلف للغة فإنه يستغني عن استخدام "نمط اللغة" بمقتضى الموقف الاجتماعي المختلف"[xvii]. و قد لفتت هذه الفكرة أنظار كثير من اللغويين مثل هاليداي (Halliday) (1964) و جريجوري (Gregory) (1967) و اوري واليس (Ure and Ellis) (1969) و هدسون (Hudson) (1980) و كذلك فرجسون (Ferguson) (1983)[xviii]، و قد بذل هؤلاء جهودهم في التوسيع لهذه الفكرة من أجل العمل على جعلها على رأس اللسانيات الحديثة.

 و بما أن التعريفات لـ"نمط اللغة" الذي نحن بصدد البحث فيه، تختلف من حين إلى آخر، و من وجهة نظر إلى أخرى فإن المغزى الأساس مازال يراعي هويته الحقيقية ألا و هي "نوعيات اللغة حسب استخدامها في المواقف المعينة" فيجدر بنا أن نعرض تعريفات هذا المصطلح أي "نمط اللغة" حتى تتوضح حقيقتها و نشأتها و مواصفاتها كما يأتي:

 هاليداي و زملاؤه ناقشوا مفهوم "نمط اللغة" و قالوا إن "نمط اللغة عنصر من عناصر اللغة المهمة في لغة معينة، إذا كانت اللغة تستخدم في المواقف المختلفة، و أما اللغة فهي عنصر من عناصر العرف الاجتماعي (Social Convention) فينبغي لها أن تطابق الموقف الاجتماعي لتكون ملائمة للواقع المذكور"[xix].

 و رأى أن ثمة علاقة بين اللغة و البيئة في سياق الموقف لأن "نمط اللغة" من وجهة نظره هي نوعيات اللغة حسب استخدامها في المواقف المعينة، أي إن متحدثا معينا يملك نوعيات اللغة العديدة التي بإمكانه الانتقاء منها في آن واحد للاستخدامات المختلفة[xx]. و لقد أبان هاليداي أن "نوعيات اللغة تتحدد بناءً على العاملين الرئيسين و هما: المستخدِم و الاستخدام. أما نوعيات اللغة المتعلقة بالمستخدِم فتسمى اللهجة، وأما نوعيات اللغة حسب الاستخدام فتسمى نمط اللغة"[xxi]. و قد وافق على ما ذهب هاليداي إليه كل من ويزمن (Weizman) (1984) و نيء صافية كريم (Nik Safiah Karim) (1982) و اوري و اليس (Ure and Ellis) (1977) و بيرما (Verma) (1969) و كذلك ليتش (Leech) (1966) بقوله: إن "اللهجة أساسا تختلف عن "نمط اللغة" من حيث المضمون، و أما "نمط اللغة" فيختلف من اللهجة من ناحية الشكل (form). حيث ذهب هاليداي إلى أن سمته المميزة تتجلى في مفرداته و قواعده"[xxii].

 لذا نجد أن ظهور "نمط اللغة" في أي لغة - من وجهة نظر هاليداي[xxiii]- يعتمد على هذه الأبعاد أو المقاييس الثلاثة الأساسية التي تؤثر في معالم النص، وهي:

 1- المجال ((Field (الموضوع الأساس الذي يتخاطب فيه المشاركون في الخطاب و الذي تشكل اللغة أساسا مهما في التعبير عنه).

 2-المنحى (Mode) (أو نوع الخطاب المستخدم الذي به يكمل عملية الاتصال).

 3-العلاقة (Tenor) (العلاقة القائمة بين المشتركين في الحدث الاتصالي).

 و كان "هاليداي في ميوله إزاء وضع التعريف لـ"نمط اللغة" يطمح إلى التركيز على الدلالة و السياق، لأنهما عاملان مهمان في ضمان صحة النص سواء أكان مفهوما أم معقولا"[xxiv]، و لذلك فإن الأبعاد الثلاثة المشار إليها آنفا، "ترتبط ارتباطا كليا بالمكون الفكري (ideational) و المكون العلائقي   (interpersonal)   و المكون النصي اللغوي (textual)  للنظام الدلالي[xxv]. 

 أما اوري و اليس فقد عرفا "نمط اللغة" بأنه "لغة ملائمة صالحة لموقف معيّن. فاختيار "نمط اللغة" في لغة معينة لا يحدث عبثا، و إنما يرتبط ارتباطا وثيقا بالعرف العام للمجتمع الذي يستخدم تلك اللغة"[xxvi].

 و أما بايبر (Biber) في كتابه "أبعاد تباين نمط اللغة" (Dimensions of Register Variation) (1995) فأشار إلى أن "نمط اللغة يستخدم بوصفه مفهوما لأي نوعية لغة تشترك في سياق الموقف المعيّن، و هذا الاستخدام يكاد يكون موافقا لما ذهب إليه اوري (1982) و فرجسون (1983) و كذلك هيمس (1984)"[xxvii].

