مرجعية التقديس وأحادية التأويل في نقد الفقهاءpdf

 

أ‌/عمار حلاسة        

جامعة قاصدي مرباح ورقلة-الجزائر

 ملخص

لقد كان النقد العربي القديم قادرا عل أن يذهب بعيدا لولا نظرة التقديس التي انطلق منها فأوقفته وجعلته يضع قوانين ونظريات مثل نظرية العامل ليعزز موقفه ولقد اكتوى بنار هذا التعسف كثيرا من الشعراء وقد كان في طلعتهم أبي تمام والمتنبي وجيل المحدثين كلهم , لقد كان القرآن معجزا فتح مجال الدراية والتأويل لمختلف الدارسين وعلى رأسهم النقاد لو استطاعوا أن يتعاملوا مع القران بهذا المفهوم.

Résumer:

L’ancien critique arabe était capable d’aller plus loin, si ce n’était emprisonné  par une vision sanctification traduit par l’institution  de  lois et les théories arbitraires comme la théorie du poème    grammatical pour renforce sa position.

Certains poètes étaient  victimes de tel abus, parmi eux : ABOU TAMMAM et EL  MUTANABI et la nouvelle génération, qui Succède.

Certes  le coran  vient en miracle et ouvre une grande porte dans le domaine de la signification pour l’ensemble des étudiants, chercheurs et critiqueurs, si seulement  ils   possèdent la capacité de comprendre ce concept.    

كان القرآن الكريم من الوهلة الأولى، صادما، ومدهشا. فقد أشده قريشا، وجعلهم يقلبون أخماسا على أسداس. ولا يملكون إلا أن يقفوا صاغرين أمام بلاغته التي بهرتهم، وجعلتهم يتحايلون على بعضهم ليستمعوا القرآن. وقد نقلت مختلف الروايات قهر القرآن لبلغاء قريش وسادتها، من أنهم كما يروي صاحب سيرة ابن هشام « أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وقال لهم: يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وأن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا . فاجمعوا فيه رأيا واحدا ، ولا تختلفوا ، فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قولكم بعضه بعضا . فقالوا : فأنت يا أبا شمس فقل ، وأقم لنا رأيا نقول به...قال والله إن لقوله لحلاوة ، وأن أصله لعذب ، وأن فرعه لجناة ، وما أنتم بقائلين شيئا إلا عرف أنه باطل [1]»هذه شهادة يقدمها رجل من أشد الأعداء ليقر بالإعجاز القرآني البلاغي.

فقد قهر القرآن فصحاء قريش ، وأرغم أنوفهم في التراب « فلولا أن القرآن الكريم قد ملك سر هذه الفصاحة ، وجاءهم منها بما لا قبل لهم برده ، ولا حيلة لهم معه...فاستبد بإرادتهم ، وغلب على طباعهم ، وحال بينهم وبين ما نزعوا إليه في خلافه ، حتى انعقدت قلوبهم عليه ، وهم يجهدون في نقلها[2] » .

ولن نكون مبالغين إذ قلنا : أن قريشا قبل أن تهزمها بدر وأخواتها ، فقد تكسرت بيضتها منذ أن نزلت"اقرأ باسم ربك الذي خلق"ومن ثم « لم تقم للعرب قائمة بعد أن أعجزهم القرآن من جهة الفصاحة التي هي أكبر أمرهم ، ومن جهة الكلام الذي هو سيد عملهم[3] »،وقد بدا ذلك جليا من الآثار التي تركها في نفوس أبنائهم حين ملك عليهم أنفسهم ، وجعلهم أكثر استجابة ، وأكثر تمسكا ، وأصلب عودا . فهم لم يكونوا كذلك ­ رغم قلتهم وضعفهم ­ « إلا بعدما سمعوا القرآن ، ورأوا منه ما استهواهم ، وكاثرهم ، وغلبهم على أنفسهم . فكانت الكلمة منه تقع من أحدهم ، وإن لها ما يكون للخطبة الطويلة، والقصيدة العجيبة ، في قبيلة بأجمعها . . ولهذا قام كل فرد منهم في نصرة النبي "ص"وكأنه في نفسه قبيلة في مقدار حميتها ، وحفاظها ، ونجدتها [4] »

من كل هذا يمكننا أن نقف عند أثر القرآن على متلقيه . فإذا كان المتلقي على غير ملته ، قد وقع في نفسه مثل ذلك الأثر الذي ذكره ابن المغيرة ، فكان لا يجد لنفسه فكاكا من أسره ، فإن أثره في أتباعه أشد وأقوى. كما أوضحنا سابقا.

