آليات المراجعة الدستورية على ضوء الدستور الجزائري لسنة 2008 pdf

و الدستور المغربي لسنة 2011

   أ : سعاد عمير

أستاذ مساعد قسم" أ"

كلية الحقوق جامعة- تبسة -

ملخص:

     تهدف المراجعة الدستورية في أية دولة إلى توفير الآليات القانونية التي تضمن إصلاح النظام الدستوري و السياسي و حل الأزمات و استمرار دولة القانون ، و تختلف أدوات هذه المراجعة بحسب نوع الدستور فيما إذا كان جامدا أو مرنا.

    و حتى لا يكون التعديل رهين أهواء الأغلبيات السياسية ، جعل كل من المؤسس الدستوري الجزائري و المغربي ممارسة هذه السلطة محل اختصاص مشترك لكل من السلطتين التشريعية و التنفيذية ، غير أن مدى دقة المؤسس الدستوري في تنظيم إجراءات ممارسة هذه السلطة له دور كبير في مدى تفعيل ممارستها.

Abstract:

        Constitutional review aimed at any country to provide legal mechanisms to ensure that reform of the constitutional and political system and resolving crises and the continuation of the rule of law, and these tools vary depending on the type of constitution review whether rigid or flexible.

        And so it is not edited depends on the whims of political majorities, making each of the founding constitutional Algerian and Moroccan exercise this power of common jurisdiction for both the legislative and executive branches, but the accuracy of the founding organization's constitutional procedures for the exercise of this authority has a big role in the activation of exercise.

Résumé:

      Révision de la Constitution vise à tout État de fournir des mécanismes juridiques pour assurer que la réforme du système constitutionnel et politique et la résolution des crises et le maintien de la primauté du droit, et ces outils varient en fonction du type de révision de la constitution si rigide ou flexible.

     Et si ce n'est pas une modification dépend des caprices de majorités politiques, faire toute la fondatrice du Maroc et de l'exercice constitutionnel algérien de ce pouvoir de juridiction commune des deux branches législatives et exécutives, mais la précision du fondateur dans l'organisation des procédures constitutionnelles requises pour l'exercice de ce pouvoir a un grand rôle dans l'activation de l'exercice .

مقدمة:

تنقسم الدساتير بالنظر إلى إمكانية تعديلها إلى دساتير مرنة و أخرى جامدة ، فالدستور المرن هو الذي يمكن تعديله وفق نفس إجراءات تعديل القانون العادي ، أما الدستور الجامد فهو الذي لا يمكن تعديله إلا وفقا لإجراءات خاصة و أكثر تعقيدا من إجراءات تعديل القانون العادي و تسعى الدول التي تعتمد هذا النوع من الدساتير إلى إضفاء نوع من الثبات و الاستقرار على قواعدها الدستورية .

و تعتبر المراجعة الدستورية ذات بعد هام في التطور الدستوري للبلاد، لأنها تكشف عن مظاهر السلطة الأساسية في دولة ما1 و تأتي من الرغبة في حل التناقض القائم داخل النظام السياسي و ذلك من خلال تحقيق الملائمة بين القانون الأساسي و الحياة السياسية.

بمعنى أن المراجعة الدستورية تكون في حدود ما استجد من حقائق و ظروف دون الإخلال بالمبادئ الأساسية للدستور2.

  وضمانا لتحقيق التوازنات المؤسساتية و حتى لا يكون التعديل وسيلة لتجسيد الأهواء السياسية جنحت أغلب النظم الدستورية إلى إشراك المؤسستين التشريعية و التنفيذية في ممارسة هذه السلطة .

و يعرف التعديل الدستوري بأنه محاولة إحداث توازن معقول بين الرغبة في تكييف الدستور مع الحقائق الجديدة و بين الرغبة في المحافظة على أصله.3

و من هنا تتجسد إشكالية هذه الدراسة فهل حقق كل من المؤسس الدستوري الجزائري  و المغربي هذا التوازن عند تنظيمه لسلطة المبادرة بالتعديل الدستوري ؟ أم ترك الأمر رهين إرادة القوى السياسية الممثلة بكل من غرفتي البرلمان و السلطة التنفيذية ؟

و سنتناول الإجابة عن هذه الإشكالية  من خلال البحث الذي تناولنا فيه دراسة آليات المراجعة الدستورية ضمن النظامين السياسيين الجزائري و المغربي و التي اعتمدنا ضمنها كل من المنهجين الوصفي و التحليلي إضافة إلى المنهج المقارن الذي تفرضه طبيعة هذا البحث.

