النقد اللساني والأسلوبيةpdf

 

عبد الصمد جلايلي     

جامعة تلمسان - الجزائر

يتعين على اللسانياتأن تعرف الظاهرة اللغوية أكثر مما يتوجب عليها أن تعرف نفسها، ذلك أن تحديدها للحدث اللغوي هو الذي يعطي للمختصين المادة التي منها يستخلصون تعريفهم لعلم اللسانيات من موقع النقد التأليفي الكاشف لأصول المعرفة المخصوصة.

La linguistique doit definir le phenomene linguistique Plus qu’elle devraient avoir à s'identifier, car c’est bien son spécification de l’acte linguistique qui donne aux spécialiste  la substance qui aide a déduire leurs définitions de la linguistique a partir de la critique constitutive qui découvre  les principes  de la connaissance spécifique.   

للسانيات خطر جليل على المعارف الإنسانية قاطبة، ومن الفضول أن يتحدث المرء في العصر الحديث عن منزلة اللسانيات والأسلوبية ووجاهة شأنهما، فلو فعلنا ذلك لكان شأننا كشأن من ينوه بالرياضيات الحديثة بين أهل العلوم الدقيقة، أو شأن من يمتدح قيمة التحاليل العضوية وكشوف الأشعة في حقل العلوم الطبية[1].

ولا يمكن للباحث في اللغة اليوم أن يجهل أو يتجاهل ما جدَّ في هذا الميدان منذ مطلع القرن العشرين من نظريات، وما استنبط من مناهج، وما تبلور من مفاهيم، والخطر كل الخطر أن يكتفي دارس اللغة اليوم بترديد ما بلغه عن النظريات اللغوية بدون أن يتمعن فيها ويتمثلها، فلا يكون إلا كناقل أخبار لا يفيد ولا يستفيد، وأخطر من ذلك أن يكتفي بالإطلاع على نظرية واحدة فيتشبث بها حتى الأزل[2] .

لقد حاول الدارسون ربط الأسلوبية، بركب اللسانيات علهم يكسبون تلك ما لهذه من صبغة علمية، وتعددت المحاولات وتشعبت النظريات إلى حد التعقيد مما يتجلى في المفاهيم المستنبطة والمصطلحات المستعملة، وفي نزعة إلى التجريد لا تخلو من مبالغة أحيانا، ولا شك أن هذه المحاولات أثْرَت النظريات اللغوية وفتحت أفاقا هامة للدراسات الأدبية، ولكن الدارس العربي لا يمكن له أن يستفيد منها إلا إذا تفقه في هذا الفرع الجديد من علوم اللغة، فعليه أن يتمثل أسسه، وأن يتفهم نظرياته، وأن يمسك بزمامها، ويدرك صبغتها النسبية حتى لا يتوهم بأنه فاز بالقول الفصل، وظفر بالمنهج الذي لا كمال يرجى بعده.[3]

لقد غدت اللسانيات جسرا أمام بقية العلوم الإنسانية، تنظر إلى حياة الناس فتراها تقننت، وانضبطت فتعلمنت في برمجتها وتوقيتها وتصريف سبلها، وتنظر إلى المعاش وإلى الاقتصاد فتراهما قد خرجا من طور النسبية إلى صعيد الإحصاء والضبط. فأنت تجد الطبيب لا يقنع اليوم بالتخمين و"جس النبض"، وإنما يعمد إلى كشوف التحليل، وبيان الأشعة، ومسجل النبض القلبي ليجزم بالتشخيص وإلا كان يغامر بوصف العلاج.

فبديهي أن يعم هذا الانقلاب الفكري والاختباري حقل العلوم الإنسانية، سواء في ذلك الأدب؛ أو الفن؛ أو النقد، وما إليها جميعا، وهذا الفضل كله يعود إلى اللسانيات[4].

1-           اللسانيات ولغة الأدب:

يتعين على اللسانياتأن تعرف الظاهرة اللغوية أكثر مما يتوجب عليها أن تعرف نفسها، ذلك أن تحديدها للحدث اللغوي هو الذي يعطي ذوي النظر المعرفي المادة التي منها يستخلصون تعريفهم لعلم اللسانيات من موقع النقد التأليفي الكاشف لأصول المعرفة المخصوصة.