   و إذا لاحظنا ما قدمه اللغويون المذكورة أسماؤهم آنفا، و اهتمامهم بوجود العامل الحافز، و إيجاده في نص معيّن لوصلنا إلى النقطة التي يتوجّه كل واحد منهم نحوها و اتفقوا عليها، و هي وجود سياق الموقف. و ليس مبالغا لو قلنا إنه يحسب جزءًا لا ينفصل عن النصّ، كما لا ينفصل عن سياق الثقافة وسياق النصّ نفسه، لجعل النص مفهوما و معقولا مثل ما ذكره هاليداي في كتابه "اللغة، السياق، و النص" (Language, Context and Text).

 و من ثم نجد أن بايبر في كتابله آخر و هو: "منظورات علم اللغة الاجتماعي لنمط اللغة" (Sociolinguistic Perspectives on Register) قد وضع منهجا شاملا للاستنتاج من نص معيّن الخصائص الموقفية الواردة فيه، و رصد الاختلاف و التطابق بين زوج "نمط اللغة"، بعد أن درس و استقصى مناهج سابقيه من مثل هيمس و هاليداي و كريستل و دابي و غيرهم مما أبدوا ميولهم إلى تحليل "نمط اللغة" في النص. 

 و تظل هذه الظاهرة تلفت أنظار الخبراء و الباحثين الغربيين، في مجال اللسانيات الحديثة، عبر جهدهم في الدراسة و البحث نحو تطويرها نظريا و تطبيقيا، و ذلك من أجل التوصل إلى نتائج قيّمة من بحوثهم.

 و نجد أنّ مفهوم "نمط اللغة" في اللغة العربية قليل المعالجة من قبل اللغويين العرب، لذلك يواجه الباحث صعوبة شديدة في الحصول على البحوث الكافية في هذا المجال على وجه الخصوص، لأن اللغويين العرب في تأليف الكتب و المؤلفات لا يشعرون بأنهم قد تبنوا مفهوم "نمط اللغة" و طبقوه في أعمالهم. و في الوقت نفسه لا ينكرون وجوده في العربية.

 أما اللغويون العرب القدامى فقد تطرقوا إلى هذا المفهوم منذ القرون المنصرمة و لكن بدون الإشارة إلى أي مصطلح يمثله كما نعرفه في عصرنا الراهن. و مادام "نمط اللغة" يتمحور حول سياق الحال أو الموقف فمفهوم "لكل مقام مقال" الذي طرحه البلاغيون القدامى من أمثال: الجرجاني أقرب إليه (نمط اللغة).

 الفرق بين "نمط اللغة" و الأسلوب.

 سيحاول البحث بيان الفرق بين "نمط اللغة" و الأسلوب. حيث أشارت أسماء حاج عمر[xxviii] إلى أن "نمط اللغة" و الأسلوب يختلفان من منظور اللسانيات الحديثة، إلا أن المظهر العام لـ"نمط اللغة" مشتبه بالأسلوب. و من زعم بأن "نمط اللغة" هو الأسلوب في حد ذاته أو أن الأسلوب هو "نمط اللغة" نفسه، فهذا في الواقع لبس بارز لأنه لم يعرف ماهية "نمط اللغة" و طبيعته الحقيقية، و إنما حكم على الظاهر دون دراسة وافية شاملة لهذا المفهوم.

 أما تعريف الأسلوب فهو عبارة عن "القالب الذي يفرغ فيه الانتاج الأدبي و الفني من حيث المضمون و الشكل معا، و طريقة الكتابة التي تشتمل على نسق الأفكار و انتظام أداة التعبير ألفاظا و جملا و فقرات و صورا بيانية و ما إلى ذلك من عناصر الكلام و بنائية التركيب و الإنشاء"[xxix]. و يتمثل في تكوين "شخصية الكاتب الأدبية و الإنسانية، و يبرز تفصيلا في حسن اختيار اللفظ الفصيح للمعنى البليغ، و في حسن التركيب و التنسيق، و في تألق الديباجة و سطوعها و في إجادة النوع الأدبي المختار و مراعاة أصوله التقنية و مقتضياته الإبداعية، و في النزوع المطلق إلى الخصوصية في إطار المعطيات و القواعد العامة المشتركة"[xxx]. و قد بّين سعد مصلوح معنى الأسلوب "بأنه اختيار أو انتقاء يقوم به المنشئ لسمات لغوية معينة بغرض التعبير عن موقف معين. و يدل هذا الاختيار أو الانتقاء على إيثار المنشئ و تفضيله لهذه السمات على سمات أخرى بديلة. و مجموعة الاختيارات الخاصة بمنشئ معين هي التي تشكل أسلوبه الذي يمتاز به غيره من المنشئين"[xxxi]. و فضلا عن ذلك حصر (تعريف الأسلوب) في ثلاثة مبادئ، وهي:

 1-التركيز على العلاقة بين المنشئ و النص يؤدي إلى التماس مفاتح الأسلوب في شخصية المنشئ،  و ذلك في اختياراته حال ممارسته للإبداع الفني. و إن الأسلوب يرى بهذا الصدد اختيارا له. 