و قد قسمنا هذه الدراسة إلى شقين تناولنا ضمن الأول دراسة آليات ممارسة سلطة المبادرة بالتعديل الدستوري ،في حين تضمن الثاني آليات إقرار هذه المبادرة.

المبحث الأول: المبادرة بالتعديل الدستوري

تنص المادة174من دستور الجزائر لسنة 1996 المعدل و المتمم بالقانون رقم 08 - 19 المؤرخ في 17 ذي القعدة 1429 الموافق لـ 15 نوفمبر 2008، يتضمن التعديل الدستوري.على أنه "لرئيس الجمهورية حق المبادرة بالتعديل الدستوري، وبعد أن يصوت عليه المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة بنفس الصيغة حسب الشروط نفسها التي تطبق على نص تشريعي، يعرض التعديل على استفتاء الشعب خلال الخمسين (50) يوما الموالية،لإقراره يصدر رئيس الجمهورية التعديل الدستوري الذي صادق عليه الشعب."

كما تنص المادة 177 " يمكن ثلاثة أرباع (3/4) أعضاء غرفتي البرلمان المجتمعين معا، أن يبادروا باقتراح تعديل الدستور على رئيس الجمهورية الذي يمكنه عرضه على الاستفتاء الشعبي ويصدره في حالة الموافقة عليه."

و تنص المادة 172 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011 على أنه " للملك و لرئيس الحكومة و لمجلس النواب و لمجلس المستشارين حق اتخاذ المبادرة قصد مراجعة الدستور"

لقد منح المؤسس الدستوري الجزائري سلطة المبادرة بالتعديل الدستوري لكل من رئيس الجمهورية4 و البرلمان5 على حد السواء، الأمر الذي يجعلنا أمام حقيقة مهمة و مقتضاها اشتراك كل من السلطتين التشريعية و التنفيذية في ممارسة هذه السلطة و هو نفس التوجه الذي اعتمده المؤسس الدستوري المغربي ،غير أن الفرق بينهما يتجلى في ممارسة هذه السلطة في الجزائر من قبل كل من رئيس الجمهورية و أعضاء البرلمان في حين يمارسها في المغرب كل من الملك و رئيس الحكومة و أعضاء البرلمان. 

و من ثم فقد حقق كل من المؤسس الدستوري الجزائري و المغربي عند تنظيمه لمسألة المبادرة بالتعديل الدستوري نوعا من التوازن و التكامل بين السلطتين التشريعية و التنفيذية من جهة و بين أعضاء المجلسين من جهة أخرى.

فلم تكن أي سلطة في مركز أسمى و لا أقل من السلطة الأخرى في ممارسة هذا الاختصاص الدستوري.

كما لم يكن أي من المجلسين في مركز أسمى و لا أقل من المجلس النظير في هذا المجال، غير أن هذا التوازن ليس بالأمر المطلق، بل يختل بعض الشيء لأن أحد المجلسين قد يصبح هو الطرف الأساسي في تحديد علاقته مع المجلس الآخر، سواء كان ذلك من خلال إجراءات المبادرة أو من ناحية النتائج المترتبة عنها.

المطلب الأول: مبادرة السلطة التنفيذية

خول كل من المؤسس الدستوري الجزائري والمغربي للسلطة التنفيذية سلطة المبادرة بالتعديل الدستوري، فخول ممارستها في الجزائر لرئيس الجمهورية في حين أقرها المؤسس الدستوري المغربي لكل من الملك و رئيس الحكومة، و اصطلح على تسمية المبادرة المقدمة من السلطة التنفيذية مشروع قانون .

فبالنسبة للمبادرة المقدمة من  قبل رئيس الجمهورية، فالأصل العام يقتضي أن تمر بالمراحل التي أقرها القانون الأساسي من مناقشة و تصويت من قبل مجلسي البرلمان  و عرض على الاستفتاء الشعبي ثم إصدار من طرف رئيس الجمهورية 6 ، غير أن المؤسس الدستوري الجزائري مكن رئيس الجمهورية من إصدار مشروع التعديل مباشرة دون عرضه على الاستفتاء الشعبي إذا ارتأى المجلس الدستوري أن مشروع أي تعديل دستوري لا يمس البتة المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري، وحقوق الإنسان والمواطن وحرياتهما، ولا يمس بأي كيفية التوازنات الأساسية للسلطات والمؤسسات الدستورية، وعلل رأيه، أمكن رئيس الجمهوريةأن يصدر القانون الذي يتضمن التعديل الدستوري مباشرة دون أن يعرضه على الاستفتاء الشعبي، متى أحرز ثلاثة أرباع (3/4) أصوات أعضاء غرفتي البرلمان7.

