اللغة وأثرها في تجذير الهُوِيّة العربيّة والإسلاميّة في عصر العولمةpdf

 

د. باسم يونس البديرات

جامعة الحصن-أبو ظبي

د.حسين محمد البطاينة

 جامعة البلقاء الأردن

ملخص:

يهدف هذا البحث إلى الكشف عن أثر اللغة (العربية) في تجذير الهُوِيّة العربية والإسلامية في ظلّ المتغيرات العصريّة الجديد (العولمة)، فأيّ أمّة من الأمم لا بدّ لها من مجموعة من الأواصر التي تربط بين أبنائها والتي لا تقتصر على جانب دون الآخر، غير أنّ جانباً منها يمكن أن يقدّم على الآخر لاعتبار أو لغيره، ومن هنا يمكن أن نعدّ أن من أكثر عناصر الهُوِيّة أهميّة - والأكثر عرضة للخطر - عنصر اللغة وخاصةً في ظلّ عصر العولمة.

إذ أصبح الضّعف اللّغوي العام يؤدّي بالتّدريج إلى ذوبان الشخصية،وفَقْدالهُوِيّة، وانقطاع الصلة بالرابطة الّتي تُوحِّد الأمّة، وتشدّ كيانها،وتحقّق لها استقلالها، وتبوّؤها المكانة المرموقة بين الأمم الحيّة. ومن هنا فإنّ هذا البحث سيناقش موضوعات ذات صلة وثيقة بالعلاقة بين اللغة والهويّة، منها: مفهوم الهويّة، واللغة والدين وعلاقتهما بالهويّة، وأهم التحديات المعاصرة التي تواجه اللغة العربية في عصر العولمة، والدور المأمول من المؤسسات العربية والإسلاميّة الرسميّة تجاه اللغة العربية. وقد خلصت الدراسة إلى أنّه لا هُوِيّة بلا لغة.

Abstract:

This research   is designed to find out the effect of the Arabic language in enhancing Arab Islamic identity under the of the new changes caused by   globalization. To preserve its entity, a nation must have certain bonds involving all aspects of lives of its members, though some of these bonds have priority over one another. Language is   one of the most significant bonds that are prone to danger under globalism. The  general  weakness  of the individuals’ language  can  lead to the melting of the personality , the loss of identity , and  cutting off    the bond that keeps the nation united,  fortifies  its entity  and  realizes its independence .

 For this reason, this paper discusses topics  closely pertaining to the relationship between language and identity , including: the concept of identity , language and religion and their relationship to identity , and the most important contemporary challenges facing the Arabic language in the era of globalization , and the anticipated role of the official Arab and Islamic institutions towards the Arabic language . The study concludes that there is no identity without the language.

مقدمة:

تعد اللغة مكوناً أساسياً في بنية الهُوِيّة الوطنيّة لأيّ مجتمع من المجتمعات. فاللغة تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، فهي وسيلته للتعبير عن المشاعر والأحاسيس والحاجات، بالإضافة إلى أنها وعاء التفكير لديه. واللغة أيضاً من أهم ما يميز أمة عن غيرها من الأمم الأخرى، فهي بمثابة جواز السفر أو الوثيقة التي يحملها الفرد أينما رحل وحلّ. فالإنسان لا يُعرف من خلال ملبسه أو مأكله فقط، بل من خلال أهم مكون للهُويّة وهو اللسان.

ومن هنا جاءت هذه الدراسة - محاولة جادة - للكشف عن الأسباب التي أدت إلى ضعف، لا بل تشوّه هذه الوثيقة المميزة للأمة في ظل انتشار مفاهيم العولمة، التي أدت إلى ظهور المتغيرات الثقافية، والاجتماعية، التي يمر بها العالم من خلال الانسياب السهل للمعارف والمعلومات بين الأمم؛ نتيجة لظهور وسائل الإعلام الحديثة كالشبكة العنكبوتية، والقنوات الفضائية، والمطبوعات، وغيرها على نطاق واسع. حيث أصبحت المواد المسليّة مثلا كالموسيقى، والأفلام الغربية  الناطقة- بلغات الأمم الأخرى- في متناول أيدي أبناء العربية بصورة أكثرمن لغتهم نفسها.

بالإضافة إلى ذلك قلة النتاج الثقافي والعلمي في اللغة العربية مقارنة بغيرها من اللغات الأخرى. وقد أدى ذلك إلى أن الباحثالعربي يجد ضالته واحتياجاته العلمية في المصادر الأجنبية من كتب ومجلات علمية ومواقع الكترونية أكثر من لغته العربية. وقد نتج عن ذلك انتشار التعلم باللغات الأجنبية بشكل عام والإنجليزية بشكل خاص في المؤسسات التعليمية العربية.حيث أصبحت اللغة العربية تعيش غربة ثانية في أهم حصونها، وهي المؤسسات التعليمية تحت ذريعة أن اللغة العربية لايمكن أن تستوعب منجزات العصر في ميادين المعرفة المختلفة وخصوصا العلوم البحتة والتقنيات الحديثة. فلجأت غالبية تلك المؤسسات إلى استخدام لغة مغايرة للغة الأم كالانجليزية وغيرها من اللغات الأجنبية، مما قد يكون له الأثر البيّن على هوية الطالب العربي والتحصيل العلمي له.