 2-الاهتمام بالعلاقة بين النص و المتلقي يؤدي إلى التماس مفاتح الأسلوب في ردود الأفعال و الاستجابات التي يبديها القارئ أو السامع حيال المنبهات الأسلوبية الكامنة في النص. و من ثم يظهر في الأسلوب قوة ضاغطة على حساسية المتلقي.

 3-  أنصار الموضوعية في البحث رأوا وجوب التماس مفاتح الأسلوب في وصف النص وصفا لغويا بمعزل عن المنشئ و المتلقي.

 و الحقيقة، إن قضية التفريق بين "نمط اللغة" و الأسلوب ليست أمرا هينا، و ذلك لأنهما متشابهان - كما أشار البحث من قبل - إلا أننا نستطيع أن نميز "نمط اللغة" من الأسلوب عن طريق رصد المفردات أو المصطلحات و القواعد المتبلورة في النص التي تسهم في بناء "نمط اللغة" الصحيح للمجال الذي يتناوله ذلك النص، و من ذلك قول هاليداي[xxxii]: إن السمة المميزة لـ"نمط اللغة" موجودة في المفردات والقواعد. يختلف "نمط اللغة" عن الأسلوب؛ إذ إن عملية التعرف على الأسلوب لا تكون عن طريق المفردات فحسب، و إنما بتناول طرق استخدام اللغة في النص[xxxiii].

 و الأسلوب يعتمد على المبدعين من الكتّاب، حيث إن لهم إسهامات في تنويع ألوانه باختلاف طاقة هؤلاء المبدعين و توجهاتهم. و مهما كثرت هذه الألوان و اختلفت إلا أنها محصورة في أسلوبين هما: الأسلوب العلمي و الأسلوب الأدبي. فالأسلوب العلمي هو "تقديم الحقائق التي يرغب في عرضها، والأفكار التي يود نقلها إلى السامع أو القارئ مرتبة، و منسقة بصورة واضحة دقيقة، أو أكثر ما تكون ملائمة لمقتضى الحال. و يعبر عنها بألفاظ تقترن بمعانيها القاموسية المباشرة، و دلالات ترتبط بمدلولاتها المعجمية الحقيقية، متنكبا ما أمكن طريق المجاز و الصور البيانية، و الإثارة العاطفة، وضروب الرمز و الإيحاء"[xxxiv]. أما الأسلوب الأدبي فيهتم في تقديمه "بالمجاز و الصور البيانية و الإثارة العاطفة و الخيال. و يميل إلى تغليب لغة الصورة و المشاعر و صنوف الإيحاء الفني و الجمالي"[xxxv].

 مما سبق نجد الفرق واضحا بين "نمط اللغة" و الأسلوب و لاسيما الأسلوب الأدبي و مواصفاته التي تخالف خصائص "نمط اللغة" الذي لا يميل إلى المجاز و الصور البيانية و العاطفة و الخيال. و أما الأسلوب العلمي فهو يشتبه بـ"نمط اللغة" من حيث شكله العام و خصائصه، و يرتبط بمستخدمه ارتباطا قويا.  والأسلوب بغض النظر عن نوعه سواء أكان علميا أم أدبيا فهو ملك تام لصاحبه و من حقه أن يتصرف به حسب رغبته التامة، وهذا ما يطلق عليه في اللغة الانجليزية بـIdiosyncrasy[xxxvi]. و يتساءل الباحث – هنا - إن كان صاحب الأسلوب أستاذا قد توفي، فكيف يتعلم طلابه أسلوبه، فالأسلوب موجود في كل نفس على حدة. و إذا كان ثمة أحد من هؤلاء الطلاب يتبنى أسلوب أستاذه في الكتابة، و يدعي أنه أسلوبه، فهذا يعني بأنه قد استخدم لهجة الفرد (Idiolect) لأستاذه. بينما "نمط اللغة" يعتمد على المجال الذي يدور فيه.               

 فالباحث يرى بأن "نمط اللغة" مجال مهم في الدراسة اللغوية، و لاسيما في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. و هذا لا يعني إنكار دور الأسلوب في إجادة تعلم اللغة العربية و تعليمها، و إنما استخدام مدخل "نمط اللغة" في عملية تعليم العربية لتحقيق الهدف المنشود منها. 