و اعتماد هذا الإجراء يكون فقط بالنسبة لمشروع التعديل المقدم من رئيس الجمهورية، ليبقى إصدار النص بعد إحرازه على أغلبية  ثلاثة أرباع (3/4) أصوات أعضاء غرفتي البرلمان رهين إرادة  رئيس الجمهورية الذي يملك سلطة الاختيار بين إصداره أو عرضه على الاستفتاء الشعبي.

و إذا كان المؤسس الدستوري الجزائري قد قصر ممارسة سلطة المبادرة بالتعديل الدستوري على أحد ممثلي السلطة التنفيذية ممثلا في رئيس الجمهورية فإن المؤسس الدستوري المغربي قد أعطى ممارسة هذه السلطة لكل من الملك و رئيس الحكومة.

فبالنسبة للملك فقد خوله المؤسس الدستوري سلطة عرض مشروع مبادرته مباشرة على الاستفتاء الشعبي8.

كما له أيضا و بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية أن يعرض بظهير شريف على البرلمان مراجعة بعض مقتضيات الدستور، و يصادق البرلمان المنعقد بدعوة من الملك في اجتماع مشترك لمجلسيه على مشروع المراجعة بأغلبية ثلثي ( 2/3)  الأعضاء الذين يتألف منهم9.

أما بالنسبة لرئيس الحكومة فإنه يتعين عليه أن يعرض المقترح موضوع المراجعة الدستورية المقدم من قبله على المجلس الوزاري بعد التداول بشأنه في مجلس الحكومة10 ، ليتم عقب ذلك عرض المقترح بمقتضى ظهير شريف على الشعب قصد الاستفتاء11.

المطلب الثاني: مبادرة السلطة التشريعية

خول كل من المؤسس الدستوري الجزائري و المغربي للسلطة التشريعية سلطة المبادرة بالتعديل الدستوري فخول ممارستها في الجزائر لغرفتي البرلمان مجتمعتين في حين أقرها المؤسس الدستوري المغربي لكل من الغرفتين منفردتين، و اصطلح على تسمية المبادرة المقدمة من السلطة التشريعية اقتراح قانون.

   أولا: الجانب الموضوعي للمبادرة

و يتجلى من خلال اشتراط المؤسس الدستوري الجزائري توافر أغلبية ثلاثة أرباع (4/3) أعضاء الغرفتين المجتمعين معا لقبول التعديل، و هو الأمر الذي من شأنه التحكم في مدى ممارسة سلطة المبادرة، ذلك أن توافر مثل هذه الأغلبية أمر صعب التحقق في ظل نظام التعددية الحزبية و حتى و إن أمكن تحقيقها، فإن التركيبة السياسية داخل المجلسين و الجانب العددي لأعضائهما من شأنه التحكم في عملية المبادرة، لأن الأغلبية الممثلة داخل كل منهما تسعى لاقتراح مبادرة تنسجم و انتمائها السياسي12.

حيث أن تركيبة المجلس الشعبي الوطني مقارنة بتركيبة مجلس الأمة بالنظر إلى القوى السياسية الممثلة داخل كل منهما اختلافا أو توافقا، من شأنها أن تعقد العلاقة بين المجلسين بخصوص ممارسة سلطة المبادرة بالتعديل الدستوري.

ففي حالة تماثل أو تقارب الانتماء السياسي للأغلبية البرلمانية في المجلسين، فإن مشاركتهما معا ستؤدي حتما إلى تقديم مبادرة بالتعديل تعكس إجماع هذه القوى بما يتفق و تحقيق مصالح الأمة أو تفرز على الأقل مبادرة تعكس توجه المجلس الأكثر عددا مع الأخذ بعين الاعتبار رأي الأقلية في المجلس النظير.

غير أنه في حال اختلاف الانتماء السياسي للأغلبية البرلمانية في المجلسين فإن ذلك سيؤدي حتما إلى شل إمكانية المبادرة من طرف أحد المجلسين عند امتناع مشاركة المجلس الآخر13.

أما إذا حاول المجلس الشعبي الوطني التحكم في عملية المبادرة، مستندا في ذلك على العدد الكبير لأعضائه و الإجماع السياسي القائم بينهم، فإن مجلس الأمة بإمكانه شل هذه المبادرة بعدم مشاركته فيها و هو ما من شأنه تدعيم دوره في تحقيق التوازن المؤسساتي14 ، من خلال منع تحكم الاتجاهات السياسية القائمة بالمجلس الشعبي الوطني في مضمون المبادرة بالتعديل الدستوري.