ونظرا للظروف السياسية التي مرت بها الأمة وما ترتب على ذلك من تأخر عن ركب الحضارة الإنسانية، بدأ الضعف يدب في أوصال الأمة فانعكس هذا الأمر سلبا على اللغة العربية متمثلاً في ظهور فئات من أبنائها صوبت سهام النقد إلى هذه اللغة. ولم يقتصر الأمرعلى ذلك بل جاء من يدعو إلى هجرها والاستعاضة عنها بلهجات محكية (العاميات) بذريعة أن هدف اللغة الأساس هو التواصل بين أفراد المجتمع، متناسيةً هذه الفئة أن اللغة لا تقتصر على جانب التواصل فقط، بل أسمى منه الجانب الروحي المتمثل في أنها وعاء التراث والثقافة والفكر للأمة، ووسيلة لايمكن الاستغناء عنها لفهم دستور هذه الأمة القرآن الكريم.

من خلال ما سبق نجد أن الاهتمام باللغة العربيّة مسؤولية لاتقتصر على الأفراد بل هي مسؤولية المجتمع العربي الإسلامي بأكمله على المستويين الشعبي والرسمي، إذ إنها الهُوِيّة الوطنيّة والقوميّة، والنهوض بها يحقق مفهوم الانتماء لهذه القومية التي تربط الحاضر بالماضي، فمن ليس له ماضٍ، فلا حاضر ولا مستقبل له.

أولاً: الهُويّة

أ ـ مفهوم الهويّة

قبل البدء بالحديث عن مفهوم الهُوِيّة في الدراسات الاجتماعية لا بدّ من الوقوف على معناها اللغوي، والاصطلاحي، فقدجاء مصطلح (الهُوِيّة) في اللغة العربية مشتقاً من الجذر (هو)، والهوية لغةً تعني جوهر الشيء وحقيقته. فقد جاء في كتاب التعريفات للجرجاني "أنها الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب"[1]. والهويّة في المعاجم العربية تعني: مجمل السمات التي تميّز شيئاً عن غيره، أو شخصاً عن شخص، أو مجموعة عن غيرها. بحيث إنّ كلاً منها يحمل عناصر في هويته، وهذه الجملة من العناصر هي المميزة له عن غيره. وعناصر الهوية شيء متحرّك ديناميكي يمكن أن يبرز أحدها أو بعضها في مرحلة معينة، وبعضها الآخر في مرحلة أخرى.

كما عرفها المفكر الفرنسي أليكس مكشيلي" إنها منظومة متكاملة للمعطيات المادية والنفسية والمعنوية والاجتماعية التي تنطوي على نسق من عمليات التكامل المعرفي، وتتميز بوحدتها التي تتجسد في الروح الداخلية التي تنطوي على خاصية الإحساس بالهوة والشعور بها"[2]. والهوية عند عبد العزيز الدوري:"هي ما يشخّص الذات ويميزها"[3].

والهويّة على نوعين: هويّة شخصّية تميّز شخصاً من خلال اسمه، وصفاته، وسلوكه، وجنسه، إلى غير ذلك. وهويّة جمعيّة (وطنيّة، أو قوميّة) تدلّ على مميزات مشتركة لمجموعة من البشر تميزهم عن غيرهم من الجماعات، وإن وجدت فيما بينهم بعض الفروق من الاختلاف إلا أنّ القواسم المشتركة من أوجه الشبه بين أبناء هذه الجماعات هي الغالب في نهاية المطاف. فلو أخذنا على سبيل المثال أي أمة من الأمم أو أي شعب من الشعوب لوجدنا أن هناك مجموعة من السمات الحضارية، والسلوكية، والشكلية، والنطقية المشتركة التي تجمع بين أفراد هذه الشعوب، فهذا ما يمكن أن نطلق عليه مسمّى (الهُوِيّة) سواء أكانت الهويّة الوطنية على النطاق الضيّق، أو الهويّة القومية، والتي نحن بصدد دراستها ـ على النطاق الأوسع.

ومن هنا لا يمكن لشعب من الشعوب أو لأمة من الأمم أن تحيا دون هُوِية أو أن تتخلى عن هويتها، فهي مطلب ملحّ لا تقلّ أهميته عن أي مطلب أساس من مطالب الحياة التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها، لا بل وتفوقها جميعها؛ لأنّ هذا الأمر يحقق الذات الفردية أو الجمعيّة. وقضية دفاع الأمم عن هويتها قضية قديمة حديثة، لم تتوقّف لحظة ما.

أما فيما يخصّ الأمة الإسلامية فيمكن القول إن هُوِيتها لم تتشكّل في صورتها النهائية إلا في مرحلة متأخّرة، أي في مرحلة صدر الإسلام، وبالتحديد في مرحلة هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلّم - إلى يثرب وكتابة الصحيفة (وثيقة المدينة) التي تمَ الاتفاق عليها آنذاك متخذةً من العربية لغة لها، ومن الدين الإسلامي أساساً حاكماً لشعبها، ومن حدود المدينة أساساً وحداً لحمايتها، فبدأت الهُوِيّة تتمحور في صورتها الجديدة فبعد أن كانت تأخذ الطابع الجزئي القبلي، بدأت تأخذ صورتها في إطارها الديني القومي[4].

