إيقاع الأنا في الشعر العربـيpdf

علي الحصري القيرواني الضرير

(420هـ- 480هـ) نموذجا.

  أ.اجنيدي رضوان     

جامعة بسكرة-الجزائر

  لفتت مسألة الحضور البارز للأنا في الشعر العربي أنظار كثير من الدارسين المحدثين، فخصصوا لها دراساتهم أو بعضا منها، معتمدين على مناهج مختلفة، وأغلب هذه الدراسات ركزّت على الجوانب الاجتماعية أو المناحي النفسانية أو مزجت بينهما، محاولة ربطها بالسياق التاريخي، وقلّما أُلْتُفِتَ إلى هذه الظاهرة بالانطلاق من النص ذاته،

 وهو ما ترمي هذه الدراسة أن تبرزه، وتحل تشابك خيوطه.

  La présente recherche aborde la question de la présence éminente  du moi dans la poésie arabe, et son importance dans les études spécialisées, et par plusieurs méthodes diverses, rien que la majorité de ses études étaient concentrées sur les aspects psychologiques, et sociologiques, sans compter sur le texte lui-même, c’est ce que  cette étude essaye de mettre en évidence.  

 أقر الخطاب النقدي المعاصر أن النص الإبداعي الحق هو ما اتسم بالتفرد، وامتاز عن كل ما سواه من نصوص بميزات تخصه هو وحده، تجعل درجة الإبداع تقاس بمدى ما يحققه من دهشة ومفاجأة تنشآن في الغالب من ضم عناصر لا يتوقع جمعها في صعيد واحد.

 وإذا كان مصطلح الإيقاع يكتنفه كثير من الغموض1، فقد ارتأت الدراسة استخدامه بدل الموسيقى لشموليته، وليميز الإيقاع الشعري اللغوي عن علم الموسيقى والغناء، يقول عبد المالك مرتاض:" وعلى الرغم من أن الشعر قد يستغني عن الموسيقى، بل ما أكثر ما استغنى عنها؛ كما أن الموسيقى ما أكثر ما تستأثر بنفسها."2

 وتنطلق الدراسة مما أقرته الأسلوبية الصوتية حين ربطت بين المتغيرات الصوتية الصادرة عن المتكلم ومزاجه وسلوكه والدلالات التعبيرية، يقول بيير جيرو:" بمقدار ما يكون للغة حرية التصرف ببعض العناصر الصوتية للسلسلة الكلامية، بمقدار ما تستطيع أن تستخدم تلك العناصر لغايات أسلوبية"3؛ ويتم بذلك الربط من خلال الإمكانات التعبيرية الكامنة في المادة الصوتية بين الدلالة والإيقاع، ليجسد الترابط الشفوي ذبذبات الروح وإيحاءاتها. 

 لا تكاد قصيدة من القصائد تخلو من ذكر (الأنا) متحدثة أو موضوع حديث، ليشكل حضورها البارز في الشعر العربي قديمه وحديثه ظاهرة تستدعي الاهتمام والدراسة؛ إذ من الشعراء من جعل قصائده أشبه بالاعترافات الشخصية العاكسة لحياته المريرة التي اكتوى بنيرانها، فعبرت عن معاناته وآلامه وأحزانه، وكانت "بمثابة فضاء شعري يعاد فيه إنتاج أنا الشاعر أي سيرته الذاتية من خلال أنا المتكلم"4 ،متجاوزة ما أقرته قصيدة الحداثة من خلال روادها على اختلاف أجيالهم حين حاولوا الابتعاد عن الذاتية، ومقاربة الواقع خوفا من العودة إلى الوراء، وهو الصنيع الذي يباين القصيدة الغنائية التي عبرت" أساسا عن تجربة فردية تتعلق بالشاعر المفرد"5 الذي ألفها، وتكلم فيها، وعرض نفسه من خلالها بكل أبعادها وخصوصياتها، مظهرا تأثره بالمؤثرات الخارجية، لترتسم ملامح شخصيته في شعره ويعلو صوت الأنا يعلن:"إن القصيدة هي أنا الشاعر، وقد جعلت من ذاتها موضوعا لذاتها"6، ويقر انتماء النص الأدبي إلى صاحبه نافيا مسألة موت المؤلف، ويثبت أن العملية النقدية" يجب أن تتحرك بيقظة ومرونة بين مختلف مقومات الظاهرة الأدبية وعناصرها، وبشكل خاص بين المؤلف والنص والمتلقي"7.   

