صورة الطيور الجارحة في شعر هذيلpdf

د. أحمد بوخطه           

            جامعة قاصدي مرباح ورقلة-الجزائر

اعتمد شعراء هذيل لتصوير مشاعرهم والتعبير عن رؤاهم للوجود على الربط بين تجاربهم وقصص الحيوان المختلفة. ومن الحيوانات التي حضرت بقوة ، في هذا التصوير : الطيور الجارحة . وقد ارتبطت معظم تلك القصص بالرثاء والموت، وفقد الأحبة، وآثار ذلك على الحياة والأحياء .

إن قصة " الصقر والأرنب " عند الشاعر الهذلي "أبي خراش" وسيلةٌ من وسائل العزاء ، ودعوة للأهل لتقبل حقيقة الموت، والكف عن الجزع من مصير محتوم لا يهرب منه أحد، ولو كان صقرا يحمل الموت لغيره.

وبخلاف صورة الصقر كانت صورة العُقاب تعبيرا عن معنى آخر للموت. فهو موت من أجل إطعام الأهل والأولاد وإسعادهم ، موت من أجل الأحياء الحياة.

Résumé:

Pour exprimer leur sentiments de chagrin, Les poètes de la tribu de (Houdhel)  se basent toujours  sur la création des images poétiques  symbolisant la douleur. Il yen a toujours un lien qui relie  leurs expériences et les différent histoires animaux.

Pour (Abou Khirach)  laigle en outre  représente la vie. Une vie qui ne peut être mener  que grasse a la mort q apporte l aigle aux autres.

بين الكائنات المختلفة وشائج متعددة توحد بينها . وكثيرا ما كان الفن الجسر الذي يعبر من خلاله الإنسان لاكتشاف هذا الترابط ، وإدراك العلائق المختلفة التي توحد الأحياء. وفي الفن القصصي ، يكون الهدف في بعض القصص ضرب الأمثال، وإيجاد المشترك بين الكائنات المختلفة، واستعارة واقع بعضها للتعبير تجربة الأخرى في مجابهة صروف الحياة والتفاعل معها.  والشاعر فنان كثيرا ما يتخذ هذا المنحى في بناء فنه، ويسوق القصص في خط مواز لما يريد الحديث عنه من تجاربه في الحياة . فيتشكل بذلك بناء فني يربط بين تجربة الإنسان الحياتية، وبين قصص الأحياء من حوله. ويعتمد الشاعر على التصوير في ربط قصته بحادثة أو أكثر، يختارها من محيطه، تكون المعادل الموضوعي لما عاشه وعاناه.

اعتمد شعراء هذيل لتصوير مشاعرهم والتعبير عن رؤاهم للوجود على الربط بين تجاربهم وقصص الحيوان المختلفة . ومن الحيوانات التي حضرت بقوة ، في هذا التصوير : الطيور الجارحة . وقد ارتبطت معظم تلك القصص بالرثاء والموت، وفقد الأحبة، وآثار ذلك على الحياة والأحياء .

إن قصة " الصقر والأرنب " عند الشاعر الهذلي "أبي خراش" وسيلةٌ من وسائل العزاء ، ودعوة للأهل لتقبل حقيقة الموت، والكف عن الجزع من مصير محتوم لا يهرب منه أحد، ولو كان صقر يحمل الموت لغيره.