 مصطلح "نمط اللغة" في تعليم العربية للناطقين بغيرها

 ثمة طرق عديدة في تعليم اللغة العربية و لاسيما للناطقين بغيرها إلا أن الباحث – من ملحوظاته – رأى بأن المصطلحات أو المفردات حسب المجال يثمر هذه العملية بفعالية أكثر، و ذلك لأن المصطلحات حسب المجال تعد سمة أساسية لمن أراد أن يتعرف على مجال معين، و لا سيما في فهم نص ما. أما الرأي المطروح بأن المفردات برمتها تفيد الطلبة و تنمي ثرواتهم اللغوية فلا ينكره الباحث، ولكن ما أراد الباحث تقديمه هنا هو أن المفردات أو المصطلحات حسب المجال أكثر فعالية في تذليل فهم الطلبة عن الموضوع المدروس. لنفترض مثلا: أن الطالب الذي قدم إليه نصا علميا خاليا من الموضوع لقراءته يتفطن إلى جميع المفردات و المصطلحات الخاصة المستخدمة فيه دون وعي بأنه يقرأ نصا من ذلك النوع. فهذا يجعل الطالب يخمن عما يقرأه من النصوص العلمية و المجالات العلمية بدون التأكد من صحة تخمينه. ولكن إذا أراد الطالب أن يثبت في عمله بأن ما قرأه حقا من المجالات العلمية فيتعرف على مصطلح "نمط اللغة" فهو حل مناسب له.    

 فمسألة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أصبحت مسألة لا حد فيها، لأنه مادام هناك اهتمام من طرف  المعلمين و المتعلمين، فهي لن تضمهل و لو بعد قرون. و الماليزيون، لا سيما المسلمين يتريثون في غرس رغبتهم في تعلم هذه اللغة، هادفين من ذلك التعمق في فهم معاني القرآن الكريم، و هذا من أمنيتهم الكبيرة. و يا حبذا لو كان هناك أسلوب دراسة العربية الميسور و المقنع، لا يسهم في اجحاف اللغة العربية، متوفرا في هذا المجال. فمن هذا المنطلق يرى الباحث أن هناك طريقة أخرى - علاوة على الطرق الموجودة – هي استخدام "نمط اللغة" بوصفه مدخلا لتلبية هذه الحاجة و الرغبة. فمتعلم العربية – حتى جميع المتعلمين للغات الأجنبية الأخرى – يتكئ إلى القواميس و المعاجم للبحث عن المفردات أو المصطلحات غير المفهومة لديه، و يكون ذلك باللجوء الأولي لمن أراد أن يعرف معاني المفردات أو المصطلحات. و لكن هذا العمل لا يحل مشاكلهم الأساسية، وهي فهم المعنى الحقيقي حسب السياق. فاللفظ الواحد قد يختلف معناه بموجب السياق المعين و المجال المعين. أما "نمط اللغة" فهو يتوخى الجانب السياقي الذي يعرف بسياق الحال أو الموقف. فالمتعلم سيعرف مثلا مفهوم "الجراحة" التي تعنى بعملية جراحية تختص بالمجال الطبي بدلا من أن يدل ذلك اللفظ على "الجرح" المعروف لديه في سياقه الاجتماعي. و من ثم سوف  يحفظ المتعلم هذا اللفظ لمجاله الخاص، و يعرف بأنه يدل على معنى آخر إذا كان في المجال الآخر.

 فإذا كان الطالب أو المتعلم قد استوقفته كلمة ما، أثناء قراءة نص ما، فالحل الوسط الذي يفعله هو الرجوع إلى المعجم للبحث عن المعنى لتلك الكلمة، و هذه الملاحظة العامة التي يلحظها الجميع، و لاسيما المعلمين، إذ إن المتعلم في هذا الصدد يتوقع بأنه سيحل مشكلته، و لكن في الحقيقة إن ما يفعله ليس إلا الإطلاع على المعنى المعجمي لتلك الكلمة، بينما للكلمة المعينة يوجد معان مختلفة حسب السياق أو المجال. فعليه في هذه الحالة أن يتعرف على المعنى المجالي الذي سيساعده على فهم دقيق للنص، و فهم المجال الذي يمثله.

 و ثمة طريقة مثالية للتعرف على "نمط اللغة" لمجال ما، و هي طريقة التبصر و التحقق من المفردات أو المصطلحات التي تتكرر في النص[xxxvii]. فمادام هناك تكرار للمصطلحات الرئيسة المعينة فيه فيدل ذلك على وجود "نمط اللغة"، وهذا من ثم سيعين المتعلم على حفظها و استخدامها في جمل أو تراكيب من عنده. ومن هذا المنطلق سوف يعرف المتعلم بأن لـ"نمط اللغة" و المصطلحات حسب المجال ربطا وشيجا لا فصل بينهما.