 وقد لفتت مسألة الحضور البارز للأنا في الشعر العربي أنظار كثير من الدارسين المحدثين، فخصصوا لها دراساتهم أو بعضا منها8، معتمدين على مناهج مختلفة، وأغلب هذه الدراسات ركزّت على الجوانب الاجتماعية أو المناحي النفسانية أو مزجت بينهما، محاولة ربطها بالسياق التاريخي، وقلّما أُلْتُفِتَ إلى هذه الظاهرة بالانطلاق من النص ذاته، ففي دراسة (لأنا) المتنبي رأى صاحبها أن "المتنبي أول من أعطى للإنسان قيمة بوصفه فردا في المجتمع، إن استعماله كلمة (أنا) و(أنّي) أو صيغة المتكلم في كثير من أشعاره، وأمام الأمراء والسلاطين، إنّما هو إيمان بقيمة الإنسان، فلم يكن قبله من يستطيع أن يعتني بوجوده وكيانه جهرا بغير السلاطين والأمراء"9.

 ويذهب آخر إلى رأي مناقض للسابق إذ يرى "أن استخدامه للضمير (أنا) كان بقصد تحدي (المجموع) الذي ظلمه، بل أكثر من ذلك كان أبو الطيب يحاول طمس معالم هذا المجموع باختفاء (النحن ) من لغته الشعرية "10، ليتعدى ذلك إلى تفسير هيمنة صوت الأنا بدلالات الكبت والتعويض والنواقص المعرفية.

 ويرى دارس لشعر المتنبي وهو ينطلق من جماليات الصورة الشعرية في شعره أن الأنا تحمل" نبرة التعالي الواضحة، والاعتداد بالنفس، وتضخيم الذات، وتفخيم الأنا"11؛ ويؤكد أحد الدارسين وهو يسلط الأضواء على اغتراب المتنبي أنها"عندما تتصدر الكلام يكون لها جلبة كبر وخيلاء"12

 وبعيدا عن تفسير هذه الظاهرة  بمقاييس الثورة واللاشعور وإطلاق الأحكام وتعميمها، سيحاول البحث الاستناد إلى المقوم الصوتي الإيقاعي المحدد لبعض الإيحاءات والدلالات متقيدا بحضور (أنا) الحصري القيرواني في نصه، معتمدا على ظاهرة صوتية لا تقع إلا في لغة الشعر وحده، لم يلتفت إليها العروضيون- وإن تحدثوا عنها في باب القصر أو التقصير، وأدرجوها ضمن الجوازات الشعرية-، ونعتها بعض دارسي الأصوات ظاهرة تقصير المقطع الصوتي مقابلين ذلك بظاهرة تطويل المقطع الصوتي، يقول أحد الدارسين: "ويتم تقصير الألف في كلمة (أنا) في معظم الأبيات ولاسيما إذا كانت متبوعة بساكن"13 لتجاوز التقاء الساكنين الممتنع عروضيا في حشو البيت.

 استخدم علي الحصري ضمير المتكلم للمفرد (أنا) المنفصل البارز بتعريف النحويين أربعا وستين مرة، وهو رقم في ظاهره لا يعدّ مرتفعا، ولكن هذا التواتر قد لا يكون موجودا عند كثير من شعراء الأندلس والمغرب القدامى، ولا عند غيرهم من شعراء المشرق، ولا يمكن الجزم بذلك، فالعمل يحتاج إلى مسح يستغرق جهدا ووقتا طويلين.

 وما يهم من أمر (الأنا) في شعر الحصري الضرير- بالإضافة إلى تكرارها مفردة في البيت أو معادةً- هو تعبيرها عن الوعي المأساوي، والرؤيا المأساوية.