لقد حضر الصقر بقوة في لامية " أبي خراش " تمثل في كونه رمزا للموت والقتل. وقصة الصقر في هذه القصيدة تَرِد مرتبطة برثاء " أبي خراش " لأخيه " عروة ".والقصيدة تبين أن الشاعر كان فيها في قمة الصدق الفني, بينما لم ترق عاطفته إلى ذلك التفجُّع على الأحبة كتفجُّع شعراء هذيل الآخرين. فهي تبرير، وردٌّ من" أبي خراش "على زوجة أخيه، التي لامته على ملاعبة ابنه في الأيام الأولى لوفاة " عروة " أخيه. وسلوكه هذا دليل حسْبَ ظنِّها على فتور عاطفته الأخوية يقول :[i]

لَعَمري لَقَد راعَت أُمَيمَةَ طَلعَتي

وَإِنَّ ثَوائي عِندَها لَقَلـــــيلُ

تَقولُ أَراهُ بَعدَ عُروَةَ لاهِــــياً

وَذلِكَ رُزءٌ لَو عَلِمتِ جَلـــيلُ

لقد أحس " أبو خراش " بالحرج من لوم زوجة أخيه ، فكان رده وسيلة منه لدفع اللوم والحرج فقال:

أَلَم تَعلَمي أَن قَد تَفَرَّقَ قَبلَنا   

 خَليلا صَفاءٍ مالِكٌ وَعَقــيلُ

وإذا كانت عاطفة الشاعر الخاصة تجاه أخيه ليست من النوع الذي يدفعه للبكاء والنحيب , فإنها قد حركت فيه هذا الشعور الذي يسكن الإنسان في علاقته بالموت، فكان بكاؤه بكاء للحياة عامة. بكاء عقلي يتجاوز حادث موت أخيه الخاص، إلى رثاء الوجود الإنساني في عمومه. وتحملنا إشاراته إلى مصرع الغابرين، في موقف نستعرض فيه قانون الحياة والموت . وبذلك تَتَقَبَّلُ زوجة أخيه مصير زوجها، الذي انتظم مع الأموات في عالم واحد . ونقبل نحن معها بالمصير، راضين بالسنن الكونية التي تجري على الأحياء . وتكون قصة الأرنب والصقر واحدة من قصص الإنسان والحيوان وزوال الحياة على الأرض. وهي القصة التي ترد في نهاية مرثيته.[ii]

وَلا أَمعَرُ الساقَينِ ظَلَّ كَأَنَّهُ      

 عَلى مُحزَئِلّاتِ الإِكامِ نَصيلُ[iii]

رَأى أَرنَباً مِن دونِها غَولُ أَشرُجٍ     

 بَعيدٌ عَلَيهِنَّ السَـــــرابُ يَزولُ[iv]

لنلاحظ كيف تبدأ الصورة برسم المكان والزمان، لخلق المحيط الذي تتحرك فيه رؤى الشاعر. فالزمان فيها مطلق، يأتي الفعل "ظل" للدلالة من خلاله على الاستمرارية، ويوظف التشبيه للتعبير عن قوةِ وصبرِ وطولِ بقاء الصقر فوق المرتفعات كأنه " نصيل" أي حجر, والحجر الأصم تمهيد يلوِّح لمصير الصقر المحتوم الذي لفَّته مقدمة القصيدة بذلك الإيقاع المدوي :

" أَرى الدَهرَ لا يَبقى عَلى حَدَثانِهِ  "

فهو يعبر عن تحول الصقر إلى حجر في نهاية المطاف، بعد أن يقوم بدوره على وجه الأرض . ودوره هو الفتك بالآخرين وقتلهم . وفوق المرتفع يشرف الصقر على المشهد يمتدُّ أمامه. والمشهد صورة مقتطعة متحركة تنبض بالحياة , وتغري الموت بالانقضاض . ويرى الصقر أرنبا من بعيد .