و هو نفس الوضع الذي نجده قائما على مستوى مجلسي البرلمان المغربي عند ممارستهما لهذا الاختصاص ،صحيح أن الدستور المغربي منح لكل مجلس  الانفراد بتقديم المبادرة و هو ما يتضح جليا من خلال نص الفقرة الأولى من المادة 173 من الدستور المغربي و التي جاء فيها " لا تصح الموافقة على مقترح مراجعة الدستور الذي يتقدم به عضو أو أكثر من أعضاء أحد مجلسي البرلمان إلا بتصويت أغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس" غير أنه و بالمقابل لا يمكن قبول مبادرة أي مجلس إلا بعد موافقة المجلس الآخر و هو ما أقرته الفقرة الثانية من المادة 173من الدستور المغربي و التي جاء فيها " يحال المقترح إلى المجلس الآخر الذي يوافق عليه بنفس أغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم" و بذلك تتحكم الأهواء السياسية السائدة بالمجلسين في عملية المبادرة أن إيجابا أو سلبا.

   ثانيا: الجانب الإجرائي للمبادرة

طبقا لما أقره المؤسس الدستوري الجزائري ضمن المادة 177 السالفة الذكر، فإنه لا يكون في مقدور مجلس الأمة الانفراد بممارسة حق المبادرة بالتعديل الدستوري، بل لابد من توافر إرادة المجلس الشعبي الوطني حتى يكتمل الأمر.

و يكون ذلك باجتماع غرفتي البرلمان معا15 و اقتراحهما تعديلا دستوريا، و يتحقق ذلك بتقديم هذه المبادرة من قبل أغلبية ثلاثة أرباع(4/3) أعضاء الغرفتين المجتمعتين و هو الأمر الذي يعكس مبدأ المساواة الشكلية بين المجلسين في ممارسة هذا الحق.

هذا و يلاحظ أن تبني المؤسس الدستوري لمثل هذا الاتجاه الإجرائي في إعمال المبادرة و إن كان يهدف لتحقيق جملة من الإيجابيات، إلا أنه لا يمكن أن يخلو من السلبيات.

و يظهر الوجه الإيجابي من خلال:

1.تخويل مجلس الأمة على غرار المجلس الشعبي الوطني حق المبادرة بالتعديل الدستوري من خلال جعل إشراكه ضروريا لإعمال مثل هذه المبادرة.

2.إعطاء الأسبقية في انطلاق مثل هذا العمل للمجلس الشعبي الوطني، و هو ما يتفق مع مبدأ الاتجاه الواحد في أداء العمل التشريعي.

و مثل هذا الأمر من شأنه أن يضمن حتما عدم الإخلال بمبدأ المساواة المقررة بين الغرفتين و من شأنه أيضا أن يضمن موقفا موحدا لأعضاء الغرفتين، لأن إعطاء حق المبادرة بالتعديل الدستوري لكل من الغرفتين بصفة مستقلة، سوف يعرقل حتما هذه المبادرة سواء بامتناع الغرفة الأولى صاحبة الأغلبية العددية عن المبادرة، و من ثم يسقط حق الغرفة الثانية، أو بمعارضة الغرفة الثانية فتقف بذلك الأقلية ضد رغبة الأغلبية.

كما أن هذا الاتجاه في إعمال المبادرة بالتعديل الدستوري، من شأنه حتما تفادي الإخلال بمبدأ المساواة الذي سيهدر بالتأكيد عند إعطاء حق المبادرة بالتعديل الدستوري لكل من المجلسين بصفة مستقلة عن الآخر، خاصة إذا تم اشتراط نصاب موحد للمبادرة و هو ما لا يتلاءم و الاختلاف العددي لأعضاء كلتا الغرفتين، لذلك كان اجتماع المجلسين معا لإعمال المبادرة ضروريا من أجل تحقيق الإجماع16 و الذي يتجسد حتما عند اشتراط تحقق أغلبية معينة لقبول المبادرة.

أما الوجه السلبي لمثل هذا الاتجاه الإجرائي، فيتجلى من خلال تحكم المجلس الشعبي الوطني في عملية المبادرة بالتعديل الدستوري، ذلك أن امتناعه عن المشاركة في المبادرة أو مشاركته بصورة سلبية، من شأنه إهدار حق مجلس الأمة في هذا المجال و لا يكون لهذا الأخير إلا البقاء ساكنا، لأنه لا يملك ممارسة سلطة المبادرة بصفة منفردة.

كما أنه و بالمقابل قد يمتنع مجلس الأمة عن المشاركة في المبادرة أو يرفض الموافقة على إجراء تعديل دستوري، و عندها يسقط حق المجلس الشعبي الوطني في المبادرة لأن المؤسس الدستوري يشترط موافقتهما معا لقبول المبادرة.