 فالإنسان حين تتجلى له المأساوية، وتدمي وعيه بوقوع الحدث المأساوي يلجأ إلى ضمير المتكلم محاولا التعبير عن خبرته المأساوية، وكيف أنَّه دفع إليها دفعا، وفرضت عليه: (الطويل)/(د:ص212)

 أَنَـا لُمْتُ أَهْلَ الْعِشْقِ قَبْلَكَ فِي الْهَوَى      فَهَا أَنَـا أُزْرَى بَيْنَهُمْ وَأُسَـاءُ14

 تتماثل (أنا) الأولى مع الثانية في تعبيرهما عن الشاعر وخبراته العشقية، وتتباينان في أن (أنا) الأولى لائمة، و(أنا) الثانية ملُومَةٌ، وتشكل (أنا) ثنائية (مانع العشق ، عاشق مأساوي)، وبتتبع هذه الثنائية بالمقياس الإيقاعي يتبين : (أَنَا) تتألف من مقطع قصير مفتوح15 (أَ) يضاف إليه مقطع طويل مفتوح (نَـاْ)، وهذه الصورة مثلتها (أنا) الأولى، وحولت (أنا) الثانية إلى: مقطع قصير مفتوح (أَ) يضاف إليه مقطع قصير مفتوح (نَ) فتم بذلك تقصير المقطع الطويل المفتوح الأصلي.

 -       أنا الأولى إطالة الصوت ومده / لائم/ حس لا مأساوي

 -       أنا الثانية تقصير الصوت/ ملوم / حس مأساوي

 أَنَا لُمْتُ أَهْلَ العشق قبلك في الهوى        فَهَا أنا أُزْرَى بَيْـنهم وأُسَــاءُ

 أ نَا لُـمْ/تُأَهْلَـلْعِشْ / قِقَبْلَ/كَفِلْهَـوَىْ     فَهَـاْأَ / نَـأُزْرَىْ بَيْـ/نَهُـمْ وَ/أُسَــاْءُ

 ب- - /ب- - - /ب-ب/ب-ب-     ب- ب /ب-  - -  / ب- ب /ب- ب

 وبتحويل ثنائية (أنا الأصلية، أنا المقصرّة) إلى ثنائية (ارتفاع، انخفاض) وباستقراء تكرار (الأنا) يتبين: إن الشاعر الحصري كان يعي أهمية الصوت ودور الإيقاع في الإيحاء والدلالة: (الطويل)/(د:ص109)

    سَلَبْتَنِـيَ اللُّبَ الّـذِي أَنَــا لاَبِـسُ     سَقَى الله عَهْدًا مِنْكَ مغناه دارسُ

 سَلَبْتَ/نِيَلْـلُبْبَلْ/ لَذِي أَ/ نَــلَاِْبِسُوْ

 / ب – ب -     مقطع قصير مفتوح ( ص ح) 

   فيترافق تقصير صوت (الأنا) مع السلب والانكسار.

 يقول الشاعر مزاوجا بين (أنا) الارتفاع و(أنا) الانخفاض:

 دَنَــا أَجَلِي حَتَّىمَتَى أنَــا مُبْعَدُ         دَمِي هَدَرٌ لاَ يُــؤْخَذُ الْمُتَقَـلَّدُ

 شَرَانِي رَخِيصًا فِي الْهَوَى وَأَنَــا غَالِ

 دَنَــا أََجَلِي حَتَّى مَتَــى أنَــا مُبْعَدُ

 دَنَــاْ أََ/جَلِيْ حَتْتَىْ/ مَتَىْ أ/  نَــمُبْعَدُوْ 

 / ب – ب- مقطع قصير مفتوح ( ص ح)

 شَرَانِي رَخِيصًا فِي الهَوَى وَأَنَــا غَـالِ

 شَرَانِيْ رَخِيصَنْ فِلْ /هَوَى و/أَ  نَاْ  غَاْلِـيْ

 / ب - - مقطع طويل مفتوح ( ص ح ح)  

 فالإبعاد ترتب عنه تقصير الصوت معبرا عن الانكسار والانخفاض، والغلاء والنفاسة يوجبان إطالة الصوت ورفعه تعبيرا عن الارتفاع والعلو .