إذاً نخلص إلى أن أي أمّة من الأمم لا بدّ لها من مجموعة من الأواصر التي تربط بين أبنائها والتي لا تقتصر على جانب دون الآخر، غير أنّ جانب منها يمكن أن يقدّم على الآخر لاعتبار أو لغيره، ومن هنا يمكن أن نعدّ أن من أهم عناصر الهويّة القوية - والأكثر عرضة للخطر - عنصر اللغة.

ب ـ اللغة والهويّة

الهُوِيَّة سمة إنسانية تميزه عن غيره من المخلوقات، وتتعدد عناصرها - كما أشرنا سابقاً - من حيث الدين، والثقافة، والجغرافيا، وغيرها، إلاّ أنّ اللغة تعدّ العنصر الأساس في تشكّل هوية أيّة أمّة أو شعب من الشعوب.

وكل منهما - أي اللغة والهُوِيّة - مرتبط كل الارتباط بالعقل، وقد وجدت هاتان الخاصيتان مع وجود الإنسان على الأرض، وكل منها مركب يشتمل على أجزاء متداخلة لا يمكن فصل بعضها عن الآخر. فإذا كانت اللغة تشمل طرائق التفكير والتاريخ والمشاعر وإرادة الناس وطموحاتهم وشكل علاقاتهم، فإنّ الهويّة هي هذه العناصر كليتها وتركيبها، "فاللغة والهوية وجهان لعملة واحدة"[5].

فاللغة عند علماء الأنسنة وعاء الفكر الإنساني، لذا فالعلاقة بين الفكر واللغة علاقة وثيقة، فهي أشبه بجهاز عصبيّ آخر مع الجهاز العصبي الحقيقي، وفي الوقت نفسه انتماؤه، وهذه الأشياء مجتمعة هي حقيقته، ولذا جاء على لسان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - (المرء مخبوء تحت لسانه، فإذا تحدّث عُرِف)، والمقصود بـ(المعرفة) هنا معرفة الفكر، والانتماء القومي من خلال النطق اللساني[6].

ويذهب علماء اللغة إلى أنّ اللغة تنشأ نتيجة عاملين: فطري، وبيئي. فاللغة مكتسبة لا تولد مع الإنسان، ولا تتشكّل دفعة واحدة، فالإنسان يولد دون لغة، ثم يبدأ من خلال المجتمع المحيط يُكوّن مفرداته وقاموسه اللغوي وينميه من خلال الاكتساب اللغوي[7]. وكذلك الحال بالنسبة للهوية فهي ليست آنية التكوين، ولا تولد مع الإنسان وإنما تنمو بداخله بتعايشه في مجتمع ما، فتأتي - في الغالب - مستمدة من سمات هذا المجتمع فتحدد شكلها وألوانها، فهي جزء منه، أو على الأقل تحمل بعض ملامحه. والمجتمع المؤثّر في تشكّل هويّة الفرد ليس المجتمع الحاضر فقط "وإنّما هو الوسط الاجتماعي الذي يراه المرء ويتفاعل معه، إضافة إلى المجتمع التاريخي أو تاريخ الجماعة التي ينتمي إليها"[8].

ولَعلّ مما يؤيدُ مدى الارتباطِ الوثيق بينَ اللغةِ والهوية تمسّك الكثير من الأمم والشعوب القوية بلغتها في جميع المحافل الخاصة والعامة، فإذا كانت اللغة هي الأساس الصلب الذي تقوم عليه الأمة فإنّ الهويّة في الواقع هي خاصيّة اللغة ووظيفتها الأساسيّة، فيقول الفيلسوف الألماني (فيخته):"إنّ الذين يتكلمون بلغة واحدة يشكلون كياناً واحداً متكاملاً بروابط متينة وإن تكن غير مرئية"[9]. فيُفهم من كلام الفيلسوف الألماني السابق أنّ اللغة هي الخيط غير المرئي الذي ينتظم شعباً من الشعوب، أو أمة من الأمم، فتتوحّد مشاعرها، وتقوى علاقاتها وروابطها، وهذا ما يفسّر نظرية (اللغة الواحدة) والإصرار عليها ليس من باب العجز، ولكن من باب مخافة دخول المنافس. ورحم الله الرافعي حيث يقول: "ماذلّت لغة قوم إلاّ ذلّوا، ولا انحطّت إلا كان أمرها في ذهاب وإدبار".