و لم يحدد المؤسس الدستوري الجزائري إجراءات المبادرة، كما أنهبالرجوع للقانون العضوي رقم 99-02 نجده خصص مادة واحدة للكلام عن إجراءات عمل البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين و هي المادة 98 و التي انحصر مضمونها في تحديد المكلف باستدعاء المجلسين للاجتماع معا لاقتراح مبادرة بالتعديل الدستوري، و المكلف برئاسة هذا الاجتماع، رغم أن هذا القانون هو في الأصل قانون إجرائي.

كما أن النظام الداخلي لغرفتي البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا، لم يتناول تحديدا لمثل هذه الإجراءات، و هو الأمر الذي يجب تداركه، لأن مثل هذا الفراغ الإجرائي من شأنه إعدام أي علاقة إيجابية بين المجلس الشعبي الوطني و مجلس الأمة بخصوص ممارسة سلطة التعديل الدستوري.

أما بالنسبة للمؤسس الدستوري المغربي فبالرغم من أنه أفرد كل غرفة بحق تقديم مبادرة بصفة مستقلة عن الأخرى،غير أن هذه المبادرة لن ترى النور إلا بموافقة المجلس النظير ، و هذا التوجه الإجرائي للمؤسس الدستوري المغربي و إن كان ايجابيا إلا أنه لا يخلو بدوره من جملة من السلبيات.

و يتجلى وجهه الايجابي من خلال:

1- إقرار مبدأ المساواة بين المجلسين و ذلك بإعطاء كل منهما سلطة اقتراح تعديل دستوري.

2- ضرورة موافقة كل مجلس على المبادرة المقدمة من المجلس النظير.

أما الوجه السلبي لمثل هذا الاتجاه الإجرائي، فيتجلى من خلال تحكم كل من المجلسين في عملية المبادرة بالتعديل الدستوري، ذلك أن امتناع أحدهما عن التصويت على  المبادرة المقدمة من المجلس النظير، من شأنه إهدار حق المجلس الآخر في هذا المجال ولا يكون لهذا الأخير إلا البقاء ساكنا، لأن تصويته المنفرد على المبادرة لن يؤدي إلى إقرارها.

إن المبادرة البرلمانية بالتعديل الدستوري قليلة الممارسة و صعبة التحقق، لذلك كان من الضروري تحديد إجراءات ممارستها، دون تركها للاجتهاد الذي من شأنه أن يعطل تنفيذها عمليا أو يؤدي إلى سلب حق دستوري مخول لغرفتي البرلمان في هذا الخصوص17.

     المبحث الثاني: إقرار التعديل الدستور

تقتضي القاعدة العامة أن يمر إقرار  التعديل الدستوري بالمراحل التي أقرها القانون الأساسي من مبادرة و مناقشة و مصادقة من قبل مجلسي البرلمان و عرض على الاستفتاء الشعبي و إصدار من قبل السلطة المختصة ، غير أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها بل قد يقتضي الوضع الحياد عن مضمونها و اقتراح آليات مغايرة تقتضيها طبيعة أحكام النص موضوع التعديل.

المطلب الأول:آليات إقرار التعديل الدستوري

إذا كان المؤسس الدستوري الجزائري قد أكد على ضرورة اللجوء للاستفتاء الشعبي لإقرار التعديل الدستوري، إلا أنه أورد استثناءا على القاعدة السالفة الذكر بموجبه يمكن لرئيس الجمهورية إصدار النص المتضمن التعديل الدستوري دون عرضه على الاستفتاء الشعبي و ذلك متى ارتأى المجلس الدستوري أن مشروع أي تعديل لا يمس البتة بالمبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري و حقوق الإنسان و المواطن و حريتهما و لا يمس بأي كيفية التوازنات الأساسية للسلطات و المؤسسات الدستورية متى أحرز على موافقة ثلاثة أرباع (4/3) أعضاء غرفتي البرلمان المجتمعتين18.

لقد منح المؤسس الدستوري الجزائري بموجب الاستثناء السالف الذكر لمجلسي البرلمان  معا سلطة إقرار التعديل الدستوري، و بالتالي لا يمكن لأحد المجلسين أن يمارس هذا الحق بمفرده بل هو مقيد بمشاركة المجلس النظير و هذا ما أكده المؤسس الدستوري بمقتضى نص المادة 176 و التي جاء فيها".........أمكن لرئيس الجمهورية أن يصدر القانون الذي يتضمن التعديل الدستوري مباشرة دون أن يعرضه على الاستفتاء الشعبي متى أحرز ثلاثة أرباع (4/3) أصوات أعضاء غرفتي البرلمان"

و من ثم فقد حقق المؤسس الدستوري الجزائري عند تنظيمه لسلطة إقرار التعديل الدستوري  مبدأ المساواة بين الغرفتين من خلال إشراكهما معا في ممارسة هذه السلطة ،   و من ثم لم يكن مجلس الأمة في مركز أسمى أو أقل من المجلس الشعبي الوطني في هذا الشأن. كما جسد مبدأ التوازن و التكامل بينهما من خلال اشتراط اجتماع مجلسي البرلمان معا و مصادقتهما على التعديل بأغلبية ثلاثة أرباع (4/3) أعضاء الغرفتين مجتمعتين لضمان موقف موحد لهما.