" رَأى أَرنَباً مِن دونِها غَولُ أَشرُجٍ "

ولكي نتمثل الصورة يجب أن نكون قد علونا المرتفعات, أو صعدنا الجبال الشاهقة , ونظرنا من الأعلى إلى المنخفض أمامنا .لا بد من ذلك  لنشعر بهذا الفضاء الذي يرسمه الشاعر شعورا حيا. فبين الصقر والأرنب بُعدٌ شاسع ومنخفض قد يخفي الفريسة , ويدفعه إلى العدول عن هجومه إذا ما قرّر ذلك, خصوصا وأن الشاعر عمّق الإحساس بالبعد، بإدخال السّراب في المشهد. ولكن الصقر لا يتردد، والسراب الزائل لا يعيقه . و قد يكون السراب هو السبب الأصلي في حركة الموت من خلاله. أليس السراب في حقيقته سوى هذا الذي يتراءى لنا من بعيد بأنه الماء ؟.. وهل السراب ماء فعلا، أم أنه صورة تتراءى لنا نحسبها الماء ؟. نعم إنه صورة وهمية تتلاشى بمجرد اقترابنا منه، لنجد حقيقة الماء صحراء قاحلة وعطشا دائما. وكذلك هي الحياة سرابٌ مغرٍ يلف تحته الموت الكامن والمصير المحتوم . وقد وصف الشاعر الصقر بـ"أمعر الساقين " أي عاري الساقين , بدون ريش . والريش رمز الدفء والحنان , والصقر رمز الموت فلا مكان فيه لما يناقض هذه الصورة الأخيرة.

وتبدأ حركة الصورة بضم الصّقر لجناحيه تأهبا . ويعمد الشاعر بعد ذلك إلى وصف مسرح الأحداث . فهو فضاء يختصر الحياة بما فيها من خصب يدل على الحياة وجذب يدل على الموت.

فَضَمَّ جَناحَيهِ وَمِن دونِ ما يَرى  

بِلادٌ وُحوشٌ أَمرُعٌ وَمُحــولُ

ونقول : "الدار من أهلها وحش " للدلالة على خلوها إلا من الوحش . وهذا ما يعمق الإحساس في الصورة بالخلاء ، ويكثف معنى الموت وينميه.

وينتقل " أبو خراش " مباشرة إلى الأرنب فيبرزها وهي تسعى متشبِّثة بأهداب الحياة تحاول النجاة ، وتختفي وراء الشجرة . واستعمل اسم شجرة " الضَّرَّاء". والضَّرَّاء : ما وارك من الشجر. وهكذا وظف الشجرة للدلالة على أن ما تختفي فيه الأرنب وما تلجأ إليه ، وإن كان رمزا للحياة إلا أنه في صيغته اللفظية يحمل الضرَّّ والهلاك . وتبدو الأرنب هملا لا حيلة لها ، زائلة عن الأرض في هذه الصورة العجيبة .

تُوائِلُ مِنهُ بِالضَراءِ كَأَنَّها   

سَفاةٌ لَها فَوقَ التُرابِ زَليلُ

وتشبيهها بالسفاة  يختصر مأساة الوجود الهش . فالسفاة كما شرحها "السكري " في شرح ديوان الهذليين: شوكة " البهمى " والبهمى: نبات تحبه الغنم حبا شديدا ما دام أخضرا فإذا يبس امتنع عنها . فالبهمى في اخضرارها رمز للرعي وللخصب ، ولكن إذا يبست خف شوكها وأصبح له "زليل " أي مرور خفيف على الأرض . ويلتقي هذا مع الأرنب في خفتها وزوالها. ويتعاون الظرف المكاني " فوق التراب " مع العناصر الأخرى للإيحاء بالقبر وبالموت .

ثم يعود الشاعر إلى الصقر مبرزاً نموَّ الموت في إرادته من خلال عبارة : " النهض النجيح "

وهذه الإرادة هي التي تمنحه من القوة، ما يقرب له البعيد، وما يظهر له الخفيَّ. فقد كان الأرنب بعيدا بعداً شاسعا عن سطوة الصقر ، وكانت شقوق الأرض تخفيه من الحين إلى الآخر، لكن إصراره على ملاحقة صيده اختصر كل ذلك .