أما المشتغلون بالبيان ويأتي على رأسهم الشعراء ، فهؤلاء كانوا أشد الأطراف تأثرا بالأسلوب القرآني . إلى الدرجة التي جعلتهم يعافون كل ما في أيديهم ،وتصيبهم صدمة الدهشة التي أخرست ألسنتهم ، فأصبحوا عاجزين على أن يقولوا شيئا . ومثالنا في ذلك لبيد بن ربيعة ، الذي ألجمه البيان القرآني فلم يستطع أن يقول خلال فترة الإسلام إلا بيتا واحدا . فحتى حين استنشده عمر فلم يكن رده إلا  قراءة  سورة البقرة وقال ، « ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علمني الله سورة البقرة وآل عمران [5] »

ولعل هذا الأثر الذي تركه القرآن في أتباعه وغير أتباعه،جعل الفقهاء ، يبحثون على  العلم الذي يمكنهم من الوقوع عند سر جمالية التركيب القرآني ، فاهتدوا إلى علمي البلاغة والإعجاز كما فعل الجرجاني في دلائل إعجازه ، حيث عني عبد القاهر «بإعجاز القرآن من زاوية تخصصه اللساني والأسلوبي ، فأوضح لنا أن إتقان تأليف جمل الكلام ، وتراكيبه ، والتفنن في نظمها ، وحسن صياغتها ، هو طريق البلاغة والإعجاز [6] »

كما اهتم بعضهم برواية الشعر والاستعانة به لفهم بلاغة القرآن ، وسر تراكيبه . وقد أشار الجرجاني نفسه إلى ذلك حيث قال « وذاك أنا إذا كنا نعلم أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن الكريم ، وظهرت وبانت هي : أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر ، ومنتهيا إلى غاية لا يطمح إليها بالفكر ، وكان محالا أن يعرف كونه كذلك ، إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب، وعنوان الأدب ، والذي لا يشك أنه كان ميدان القوم إذ انحازوا إلى الفصاحة والبيان . وتنازعوا فيهما قصب الرهان [7] »

ولعل قول الجرجاني : وكان محالا أن يعرف كونه كذلك ، إلا من عرف الشعر .يضعنا وجها لوجه أمام اهتمام الفقهاء بالشعر ، واشتغالهم بروايته  على الرغم من إيمان أكثرهم بغوايته ، كما قال الشافعي :

ولولا أن الشعر بالمرء يزري              لكنت أشعر من لبيد.

وذلك كما رأينا أنهم اقتنعوا ألا سبيل لفهم القرآن ، والوقوف على بلاغته ، ما لم يعرفوا بلاغة الشعر التي كانت تشغل الشاعر ، وبلغاء العرب ، وتقودهم إلى التفوق ، والتفرد ، وهم ينفردون دون سواهم  . فلما جاءت بلاغة القرآن التي أخرستهم ، استعانوا ببلاغة الشعر ، واستنبطوا منها قواعد تعينهم على فهم بلاغة القرآن . ومن هذا المنطلق وجدنا الكثيرين ممن صنف من الأوائل كتبا في الأدب والشعر ، وكان الغرض الأول من ذلك هو خدمة القرآن الكريم. وحتى لا نطيل في هذه النقطة سنكتفي بهذا المثال كنموذج ينسحب على كل المؤلفات التي كتبت لهذا الغرض . ولنأخذ كتاب ابن قتيبة الدينوري "الشعر والشعراء "أو"طبقات الشعراء . ولنرى ما هو السبب الذي يخرج به في تأليف هذا الكتاب . يقول «وأخبرت فيه عن أقسام الشعر وطبقاته ، وعن الوجوه التي يختار الشعر عليها . وكان أكثر قصدي للمشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب ، والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب ، وفي النحو ، وفي كتاب الله عز وجل ، وحديث رسول الله "ص"، [8] »