غير أن هذا التوازن ليس بالأمر المطلق ، لأن أحد المجلسين قد يصبح هو المتحكم في عملية إقرار التعديل الدستوري، ذلك أن اختلاف الانتماء السياسي للأغلبية البرلمانية في المجلسين من شأنه أن يؤثر على إقرار نص التعديل الدستوري عند امتناع أحد المجلسين مشاركة المجلس الآخر عند المصادقة على نص التعديل.

إن اعتماد المؤسس الدستوري الجزائري لمثل هذا التوجه في تنظيم عملية المصادقة على التعديل الدستوري بالرغم من ايجابياته إلا أنه لا يمكن أن ننفي ما قد يترتب عليه من سلبيات ، خاصة و أن تدخل مجلس الأمة للمصادقة على التعديل الدستوري مرتبط بإرادة المجلس الشعبي الوطني ، فإن صادق هذا الأخير على النص تمكن مجلس الأمة من الاطلاع عليه و ممارسة حقه الدستوري في التصويت على مشروع التعديل ، أما إذا لم يوافق المجلس الشعبي الوطني ، فسيحرم مجلس الأمة من ممارسة حقه في هذا الشأن.

كما أن التركيبة السياسية بالمجلسين مقارنة بالانتماء السياسي لرئيس الجمهورية ، من شأنها التحكم في عملية المصادقة على التعديل الدستوري، ففي حالة تقارب الانتماء السياسي للأغلبية الموجودة بالمجلسين ، و تطابقها مع التوجه السياسي لرئيس الجمهورية فإن المصادقة على التعديل الدستوري ستكون مضمونة لأن كل من  المجلسين سيصوت بالإيجاب على النص المعروض عليه.

أما في الحالة العكسية فلن تتم المصادقة على مشروع التعديل و يترتب على ذلك صراع بين الأطراف الثلاثة متخذا صورتين:

- صراع داخلي بين المجلسين عند اختلاف الانتماء السياسي لأغلبيتهم البرلمانية ، حيث يصبح بإمكان أي غرفة أن توقف عملية المصادقة على مشروع التعديل الدستوري من خلال تدخلها السلبي.

أما إذا اشتد الصراع بين الكتل المشكلة لمجلس الأمة ( المنتخبين و المعينين) فسيتحكم كل منهما في توفير النصاب المطلوب دستوريا للمصادقة على التعديل الدستوري ، لأن امتناع الثلث المعين أو الثلثين المنتخبين عن المشاركة في عملية التصويت يستحيل معه تحقيق نصاب ثلاثة أرباع (4/3) المقرر للمصادقة على التعديل الدستوري.

و جدير بالذكر أن المؤسس الدستوري الجزائري قد حرم المجلسين على حد السواء من حق تعديل المبادرة بالتعديل الدستوري المقدمة من قبل رئيس الجمهورية عند إحالتها على كل غرفة للمصادقة عليها ، و ذلك من خلال التزامهما بالتصويت على النص بنفس الصيغة19 و بذلك حقق مجددا مبدأ المساواة بين المجلسين بخصوص ممارسة سلطة المصادقة على التعديل الدستوري.

و قد اعتمد المؤسس الدستوري المغربي في هذا المجال نفس توجه المؤسس الدستوري الجزائري لأنه بدوره أورد استثناء على قاعدة اللجوء للاستفتاء الشعبي حيث أعطى للملك بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية سلطة عرض مشروع مراجعة بعض مقتضيات الدستور على البرلمان ليصادق عليه في اجتماع مشترك لمجلسيه بأغلبية ثلثي (3/2) الأعضاء الذين يتألف منهم.