 و من جانب آخر، يفضل للمتعلم الناطق بغير العربية أن يكتسب أكبر عدد ممكن من المصطلحات أو المفردات خلال دراسته و قراءته لإثراء ذخيرته اللغوية، و ذلك سيسهل عليه استخدام هذه المصطلحات في بناء الجمل. لأنها كما سبق ذكره، أول طريقة لتعلم اللغة الأجنبية هو عن طريق اكتساب المفردات أو المصطلحات، ثم القواعد النحوية و الصرفية كما هي معروفة في تعلم العربية، و سائر اللغات الأجنبية الأخرى. فالمتعلم حر في اختيار أي مصدر لغوي في قراءته من أجل زيادة الثروة اللغوية أو المفردات عنده، إما من الكتب أو من مواقع الانترنت أو الإذاعات العربية و هكذا؛ و عليه يجب أن يعرف جميع النصوص و يفهمها من المصادر الآنفة الذكر عن طريق فهم "نمط اللغة" الوارد فيها. فضلا عن ذلك، فإن فهمه لنمط اللغة سيجعله أكثر استيعابا من الدارس الذي يقرأ النصوص و يفهمها عن طريق اكتساب المفردات العامة. مما هو جدير بالذكر أن ذلك الدارس الذي يكتسب المفردات العامة سوف يتطور أداؤه من حيث إجادة اللغة، أي بإمكانه أن يتفاعل جيدا مع اللغة و يستخدمها دون تردد، و لكن للذي يفهم النصوص عبر المصطلحات الخاصة بالمجال، و المفردات العامة وسيكون أكثر استيعابا.

 و للمفردات معان متعددة بموجب طبيعتها المعجمية، و ذلك يدل على صلاحيتها للاستخدام في أكثر من سياق[xxxviii]، و وضع معانيها المتنوعة في سياقات مختلفة يرجع إلى استخداماتها في النصوص العربية القديمة والحديثة، و هذا برهان على أن العربية لغة ثرية. و إذا لاحظنا جيدا ما يظهر في إطار تعليم العربية لأغراض خاصة لوجدنا أن من ضمن الطرق المقترحة في تدريسها هي الطريقة التي تعتمد على المجال التخصصي. و على الرغم من أن التركيز كان على الأساليب المتداولة في مجال ما، إلا أنه من الأسهل النظر إلى المصطلحات أو المفردات حسب المجال الذي تنتمي إليه، لأنها ستعين متعلم اللغة على اكتساب المصطلحات المجالية، و ستساعده أيضا على فهم اللغة أسرع من تعلمها اعتمادا على القواعد النحوية والصرفية و البلاغية. و قد لاحظنا أثناء تحليل المسح الذي قمنا به حول الدارسين للعربية بالجامعة الإسلامية بماليزيا، بأن عوامل رهبة الطلبة و عزوفهم عن تعلم العربية منبثقة من عدم وجود الطريقة الفعالة و السهلة في تعلمها. و كانت الشكاوى التي تطرح دائما على معلمي العربية بماليزيا[xxxix] تدور حول التساؤلات الآتية: هل يشترط لمتعلم العربية أن يدرسها لمدة طويلة لاتقانها؟ و هل هناك طريقة فعالة وسهلة لتعلم العربية في مدة قصيرة؟ و هل لا بد لمتعلم العربية أن يدرس كل القواعد العربية المعروفة في بداية تعلمها للعربية؟ و هل لا بد لمتعلم العربية أن يحفظ جميع المفردات العربية العامة من أجل تحقيق نجاح استخدامها بغض النظر إلى المجال أو السياق؟  كل هذه التساؤلات أثرت في تطور اللغة العربية تعليما وتعلما، فإذا تجاهلنا هذه الأمور دون أن نتصدى لها، لإصلاحها فيؤدي ذلك إلى اضمحلال الرغبة في تعلم اللغة العربية لدى الناطقين بغيرها، ليس في صعيد ماليزيا فحسب، بل في العالم بأسره.              

 الجانب التطبيقي لتعليم العربية بناء على "نمط اللغة".

 و بما أن لـ"نمط اللغة" علاقة وشيجة بالمصطلحات حسب المجال، فيتوقع الباحث بأنه سيسهم إسهاما كبيرا في مجال تعليم العربية للناطقين بغيرها. و قد آثر الباحث اختيار أفراد العينة من الطلبة المتخصصين في اللغة العربية و آدابها من قسم اللغة العربية و آدابها بدلا من الطلبة من الأقسام الآخرى الذين يدرسون العربية بوصفها لغة أجنبية، و وسيلة لدراسة المواد التخصصية من ناحية أخرى. و قد انتقى الباحث نصين و هما: نص من مجال العلوم، و نص من مجال الاقتصاد[xl]، بلغ عدد أفراد العينة عشرين طالبا و طالبة.

 طلب الباحث من هؤلاء الطلبة قراءة هذه المقالات قراءة عميقة، و استخراج المصطلحات الرئيسة من هذين النصين مع تحديد مجالهما، ثم إدراجها في الخانتين في جدول، لاستجلاء منها الفرق. و تعرف طالب على المصطلحات الأساسية حسب المجال المستخدمة في النص؛ بناء على تكرارها فيه، و من ثم يتبين له المجال الذي يمثله ذلك النص.