ومن المعلوم أن اللسانيات لم تكن أسبق المعارف البشرية إلى اتخاذ الظاهرة اللغوية موضوعا للبحث، فهي لا تستمد شرعيتها المعرفية من اكتشاف مادة العلم ولكن تستقيها من علة أخرى، والحاصل في هذا المضمار أن ما تختص به اللسانيات في حدها لموضوعها الذي هو الظاهرة اللغوية لا يكتشف إلا متى استصفينا من تاريخ الفكر البشري مقومات تعريف الحدث اللغوي[5].

فلقد اطرد في العرف البشري تعريف اللغة بأنها جملة من رموز متواترة بين أفراد المجموعة البشرية التي تتحول بفعل الرابط اللغوي إلى مجموعة فكرية حضارية، وهذه الرموز سواء أكانت ملهمة أم منبثقة انبثاقا فإنها تمثل ضربا من التسليم الضمني بين مستعمليها، ثم إنها ترتبط فيما بينها بقوانين، وبفضل هذه القوانين تنصهر الرموز الجزئية في شبكة من القواعد المجسمة لبناء اللغة الكلي[6].

وفي تعريف آخر لها هي عبارة عن نظام من الرموز التعبيرية تؤدي محتوى الفكرة التي تمتزج فيها العناصر العقلية والعناصر العاطفية فتصبح اللغة حدثا اجتماعيا محضا، إن اللغة في الواقع تكشف في كل مظاهرها وجها فكريا ووجها وجدانيا، ويتفاوت الوجهان كثافة بحسب ما للمتكلم من استعداد فطري وبحسب وسطه الاجتماعي والحالة التي يكون فيها.

إن تعبير الإنسان بواسطة الكلام يتراوح في مضمونه بين مدارين: الدقة العاطفية الذاتية، والأحاسيس الاجتماعية، وهما مداران متصارعان دوما؛ لأن الأحاسيس كثيرا ما تجذب نسبة التدفق الوجداني، وكل مدار يتوق إلى الاستبداد بشحن الفكرة المعبر عنها، فيؤول الأمر إلى ضرب من التوازن غير المستقر. فالكلام يترجم عن أفكار الإنسان وعن مشاعره، ولكنه يبقى حدثا اجتماعيا إذ ليست اللغة منظومة من العلامات تحدد موقع الفرد من المجتمع فحسب، بل هي تحمل أثر الجهد الذي يكابده الفرد ليتلاءم اجتماعيا وبقية أفراد المجموعة[7].

أما التعريف الوظيفي للظاهرة اللغوية فقد تأسس في اللسانيات المعاصرة على أنها أداة الإنسان إلى إنجاز العملية الإبلاغية في صلب المجتمع مما يطوع تحويل التعايش الجماعي إلى مؤسسة إنسانية تتحلى بكل المقومات الثقافية والحضارية[8].

2. علاقة اللسانيات بالأسلوبية:

حاول جون "ستاروبنسكي" "jean starbinski" وضع مقاربة بين اللسانيات والأسلوبية، حيث اعتبر اللسانيات فوق كل علوم الإنسان، وتأكيدا على أنها علم "يقفو أثر الحيوان الناطق، ولا يكون حيوانا ناطقا إلا وهو حيوان مفكر، منصت كاتب ذو خيال وذو أحلام".

وطرافة نظرية "ستاروبنسكي" تكمن في أنه قلَبَ سُلَّم القِيَم، فإذ ليثبت الباحثون للسانيات سلطانا على أسلوبية تراه يبوئ الأسلوبية طاقة تجربها اللسانية نحو ممارسات متجددة، وفي ذلك إثبات لاستقلال الأسلوبية عن اللسانيات استقلالا ذاتيا.

ويعود الالتباس بين اعتبار الأسلوبية من المعارف المختصة بذاتها واعتبارها مجرد مواصفة لسانية أو منهج في الممارسة النقدية وذلك مع كل من "ميشال اريفاي" (MICHEL ARRIOE) و"دولاس ريفاتير".