يُقَرِّبُهُ النَهضُ النَجيحُ لِما يَرى

وَمِنهُ بُدُوٌّ مَرَّةً وَمُثـــــــولُ

ولنلاحظ ما في كلمة " النجيح " من معاني المثابرة والإصرار ،  للدلالة على أن الموت لا يكلُّ ولا يتخاذل في بطشه بالأحياء . ويهوي الصَّقر أخيرا بمخالبه ليختطف الأرنب، وتختفي المخالب ، وتظهر في مقابل ذلك الأرنب وقد انتظم قلبها .

فَأَهوى لَها في الجَوِّ فَاختَلَّ قَلبَها  

صَيودٌ لِحَبّاتِ القُلوبِ قَتولُ

وقد فسر " السُّكَّري" اختل بمعنى انتظم. وجاء في مختار الصحاح، تخلل القوم دخل بين خللهم . على هذا الأساس " فاختل قلبها " بمعنى انتظم , يتجاوز الدلالة القريبة، إلى التعبير عن لحاق الأرنب بمن مات قبله من الإنس والحيوان، وانتظامه في صف الأموات. هكذا يمضي الأرنب إلى مصيره المحتوم وإلى قدره المسطر . ويكون الموت هو الأصل والحياة استثناء . إننا "نستطيع أن نتصور كونا بلا حياة , سديما مطلقا , ولكننا لا نستطيع بل نجزع أن نتصور كونا معمورا لا موت فيه" [v] . ولنتأمل في الأخير نهاية القصة , وصيغة المبالغة في قوله " صيودٌ " , " قتولٌ" ليرتفع بالصَّقر إلى الدلالة المطلقة على الموت والقتل , والصَّيد لحبات القلوب أي لجوهر القلوب , أين يُستودع السرُّ وتستودع الحياة في خفقات قلوب الأحياء والوجود.

ومع التحليل العقلي الذي ينهجه الشاعر في تعزيته لزوجة أخيه، لا تخلو القصة من أثر عاطفي، يحركه فينا هذا الإشفاق الذي نحس به تجاه الأرنب الضعيف، في مقابل الصقر الحامل للموت . وقد كان هذا التقابل في صورة الموت إيقاعا ثنائيا يجمع له الشاعر كل عناصر الحياة والموت . ومن اجتماع هذا التناقض الظاهري نصل إلى حقيقة الوجود التي تقوم على هذه الثنائية. ثنائية تجمع الفعل "ظل" مع الحجر" نصيل" في وصف الصقر . وتجمع "دونها" مع البعد في "غول بعيد " وفي "عليهن" و"يزول" , وفي تجاور الخصب والجذب "أمرع " و "محول" , و"فوق" و"زليل" . ويزداد التقارب بين هذه الثنائيات في الأبيات الأخيرة فيعدل الشاعر عنها إلى استعمال الأضداد في الأسماء أو الصفة الواحدة "فـ"الضراء" شجرة تختفي فيه الأرنب بحثا عن الحياة, وفي صيغتها وصف للضر. واستعمل كلمة"مثول" بمعنى الاختفاء  .

" وَمِنهُ بُدُوٌّ مَرَّةً وَمُثولُ "

و"المثول" الحضور أيضا . وهكذا يتحول حضور الحياة , أو اختفاؤها إلى معنى واحد، لا يفترق فيه الموت عن الحياة . وأخيرا " اختل قلبها " بمعنى انتظم . واختل تعبير أيضا عن فقدان التوازن , وظهور الفراغ . فراغ منشأه موت الإنسان وبقاء ما كان يشغله خاليا . و"اختل" انتظام من جهة أخرى في قانون الفناء وضمن صفوف الأموات .

وأهم ما في قصة الصقر والأرنب ، هو واو العطف متبوعة بلا النافية في بداية القصة .

" وَلا أَمعَرُ الساقَينِ "

هذا العطف والنفي ، يقومان بعطف قصة الصقر، على ما سبقها من القصص  ـ وكل القصص في القصيدة معطوفة على وفاة أخ الشاعر ـ وفي نفس الوقت ينفي البقاء والخلود عن الصقر رغم فتكه بالآخرين، ويثبت له الموت في النهاية كما أثبتها للآخرين .    