 تحليل إجابات الدارسين

 لاحظ الباحث بأن أغلبية الطلبة قد تمكنوا من فهم هذه النصوص بسهولة، و ذلك بسبب معرفتهم للمفردات المتعلقة بموضوع النص أو بمجاله. و يتبلور تمكنهم  في استخدام المصطلحات ذات العلاقة بـ"نمط اللغة" داخل الجمل، و استطاعوا تمييز الفروق بين المصطلحات نفسها في المجال و في خارجه.  وأما الدارسون الذين لم يستطيعوا فهمها فقد ذكروا أسبابا لذلك، و من الأسباب التي ذكروها في عدم فهمهم للنصين المعطيين لهم، أنه ليس عندهم مفردات كافية تتعلق بالمجال، فأدى ذلك إلى صعوبة فهمهما.  على الرغم من أن الكلمات العامة الواردة في النصين تقدر على مساعدتهم على فهمها، إلا أن الفهم الدقيق لهذه النصوص يظهر فقط لدى الذين فهموا المصطلحات المجالية و الكلمات العامة معا. و أما النماذج من المصطلحات المستخرجة من هذين المجالين[xli] فكالآتي:

المصطلحات المجالية الواردة في العلوم


المصطلحات المجالية الواردة في الاقتصاد

فالدارسون هنا استوعبوا هذه النصوص و فهموها، و أدركوا بأن جميع المصطلحات المدرجة أعلاه تعد سمة أساسية لهذين المجالين. و عرفوا بأن طريقة التعرف على هذه المصطلحات الأساسية التي يتسم بها المجال كان أكثر إفادة من معرفة الكلمات العامة فقط، لذا كان الاعتماد على المصطلحات حسب المجال من العوامل التي ساعدتهم على فهم النص و تذليل عملية اكتساب اللغة العربية للناطقين بغيرها.       

و أما الذين لم يفهموا النصين جيدا، أو كانوا يتريثون في فهمهما، فقد وجد الباحث أنهم كانوا يعانون من قلة المفردات. و لكن بعدما تعرفوا على هذه المصطلحات بدءوا يفهمونهما جيدا،  ففهمهم هذا من مؤشرات النجاح لطريقة تعليم العربية للناطقين بغيرها اعتمادا على مصطلح نمط اللغة.

و الطالب سوف يضيف في ذاكرته المصطلحات أو المفردات العربية فضلا عما يحفظ من مفردات عامة من آن إلى آخر. و حقيقة، إن هذين المجالين لا يبنيان على هذه المصطلحات فحسب، بل ثمة مصطلحات و تراكيب أخرى يتسم بها المجالان. و لذلك ترجو الدراسة أن يكتسب الدارس من المصطلحات المجالية الأخرى، فضلا عن العشرين مصطلحا التي يحفظها الآن لكل مجال. و يقترح البحث للدارس لزيادة مفرداته اللغوية إلى 40 مصطلحا بعد ذلك من أجل إغنائه بالمصطلحات المجالية المفيدة له للتوغل في فهم  النص العلمي أو الاقتصادي بشكل جيد.

فالمصطلحات بذاتها إذا كانت مجالية أم عامة لا تُدرك معانيها إلا عن طريق استخدامها في السياق أو السياق الاجتماعي الذي يرافقه عوامل خارجية تؤثر في استعمال اللغة كالمعنى، و الهيئة الاجتماعية، و ظروف الخطاب و غير ذلك[xlii]. 

و "نمط اللغة"، كما هو معروف، يتسم بسمتين أساسيتين هما؛ المصطلحات و التراكيب النحوية. مع ملاحظة أن الباحث لم يشر إلى السمة الثانية له، إلا أن السمة الأولى لـ"نمط اللغة" تعد أهم سمة و تساعد طلبة العربية، و لاسيما الناطقين بغيرها على فهم النص، و اكتساب اللغة بطريقة ناجعة و أكثر فعالية. و كما ذكر الباحث سابقا أن الطالب أو المتعلم الناطق بغير العربية سوف يلجأ إلى القواميس إذا استوقفته كلمة صعبة أو غير مفهومة ليبحث عن معناها. إذن، لا بد للطالب الناطق بغير العربية أن يكتسب المفردات أو المصطلحات العربية بطريقة تمكنه من استخدام العربية استخداما صحيحا لا يخالف الدلالة و القاعدة، و ذلك بمراعاة "نمط اللغة" الذي لا يمكن الاستغناء عنه في فهم أي موضوع سواء أكان سياسة أم اقتصادا أم طبا أم دينا أم غيرها من الموضوعات أو المجالات.

نتائج البحث

خرج الباحث بعد هذه الدراسة و التحليل بنتائج مهمة، و منها:

1-  أن مصطلح "نمط اللغة" يؤدي دورا فعالا في تنمية مجال تعليم اللغة العربية على وجه خاص، ولاسيما تعليمها للناطقين بغيرها.

2-  أن هذا المصطلح عند التمكن من فهمه يمكن فهم المصطلحات المجالية التي تظهر في أي نص، وبأي موضوع.

3-أن هذه المصطلحات ستساعد المتعلم على أن يبلور معاني النصوص المجالية و غير المجالية إذا استخدمت خارج المجال حسب السياق أو المقام المعين.

