المشافهة والتواصـلpdf

   

     د/ أبوبكر حسيني

 جامعة ورقلة-الجزائر

 RESUME                                    

Jusqu’à nos jours la langue écrite reste incapable  d’accompagner  la performance et la richesse de la forme verbale de la communication humaine. Ce discours oral se caractérise par diverses formes : gestuelle, mimique, kinésique, corporelle…etc. Cettepluridimensionnalité de la communication verbale facilite au récepteur la compréhensibilité  de la forme orale, comparablement à celui de l’écrit.

 إن تشكل الخطاب الشعري الجاهلي من شرائح دلالية متعددة يجعله خطـابا محيرا، يصعب التعامل معه نقديا ، لاسيما وأنه قد أثبت حيويته من خلال صلاحيته للمناهج النقدية الحديثة المختلفة ، ولم يعد هذا الخطاب خاضعا لقراءة واحدة ، تغلق بعدها الأبواب ، وإنما أصبح مفتوحا على قراءات متعددة (1) .

لقد حاولت الدراسات الحديثة أن تغوص في مضامين هذا الخطاب ، محاولة التعرف على خفاياه وأسراره ، وتجاوزت بذلك تلك الدراسات السطحية التي لم تلمس أعماقه ، واكتفت بسطحياته .

إن التراث العربي القديم ، لاسيما الشعري منه ، والذي نتعامل معه تحليليا بالآليات المختلفة، إنما نتعامل مع شكله المكتوب ، بكل ما تحمله الكتابة من خصائص ، ونتصور أن عامل المشافهة ، أي حضور أحوال المرسل ، والمرسل إليه في تلقي الخطاب والتفاعل معه ، عنصر مهم في التعامل النقدي معه ، وقد سميت بعض عناصر المشافهة باسم المقام ، لأنه يحضر ، عند المشافهة، من الوسائل الأساسية ، والآليات المساعدة ، مالا نجده في الشكل المكتوب ، وقد ذكر الجاحظ بعض أحوال المتكلم مما لا يظهر إلا بالمشافهة، يقول :" وأعيت عندهم من دقة الصوت ، وضيق مخرجه ، وضعف قوته، أن يعتري الخطيب البهر والارتعاش والرعد والعرق " (2) ، وهذه المظاهر النفسية ، والتي يراها المشاهد، لا تتبين عند كتابة نص الخطاب ، غير أنها ذات دلالات كثيرة عند تعاملنا مع هذا النص .

ولا نجد غرابة إذا وجدنا رواة الحديث النبوي ، يروون معه جل أحوال المقام ليكون عونا على فهم دلالاته واستلهام أبعاده ، وما أكثر الأحاديث التي رويت وذكر معها الرواة بعض التفاعلات النفسية والحركات الجسمية المصاحبة لها ، ليكون ذلك أوقع في نفس المستمع ، كما تقرب المسافة بين المرسل والمتلقي مهما بعدت المسافة الزمنية بينهما .

لقد نقل إلينا الخطاب الشرعي الثاني ، ونقصد به الحديث النبوي ، مستعينا بآليات المشافهة ، حيث وجدنا في الكثير من النصوص المروية وصفا دقيقا للحالة التي قيلت فيها، وليس الأمر مقصورا على ذكر المناسبة فحسب ، بل وذكر حالة المرسل ( وهو الرسول (ص) ) ، ومن حضر معه أيضا ، نجد مثلا : فاحمرت أوداجه ، وثنى بين إصبعيه ... وضحك حتى بانت نواجده... وقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري ، قال رسول الله (ص) : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ، وشبك بين أصابعه " وهناك أحاديث كثيرة ، منها حديث عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم في مسألة اختلاف القراءات ، والحديث الذي رواه عمر بن الخطاب أيضا حول أركان الإسلام والايمان :" بينما نحن جلوس عند رسول الله (ص) إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ... " وغير ذلك ، حتى قال الدكتور محمد عجاج الخطيب :"لا يتصور أن يفوتهم جميعا شيء من سنته (ص) ، وهم الذين لازموه نيفا وعشرين سنة قبل الهجرة وبعدها ، فحفظوا عنه أقواله وأفعاله ونومه ويقظته وحركته وسكونه وقيامه ، وقعوده... ومزاجه وزجره وخطبه وأكله وشربه ...وألحاظه، وأنفاسه وصفاته .."(3)، وكأن الخطاب النبوي نقل إلينا مصورا تصويرا فنيا رائعا، يجعل السامع للخطاب يكاد يعيش الحدث ، وهذا بفضل حضور بعض عناصر المشافهة عند رواية الخطاب .