يقول الأول: "إن الأسلوبية وصف للنص الأدبي حسب طرائق مشتقات من اللسانيات "[9].

ويقول الثاني:"إن الأسلوبية تعرف بأنها منهج لساني"[10].

أما "ريفاتير" فإنه ينطلق من تعريف الأسلوبية بأنها علم يهدف إلى الكشف عن العناصر المميزة التي بها يستطيع المؤلف الباث مراقبة حرية الإدراك لدى القارئ المتقبل، والتي بها يستطيع أيضا أن يفرض على المتقبل وجهة نظره في الفهم والإدراك فينتهي إلى اعتبار الأسلوبية "لسانيات" تعنى بظاهرة حمل الذهن على فهم معين وإدراك مخصوص[11].

فاللسانيات تَهَبُ الأسلوبية ثمار بحثها من حيث هي عمل ينجز على الآثار الأدبية، ولا يأنس الباحث من نفسه قدرة يسيطر بها على الظواهر اللغوية المختلفة حتى تتفتح أمامه مجالات واسعة للتحليل فيصبح النص الأدبي جهازا ينظمه تماسك لغوي خاص، وفي الأثر الأدبي تنكشف المجالات الدلالية الخارجية لأن الكلمات وإن حملت بصمات أصحابها فأصحابها يحملون بصمات حضارتهم، وإن كان الكاتب والوسط الثقافي متلازمين فإن الأسلوبية وعلم الدلالة التاريخي يعضد أحدهما الآخر، فالآثار الفنية تؤخذ أولا في استقلالها كعوالم مغلقة، ولكنها تؤخذ بعد ذلك من وجهة التطور التاريخي حيث يتداخل الأخذ والعطاء بين أصناف النشاط البشري، ولا شك أن التاريخ مفهوم ضمني وكل أثر متميز هو أثر جليل لأنه يجسم لحظة تاريخية على حد ما هي تجسمه[12].

وإذا تدرجنا صعودا في الزمن مستنبطين المحركات التي حددت مدا وجزرا نقط التقاطع ونقط التماس، بين حقلي اللسانيات والأسلوبية اضطررنا إلى تخطي حقول منهجية أخرى كان لها أثر فعال في ما انتهى إليه التنظير الأسلوبي، ولعل أوفق منهج نتوخاه في تتبع هذه الوقائع المتدرجة بالذات منهج التاريخية[13].

أول ما نقرره في هذا المقام هو أن لسانيات "سوسير" قد كان لها مولودان، أولهما آني تلقائي، تمثل في بروز الأسلوبية على يد تلميذه "بالي"، وهي أسلوبية تتحدد بصاحبها لما فيها من خصوصيات رغب عنها التفكير الأسلوبي بعده كما أسلفنا.

وثاني المولودين زماني، جدلي في مخاض ولادته لم يشهد "سوسير"  نفسه معالمه ويتمثل في بروز منهج البنيوية في البحث.

وليست البنيوية في بادئ أمرها إلا تعميما لهذه النظرية على بقية الظواهر الإنسانية حتى غزت حقول علم الأجناس البشرية، وفلسفة العلوم وكذلك مجالات النقد الأدبي، وإذ تبلورت البنيوية فلسفة ونظرة في الوجود بعد أن تغذت بإفرازات العلوم الصحيحة ولا سيما الرياضيات الحديثة عادت إلى منبعها الأم: اللسانيات، فأحدثت فيها أطوار جديدة.[14] حيث أصبحت تدرس القضايا المتصلة بالعلوم الاجتماعية عموما وهي نزعة الانضباط الموضوعي المستند إلى مقومات التيار العلماني الذي شمل ـ من بين ما شمله ـ ميدان الدراسات الأدبية لتقييم الأثر الفني تقييما علميا[15].

فإذا كانت لسانيات "سوسير" قد أنجبت أسلوبية "بالي" فإن هذه اللسانيات نفسها قد ولدت البنيوية التي احتكت بالنقد الأدبي فأخصبا معا "شعرية جاكبسون" و"إنشائية تودوروف" و"أسلوبية ريفاتير". ولئن اعتمدت كل هذه المدارس على رصيد لساني من المعارف فإن الأسلوبية معها قد تبوأت منزلة المعرفة المختصة بذاتها أصولا ومناهج[16].