4-أن مفهوم "نمط اللغة" مهم، و إذا تم تطبيقه على اللغة العربية فإنه سوف يعين على سبر أغوارها و كشف أسرارها و إنماء وسائل تعليمها و تعلمها.

5-  أن نجاح عملية تعليم اللغة العربية و تعلمها لدى غير العرب يمكن أن يتحقق من خلال فهم "نمط اللغة".

6-  أن إمكانة نمط اللغة بارزة في تحقيق فعالية تعليم العربية للناطقين بغيرها.

مقترحات البحث       

1-  إلزام متعلم العربية بحفظ المصطلحات و التراكيب المجالية.

2-حفظ المصطلحات و التراكيب حسب طريقة الحفظ التدرجي أي أن المتعلم لا بد أن يبدأ الحفظ بالمصطلحات القليلة ثم يزداد عددها تدريجيا. و يتوقع بأن يملك المصطلحات و التراكيب المجالية الكافية للمجالات المختلفة في نهاية المطاف، مثلا يبدأ بخمسة من المصطلحات و التراكيب في الأسبوع الأول ثم يضيف عشرة أخرى للأسبوع الذي يليه و هكذا في بقية الأسابيع.

3-  يلزم للمتعلم أن يحفظ جميع المفردات العامة التي ستساعده على فهم النصوص المقروءة.

4-يطالب المتعلم أن يستخدم هذه المصطلحات و التراكيب في الجمل ليميز من خلاله الفرق الدلالي، حين تكون في السياقات المختلفة، أو تكون خارج المجالات التي يعرفها المتعلم.

المراجع العربية:

-ابن جني، الخصائص، دار الكتب المصرية، القاهرة، الجزء الأول، 1952.

-الطوبخي، حسين حمدي، وسائل الاتصال و التكنولوجيا في التعليم، دار العلم، الكويت، 1982.

-شتا،السيد علي، علم الاجتماع اللغوي، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، 1996.

-عمر، أحمد مختار، علم الدلالة، الطبعة الثالثة، عالم الكتب، القاهرة، 1991.

-مصلوح، سعد، الأسلوب: دراسة لغوية إحصائية، الطبعة الثالثة، عالم الكتب، القاهرة، 1992.

-نور عوض، يوسف، نظرية النقد الأدبي الحديث، الطبعة الأولى، دار الأمين، القاهرة، 1994.

-هدسون، علم اللغة الاجتماعي، ترجمة: محمود عياد، الطبعة الثانية ، عالم الكتب، القاهرة1990.

-يعقوب، أميل بديع و عاصي، ميشال، المعجم المفصل في اللغة و الأدب، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، المجلد الأول، 1987.

المراجع الأجنبية:

-  Asmah Hj. Omar. 1984. “Gaya dan Laras Dalam Bahasa Sains”. Kertas Kerja Seminar Penggunaan Istilah Sains, 14-15 December.

-  Biber, D. 1995. Dimensions of Register Variation: A Cross-Linguistic Comparison. Cambridge University Press: New York.

-  Brook, G.L. 1973. Varieties of English. Macmillan: London.

-  Ellis and Ure. 1969. “Language Varieties: Register,” in Meetham (1969).    

-  Halliday, M., McIntoch, A. and Streven, P. 1967. The Linguistic Sciences and Language Teaching. Longman: London.

-  Halliday, M.A.K. 1973. Exploration in the Functions of the Language. Edward Arnold: London.

-  Halliday, M.A.K.. 1978. Language As Social Semiotic: The Social Interpretation of Language and Meaning. University Park Press: London.

-  Kamaruddin Hj Husin. 1995. Laras Bahasa. Kuala Lumpur: Utusan Publications & Distributors Sdn.

-  Bhd.

-  Malinowski B. 1923. “The Problem of Meaning in Primitive Language” in C.K. Ogden and I.A.

-  Nathesan. 1995. Laras Bahasa Ilmiah. Kuala Lumpur: Dewan Bahasa dan Pustaka.

-  Reid, T.B.W. 1956. ““Linguistic, Structuralism and Philology” in Archiuvm Linguisticum 8.

-  Richards, The Meaning of Meaning. Keagan Paul: London.

-  Straumann. 1935. Newspaper Headlines: A Study in Linguistic Method. London: George Alen & Unwin Ltd.

-  Savory. 1967. The Language of Science. London: Andre Deutsch.

-  Umar Junus. 1989. Stilistik: Satu Pengantar. Kuala Lumpur: Dewan Bahasa dan Pustaka.


1)    انظر: الطوبخي، حسين حمدي، وسائل الاتصال و التكنولوجيا في التعليم، دار العلم، الكويت، 1982، ص. 27

2)    انظر: شتا،السيد علي، علم الاجتماع اللغوي، مؤسسة شباب الجامعة، الاسكندرية، 1996، ص. 44 45.

3)    ابن جني، الخصائص، دار الكتب المصرية، القاهرة، الجزء الأول، 1952، ص. 33.