والمشهور المتداول أن سنة رسول الله (ص) بقيت تنقل بالرواية الشفهية جيلا بعد جيل نحو مائة سنة أو تزيد (4) ، وهذا في الحقيقة عامل مهم من عوامل حسن التعامل مع الخطاب الحاضر الغائب . ففي العصر الجاهلي كان اعتماد الناس على الرواية الشفوية، فكان الشاعر ينشد قصيدته، ويحفظها الناس ويروونها عنه ، ثم يتناقلها الرواة عبر الأجيال ، وهذا يعني أن الشعر الجاهلي مصدره الأساس الرواية الشفوية ، والتي ظلت حقبا متتالية في الإسلام(5).

إن رواة الشعر الجاهلي ، حينما رووا الأشعار عبر تلك الحقب أغفلوا كل المظاهر المصاحبة للنصوص المروية ، والتي تدخل بشكل أساس في التعامل النقدي أو التحليلي مع الخطاب بشكل عام، فالشاعر ، وهو يقدم خطابه ( يلقى قصيدته ) لم يكن واقفا مكتوف الأيدي أو غير ذلك من الوضعيات المستقرة ، بل صاحب إلقاءة الكثير من التفاعلات النفسية والحركية والإشارية مما يعطي دلالات متميزة لخطابه ، بل يدخل جميعها في تحديد دلالات هذا الخطاب. فما سمعنا ، ولا قرأنا قصيدته، ذكر فيها أو بعدها حركات الشاعر أو انفعالاته أو إشاراته، فما وصلنا غير الكلمات ، لكن كيف قيلت ؟ هذا ما لم يصلنا ! فلعل الشاعر بكى في موضع ما تفاعلا ، أو أشار بأصبعه إلى موضع ما في مقطع ما ، أو لعله ضحك بعد كلمة ما ، أو لعله سكت لحظة عند ذكر اسم ما أو مكان ما ، أو حال معينة ، ولعله جلس بعد وقوف ، أو وقف بعد جلوس ، أو تغيرت قسمات وجهه عند مقطع ما ، وغير ذلك مما يحدث للشاعر عند إلقاء خطابه الشعري، وهو أمر أهمله رواة الشعر بخلاف رواة الحديث . 

يورد الجاحظ في غير موضع من " البيان والتبيين " قضايا كثيرة لها تعلق بعامل المشافهة، ودوره في التعامل مع الخطاب ، من ذلك قوله :" وجملة القول في الترداد : أنه ليس فيه حد ينتهى إليه ، ولا يؤتي على وصفه ، إنما ذلك على قدر المستمعين ، ومن يحضره من العوام والخواص"(6) فظاهرة الترديد ، وإعادة الكلام وما كان من شاكلته لا يستطيع وصفه وتوظيفه في قراءة النصوص قراءة نقدية إنما يكون ذلك لمن يحضر المقام من المستمعين ، أو على الأقل من توافرت لديه تفاصيل المقام ، وعليه قيل : ليس من رأى كمن سمع .

وها هو الجاحظ أيضا يطابق بين الخطاب وحال المخاطب بحضور عامل المشافهة المباشرة، فيقول :" وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا وساقطا سوقيا ، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا ، إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا ، فإن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي، وكلام الناس في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات"(7).

إن الكتابة ، إلى يومنا هذا ، لا زالت عاجزة عن تلبية كثير من متطلبات الجانب المنطوق، فعلى الرغم من حداثة الكتابة ، وقدم الجانب المنطوق بقدم الإنسان ، تبقى الكتابة تطالعنا في كل حين بالجديد جول تجسيد الأداء المنطوق الذي يحوي كثيرا من التفاعلات النفسية والحركية والإشارية ، كالفرح والغضب والقلق والبهجة ، والعجلة والاكتئاب ، وغيرها ، وهي ولا شك مصاحبة للخطاب التواصلي ، بل وتدخل بشكل أساس في تحليل دلالات هذا الخطاب(8).