    وقد يكرر الأنا بشكل عمودي محافظا على الدلالة عبر إيقاعية، يقول:

 (مجزوء الخفيف)/(د:306)

 مَنْ مُجِيرِي ومُصْرِخِي          قَــدْ هوى كــل أبْلَخِ

 أَنا فَـرْدٌ بِلاَ خَلِيــ           لٍ ولا ابــــن ولا أَخِ

 أَنَا كالأورق اشتكـى           فقــد إِلْـــفٍ وَأَفْرُخِ

 أنَا كالـزرع والعِـدَا          كــــالجرادِ المصوِّخِ

 أنَا أَبْكِــي بِنُـضَّجٍ            وســأبكـي بِنُــضَّخ

 والأنا حملت دلالات: الانكسار والوحدة وفقدان الأمان وكثرة الأعداء ومداومة البكاء، فقصّر بذلك الشاعر إيقاع النون ومنع تطويل الصوت ومدّه، فتلفظ (أَنَـا) في جميع الأبيات (أَنَ)؛ لتتحول من مقطع طويل مفتوح إلى مقطع قصير مفتوح، إذ الأبيات من إيقاع مجزوء الخفيف:فاعلاتن مستفعلن x 2

ولو أن (أنـا) مدّ صوت النون فيها بصائت طويل لاختلَّ الوزن الإيقاعي لمجزوء الخفيف، فساهم بذلك الإيقاع في شحن الدلالة وتكثيفها.

 ويناوب الشاعر مكررا كلمة (أنـا) في أبيات متفرقة في قصيدة رثائية يقول:

 (المديد)/(د:ص308)

 بَاتَ صَحْبِي يَسْهَرُونَ ولَـمْ       يَجِـدُوا الوَجْــدَ الَّذِي أَجِدُ

 وَأَنَــا أَسْهَرْتُ أعينهــم        إِنَّ دَمْعِي لــَو رَقَا رَقَدُوا

 قلــت إذ قالوا تعزَّ:أَمَـا         للبُكَـــا مـنْ بَعْدِهِ أَمَـدُ

 مدَّ دَمْعِي فِيــهِ بَحْرُ دَمِي        فَأَبَى أن يَنْفَـدَ الأبَــــدُ

 أَنَا أَبْكِي والغليل كــمـا         كَـانَ في الأحشاءِ والكَـمَدُ

 [...] يا عُقَابَ المَوْتِ حُمْتَ عَلَى   عَقِبــي فانحلَّـــتِ العُقَدُ

 اِخْتَطَفْتَ ابنَ اللُباةِ وَلَــمْ          تَحْــمِهِ الأَظْفَارُ واللِّبَــدُ

 وَخــبَا نَجْمِي فهـا أَنَا ذَا         لا سنًى يَهْدي ولا سَـــنَدُ

 كَبِد ُ الْمَــــرْءِ ابنُهُ فَإِذَا         كَــبَّ أَمْسَى مَــا لَهُ كَبِدُ

 كرّر الشاعر كلمة (أنـا) معبرا عن خبرته المأساوية، وارتبطت (أنا) الأولى بدلالات: أسهرتُ – ارتفاع الصوت (لو رقا رقدوا) قلتُ، أمَدُ، مَدَّ، عدم نفاد الأبد، وكلها تحتاج إلى تطويل الصوت الإيقاعي، فهل التقطيع العروضي يظهر تماثل الإيقاع والإيحاء؟ الأبيات من بحر: المديد وتفعيلاته : فاعلاتن+ فاعلن+ فاعلاتن x2

 وَأَنَــا أَسْهَرْتُ أَعْيُنَهُــمْ       

 وَأ  َنَـاْ أَسْ/هَرْتُـأَعْ /يُنَهُــمْ       

     ب ب -  -  / - ب - /ب ب –

 وَأ َنَاْ  أَسْ فَـعِـلَاْ تن (ب ب -- )(ص ح/ ص ح / ص ح ح /ص ح ص)   مقطع طويل مفتوح

 و (أنـا) الثانية ارتبطت بالبكاء والغليل الدفين في الأحشاء والحزن والغمّ و كلها دلالات موحية بالانكسار:

 أَنَا أَبْكِــي والْغَلِيــلُ كَــمَـا

 أَنَـأَبْكِــيْ/ وَلْـغَلِيْـ/ لُكَــمَـاْ                

 ب ب - - / - ب - /ب ب –

 أ َنَــأبْكِيْ فَـعِـلَاْ تنب - - )(ص ح/ص ح /ص ح ص/ ص ح ح)         مقطع قصير مفتوح

 وكلمة (أنـا) الواردة ثالثة في أبيات القصيدة ارتبطت بالموت الذي اختطف الابن، وحلّ عقد الشاعر، وأطفأ نجمه، وأفقده الأحبة وصرعه وكسره:

 وَخَبَــا نَجْمِـيْ فَهَاْ أَنَــذَا

 وَخَبَــا نَجْ/مِيْ فَهَاْ / أَنَـــذَا

 ب ب - - / - ب - / ب ب

 أ َنَــذَاْ فَـعِـلُنب -)(ص ح/ ص ح  /ص ح ص)

 ويحتاج الشاعر إلى الاستفاقة والتيقن بأن الابن الفقيد قد لا ينفعه غدا، فكلّ نفس تجازى بما كسبت:(الطويل)/(د:ص407-408)

 أفق أَيُّهــا المغرور إنَّكَ مُنْتَشٍ       كَأنَّـكَ مصبُوحٌ يُــعَلُّ بِقَرْقَفِ
أَيُغْنِي غَدًا عبدُ الغَنيِّ بِــوَقْفَةٍ         لملتفتٍ يلــــقاه أو متشوِّفِ

 أم الحور والولدان يثنين طرفهُ         عن المذنب المستشفـع المُتَلَهِّفِ

 فيمد صوته ويطيله معلنا:

 أَنَـا أَعْلَمُ ابني رَاحِمًا مُتَعَطِّفًا          فمن لي غداً بالرَّاحم المتعطِّفِ

 أَنَـاْ أَعْ/لَمُبْنِيْ رَا/حِمَنْ مُ/تَعَطْطِفَنْ 

 ب - -/ب--- /ب- ب/ب – ب -

 أ َنَاْ  أَعْ فَـعو لُنـ -)(ص ح/ ص ح ح  /ص ح ص)

 ويماثل بذلك الإيقاع الدلالة، ويعبر عنها، وتحتوي الثانية الأول وتمده بأسرارها، ويلجأ الشاعر المأساوي متخطيا مصيره، مواجها قدره، متسخطا برفع صوته، وإظهار رفض الاستسلام والخضوع يقول:(الكامل)/(د:ص423)  

 جادتْ ثَرَاكَ من العُيُون سحائِبٌ      ونعتك أٌْقمارٌ معي وشُمُـــوسُ

 فَأَنَـا أُقِيمُ مَعَ النَّوَادبِ مَــأْتَمًا      وَمَعَ الحسان الحور أنت عَرُوسُ

 والندب لا يتم إلا برفع الصوت، وتعداد محاسن الفقيد، فكيف والنوَّادب جمع كثرة تدل على ما لا نهاية، فالصوت يتحول إلى أصوات تتعالى وتمتد دون نهاية :

 فَأَنــَا أُقِيمُ مَعَ النَّوَادبِ مَــأْتَمًـا

 فَأَنَــا أُقِيْ/مُمَعَنْـنَـوَاْ/دبِمَــأْتَمَنْ

 ب ب ب-/ب ب –ب-/ ب ب –ب-

            

وقد أشار الناقد الروسي (شيستوف) في كتابه حول المأساوية لدى الروائي دوستويفسكي والفيلسوف نيشته إلى ما معناه" أن الإنسان إذا أدخل العالم المأساوي يستشعر وحدته، وبعده عن الآخرين الذين يذّكرونه دائما بمثاليتهم؛ ويتحول ما فيه نفع في نظره مستهجبا"16، ويستنكر الناس ذلك، ويدعونه للعيش بسلام وهو يرفض مستشعرا العزلة الرهيبة،  يقول علي الحصري القيرواني : (الخفيف)/(د:ص371)