فالضّعف اللّغوي العام يؤدّي بالتّدريج إلى ذوبان الشخصية،وفَقْدالْهُوِيّة، وانقطاع الصلة بالرابطة الّتي تُوحِّد الأمّة، وتشدّ كيانها،وتحقّق لها استقلالها، وتبوؤها المكانة المحترمة بين الأمم الحيّة؛ ولذا فإنّ الحفاظعلى اللّغة حفاظ على الأصالة والانتماء القوميّ، وتضييعها تضيع لهذه الأصالة وهذا الانتماء. هكِذا تنظرالأممالحيّة إلى لغاتها: تعبيراً عن الكيان، وشعاراً للذّاتيّة، ورابطةً للقوميّة،ورمزاً للكرامة الوطنيّة، وحامياً للوَحدة والاستقلال.
   ولعل ما يحصل في بعض بلدان العالم ما يؤيد ذلك، فقد نَشرتْ بعض المواقع الإلكترونية والصحف المنشورة قصة. مفادها أنّ طالبة ألمانيّة أثناء حصولها على شهادة (البكالوريا) قد نجحت بتفوّق وامتياز في كلّ موادّ الامتحان، ولكنّها رسبَتَ ولمتمنح الشّهادة لأنّها كانت ضعيِفة في اللّغة الألمانيّة، ولم يشفع لهاتفوّقها في كلّ الموادّ الأخرى لدى الجهة التّعليميّة المسؤولة. ورفعت الطّالبةأمرها إلى محكمة (فرانكفورت) مطالبةً بإلغاء قرار رسوبها، والحكم لها بالنّجاحوحقِّها في الشّهادة، مستندةً إلى تفوّقها في كلّ الموادّ، ومدّعية أنّ ضعفها فياللّغة الألمانيّة ليس مسوِّغاً لرسوبها. ولكنّ المحكمة رفضت طلبها، وأيّدت قرار الجهة التّعليميّة المختصّة فيقرارها برسوب الطّالبة. غير أنّ الطالبة قد رفعت أمرها إلى درجات التّقاضي الأخرىالّتي رفضت دعواها وصادقت على قرار رسوبها، إلى أن وصلتْ بقضيّتها إلى المحكمة(الفدراليّة) الّتي هي عندهم أعلى درجات التّقاضي، فرفضتْ هي أيضاً دعوى الطّالبة،وأقرّت الحكم برسوبها، مبررة حكمها في أنّ اللّغة الألمانيّة هيالتّعبير عن الفكر الألمانيّ المستقلّ، والمتَرجم عن شخصيّة الألمانيّينوهويَّتهم، وهي أهمّ مادّة في الامتحان، والضّعف فيها لا يُغطّيه التّفوُّقوالامتياز في المواد الأخرى.

وأكبر مثال حيّ على هذا الأمر كذلك سعي اليهود إلى إحياء اللغة العبريّة التي  ماتت منذ أكثر من ألفي سنة، فقدتأسس المجمع العلميّ للّغة العبريّة عندهم عام (1953)، وبجانب هذا المجمع كوّنوامجلساً أعلى يضمّ نحو أربعين لجنة متخصّصة في كلّ الفروع العلميّة والفكريّةوالأدبّية والفنّيّة، وتهتمّ بمسايرة اللّغة للتّطوّر المستّمرّ، واستحداثالمصطلحات والمفردات العبريّة الّتي تغطّي الحاجة في كلّ المجالات، وما يُتَّفقعليه منها يُنْشر في الجريدة الرّسميّة، ويُصبح العمل به إجبارياً في الدّوائرالحكوميّة والمؤسّسات المدنيّة والجامعات ودُور التّعليم ووسائل الإعلام بأنواعها،ويُعاقب القانون كلّ من يخالف ذلك ولا يلتزمه، وبذلك استطاعوا أن يبعثوا الحياة فياللّغة العبريّة بعد أن شبِعَتْ موتاً، وخلَقوا لها كياناً بعد أن كانت أثراً منآثار التّاريخ، فاللّغة العبريّة ـ في نظر هؤلاء ـ هي المعبِّرة عن شخصّيتهم وثقافتهموتاريخهم، والجامعة لكيانهم المشتَّت، والوعاء الذي يجمع اختلافاتهم الفكرية، والرّابطة لوحدتهم وتضامنهم.

إذاً يترك الضّعف اللّغويّ العامّ فراغاً فكريّاً وثقافيّاً لدى الأمّة،فتضعف الصّلة بتراثها وتاريخها وأمجادها السالفة،فتكون بذلك ساحةًمُهيَأةً للغزو الثّقافّي الأجنبيّ، ومجالاً خصباً لملء الفراغ بالكلماتالدّخيلة والأفكار الغريبة، وبهذا الفعل تُستلب الأمّة فكريّاً وثقافيّاً، وهوعملٌ أشدّ فتكاً وأسوأ آثارا من الاستعمال العسكريّ للأرض، لأنّه غزو يقتلالشّخصيّة، ويمحو الهُوِيَّة، ويجعل الأمّة تابعاً للغازي، ومَسْخاً فاقدةًالإرادة.

إنّ الكلماتالأجنبيّة الوافدة الّتي تجد فرصتها للتّوغّل في ضعف اللّغة الأمّ، لا تغزو الألسنةبألفاظها ورطانتها فحسب، بل تدخل برصيدها الثّقافيّ، وتصطحب معها مدلولاتهاوإيحاءاتها ومبادئها وتاريخها، وتحتلّ بها مواقع للسيّطرة والتّأثير وبسط النّفوذواستعمار النّفوس والعقول.