4)    Ellis and Ure. 1969. “Language Varieties: Register,” in Meetham (1969), p. 251      

5)    Brook, G.L. 1973. Varieties of English. Macmillan: London, p. 12.

6)  لقد اختلف اللغويون العرب من أمثال علي محمد الخولي و محمود صيني و الدكتور محمود عياد في ترجمة مصطلح Register إلى اللغة العربية، حيث نجد عند علي الخولي مصطلح نوعية اللغة و الاتساق للدلالة عليه و عند محمود صيني مصطلح لهجة خاصة وعند عياد مصطلح سجل السياق. إلا أن الباحث رأى أن يستخدم مصطلح نمط اللغة ترجمة لـregister  في هذا البحث.

7)    انظر: هدسون، علم اللغة الاجتماعي، ترجمة: محمود عياد، الطبعة الثانية ، عالم الكتب، القاهرة، 1990، ص80-81.

8)    Kamaruddin Hj Husin. 1995. Laras Bahasa. Kuala Lumpur: Utusan Publications & Distributors Sdn. Bhd., halaman. 1.

9)    انظر: Straumann. 1935. Newspaper Headlines: A Study in Linguistic Method. London: George Alen & Unwin Ltd.

10)انظر:Savory. 1967. The Language of Science. London: AndreDeutsch, p. 23

11)Malinowski B. 1923. “The Problem of Meaning in Primitive Language” in C.K. Ogden and I.A. Richards, The Meaning of Meaning. Keagan Paul: London, p.46.

12)Ibid. p.306.

13)Halliday, M.A.K. 1973. Exploration in the Functions of the Language. Edward Arnold: London, p. 49.

14)انظر: عمر، أحمد مختار، علم الدلالة، الطبعة الثالثة، عالم الكتب، القاهرة، 1991، ص 71.

15)Ibid. p. 614.

16)Nathesan. 1995. Laras Bahasa Ilmiah. Kuala Lumpur: Dewan Bahasa dan Pustaka, pp. 11-12.

17)Reid, T.B.W. 1956. “Linguistic, Structuralism and Philology” in Archiuvm Linguisticum 8, p. 2.

18)Nathesan. Julai 1993. Op.Cit. p. 615.

19)Kamarudin Haji Husin. 1995. Op. Cit. p. 2.

20)Halliday, M., McIntoch, A. and Streven, P. 1967. The Linguistic Sciences and Language Teaching. Longman: London, p. 88.

21)Ibid. p. 87.

22)Ibid. p. 3.

23)نور عوض، يوسف، نظرية النقد الأدبي الحديث، الطبعة الأولى، دار الأمين، القاهرة، 1994، ص85.

24)Halliday, M.A.K.. 1978. Language As Social Semiotic: The Social Interpretation of Language and Meaning. University Park Press: London, p. 23.

25)Ibid. p. 125.

26)Nathesan. 1993. Op.Cit. p. 616.

27)Biber, D. 1995. Dimensions of Register Variation: A Cross-Linguistic Comparison. Cambridge University Press: New York, pp. 1-7.

28)انظر: Asmah Hj. Omar. 1984. “Gaya dan Laras Dalam Bahasa Sains”. Kertas Kerja Seminar Penggunaan Istilah Sains, 14-15 December, halaman 93.

29)يعقوب، أميل بديع و عاصي، ميشال، المعجم المفصل في اللغة و الأدب، الطبعة الأولى، دار العلم للملايين، بيروت، المجلد الأول، 1987، ص. 99.

30)المرجع نفسه، ص. 100.

31)مصلوح، سعد، الأسلوب: دراسة لغوية إحصائية، الطبعة الثالثة، عالم الكتب، القاهرة، 1992، ص. 37-38.

32)Halliday, et. al.. 1964. Op. Cit. p. 88.

33)Umar Junus. 1989. Stilistik: Satu Pengantar. Kuala Lumpur: Dewan Bahasa dan Pustaka, halaman xii.

34)يعقوب، أميل بديع و عاصي، ميشال، المعجم المفصل للغة و الأدب، ص. 100.

35)المرجع نفسه، ص. 100.

36)Idiosyncrasy :تعني طريقة التفكير أو الفعل أو الأسلوب لشخص معين.

37)[xxxvii] French, A. Virginia, (1993), Techniques in Teaching Vocabulary, Oxford American English: Oxford University Press, p. 105.

38)انظر: حسان، تمام، اللغة العربية معناها و مبناها، ص 323، 1973.

39)إجراء المسح على بعض الراغبين من الماليزيين في تعلم العربية.

40)و ذلك لسهولة التمييز بينهما من حيث خصائصهما، و هذه النصوص لا توسم بأي موضوع أو عنوان، و يحصل الدارس منها على نسخة واحدة من النص فقط.

41)هناك مصطلحات مجالية عديدة في هذين النصين إلا أن الباحث انتقى 20 مصطلحا فقط لتكون نموذجا .

42)عبد الرحمن بودرع، منهج السياق في فهم النص، زوارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية، قطر، ط.1.