 وهو نص صريح يبين كيف اختار ابن قتيبة شعراءه ، لأنهم الأكثر مقصدا للمشتغلين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم،وهذا يؤكد لنا ما كنا قد تبيناه من قبل في كون القرآن الكريم كان الحافز الأساس لكل هذه العلوم من رواية ونحو وصرف وبلاغة وغيرها من العلوم التي انبثقت عن القرآن الكريم .فقد نقل «عن القاضي أبي بكر بن العربي في كتاب قانون التأويل ، أن علوم القرآن خمسون علما ، وأربع مائة وسبعة آلاف علم [9] »

والذي يهمنا من كل ذلك ، أن الرواية قد اهتم بها الفقهاء من أجل القرآن الكريم .ولعل الاشتغال بالرواية . حتم على الفقهاء الاهتمام بنقد هذه الأشعار المروية ،ووضع ضوابط لها ، استمدوها في البداية من علم الحديث ، ليتوغل هذا العلم ،وينفرد بما يسمى بعلم النقد .غير أن الملاحظ على هذا العلم هو اشتغال كثير من الفقهاء ، والمتكلمين ، والمفسرين بهذا العلم . ولذلك وجدنا من أبرز المشتغلين به ،  الآمدي ، والصولي ، والجرجاني ، والباقلاني ، والرماني ، وقبلهم أبو عمر الشيباني ، ممن كانت ثقافتهم متشبعة بالثقافة الدينية قبل ذلك . فقد كان الباقلاني فقيها من الطراز الأول « فقد ألف الباقلاني أكثر من خمسين كتابا في الفقه ، وفي إبانة الأصول الأشعرية ، والدفاع عنها ، والرد على المذاهب الأخرى، أهمها : التمهيد ، والأصول الكبير ، وهداية المسترشدين [10]» ولعل هذه الثقافة الدينية ، كان لها الأثر البالغ في نقد الباقلاني الذي تعامل مع النص الشعري من منطلق فقهي محض .إلى الدرجة التي جعلته لا يفرق بين  قداسة النص القرآني ، وبشرية النص الشعري. وهذا جعله يضطر "من أجل ذلك ، إلى التحامل ، والتكلف في لغة الشعراء ، والكتاب القدماء . فكتابه هام في علم الكلام ، قليل الأهمية في النقد [11] »

على الرغم من أن الآمدي كان الناقد العربي ، وصاحب الذوق الأدبي السليم ،ومع ذلك فقد حتمت عليه فقهيته إلا أن يتبع هذا المنطلق . فكان عداؤه الصريح لأبي تمام «والآمدي في الموازنة من كبار النقاد المدافعين عن القيم المتوارثة للشعر . ونحن نقدر موقف الآمدي، ونعلم لماذا نصب نفسه حاميا ومدافعا عن القيم القديمة في الشعر[12] » .والسبب ببساطة كون هذه القيم في نظره مقدسة ، وتستمد قيمتها من النص الذي وضعت أساسا للوصول إلى بلاغته وهو النص القرآني . مما جعل هذا الناقد يصر على علاقة الترابط بين اللفظ والمعنى ، ولا يسمح للشاعر رغم وظيفته الأدبية أن يتجاوزها حتى لا تتيه الدلالة القرآنية بين مختلف التأويلات التي يتيحها التوسع في المجاز ، وتباعد العلاقة بين الدال والمدلول .

 وانطلاقا من هذا الفهم ، كان الآمدي يتشدد في نظرته إلى اللغة حتى أوشك ألا يسمح فيها بأي تجديد أو تطوير . وجاءت كلمته المشهورة : « [ اللغة لا يقاس عليها ] دليلا على شدة محافظته . الأمر الذي حال بينه أحيانا ، وبين رؤية الجديد في الأساليب ، والصياغة . فهو يعتبر كل من يخرج في اللغة على ما عرفه الأولون وانتهوا إليه مخطئا [13]»