وحتى تستعيد الأمة عافيتها بالتخلص من التبعية الثقافية فإنّ الأمر يحتاج إلى التنسيق، وهو أمر لا يأتي عشوائياً "ولكنّه يأتي ثمرة مناهج التفكير السليم التي توضّح الرؤية وتكوّن العقليّة وتولّد الأفكار وتنمي القابليات وتشكّل النفسيات في قدرتها وفي عمليتها، وإيجابيتها وفي إقدامها وفي شجاعتها ومبادرتها وتستنقذها من قصورها وخرافيتها ومن سلبيتها وإحجامها ورهبتها"[10]. ونظراً لحالة الانفتاح التي تعيشها الأمة في ظلّ العولمة الثقافيّة والفكريّة، فإنه من المتوقّع أن يزداد الأمر سوءاً إن لم تعالج مشكلة الغزو اللغوي بشكلٍ جذريّ ومخطط له على المستوى القومي الرسمي.

ج ـ الدين والهويّة:

يُعدّ الدين المكوّن الأساسي لثقافة أي أمة من الأمم. وعندما نتحدّث عن الدين، فإننا لا نتحدّث عن الرموز والطقوس الدينية فقط التي يؤديها بعض الناس، ولكننا نتحدّث عن رؤية للذات وللعالم وللناس وللحياة. وهذا يجعلنا نقول بأنّ أي نظام فكري أو رؤية للحياة تمثل الإطار الفكري الذي يؤسس للثقافة العامة لأي أمة أوشعب.

ولما كانت الرؤية للذات العربية وللعالم من حولها ترتبط أساساً بالإسلام، وتنطلق منه، فإننا نجد أنّ تأثير هذا الدين على الفرد له وقع خاص. والإسلام ليس فقط رمزاً أو طقوساً يتمثلها المسلم، فالمسلم الحق يجد موقعه على هذه الأرض من خلال قراءته الواعية للقرآن الكريم، فوجوده وظيفة وليس عبثاً. وعلاقته بنفسه ومعرفته بذاته يراها من خلال الدين.

ولم يكن لهذه الأمة في حقيقة الأمرهوية ذات ملامح بارزة يمكن إدراكها إلا من خلال الدين الإسلامي، حيث يقول الدوري: "وكان دور الإسلام محورياً في تكوين الأمة والثقافة العربية وتحديد هويتها، فالإسلام رسّخ العربية ووسعها وثقافة"[11].

ولعل من أظهر الأسباب التي جعلت اللغة العربية تحظى بمكانة سامية لدى العرب بشكل خاص والمسلمين بشكل عام، هو أنها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة مصدري التشريع في الإسلام. وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ،َزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، َزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}.(الشعراء: 192ـ 195).

ومن هنا كان ارتباط اللغة العربيّة بالدين الإسلامي ارتباطاً عميقاً، فلا يمكن للمسلم أن يقوم بالشعائر الدينية ولا يتفهمّ الأوامر الربانيّة التي توصله إلى حدود الرضى الرباني إلا بإدراك مكنونات كتاب الهداية والرحمة القرآن الكريم.

وانطلاقاً من هنا فقد ذهب بعض السلف الصالحين إلى ضرورة معرفة اللغة العربيّة ودراستها، وتجاوزوا ذلك حين جعلوا هذا الأمر فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة، فعن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنّه قال :( لا يقرأُ القرآنَ إلا عالمُ لغة). وذهب الثعالبي كذلك إلى أن "الإقبال على تفهمها (اللغة العربيّة) من الديانة، إذ هي أداة العلم، ومفتاح التفقّه في الدين....... ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها والوقوف على مجاريها، وتصاريفها، والتبحّر في جلائلها ودقائقها، إلا قوّة اليقين في معرفة إعجاز القرآن الكريم، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هي عمدة الإيمان، لكفى بها فضلاً يحسن أثره، ويطيب في الدارين ثمره"[12].

وأضاف السيوطي في مزهره أن مما "لا شكّ فيه أنّ علم اللغة من الدين، فبه تُعرف معاني ألفاظ القرآن والسنة النبويّة"[13]. وجاء عن الفارابي قوله أنّ: "القرآن كلام الله وتنزيله فَصل فيه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم مما يأتون ويَذَرُون ولا سبيل إلى علمه وإدراك معانيه إلاّ بالتبحر في علم هذه اللغة"[14].

وقد كان لنزول القرآن الكريم أثرٌ واضحٌ على اللغة العربيّة، حيث أصبحت حاملة للتراث الإسلامي، أضف إلى ذلك أنّ انتشار الإسلامي في الأصقاع والبلدان كان له الأثر الأكبر في نشر هذه اللغة لتجوب بلدان العالم، فأصبحت في ظلّ سيطرة المسلمين اللغة العالميّة التي يسعى الناس لتعلمها؛ لما تحويه من علوم ومعارف، وقيم دينية، وسياسيّة واجتماعيّة، وأخلاقيّة، وكان هذا الأمر سبباً في بدايات دراسة اللغة وضبط قواعدها وأصولها وطرائقها في التواصل بين ناطقيها والتعبير عن معانيها.