بَكَّتَ الدَهْرُ فِيكَ فِهْرًا فَبكَّتْ         وَأَنَـا هَدَنِّـي إِلاَمُ أُلاَمُ؟

وَأَنَـا هَدَنِّـي إِلاََمَ أُلاَمُ

وَأَنـَا هَدْ /دَنِِـيْ إِلَاَْ  /    مَ أُلَـاْ مُوْ

ب ب ـ -/ب- ب ـ / ب ب ـ ـ

وهذا الرفض ورفع الصوت ومدّ المواجهة ينكسر أمام العزلة والوحدة والنفي، يقول:

(الوافر)/(د:ص302)

ومات ابني فها أنا لا فؤادٌ      ولا بَصَرٌ ولا مَوْتٌ مريحُ

فالموت إخفاء وستر، وتكرار (لا) يكثف دلالة النفي والسلب والفقد، والتنوين يقطع الصوت بنون ساكنة، ويبقى الشاعر منكسرا أمام عزلته وغربته:

ومات ابني فها أنا لا فؤادٌ

وَمَاْتَبـنِيْ  / فَهَاْأَنَـلَاْ  /فُؤَاْدُنْ

ب- - -  /ب- ب ب -/ب - -

ويوضع الشاعر في مقام المواجهة، ولا مناص من رفع الصوت وإطالته تبيينا للحقيقة ووقوفا عند نصاعتها وبروزها،  يقول: (السريع)/(د:ص339-340)

وثَاكِلٍ قلتُ له في الدُّجَـــى:           قـد أطفأ الشمعة من قطّـا

قالت: هو النجم هوى آفــلاً           فغطني الدمـع الذي غطـّى

وأظلم الأفقُ ولكــــن به           أنارت المقبــرة الوسْطَــا

وأعْوَلَ القابــرُ لمَّــا رأى          أيَّ شهابٍ بالـثَّرى غـطَّـى

فقلتُ: يا ويحك والويح لــ                        كيف هوى الكوكب وانحطّــا؟!

لا تضعنَّ المشتري في الثرى         واجعل لــه أَوْجُهُنَا بُسْطَــا

فقال: لي وهو يـرى ما أرى           يكفيه مـا  الله لــه وطَّـا

أَبْشِرْ برضوانِ مِنَ الله مَـنْ           قَدَّمَ هـــذا أَمِــنَ السُخْطَا

قلت: بريءٌ وأَنَـا مُذْنِــبٌ          هل يستوي المحروم والمعطى ؟!

 قُـلْتُ: بـريءٌ وأَنَـا مُذْنِــبٌ

 قُـلْتُ بَـرِيْ/ءُنْ وأَ  نَـاْ / مُذْنِبُنْ

 -  ب ب -/ - ب ب /- ب-

    ءُ نْ وَأَ نَاْ مستفعـلـن- ب ب -(ص ح ص/ص ح/ص ح/ص ح ح)

 ويتذكر زوجته الخائنة، ويحملّها أحد أسباب موت الابن، ويقصّ حادثة فرارها وهجرها لفلذة كبدها، ثم يستغفر ربه مقرا بذنبه، ويرغم على رفع صوته، وإطالة أناه مستجديا عفو الله تائبا يقول:(السريع)/(د:ص341) 

 لو علمت أمّك ألاّ تــرى             وجهك ما أزمعــت السُّخطـا

 تزودت منك لتعليلهـــا              ذُؤَابَــةً عَطـَّرَتِ المُـشْطَـا

 ريَّاكَ فيهَا فإذَا  ضُوِّعَـتْ              كانت على القلب الشجيِّ ربْطـَا

 حَسَدْتُهَا اليَوْمَ عَلَيْها فلـو              جَاءتْ بِهَا وَفَتْ لِي الشَّــرْطَـا