ولعل هذه النظرة المتشددة جدا ، والتي جعلت الآمدي لا يرى إلا بعين واحدة ، تجعله في بعض الأحيان يتزمت في ما يبدو منطقيا حتى عند علماء اللغة . وقد سار على دربه ، واقتقى أثره الباقلاني . فعلى الرغم من أن عمل الباقلاني كان متميزا . حيث كان أول من تناول قصيدة برمتها بالنقد والتحليل ، وخرج عن المألوف في النقد العربي الذي دأب عادة على نقد البيت والبيتين ولم يعرف اطلاقا نقد فصائد كاملة . وقد فاز  الباقلاني بقصب السبق ، حين اختار قصيدة امرؤ القيس ، وقصيدة البحتري  للوقوف عند بلاغة القول عندهما . على اعتبارهما من ابرز أئمة البلاغة والقول، غير أن الباقلاني أخفق في وضع القارئ أمام هذه البلاغة لأنه « لم ينس الهدف الذي من أجله وضع كتابه ، ألا وهو الاحتجاج لإعجاز القرآن ، والتدليل على كماله ، وتفوقه ، لأن هدفه لم يكن تحليل قصائد امرؤ القيس والبحتري ، ولكنه اتخذهما نموذجين للبلاغة الشعرية [14]»

هذا النموذج في النقد لم يختص بالباقلاني وحسب ، وإنما انسحب على كل نقاد العربية من ذوي التخصص الفقهي . مما جعل الحضور الأول  في هذه الثقافة للمفاهيم الفقهية .  حيث كانت تعمد عن قصد وبغير قصد عن إخفاء كل ما عداها . ولعلنا عندما ننتقل إلى النموذج الذي اخترناه ستتضح هذه الظاهرة أكثر. فقد آثرنا أن يكون الآمدي هو النموذج الذي نجلي من خلاله تقديس النص التراثي عند هؤلاء النقاد ، وكيف أثرت هذه القراءة المسبقة على قصور التأويل عند هؤلاء النقاد .

ويتجلى نقد الآمدي للنص التراثي من خلال تمسك هذا الناقد بعمود الشعر ،ودفاعه عنه ، ورفض كل وجهة مخالفة له ، بل والتعصب له ، إلى الدرجة التي تجعل كل خروج عليه مدعاة للتحامل و كل خروج على طرازه أوعلى شاكلته ، مبررا كافيا لتجريد هذا المارق من كل مزاياه .

 فقد كانت القاعدة التي يسير عليها جل علماء اللغة، هو أن كل تعبير وافق قياس العرب ومنطقهم فهو من لغتهم . ومن هذا المنطلق وضعوا القياس في   قبول الاشتقاقات الجديدة أو رفضها  . غير أن الآمدي خالف هذا العرف حيث «عاب على الشاعر قوله(لا أنت أنت)ولا الزمان زمان . فقد رأى في قوله لا أنت أنت ، تعبيرا شعبيا . وأنه لا يجب أن يقيسه على [ولا العقيق عقيق] وفي هذا ما فيه تأثر بالاحتكام إلى القديم وحده، وبنظرته إلى اللغة القديمة نظرة تقديس  ،وإذا كان هذا الناقد لا يسمح بأي تجاوز حتى وإن وافق قياس العرب  » ، يصبح موقفه من أبي تمام الذي ثار على طريقة القدماء وتجاوزها موقف عادي ومنتظر . ولنا أن نأخذ نماذج وأمثلة من نقد الآمدي لنتبين موقفه بوضوح.