وهكذا هي الحياة والموت في نظر " أبي خراش " , موت في حياة , وحياة في موت. ولا فرق بينهما في حقيقة الوجود. فلِم الجزع إذن؟.. وعلام الحزن الذي لا ينتهي؟. 

وبخلاف صورة الصقر كانت صورة العقاب أكثر حضورا في التعبير عن الموت, ولكنه تعبير عن موت آخر, غير الموت المدمر, فهو موت من أجل الحياة, موت من أجل الآخرين, موت من أجل إطعام الأهل والأولاد, موت من أجل الحياة الناهضة في عش عقاب، يقول أبو خراش: [vi]

عَدَونا عَدوَةً لا شَكَّ فيها  

وَخِلناهُم ذُؤَيبَةَ أَو حَبيبا        

كأني إذ عدوا ضمنت بزي

من العقبان خائتة طلوبا[vii]

جريمة ناهض في رأس نيق

 ترى لعظام ماجمعت صليبا[viii]

رأت قنصا على فوت فضمت

إلى حيزومها ريشا رطيبا[ix]

فلاقته ببلقعـــــة براز

فصادم بين عينيها الجبوبا[x]

لنلاحظ ارتباط هجوم الشاعر وقومه على أعدائهم بهجوم العقاب :

كأني إذ عدوا ضمنت بزي

من العقبان خائتة طلوبا

لقد اتحد الشاعر بالعقاب من خلال سلاحه الذي يطلب به أعداءه كما تطلب العقاب الخائتة فريستها, وتلتقي صورة العقاب بالشاعر في كونها "جريمة ناهض " وفي هذا إشارة إلى أن العقاب لا تحمل الموت قسوة قلب ، وإنما تسير وفق سنة الحياة والموت التي جبلت عليها ، بل قد يكون الموت الذي تحمله هو الحياة نفسها لفراخها . وهذه هي مفارقة القدر القاسية على الشاعر  " أبي خراش  " فهو لا يحب القتل ولكنه لا يستطيع أن يكف عنه لأن الحياة في تلك الصحراء بوسائلها البسيطة لم تكن ممكنة ، وسيموت أبناؤه إذا لم يقاتل ويغزو للحصول على رزقهم، وللنظر كيف تختصر كلمة " جريمة " هذا المعنى فهي تعبير عن الحياة التي تحملها العقاب لفراخها الناهضة وتعبر كذلك عن قتل الآخرين وموتهم .

ونفس الرمز يوظفه الشاعر ساعدة بن العجلان يصور من خلاله قوته في ثَأرِه لأخيه, واقفا على مرقبة يحمل الموت.

أهوي على أشرافها لا أتقي

كدفيف فتخاء القوادم سلفع[xi]

تغدو فتطعم ناهضا في عشها

صبحا ويؤرقها إذا لم يشبع

فالشاعر يُشبه العقاب السفلع، أي الجريئة, فيقف على مشارف المرتفع لا يتقي ولا يخاف, فيهجم على أحد أعدائه كما تهاجم العقاب الفتخاء التي تحرك أجنحتها بسهولة, وهي ما تفعل ذلك إلا رغبة في إطعام فرخها الناهض في عشها . فهي تأخذ من حياة الآخرين لحياة فرخها, وتميت الآخرين تدفع عنه الموت في نهوضه المتعثر. ولنلاحظ كيف يجمع بين العش والصبح ليكثف صورة الحياة المهددة, فالعقاب تطعم صغيرها الناهض, بعد جوع قد يقتله في عش يحمي الحياة, وتشرق بذلك الحياة صبحا بعد ليل طويل كاد يحمل الموت, وهو يتهدد الصغير الذي يؤرقها حينما لا يشبع.