وقد أشار بعض العلماء صراحة إلى دور الدين في حمل اللغة والحفاظ عليها أمام الهجمات الأخرى، ومن هذه الآراء رأي لابن خلدون،حيث ذهب إلى أنّ هناك عاملين اجتماعيين أساسييّن في انتشار اللغة وسيطرتها في المجتمع، وهذان العاملان هما: السلطة والدين، وقد لاحظ ابن خلدون أنّ عامل الدين أقوى بكثير من عامل السلطة في المحافظة على اللغة العربية. فبعد سيطرة بعض الأمم (الديلم، والسلجوقيّة، والبربر) ضعفت اللغة العربية، إلاّ أنّها استطاعت البقاء، لبقاء الدين في نفوس ناطقيها، فيقول:"فسد اللسان العربي لذلك، وكاد يذهب لولا ما حفظه من عناية المسلمين بالكتاب والسنّة الّلذين بهما حُفظ الدين، وصار مرجّحاً لبقاء اللغة المضريّة من الشعر والكلام..... وربّما بقيت اللغة المضرية بمصر والشام والأندلس والمغرب لبقاء الدين طلباً لها، فانحفظت بعض الشيء"[15].

فمن خلال ما سبق نجد أنّ العلاقة بين الدين واللغة من جهة والهويّة من جهة أخرى علاقة وثيقة لا يمكن الفصل بينها بأي شكل من الأشكال، ومن هنا فيجب على كلّ مسلم أن يزوّد نفسه بالثقافة العربية والإسلاميّة، وأن يكون ملماً بأهمّ مصادرها، ويعلم أنّ تدينه وثقافته هما أساس هويته وانتمائه، وهما الأداة الأساسيّة لإقناع الآخر والتأثير به. وأن يتفطّن كلّ مسلم إلى أنّ هويته ـ المرتبطة بدينه ولغته ـ تواجه أشرس هجمة في عصر العولمة.

ثانياً: تحديات معاصرة تواجه اللغة العربيّة

لقد أصبحت اللغة العربية تواجه مجموعة من التحديات العصريّة في عقر دارها، مما كان لهذه التحديات الأثر الأكبر في الهُويّة العربية والإسلاميّة في كثير من جوانبها، متمثلة بالمتغيرات الثقافية، والاجتماعيّة التي يمرّ بها العالم، نتيجة لظهور وسائل الإعلام الحديثة، وسهولة الاتصال بجميع أشكاله وأطيافه، ومن هذه التحديات:

1 ـ الثنائيّة اللغويّة في التعليم في البلدان العربيّة

لقد شاع في الكثير من البلدان العربية والإسلاميّة ـ إذا لم تكن كلّها ـ ظاهرة غريبة، وهي ظهور المدارس الأجنبيّة بشكل عام، والأمريكيّة والبريطانيّة منها بشكل خاص، ولا نقصد هنا أننا ضدّ تعلّم اللغات الأخرى، بل على العكس من ذلك فنحن من مشجعي تعلّم اللغات ومعرفة علوم أهلها، فالحكمة ضالّة المؤمن، ولكن ما نقصده هو تعليم هذه اللغات على حساب اللغة العربيّة، وخاصّة في المراحل العمريّة الأولى، وهي مراحل الاكتساب اللغوي التي تستمرّ حتى عمر 13 سنة تقريباً، ولا يخفى على أحد الأثر الذي يتركه تعلّم هذه اللغات الأجنبيّة على اللغة الأم (العربيّة) من جوانب شتّى. وما يعنينا منها الآن هو جانب الهويّة اللغويّة. وتجاوز الأمر ذلك حيث أصبحنا نجد أنّ الاهتمام بهذه اللغات على حساب العربيّة من حيث تقليص عدد حصص اللغة العربيّة لصالح اللغة الأجنبيّة، أمّا حصص التربية الدينيّة فحدّث ولا حرج هذا إذا كان لها نصيب من الحصص أصلاً.

ولذا فإن الاهتمام باللغة العربية وجعلها أداة فاعلة في نشر التعليم والفكر والثقافة العربية والإسلامية أمر غاية في الأهمية، ومسؤولية لا ينبغي أن نتنصّل منها بأي شكل كان، ويجب أن تكون من أولويات المهتمين بالاصلاح التربوي على مستوى العالم العربي بأسره. فقد أولت الشعوب المتقدمة، وحتّى النامية، لغاتها اهتماما خاصاً، فتقدمت كثيراً في أساليب تَعْلِيمها وتَعَلُّمِها، ذلك لقناعة تلك الأمم أنّ التقدّم العلمي والتقني لا يمكن أن يحصل باستعارة لغة أجنبية أو الاستمرار في الترجمة لكل مصطلح يظهر هنا وهناك. ولذا أوصت المنظمة العالميّة للتربية والعلوم والثقافيّة (اليونسكو) إلى أمم الأرض قاطبة ـ وفقاً لتقارير أعدّها خبراؤها ـ بأن تدرّس كلّ أمّة أبناءها العلم بلغتها إذا أرادت أنْ تظلّ مبدعة منتجة للعلم والعلماء، فكلّما كانت لغة العلم هي لغة التفكير والخطاب اليومي كان ذلك مدعاة لرسوخ العلم لدى المتلقيين، لأنّه لا يحتاج إلى وسيط أو إجهاد فكر[16]. وتبدو هذه المسألة أكثر أهميّة لدينا نحن أبناء الأمّة العربيّة والإسلاميّة، لأنّ العربيّة مثلما هي هويتنا وعنواننا الذي من خلاله ننتسب إلى عروبتنا هي كذلك لغة ديننا التي من خلالها نستطيع أن نعي مقاصد هذا الدين وحدوده، فنلتزم بأوامره ونبتعد عن نواهيه عن معرفة وإدراك، قال تعالى:"َإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ".( مريم: 97).