لقد منح المؤسس الدستوري المغربي  بموجب الاستثناء السالف الذكر لمجلسي البرلمان  معا سلطة إقرار التعديل الدستوري، و بالتالي لا يمكن لأحد المجلسين أن يمارس هذا الحق بمفرده بل هو مقيد بمشاركة المجلس النظير و هذا ما أكده المؤسس الدستوري بمقتضى نص المادة 174  الفقرة 3 و التي جاء فيها"و يصادق البرلمان المنعقد بدعوة من الملك في اجتماع مشترك لمجلسيه على مشروع هذه المراجعة بأغلبية ثلثي (3/2) الأعضاء الذين يتألف منهم"

و من ثم فقد حقق المؤسس الدستوري المغربي بدوره عند تنظيمه لسلطة إقرار التعديل الدستوري  مبدأ المساواة بين الغرفتين من خلال إشراكهما معا في ممارسة هذه السلطة ، و من ثم لم يكن مجلس المستشارين في مركز أسمى أو أقل من النواب في هذا الشأن. كما جسد مبدأ التوازن و التكامل بينهما من خلال اشتراط اجتماع مجلسي البرلمان معا و مصادقتهما على التعديل بأغلبية ثلثي(3/2) أعضاء الغرفتين مجتمعتين لضمان موقف موحد لهما.

غير أن هذا التوازن ليس بالأمر المطلق ، لأن أحد المجلسين قد يصبح هو المتحكم في عملية إقرار التعديل الدستوري، ذلك أن اختلاف الانتماء السياسي للأغلبية البرلمانية في المجلسين من شأنه أن يؤثر على إقرار نص التعديل الدستوري عند امتناع أحد المجلسين مشاركة المجلس الآخر عند المصادقة على نص التعديل.

و تجدر الإشارة إلى أن الاستغناء عن أسلوب الاستفتاء الشعبي و اشتراط موافقة ثلاثة أرباع (4/3) أعضاء غرفتي البرلمان مجتمعتين في الجزائر و أغلبية ثلثي(3/2) أعضاء الغرفتين مجتمعتين في المغرب لإقرار التعديل الدستوري يخص فقط مشروع تعديل الدستور المقدم من رئيس الجمهورية و الملك، أما اقتراح التعديل المقدم من قبل أعضاء غرفتي البرلمان سواء في الجزائر أو المغرب فيتعين عرضه في كل الأحوال على الاستفتاء الشعبي20.

و يتعين التنويه في هذا المجال إلى أن كل من المؤسس الدستوري الجزائري و نظيره المغربي لم يحددا بوضوح الجوانب الإجرائية لممارسة سلطة المبادرة بالتعديل الدستوري ، كما أنه و بالرجوع للأنظمة الداخلية للمجالس البرلمانية في كل من الدولتين نجد أنها لم تحدد بوضوح آليات ممارسة هذه العملية ، و هو الأمر الذي يجب تداركه من خلال تفصيل أكثر لآليات ممارسة هذه السلطة. 

المطلب الثاني: المجالات التي لا يمكن أن يتناولها التعديل

   لقد حدد كل من الدستور الجزائري و المغربي مجموعة من المجالات لا يمكن أن تكون محل مراجعة دستورية حتى من قبل الهيئات الدستورية التي تملك ممارسة هذا الحق ، حيث تنص المادة178 من الدستور الجزائري على أنه " لا يمكن أي تعديل دستوري أن يمس:
1 - الطابع الجمهوري للدولـة.
2 - النظام الديمقراطي القائم على التعدديـة الحزبـيـة.
3 - الإسلام باعتباره دين الدولـة.
4 - العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسميـة.
5 - الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والمواطن.
6 - سلامة التراب الوطني ووحدتـه.
7 - العلم الوطني والنشيد الوطني باعتبارهما من رموز الثورة والجمهورية."

كما تنص المادة 175 من الدستور المغربي على أنه :

" لا يمكن أن تتناول المراجعة

1- الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي .

2- و بالنظام الملكي للدولة .

3- و باختيارها الديمقراطي للأمة .

4- و بالمكتسبات في مجال الحريات و الحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور."

ومنع التعديل الذي أقره كل من دستوري الجزائر و المغرب يعتبر من قبيل الحظر الموضوعي لأنه يتعلق بمجالات و مواضيع محددة على سبيل الحصر لا يمكن أن تكون محلا لأي تعديل من قبل أي سلطة.

هذا و يلاحظ أن المجالات التي كانت محلا للحظر الموضوعي بالنسبة للمؤسس الدستوري الجزائري أوسع نطاقا مقارنة مع نظيره المغربي حيث نص كلاهما على منع تعديل الأحكام المتعلقة بالدين الإسلامي، نظام الحكم و الطابع الديمقراطي ، الحقوق و الحريات الأساسية و نص المؤسس الدستوري  الجزائري إضافة إلى ذلك على حظر تعديل الأحكام المتعلقة بالعربية باعتبارها اللغة الوطنية و الرسمية ،سلامة التراب الوطني ووحدته ، العلم الوطني و النشيد الوطني.                  