"ويؤرقها إذا لم يشبع"

ولكن كيف نفهم علاقة الشاعر بهذا الجزء الأخير من الصورة, ورغم أن القصيدة موضوعها الثأر الذي يدفع صاحبه للقتل، إلا أنه بسبب شعور الشاعر بحاجة أبنائه للغنيمة, التي يحصل عليها بعد الثأر, فإن الرغبة في الثأر لأخيه ليست سوى المظهر الخارجي لحاجته المتأصلة إلى الغزو والبحث عن الرزق، حاجة تتجاوز المناسبة الآنية إلى قانون الوجود الذي فهمه الشاعر في نفسه وفي العقاب:   " أن لا حياة بدون موت".

ولعل قصة الشاعر الهذلي " صخر الغي" التي ترد في سياق رثائه لأخيه " أبي عمرو" من أكثر القصص إثارة للخيال ولمشاعر الشفقة والأحاسيس النبيلة.

تبدأ القصيـدة بمطـلع يتحدث فـيه الشاعر عن أخيه " أبي عمرو بن عبد الله " الذي قاده حتفه، وووري التراب ، هناك في المرتفعات  بعـيدا عن الأهــل والأقارب :[xii]

لَعَمرُ أَبي عَمروٍ لَقَد ساقَهُ المَنا

إِلى جَدَثٍ يوزى لَهُ بِالأَهاضِبِ

وتنتهي القصيدة بقصة مؤثرة ، يحكي فيها صخر الغي قصة طائر من الطيور الجارحة، على عادة كثير من شعراء هذيل في تضمين قصائدهم قصص الحيوان عموما ، ومنها قصص الصيد في حياة الطيور الجارحة. والقصة التي يحكيها الشاعر تربط بين مضمون المطلع الذي ينعي موت أخيه، ورحلة عقاب تسعى للبحث عن قوت فرخيها . وسعيها لا يكون إلا عبر الفتك بضعاف الحيوان من الطير والأرانب.  

فالموت في صورة العقاب يأخذ معنى التضحية والجهاد بالنفس من أجل الآخرين , وقبل ذلك يصور الشاعر حياتها ويرسم لها صورة القاتل المميت

وَلِلَّهِ فَتخاءُ الجَناحَينِ لِقوَةٌ   

تُوَسِّدُ فَرخَيها لُحومَ الأَرانِبِ

كَأَنَّ قُلوبَ الطَيرِ في جَوفِ وَكرِه

 نَوى القَسبِ يُلقى عِندَ بَعضِ المَآدِبِ

 فالعقاب " لقوة "أي متلقفة للأشياء . فهي الموت الذي يتلقف الأحياء فيميتهم . وتحيل لحوم الأرانب بعد الفتك بها إلى حياة لفراخها. فمن موت الأرانب تنبعث حياة أبنائها الناعمة . وتظهر هذه النعومة في لفظه " توسد " فرخيها . ولننظر في البيت الثاني كيف ينتقل إلى الحديث عن قلوب الطير في وكرها , فعبر ذلك يحاول الشاعر أن يحرك خيالنا بين صورة الطير مرفرِفا في الفضاء , وبين صورته في موته ملفوفا في عمق وكر العقاب . هذا التمدد في الصورة بين قلب الطير مرفرفا كتمدد الأشعة المنبعثة من نقطة ما, وهذا الانكماش له في الوكر , وهو الموت الذي آل إليه بعد الحياة . هو الذي يعطي للصورة سحرها وحيويتها . ويشبه الشاعر بعد ذلك هذا الجزء من الطير بجزء آخر من الوجود هو النوى . و النوى هو بقايا التمر . والتمر وسيلة  حياة, تحيا به الأجسام في المآدب , ولكن النوى فيه رمز للموت بعد سلب الحياة منه . والشاعر تعمد اختيار نوع معين من التمر هو تمر "القسب" وهو تمر يابس , في إشارة إلى قساوة الحياة و صعوبتها في محيط الشاعر , خاصة أنه بدأ يعِدُّ نفسه لتحمل مسؤوليته تجاه عيال أخيه، مما يضطره إلى تقسيم رزقه الزهيد معهم .