 بل ابْتَغَتْ غيرك وَلْدًا فَـلا             عَوَّضَـهُ اللهُ ولا أَنـــطَـى

 أَجازت البحرَ ولَوْ عُوقِبَتْ             بِذَنْبِهـَا  لـم تبْلُغِ الشَّطَـــا

 والبَرْبَرَ اختارت على عُربْهَا            وسـوف تهوى الرّومَ والقِبْطَـا

 كأنَّها منْ سَبَإٍ بُدِّلَـــتْ             بِجَنَّتَيْهَا الأثـل والخَمْطَــــا

 لقد شَفَتْ بالبعدْ لو أنَّهَـا              مِنْ تَنَّسٍ صـارت إلى قِفْطَــا

 والله استغفرُ من ذنبهـا               لو عُصِمًَ الإٍنْسَـانُ مَـا أَخْطَـا

 خَطَوَتُ للغيِّ لخطواتهـا             وربَّمَا كــنـت أنـا أخطــا

 شبَّتْ وشِبْتُ وبغيض الدُّمَى           من أَبْصَرْتْ  فِي فَوْدِه الوَخْطَـا

 ورُبَّمَا كُـنْتُ أَنَـا أَخْطَــاْ

 ورُبْبَمَاْ /كُنْتُ أَنَـاْ/ أَخْطَـاْ

 ب-ب-/- ب ب -/- -

كُنتُ أَ نَاْ مُتَْفَعـلُِنْ - ب ب - (ص ح ص/ص ح/ص ح/ص ح ح)

 ويستشعر اغترابه وقد بلغه ما ساءه من بعض أحبابه: (الطويل)/(د:ص134)

برمتُ بــمَا أَلْقاهُ مِــمَّن أُوَامِقُ       وَأُوذِيتُ  حتَى لا أَرَى من أُصَادِقُ

 إذا مـا امرُؤ أصفيته الــودَّ واثقًا       بِخلَّتِهِ لــم تصف منـه الخَلائِقُ

 فيا ليت شعري هل إلى الناس كلّهم        أنــا مذنب أم ليس فيهم موافقُ

 فلا أنا مسرور بمن هــو واصلي       حِذارًا ولا آسـي على من أُفارقُ

 وتحمل الأبيات دلالات خيبة الأمل وتواصل الأذى واشتداد الانكسارات، وبالرجوع إلى إيقاع الأنا يتبين:

 أنَــا مُذْنِبٌ أَمْ لَيْسَ فِيهِمْ مُـوَافِـقُ

 أَنَــا مُذْ/نِبُنْ أَمْ لَيْ/سَفِيهمْ/ مُـوَافِـقُوْ

 ب - - /ب - - -/ب - -/ب- ب –

    أَ  نَاْ  مُذْفـعو  لُــنْ   ب -  -  (ص ح/ص ح ح  /ص ح ص)

 حافظت الأنا على مقطعها الطويل المفتوح، فمُدَّ الصوت بها لأن الشاعر يبرز براءته،

 ويعلن الأذى اللاحق به من الآخرين مصرحا باستشعار الغربة والتفرد، ويدفعه ذلك إلى الانكسار والحزن والنفي، يؤكد ذلك:

 فـلا أنا مسرورٌ بمن هُــوَّ وَاصِلِي      

   فَـلاْ أَ   / نَـمَسْرُورُنْ/ بِمَنْ هُوْ/ وَوَاصِـلِيْ

   ب  -  ب  / ب - -  - /ب- - / ب- ب -       

 نَـمَسْرُوْرُنْ مـفاعيلن  ب  - - - (ص ح/ص ح ص/ص ح ح/ص ح ص)

 ويخلص البحث بعد تتبع إيقاعات (الأنا) وتطويل صوتها وتقصيرها إلى:

 - إن (الأنا) بين جميع ضمائر المتكلم المفرد تحتل بعدا ثابتا مؤكدا للفردانية، إذا قورنت ببقية الضمائر، ولكن مقولة: إن (الأنا) عندما تتصدر الكلام لها جلبة كبر وخيلاء  تحتاج إلى تصويب، لما فيها من حكم مطلق تعميمي الدراسة الإيقاعية قد لا تثبته، بل قد تناقضه وتنفيه.

 - إن الحصري القيرواني استطاع أن يطوّع اللغة، ويستغل طاقاتها الإيقاعية نافيا بذلك فكرة أن الإيقاع مجرد تلاعب بالمقاطع ، مثبتا أهمية ربط هذه النغمات الصوتية بالألفاظ والأحداث، للتكامل بذلك ثنائية الإيقاع والدلالة، ويشتد الارتباط بين حديها.