ولعلّ ما نراه من هزالة الثّقافة العامّة لدى الجيل الحالي من الشباب العربي في الوقت الحاضر، وضآلةزادهم من المعارف والعلوم، وجَهْلِهم بتُراثهم وتاريخهم، إنّما هو نتيجة طبيعيّةلضعفهم في لغتهم، وفقدهم للمفتاح الجيّد للثّقافة والمعرفة والعلم، وهو اللّغةالمتمثّلة في كتاب، أو مجلّة، أو صحيفة، أو إذاعة مسموعة أو مرئيّة وغيرذلك. وقد أصاب الدكتور محيي الدين صابر كذلك المدير العام الأسبق للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عندما قرر أنّ اللغة هي المدخل المشروع إلى الحضارة المعاصرة التي بها العلم والمعرفة[17]. واللغة العربية هي الأداة والوسيلة غير المادية التي تجعل الشعور بين أبناء هذه اللغة متقارباً إن لم يكن موحداً أحياناً.

وعلى الرغم من الجهود التي تبذل بين الفينة والآخرى في جعل اللغة العربيّة في البلاد العربيّة والإسلاميّة  لغة التواصل والعلم والتأليف، إلا أنّ هذه الجهود في كثير من الأحيان لا ترى النور، ولذا فقد ربط بعض الدارسين هذه المسألة بقوى خفيّة تسعى إلى إفشال كلّ محاولة تسعى لإحلال اللغة العربيّة محلّ اللغة الأوروبيّة في التدريس في الجامعات والمعاهد العليا[18]

2 ـ اللغة العربيّة ووسائل الإعلام

إن الحديث عن اللغة العربية اليوم وعلاقتها بالهوية يتطلب منا الحديث عن واقع اللغة العربية في وسائل الإعلام المختلفة التي تسهم بشكل مباشر في توجيه الرأي العام وتشكيله. وهذا الأمر سنناقشه في الجانبيين الآتيين:

أ -  سطوة العامية في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة: تنبع أهمية وسائل الإعلام المختلفة من عدة حقائق. فاليوم نرى انتشاراً واسعاً لهذه الوسائل خصوصا المرئية منها، حيث تخلى الكثيرون عن القراءة واستعاضوا عنها بمشاهدة التلفاز. فهذه الوسائل تخاطب الشعوب العربية خطابا يوميا على مدار الساعة. ولما كانت هذه الوسائل تصل إلى هذا العدد الهائل من العرب، فإن دورها يمكن أن يكون إيجابياً أو سلبياً. وتأتي أهمية الإعلام المرئي في أنه يخاطب شرائح متنوعة ولفترات طويلة. فالأطفال كما الكبار يشاهدون البرامج الكثيرة و المتنوعة والتي تلبي كثيرا من احتياجاتهم، إلا أن الغالب عليها أنها تتحدث بالعامية، بعيدا عن أي رقي في مستوى المفرداتن أو التراكيب، أو حتى المضامين.

والمتابع لوسائل الإعلام العربية مسموعة ومرئية، ومكتوبة يرى الخلل الكبير في تعامل هذه الوسائل مع اللغة العربية. حيث يلاحظ شيوع اللهجات الدارجة على ألسنة المذيعين والمذيعات خصوصا في برامج التسلية التي تلقى إقبالاً واسعاً من شريحة مهمّة وهي الشباب. كما أن الأخطاء النحوية والصرفية والمعنوية فاضحة إلى درجة تشعر المتابع بأن هناك استهدافاً حقيقياً للعربية. فهل من المعقول أن يخطئ المذيع في حديثه عن موضوعات سهلة وميسورة، فتجد الكثيرين لا يميزون بين الفاعل والمفعول، وحتى استخدام إن وأخواتها أو كان وأخواتها. 

 وقد بينت بعض الدراسات أن الطفل يقضي وقتا أمام شاشات التلفزة أكثر من الوقت الذي يقضيه في المدرسة. فالطفل يجلس يشاهد البرامج والصور المتحركة والتي تكون غالبا باللغة الإنجليزية، أو بعضها مدبلج بصورة قد تكون صعبة بالنسبة للطفل.