وفي الأخير يمكن القول بأن اللسانيات أبرزت تعريف اللغة بوظيفتها التي هي الإبلاغ، وعرفت بعد ذلك اللغة بنيويا.

 فاللغة تعرف كليا بالغاية التي تتحقق بواسطتها، وبهذا الاعتبار ينتفي كل تصور للغة أو إدراك لها إلا في سياق ترابط يعقد بين طرفين يتحاوران بالكلام ويتفاعلان فيه، وإذ تعرف اللغة بغايتها ينتقض في حقها أن تكون هي نفسها غاية: إنما هي وسيلة أداء، هي مطية تركبها الرسالة الدلالية الجامعة بين شخصين على الأقل التقديرات العددية.

وهكذا عكفت اللغة عن أن تكون ماهية مجردة وأصبحت ظاهرة بشرية شأنها شأن سائر الظواهر الإنسانية غير المادية، كما كف الفكر البشري عن اعتبارها "روحا" يتجسد في الكلام الذي هو الاستخدام التعبيري لها بحيث ما إن تتنزل فيه حتى تتدنس كما تتدنس الروح بحلولها في الجسد فاليوم لم يعد ممكنا أن نبحث عن علة وجود اللغة أو شرعية بقائها في غير الحدث التعبيري، فالكلام يعد الإطار الشرعي لحياة الظاهرة اللسانية[17].

الإحالات


-[1] اللسانيات وأسسها المعرفية. د/ عبد السلام المسدي. الدار التونسية للنشر تونس..أوت 1986م ص(7) 

-[2]الأسلوبية و الأسلوب.د/ عبد السلام المسدي. الدار العربية للكتاب.ط2. 1982م.. ص(9)

-[3] نفس المرجع السابق. ص(10).

-[4] النقد والحداثة. د/ عبد السلام المسدي. دار الطليعة. بيروت.ط.1. 1983. ص(31)(32)

-[5] اللسانيات وأسسها المعرفية. د/ عبد السلام المسدي. الدار التونسية للنشر. أوت 1986م.ص(24)

-[6] نفس المرجع. ص(25).

-[7]النقد والحداثة. د/ عبد السلام المسدي. دار الطليعة. بيروت.ط.1. 1983م. ص(43).

-[8] اللسانيات وأسسها المعرفية. د/ عبد السلام المسدي. الدار التونسية للنشر تونس. أوت1986م. ص(31).

-[9]أنظر ص (4) من مجلة langue francaise-n3- sept. 1969.وهو عدد خصص للأسلوبية. نقلا عن الأسلوبية و الأسلوب.د/ عبد السلام المسدي. ص(48).

-[10] راجع مقدمة كتاب ريفاتير:ص (12) Essais de stylistique structurale. نقلا عن المرجع السابق. ص(48).

-[11]  راجع مقدمة كتاب ريفاتير:ص (146) Essais de stylistique structurale. نقلا عن المرجع السابق.ص(49).

-[12] النقد والحداثة. د/ عبد السلام المسدي. دار الطليعة. بيروت.ط.1. 1983م.ص(47).

-[13] الأسلوبية و الأسلوب.د/ عبد السلام المسدي. الدار العربية للكتاب.ط2. 1982م.ص(49).

-[14] نفس المرجع. ص(50) (51).

-[15] النقد والحداثة. د/ عبد السلام المسدي. دار الطليعة. بيروت.ط.1. 1983م.ص(32).

-[16] الأسلوبية و الأسلوب.د/ عبد السلام المسدي. الدار العربية للكتاب.ط2. 1982م.ص(51).

-[17] نفس النرجع السابق. ص(36). بتصرف.

المراجع

1.       الأسلوبية و الأسلوب.د/ عبد السلام المسدي. الدار العربية للكتاب.ط2. 1982م

2.       اللسانيات وأسسها المعرفية. د/ عبد السلام المسدي. الدار التونسية للنشر. أوت 1986م

3.       النقد والحداثة. د/ عبد السلام المسدي. دار الطليعة. بيروت.ط.1. 1983

4.           langue francaise-n3- sept. 1969.