الموت إذن هو هذه التمرة التي ترمي نواتها , وهو هذا الطير الذي يُنزع قلبه, وهو هذه العقاب التي تفتك بالأحياء , فتخرج أرواحهم , وتسلبهم الحياة . وينتقل الشاعر بعد ذلك إلى رصد مشهد , أو مغامرة من مغامرات هذا العقاب في حركتها.

فَخاتَت غَزالاً جاثِماً بَصُرَت بِهِ   

لَدى سَمُراتٍ عِندَ أَدماءَ سارِبِ

هاهي تبصر الحياة غزالا جاثما فتنقضُّ عليه , ورغم أن الانقضاض يأتي في الترتيب الزمني بعد الإبصار، إلا أن الشاعر يقدم انقضاضها على رؤيتها له " فخاتت " للدلالة على سرعتها وتعودها على القتل , لكن القصة هذه المرة تختلف . وتتحول الصورة في المشهد التالي إلى تصوير نهاية العقاب المأساوية .

فَمَرَّت عَلى رَيدٍ فَأَعنَتَ بَعضَها  

فَخَرَّت عَلى الرِجلَينِ أَخيَبَ خائِبِ

تَصيحُ وَقَد بانَ الجَناحُ كَأَنَّهُ    

 إِذا نَهَضَت في الجَوِّ مِخراقُ لاعِبِ  

لقد ركز الشاعر في البداية على جناحي العقاب . العقاب تحمي فرخيها وتميت الأرانب والطيور , فكأن في ازدواج مهمة جناحيها ازدواج الصورة التي تمثلها . فأحد أجنحتها يمثل الحياة , و الآخر يمثل الموت , وهي بالقدر الذي تحمل الحياة , تحمل الموت . وهاهي ذي تمر على ريد , والريد جزء من جبل لا يتحول " فأعنت جناحها " وأهلكه . بذلك يسقط جناح الحياة فيها , فتسقط مع الأموات خائبة كخيبة الآخرين من الحياة أو أشد.

"  فَخَرَّت عَلى الرِجلَينِ أَخيَبَ خائِبِ "

"تصيح" ، ويالها من صيحة ناحبة تدمي القلوب . ويظهر جناحها الذي كان رمزا للحياة كأنه "مخراق لاعب " وتظهر معه الحياة كأنها لعبة في يد الموت .

" تَصيحُ وَقَد بانَ الجَناحُ كَأَنَّهُ    

إِذا نَهَضَت في الجَوِّ مِخراقُ لاعِبِ"

وينتقل الشاعر إلى الجزء الأخير من الصورة , وهو الجزء الذي يؤرقه ويخيفه ويقض عليه مضجعه . فالعقاب قد ماتت وتركت فرخيها بعدها في جوف وكرها . وجوف وكرها لم يكن مرتبطا في الصورة بالحياة , بل كان مقبرة لقلوب الآخرين , وربما سيكون مقبرة للفراخ كذلك في نهاية المطاف . وهذا هو قانون الدهر في نظر الشاعر :