والمشافهة في الأداء اللغوي ، كما يذكرها النحاة القدماء لها تعلق كبير بتلقي الخطاب فها فهو سيبويه بعد حديثه عن الحروف الأصول التسعة والعشرين بثنيها بالحديث عن الحروف الفروع بقسميها المستحسنة والمستهجنة ، وهي أداءات صوتية لا تكتب لكنها تتضح بالأداء الشفوي، فيصرح سيبويه أن هذه الحروف " لا تتبين إلا بالمشافهة "(9) ، ويتكلم الأخفش الأوسط عن حذف الصلة ( حذف الإشباع ) في هاء الكناية ، وهو شكل من أشكال اجتزاء الصوائت ، وذلك نمط صوتي شفوي لا يرسم ، فيقول :" سمعنا ذلك من العرب الفصحاء " (10) فالأمر عنده ذو طابع شفوي ، ويورد ابن عصفور في الممتع مقالة الزجاجي حول وصفه لحركة الإشمام ، فيقول: "وذلك لا يضبط إلا بالمشافهة " (11) ، والمحدثون أيضا من علماء اللغة يقرون هذه الحقيقة من أن مثل هذه الأداءات الصوتية لا يضبطها إلا المشافهة (12) .

هذه النصوص وأمثالها في التراث العربي كثير ، تومئ إلى إن عامل المشافهة في تلقي الخطاب أو في تحليله أو التفاعل معه عنصر مهم ، والسبب في تصورنا أن تقاليد السماع في الكلام بحكم قدمها، وحداثة تقاليد الكتابة جعلت الكلام المسموع يبدو أكبر أهمية من الكلام المنظور ، لأنه أدخل في الحياة من الكتابة وأوغل في سلوك الفرد والمجتمع (13) . ووجود النبر والتنغيم مثلا وهي آليات شفوية في الكلام المسموع دون المكتوب ، يجعل الكلام المنطوق أقدر في الكشف عن ظلال المعني ودقائقه من الكلام المكتوب ، وقد حاولت الكتابة أن تستعيض عن بعض أشكال التنغيم ببعض علامات الترقيم ، لكنها لم تستطيع أن تعوض النبر بوسيلة أخرى (14) .

إن حضور العوامل المساعدة في الخطاب الشفوي مما لا يمكن كتابته ، كما أسلفنا، كالإشارة والحركات العضوية ، أو تبدل قسمات الوجه أو النبر أو التنغيم ، وما شابه ذلك يجعل الخطاب التواصلي أكثر قربا من المتلقي مهما بعدت المسافة الزمنية ، كما أن غياب ذلك عند التعامل النقدي أو التحليلي يعد في تصورنا عائقا ، فها هو الجاحظ يذكر الوسائل التي بوساطتها تصل الدلالات والمعاني فيجملها في خمسة أصناف ، فيقول :" وجميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء، لا تنقص ولا تزيد، أولها اللفظ ثم الإشارة ، ثم العقد ثم الخط ، ثم الحال التي تسمى نصبه " (15) ، وقد بدأها باللفظ ، وهو أجلها ، لأن المشافهة المباشرة أسمى مراتب التواصل ، ويثنيها بالإشارة ، ولا تتبين إلا عند حضور المقام ، فيقول : " وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان مع الذي يكون بالإشارة من الدل والشكل "(16) ويقرن اللفظ بالإشارة ، وكلاهما من أركان الخطاب الشفوي ، فيقول :" والإشارة واللفظ شريكان ، ونعم العون هي له ، ونعم الترجمان هي عنه ، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ ، وما تعني عن الخط ...وفي الإشارة بالطرف والحاجب وغير ذلك من الجوارح مرفق كبير ومعونة حاضرة في أمور يسترها بعض الناس من بعض ويخفونها من الجليس وغير الجليس ، ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص"(17). وقد أجاد ابن جني حينما جعل اللغة التي للتواصل أصواتا ، أي ذات طابع شفوي ، فقال : " أما حدها فإنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم "(18)  فابن جني هنا يدرك جيدا أن لغة التواصل ليست أصواتا فحسب ، وندرك أيضا أن ابن جني قد اطلع بعناية على ما قاله الجاحظ في أن أنماط التواصل خمسة ، لكنه يصرح في هذا المقام بالمستوى الأول فحسب ، مؤكدا بذلك أن أعلى مستويات اللغة التي للتواصل هي المشافهة ، لأنها تحمل معها المشاعر والأحاسيس .

ذكرنا أن رواة الشعر العربي رووا لفظ الشعر، وأهملوا ما يحيط بالأداء من تفاصيل المشافهة مما يدخل ، وبشكل كبير، في دلالات الخطاب، على عكس ما فعله رواة الحديث من روايتهم جل تفاصيل مقام ذكر الحديث ، فيكون ذلك عنصرا من عناصر التحليل لأن وجود تفاصيل المشاهد، وهي من أركان الخطاب الشفوي، يعد في تصورنا أهم ركيزة من ركائز التحليل.