وإذا كان أبو تمام قد هداه حسه الإبداعي إلى أن يجدد ويغير ويخرج عن المألوف ، « فقد استطاع إذا أن يعصف بكل التقاليد المعرفية والمعجمية والفنية في نظام الحياة ، ونظام اللغة ، ونظام الشعر المتعارف عليه عند العرب . وهدمها هدما كاملا ، وأعاد بناءها بناء فنيا فريدا ، يعتمد على تخيل حازم أو بالأحرى يعتمد تخيل حازم عليه . وهو ما يؤيد أن الشعر جعل اللغة تقول ما لم تتعود أن تقوله [15] » وهو مسلك تفرضه الفلسفة السائدة ، تلك الفلسفة التي كانت تتخذ من المعيارية ركيزة أساسية تنسحب على كل المؤسسات التي تدخل ضمن مجال تغطيتها . ومن هذا المنطلق وجدنا الثقافة تخترع ما اصطلح عليه المرزوقي بعمود الشعر ، حتى تضمن هذه الثقافة وقوع الحافر على الحافر ، ويكون اللاحق كالسابق ، بحيث لا يخرج عن المعنى الذي كرست هذه الثقافة نفسها لتلزم المبدع  به . وهذا ما أقر به الصولي وهو يجيل النظر في إبداع المتأخرين ـ ليخرج بهذه الخلاصة التي مفادها أن « المتأخرين إنما يجرون بريح المتقدمين ، ويصبون على قوالبهم ... وينتجعون كلامهم ، وقلما أخذ أحد منهم معنى من متقدم إلا أجاده [16]» ولا يمكن أن تفهم الإجادة هاهنا ، أنها الإبداع ، والإضافة ، والتجاوز ، وإنما تعني في ظل هذه الفلسفة الفهم التام والكامل الذي يجعل المتأخر يحيط بكل أساليب الدربة التي تجعله قادرا على وضع الحافر على الحافر . ومن هنا يمكننا أن نقول أن تهجم الآمدي على أبي تمام كان   وراءه عباءة الفقيه . هذه العباءة التي خرجت من تحتها تلك الثقافة التي كرست  شرعية التهجم على أبي تمام من خلال الشرعية التي أتاحتها له المؤسسة الدينية التي ينتمي إليها . هذه المؤسسة التي كرست وحدة الرؤية ، ووحدة التفسير تحت مبرر وحدة المسلمين في فهم القرآن . ولكي تضمن هذا التوجه ، فقد سحبت قدسية النص القرآني على كل النصوص التي استعانت بها لتفسير النص القرآني بما في ذلك النص الأدبي.

 ولذلك فقد فرض النقاد الفقهاء عمود الشعر ، ليقف سدا منيعا أمام الموهبة الإبداعية التي تخرج اللغة عن العادي والمألوف . وتجعلها تقول ما لم تتعود أن تقوله . وقد شكل هذا الحاجز خطورة عن النص الأدبي حين فرض باسم الشرعية . ولكنه في حقيقة الأمر لم يكن سوى«تحيزا كاملا لما أطلق عليه المرزوقي بعد ذلك عمود الشعر العربي . فالآمدي لا يخرج عما أشار إليه البحث من قبل من قداسة السابق ، وما أطلق عليه النقاد المعاصرون النموذج المؤسس ، والإجماع القديم ، والتراث الجماعي ، وديوان العرب . فلم يخرج الآمدي عن هذه النظرة التي تقايس ، وتعاير نصوص أبي تمام على النموذج المؤسس ، أو النص الأب ، أو سلطة النموذج [17]»

 ولما كان النص الأب ،  أو النص النموذج ، هو من يحرك الآمدي، ويجعله يرفض دون تردد كل ما غايره من النصوص ، ويعتبر كل من عداه هبوطا وإسفافا . ولذلك نجده في المقدمة وهو يعتزم الموازنة من أجل إنصاف الطائيين كما يزعم ، يطفو على واجهة تفكيره النموذج والمقدس ، ويجعله يسبق الأحداث ، وينهي المباراة لصالح البحتري،  قبل أن يدخل المتبارين ساحة النزال ، ويصرح موجها الخطاب للمتلقي : إن كنت « أدام الله سلامتك ممن يفضل سهل الكلام وقريبه ، وتؤثر صحة السبك ، وحسن العبارة ، وحلو اللفظ ، وكثرة الماء والرونق ، فالبحتري أشعر عندك ضرورة ، وإن كنت تميل إلى الصنعة ، والمعاني الغامضة التي تستخرج بالغموض والفكرة ، ولا تلوى على ما سوى ذلك . فأبو تمام عندك أشعر لا محالة [18].» فالبحتري كان الشاعر المبجل عند الآمدي ولو كان الأخذ عنده معيبا ، والسرقة قائمة  الحجة من غير لبس أو غموض . من مثل قوله :

     هل الدهر إلا غمرة وانجلاؤها     وشيكا وإلا ضيقة وانفراجها

أليس هذا نقلا حرفيا لقول محمد بن وهيب :