وَقَد تُرِكَ الفَرخانُ في جَوفِ وَكرِها          

بِبَلدَةِ لا مَولىً وَلا عِندَ كاسِبِ   

ُرَيخانُ يَنضاعانُ في الفَجرِ كُلَّما  

أَحَسّا دَوِيَّ الريحِ أَو صَوتَ ناعِبِ

فَلَم يَرَها الفَرخانِ عِندَ مَسائِها     

وَلَم يَهدَآ في عُشِّها مِن تَجاوُبِ

فَذلِكَ مِمّا يُحدِثُ الدَهرَ إِنَّهُ     

لَهُ كُلُّ مَطلوبٍ حَثيثٍ وَطالِبِ

لننظر كيف يَبرُز المكان الذي يلف الفرخين , فهو مكان للموت والفناء . فالوكر من جهة والبلاد الخالية من جهة أخرى . فهو الموت المحقق إذا . وتظهر كلمة " كاسب " لتربط بين حياة الشاعر و أخيه، وبين العقاب وموتها . ولكن الشاعر في موقف رثاء لأخيه , فلماذا يعدل عن ذلك إلى هذه القصة التي تصور فراخ العقاب . لابد أن ستنتج إذن أن الشاعر يقف أمام صورة أبناء أخيه , الذين تركهم من بعده بعد وفاته . وواجب الشاعر يحتم عليه تحمل مسؤولياته تجاههم . وهذا الواجب هو الذي يهجم على الشاعر , يتعبه, ويضعه أمام تجربة عسيرة قد تخونه فيها مروؤته. فالشاعر يرثي أخاه وهذا صحيح , ولكن رثاءه للحياة بعد أخيه أشد ... حياة سوف يتقاسم فيها التمر اليابس الذي كان يحصل عليه بشق النفس بين أبناءه وأبناء أخيه . وهي حياة شاقة وعسيرة والموت فيها يتهدد الأطفال , وشؤم قدومه لا يكف عن النعاب .

فُرَيخانُ يَنضاعانُ في الفَجرِ كُلَّما   

أَحَسّا دَوِيَّ الريحِ أَو صَوتَ ناعِبِ

ولنلاحظ كيف تصور كلمة "ينضاعان" حركة الفراخ فجرا، يبحثان عن لقمة العيش , وعن الحياة , وقد دوى الريح أو صوت الغراب , وهما عنصران يرتبطان في حس الشاعر بالهلاك ونذير الشؤم .

ويختم الصورة بإظهار استمرار المأساة بقوله:

" وَلَم يَهدَآ في عُشِّها مِن تَجاوُبِ "

وبعودة إيقاع الدهر يصم الآذان :

فَذلِكَ مِمّا يُحدِثُ الدَهرَ إِنَّهُ  

    لَهُ كُلُّ مَطلوبٍ حَثيثٍ وَطالِبِ

هكذا هي الحياة إذن، أناس يحيون ويكافحون من أجل غيرهم . يضحون بالجهد في سبيل أبنائهم ثم يموتون وهم يحضِرون القوت من الغزو، أو الصيد أو غير ذلك . وقد يكون في خروجهم من أجل السعي للحياة سعي لموتهم . وهذا ما حدث لأخ " صخر الغي " وهو ما عبر عنه في افتتاحية القصيدة بقوله:

لَعَمرُ أَبي عَمروٍ لَقَد ساقَهُ المَنا   

إِلى جَدَثٍ يوزى لَهُ بِالأَهاضِبِ

وهكذا تنتهي حياة أخ الشاعر بالأهاضب , وتنتهي حياة العقاب بالجبل , ويبقى أبناء أخ الشاعر , ويبقى فرخا العقاب , الكل ينتظر الكاسب والمعيل .

ولو تأملنا باختصار بناء القصة ، لوجدناها تقف موازية لمعاناة الشاعر من موت أخيه الذي تحدث عنه في بداية القصيدة .


1)     ديوان الهذليينج 2 ص 116.

2)     ديوان الهذليين ج 2 ص 121.

3)     المحزئلات:المرتفعات. نصيل : حجر.

4)     الأشرج : الشقوق في الأرض.

5)     أحمد وهب رومية – شعرنا القديم والنقد الجديد – ص 278 .

6)     ديوان الهذليين ج2 ص . 132

7)     الخائتة: العقاب تخوت

8)     جريمة أي تطعم فراخها

9)     الحيزوم: الصدر

10)الجبوبا: الأرض

11)ديوان الهذليين ج2 ص . 107

12)  ديوان الهذليينج 2 ص 51.