الخاتمة:

حتى تكون الدساتير ذات فاعلية سياسية و قانونية وجب أن تساير التطورات القانونية و السياسية في الدولة و أن يتم تنقيحها كلما اقتضت الضرورة ذلك، و لن يتأتى مثل هذا الأمر إلا بتضمينها نصوص تسمح بمراجعتها من فترة إلى أخرى ، ذلك أن الجمود المطلق سيؤدي حتما  إلى استعمال العنف لتغييرها .

و بالرجوع إلى آخر تعديل لدستوري الجزائر و المغرب نجد أنها قد تضمنت بدورها  إجراءات تعديلها.

غير أن آليات المراجعة الدستورية  ضمن الدولتين بالرغم من ايجابيتها إلا أنها لم تخلو من السلبيات ، و لعل أهم الايجابيات التي حوتها :

-       إشراك المؤسستين التشريعية و التنفيذية في عملية المراجعة الدستورية الأمر الذي من شأنه بعث روح التعاون بين المؤسستين.

-       اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي حتى يكون الدستور فعلا معبرا عن إرادة الشعب.

أما عن أهم السلبيات التي احتواها النظامين الدستوريين الجزائري و المغربي بشأن المراجعة الدستورية هي:

عدم تحديد المؤسس الدستوري الجزائري و المغربي إجراءات المبادرة بالتعديل الدستوري، كما أنهبالرجوع للقانون العضوي رقم 99-02 نجده خصص مادة واحدة للكلام عن إجراءات عمل البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين و هي المادة 98 و التي انحصر مضمونها في تحديد المكلف باستدعاء المجلسين للاجتماع معا لاقتراح مبادرة بالتعديل الدستوري، و المكلف برئاسة هذا الاجتماع، رغم أن هذا القانون هو في الأصل قانون إجرائي.

كما أن النظام الداخلي لغرفتي البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا،و الأنظمة الداخلية لغرف البرلمان في الدولتين لم تتناول تحديدا لمثل هذه الإجراءات و هو الأمر الذي يجب تداركه، لأن مثل هذا الفراغ الإجرائي من شأنه إعدام أي علاقة إيجابية بين المجلس الشعبي الوطني و مجلس الأمة  ومجلس النواب و مجلس المستشارين بخصوص ممارسة سلطة التعديل الدستوري و هو الأمر الذي يجب تداركه من خلال تفصيل أكثر لآليات ممارسة هذه السلطة. 

الهوامش:

[1] - Meledie Djédiro, la révision des constitution dans les états africains francophones, esquisse de bilan, RDP, N°1, 1992 P112.

2- حسني بوديار، الوجيز في القانون الدستوري ، دار العلوم للنشر و التوزيع ، عنابة ـ 2003 ، ص 90.

3 - فيصل شنطاوي، النظم السياسية و القانون الدستوري، دار مكتبة الحامد للنشر و التوزيع،  الطبعة  الأولى ، 2003 ،ص 329.3

4- Meldie djediro, Ibid, p113.

5- المادة 174 من دستور 1996 .

6- المادة 177 من دستور 1996.

7  - المادة 174 من دستور 1996.

8 -المادة176 من دستور 1996

9-الفقرة 2 من المادة 172 من الدستور المغربي .

10- المادة  174 من الدستور المغربي.

11 - الفقرة 3 من المادة 173 من الدستور المغربي.

12 - الفقرة 1 من المادة 174 من الدستور المغربي.                         

13- د/محمد عاطف البنا، الوسيط في النظم السياسية، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، القاهرة 1994، ص 282.  

14- د/بوكرا إدريس مركز مجلس الأمة في النظام الدستوري الجزائري ، مجلة إدارة ، العدد الأول ، 2001 ،ص 76.

15 -  د/ بوكرا إدريس ، المراجعة الدستورية في الجزائر بين الثبات و التغيير ، مجلة إدارة ، العدد الأول ، 1998 ، ص 43.

16- حول إجراءات سير البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين، راجع النظام الداخلي لسير البرلمان المنعقد بغرفتيه المجتمعتين معا، الذي أقره البرلمان يوم 08 أفريل 2002.

17- Philippe Ardant, institutions politiques et droit constitutionnel, 8 édition, LJDJ, paris 1995 . 

18- Meledie Djediro, op ,cit, p121

19- المادة 176 من دستور 1996 .                                                   

20 - المادة 174 من دستور 1996.

21- المادة  177 من الدستور الجزائري و المادة 174 من الدستور المغربي .