 الهوامش:

 1- مصطفى حركات: نظرية الإيقاع (الشعر العربي بين اللغة والموسيقى)،دار الآفاق،الجزائر،ط1،1429هـ.- وأيضا منير سلطان: الإيقاع الصوتي في شعر شوقي الغنائي،منشأة المعارف،الإسكندرية،ط1، 2000.

 2- عبد المالك مرتاض:الأدب الجزائري القديم(دراسة في الجذور)،دار هومة،الجزائر،2005،ص208-209.

 3- جوزيف ميشال الشريم: دليل الدراسات الأسلوبية،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت ،ط2، 1987،ص36.

 4- عزدين إسماعيل: كل طرق تؤدي إلى الشعر،الدار العربية للموسوعات،لبنان،ط1،2006،ص69.

 5- المرجع نفسه، ص67.

 6- المرجع نفسه، ص69.

 7- فضل ثامر: الغة الثانية،المركز الثقافي العربي، بيروت،ط1، 1994، ص133.

 8- حسين الواد: جمالية الأنا في شعر الأعشى الكبير،المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء،المغرب،ط1، 2001. وأيضا ،صالح الزامل: تحول المثال(دراسة لظاهرة الاغتراب في شعر المتنبي)،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت،ط1، 2003.

 9- علي الشوك:الثورية في شعر المتنبي، مجلة المثقف، عدد 17، 1960، ص14.

 10   - هادي خفاجي:الأنا والنحن ،مجلة الكتاب ،عدد2، 1972، ص 56 ، وأيضا صالح الزامل :تحول المثال،ص39.

 11- الوصيف هلال الوصيف إبراهيم: التصوير البياني في شعر المتنبي،مكتبة وهبة،القاهرة،ط1، 2006،ص74.

 12- صالح الزامل :تحول المثال،ص40.

 13- إبراهيم خليل:في اللسانيات ونحو النص،دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة،عمان،الأردن،ط1،2007،

 ص173 .

   14- أبو الحسن الحصري: الديوان، تحقيق محمد المرزوقي والجيلاني بن الحاج يحي، مكتبة المنار، تونس، ط1، 1963، ص454 وستعتمد االدراسة الرمز د: للديوان متبوعا بالرمز ص: للصفحة، ثم رقمها في الإحالة على أشعار الشاعر.

 15- وقد اعتمد البحث الرموز المعتمدة  في كتاب (في اللسانيات ونحو النص).:ص: تشير إلى الصامت، ح: تشير إلى الحركة القصيرة، ح+ح: الصائت الطويل الذي ينتهي به المقطع، وتكون المقاطع على النحو الآتي:

 * ص ح : المقطع القصير المفتوح : صامت+صائت قصير.                            

 *ص ح ص: المقطع القصير المغلق: صامت+حركة قصيرة+صامت ساكن.

 *ص ح ص ص: المقطع القصير المزدوج الإغلاق: صامت+حركة قصيرة+صامتين ساكنين.

 *ص ح ح : المقطع الطويل المفتوح: صامت + صائت طويل (ألفُ أو واوُ أو ياءٌ)

 *ص ح ح ص: المقطع الطويل المغلق: صامت+صائت طويل+صامت ساكن.

 *ص ح ح ص ص : المقطع الطويل المزدوج الإغلاق: صامت+صائت طويل+صامتين ساكنين، ويختص بالوقف على آخر الكلام مثل المقطع القصير المزدوج الإغلاق.وقد ميزت المقطع المفتوح مثل (لَا) Û (ص ح ح) على المقطع القصير المغلق:

 (لَمْ) Û(ص ح ص) للإفادة يراجع :إبراهيم خليل: في اللسانيات ونحو النص، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان، الأردن، ط1، 2007، ص163 وما بعدها .وأيضا مصطفى حركات:نظرية الإيقاع (الشعر العربي بين اللغة والموسيقى)، دار الآفاق،الجزائر،ط1، 1429هـ، ص 66-67.

 16- أنطوان معلوف : مدخل إلى المأساة والتراجيديا والفلسفة المأسوية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1982،ص123.