هل الدهر إلا غمرة ثم تنجلي    وشيكا وإلا ضيقة فتنفرج

فهو نقل للصورة والفكرة والكلمة . ومع ذلك نجد الآمدي لا يرى أي شيء من ذلك ويغض الطرف، ولا يعد هذا من السرقة في شيء ، إلا لأن البحتري كان ملتزما بعمود الشعر .« أفلا يعد هذا تغاضيا عن عيب البحتري . يبدو الآمدي وقد سدل الستار على عيب صاحبه، متعمدا تلميع صورته. فصمت الآمدي يعكس موقفا مناصرا لأبي عبادة . أو ليس إغفال العيب أو التغافل عنه إقرارا ضمنيا بالمحاسن[19]»

 في الحين نجده حين يقف عند ما يسميه سرقات أبي تمام  يلتقط الشاردة قبل الواردة بحق وبغير حق ، جريا وراء النموذج الذي يوقعه في ما لا يحمد عقباه . حيث يقع في التناقض من حيث يدري أو لا يدري . فعلى الرغم من أنه قد أقر في مقدمة موازنته أن الشائع من المعاني لا يعد من السرقات لأنه لا فكاك لأحد منه ، لأنه يدخل ضمن الملكية العامة التي يشترك فيها كل الناس ، ولا تثريب على أي أحد إذا نهل منها . ولكنه عندما يقف عند شعر أبي تمام ، ينسى هذه القاعدة ، ولا يضع نصب عينيه إلا الانتصار للنموذج . ولننظر إليه من خلال هذا النموذج الذي يورده في موازنته حيث يقول :

« وقال مسلم بن الوليد:

قد عود الطير عادات وثقن بها   فهن يتبعنه في كل مرتحل

أخذه عنه الطائي فقال:

وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى    بعقبان طير في الدماء نواصل

أقامت مع الرايات حتى كأنما       من الجيش إلا أنها لم تقاتل

 فأتى المعنى زيادة وهي قوله ­ إلا أنها لم تقاتل  ­ وجاء به في بيتين . وقد ذكر المتقدمون هذا المعنى . فأول من سبق إليه الإخوة الاودي وذلك بقوله:

وترى الطير على آثارنا       رأي العين ثقة أن تستمار

فتبعه النابغة فقال :

إذا ما غزا بالجيش خلق فوقهم   عصائب طير تهتدي بعصائب

جوانح قد أيقن أن قبيله           إذا ما التقى الجمعان أول غائب

فأخذه حميد بن ثور فقال يصف الذئب:

إذا ما غدا يوما رأيت غيابه    من الطير ينظرن الذي هو صانع

وقال أبو نواس :

تتأيا الطير غدوته ثقة بالشبع من جزره

تتأيا أي تتعمد وتقصد [20] » أليس تكرار هذا المعنى عند كل هؤلاء الشعراء ينقله إلى الشائع الذي لا تثريب على أحد إذا أخذ منه . غير أن الآمدي قد أنكر على أبي تمام هذا الأخذ ، ولم ينكر على صاحبه في المذهب أخذه الذي لا يختلف اثنان في أنه الأقرب للسرقة . وهذا إن دل على شيء إنما يدل على مدى تحيز الآمدي إلى النموذج والقياس انطلاقا من القدسية التي ينطلق منها الناقد القديم في مقاربة النص الأدبي .

ولقد كان التراث النقدي والأدبي قادرا على أن يذهب بعيدا في المقاربات النصية ، وأن يفسح مجالا أرحب للغة أن تقول ما لم تتعود أن تقوله في الاستعمال العادي ، لو أنه فرق بين لغة القرآن المقدسة لفظا ومعنى ، وبين لغة الإبداع التي تقوم أساسا على الانزياح والعدول.