وقد أجاد الجاحظ حينما اشترط التقيد بتفاصيل المقام عند رواية النصوص وهو هنا مثلها بالنوادر والملح ، والأمر في الحقيقة أوسع ، فيقول:" ومتى سمعت –حفظك الله- بنادرة من كلام الأعراب ، فإياك أن تحكيها إلا مع إعرابها ومخارج ألفاظها ، فإنك إن غيرتها ، بأن تلحن في إعرابها وأخرجتها مخارج كلام المولدين والبلديين خرجت من تلك الحكاية وعليك فضل كبير "(19)، يشير هنا إلى دور عناصر الخطاب الشفوي بوصفها ضرورة من ضرورات تلقى الخطاب ، ويؤكد هذا الأمر بقوله : "وكذلك إذا سمعت بنادرة من نوادر العوام وملحة من ملح الحشوة  والطغام، فإياك أن تستعمل فيها الإغراب أو تتخير لها لفظا حسنا أو تجعل لها من فيك مخرجا سريا ، فإن ذلك يفسد الامتاع بها ويخرجها من صورتها، ومن الذي أريدت له، ويذهب استطابتهم إياها استملاحهم لها"(20)

فالضحك أو البكاء أو الكآبة أو الإشارة أو حركة اليد أو الرجل ، أو قسمات الوجه أو حركة العينين أو رفع الصوت أو خفضة أو غير ذلك من التشكلات العضوية أو التغيرات النفسية التي تلازم الخطاب ، عامل أساس في إيصال دلالاته بأبعاده النفسية والاجتماعية وهو ما تفتقر إليه كل الخطابات المكتوبة التي رويت إلينا وأهملت هذا التوجه، مما يعيق في تصورنا تحليلها الدقيق، ومهما توفرت في النصوص المكتوبة الخالية من ملحقات المشافهة ، على القرائن اللفظية (المكتوبة) في الخطاب الشعري أو النثري ، تظل عناصر المشافهة من أقرب الآليات إلى مضامين الخطاب .

الإحـالات

1- قراءة النص الشعري الجاهلي ، موسى ربايعة ، مؤسسة حمادة ، ودار الكندي ، أربد –  الأردن ، 1998 ، ص 05 .

2- البيان والتبيين ، للجــاحظ ، تحقيق عبد الســلام هارون ، مكتبة الخــانجي ، بالقــاهرة ، ط4، 1975، 1/133.

 3- الوجيز في علوم الحديث،محمد عجاج الخطيب،المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، الجزائر،1989،ص69.

4- الشعر الجــاهلي بين الرواية والتدوين ، لعلى أحمد الخطيب ، الدار المصرية اللبنانية ، ط1 أفريل 2003 ، ص 168 .

5- الشعر الجاهلي بين الرواية والتدوين ، ص 138 .

6- البيان والتبيين : 1 / 105 .

7- البيان والتبيين : 1 / 144 .

8- نظام الحركات في العربية ، أبو بكر حسيني ، أطروحة دكتوراه دولة في علوم اللغة ، مخطوطة بجامعة عنابة، الجزائر ، 2004، ص 378 .

9- كتاب سيبويه، تحقيق وشرح عبد السلام هارون ، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط2، 1988، 4/ 432 .

10- معاني القرآن، الأخفش الأوسط، تحقيق عبد الأمير محمد أمين الورد ، عالم الكتب ، بيروت ، ط1، 1985 ، 1/ 179 .

11- الممتنع في التصريف ، لابن عصفور ، تحقيق فخر الدين قباوة ، دار المعرفة بيروت ،ط1 1987 ، 2/452 ، 453 .

12- أثـر القراءات في الأصـوات والنحو العربي ، لعبد الصبور شـاهين ، مكتبة الخـانجي بالقـاهرة ، ط 1 ،1987. ص

13- اللغة العربية معناها ومبناها ، تمام حسان ، دار الثقافة ، المملكة المغربية ، (د.ت) ،ص 46 .

14- اللغة العربية معناها ومبناها ، ص 47 .

15- البيان والتبيين : 1 /76 .

16- البيان والتبيين : 1 /73 .

17- البيان والتبيين : 1 /78 .

18- الخصائص ، لابن جني ، تحقيق عبد الحميد هنداوي ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ،ط2 2002 1/87

19- البيان والتبيين : 1 /145، 146  .

20- البيان والتبيين : 1 /146 .