قائمة المصادر والمراجع

1­ أحمد سليم غانم ­ تداول المعاني بين الشعراء ­المركز الثقافي العربي ­ ط1 ­2006 ­الدار البيضاء ­المغرب

2­ ابن قتيبة ­ الشعر والشعراء ­ دار الكتب العلمية ­ ط1 ­ 1981­ بيروت ­ لبنان

 3­ الزركشي ­ البرهان في علوم القرآن ­دار الفكر ­ط3 ­ 1980 ­ بيروت ­ لبنان

4­ الآمدي الحسن بن بشر ­الموازنة بين أبي تمام وأبي عبادة البحتري ­ تحقيق محيي الدين عبد الحميد ­ ط1 ­ القاهرة ­ مصر

5­ حسين خمري ­ نظرية النص ­ الدار العربية للعلوم ­ ط1­ 2007 ­ بيروت ­لبنان

6­ عبد القاهر الجرجاني ­ دلائل الإعجاز ­ المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية ­ 1991 ­الرغاية ­ الجزائر

7­ محمد عفيف الزعبي ­ سيرة ابن هشام ­ دار النفائس ­ ط2 ­ 1979

 بيروت ­ لبنان

 8­محمد زكي العشماوي ­قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث ­دار النهضة العربية­ 1979 بيروت ­لبنان  ­ 

9­ مصطفى صادق الرافعي ­ تاريخ آداب اللغة ­ دار الكتاب العربي ­ ط 2 ­ 1974  بيروت ­لبنان­

10­محمد مصطفى هدارة ­ الأبعاد النظرية لقضية السرقات وتطبيقها في النقد العربي القديم ­مجلة فصول ­ العدد 1­ المجلد 6­ اكتوبر نوفمبر ديسمبر 1985 الهيئة العامة للكتاب ­القاهرة ­ مصر


[1]محمد عفيف الزعبي ­ مختصر سيرة ابن هشام ­ دار النفائس ­ ط 2 ­ 1979 ­ بيروت ­ لبنان ­ص.45

[2] مصطفى صادق الرافعي ­ تاريخ آداب العرب ­ ج2 ­ دار الكتاب العربي ­ ط2 ­ 1974 ­ بيروت ­ لبنان ­ ص.159

[3]­المرجع نفسه­ ص.167

[4]المرجع السابق ­ ص.167

[5]ابن قتيبة ­ الشعر والشعراء ­ص. 123

[6]عبد القاهر الجرجاني ­ دلائل الاعجاز ­ المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية  ­1991 ­ ص.1

[7]المرجع نفسه ­ ص.22

[8]ابن قتيبة ­ الشعر والشعراء ­ دار الكتب العلمية ­ ط1 ­ 1981 ­ بيروت ­ لبنان ­ ص.9

[9]الزركشي ­ البرهان في علوم القرآن ­ ج1 ­ دار الفكر ­ ط3 ­ 1980 ­ ص17

[10]حسين خمري ­ نظرية النص ­ الدار العربية للعلوم ­ ط1 ­ 2007 ­ بيروت ­ لبنان ­ ص336

[11]المرجع نفسه ­ ص366

[12]محمد زكي العشماوي ­ قضايا النقد الأدبي ­ دار النهضة العربية ­ 1979 ­ ص.416

[13]المرجع نفسه  ­ ص.417

[14]حسين خمري ­ نظرية النص ­ ص339.

[15]أحمد سليم غانم ­ تداول المعاني بين الشعراء ­ المركز الثقافي العربي ­ ط1   ­  2006 ­ الدر البيضاء ­ المغرب ­ ص.68      

[16]محمد مصطفى هدارة ­ الأبعاد النظرية لقضية السرقات وتطبيقها في النقد العربي القديم ­ مجلة فصول ­ ع1 ­ المجلد6 ­ اكتوبر نوفمبر ديسمبر ­ 1958 ­ الهيئة العامة للكتاب ­ القاهرة ­ مصر ­ ص.141

[17]أحمد سليم غانم  ­ تداول المعاني بين الشعراء ­ ص.85

[18]محمد مصطفى هدارة ­ الأبعاد النظرية لقضية السرقات ­ مجلة فصول ­ العدد1 ­ ص.128

[19]أحمد سليم غانم  ­ تداول المعاني بين الشعراء ­ ص.84

[20]الآمدي الحسن بن بشر ­ الموازنة بين الطائيين ­ ج1 ­ تحقيق محيي الدين عبد الحميد ­ ط1 ­ 1944 ­ ص.311