ولذلك فإن تلك الوسائل يمكن أن تكون عامل توحيد للوعي العربي والإسلامي من خلال ما تنقله من أفكار وقيم ومفاهيم. كما أنها يمكن أن تساعد على نشر اللغة العربية الفصحى. فاستخدام الفصحى السهلة الميسرة التي يمكن أن يفهمها عامة العرب سيكون له أثر بالغ على التقليد والمحاكاة خصوصاً في مراحل اكتساب اللغة. والعكس صحيح، فتجميل العامية والتخاطب بها أو أحيانا مزجها بكلمات أجنبية يضفي عليها نوعاً من الشرعية في أعين المشاهدين.

ومن الآثار السلبية على المشاهدين أن الذوق الفني واللغوي قد تأثر إلى حد بعيد. ففي دراسة أجريت على عينة من الشباب الجامعيين حول دور الفضائيات في نشر الثقافة العربية والإسلاميّة، ذكر نسبة 50% من المبحوثين أن القنوات الفضائية أدّت إلى دعم اللغة العربية، وهذا يعني أن نصف المشاركين في البحث لم يقدموا إجابات إيجابية حول دور الفضائيات في دعم اللغة العربية[19].

ومن الآثار الإيجابية لاستخدام العربية الفصحى في وسائل الإعلام هو تقليل الفجوة اللغوية بين أبناء العروبة. حيث نرى أن استخدام العاميات أدى إلى خلل في التواصل بين أبناء الأمة الواحدة. وقد سمعنا عن مواقف محرجة وقع فيها بعضهم بسبب استخدام العاميات، حيث تعني بعض المفردات شيئا إيجابيا في لهجة وسلبيا في لهجة أخرى.

ب ـ توظيف العربية لخدمة اللغات الأجنبية في الإعلان : إن عملية الاتصال الإعلاني عملية مهمة تقوم على الاتصال بين المنتج والمستهلك بهدف ترويج السلع. ونظرا لأهمية الإعلان في إقناع المستهلك بشراء السلعة، فإن اللغة المستخدمة في الإعلان تتميز بأنها لغة إقناعية تتخذ من الصورة وسيلة لتحقيق هدف الإقناع. وتستخدم معظم الأمم لغاتها الحيّة في هذه الوسيلة الإعلانية، باعتبار أن ذلك مظهر من مظاهر الاعتزاز بالذات والهوية.

ونظراً لوقوع العالم العربي تحت تأثير العولمة الثقافية على وجه الخصوص، فقد آثرت فئة من المنتجين والوكلاء للمنتجات الأجنبية استخدام لغة أجنبية، أو لغة هجينة، وأحيانا هبط مستوى الاهتمام بالعربية إلى استخدام العاميات في الإعلانات.

وفي دراسة أجراها عيسى برهومة عن العلاقة بين اللغة و التواصل الإعلاني من خلال استخدام اللغة الأجنبية في ترويج السلع، واختار عينة الدراسة من العاصمة الأردنية عمان. وتوصل الباحث إلى نتائج  تبين أن هناك نوعاً من اللهاث الجماهيري باتجاه كل ماهو أجنبي، لذلك يعمد كثير من أصحاب المحلات التجارية إلى استخدام أسماء أجنبية لترويج سلعهم. وقد تبين أن من أسباب انتشار هذه الظاهرة:

1ـ عدم معرفة المقابل بالعربية للاسم الأجنبي.

 2ـ قلة التمكّن من اللغة العربية.

3ـالأسماء العربية أصبحت بالية وقديمة.

4ـالاسم الأجنبي يظهر أن المحل راقٍ ومشهور

5ـ افتقاد العربية للأسماء اللافتة للنظر.

5 الاسم الاجنبي يشعر الشخص بالاعتزاز والتفاخر.

ولعل هذه النتائج تظهر بوضوح الخطر الداهم على العربية من استخدام اللغة الأجنبية، والأثر النفسي الذي تركته تلك اللغة على أبناء اللغة العربية مما جعلهم ينظرون باحترام وتقدير إلى اللغة الأجنبية مقابل ازدراء لغتهم القومية[20].

وفيما يأتي بعض من أمثلة على الإعلانات واللافتات باللغة الأجنبية المكتوبة باللغة العربية مأخذوة من الأسواق العربية:

 (شو سيتي.

       صاج 2 غو.

         اكزوتيك كارز.

              توديز مان.

                   بلاك أند وايت.

                        شو مارت، لايف لاين).

3ـ  قلّة النتاج العلمي باللغة العربية

إن المستعرض للتاريخ العربي والإسلامي يقف مفتخراً بهذا التاريخ العلمي الثري الذي أدهش العالم طوال تسعة قرون من العطاء والإنتاج في شتى ميادين المعرفة. وهذا الثراء العلمي والمعرفي كان ثمرة من ثمار الانفتاح على ثقافات الأمم الأخرى أخذاً وعطاءً.  بيدَ أنّ النتاج العلمي والمعرفي العربي اليوم يثير في النفس العربية الكثير من الأسى والحزن على هذا المآل. ولعل المتابع لتلك الحركة الفكرية والثقافية والعلمية العربية يدرك بجلاء أن هذه الحالة ارتبطت ارتباطاً عضوياً بكون اللغة العربية هي لغة ذلك النتاج، فلم يكن العرب يخشون من استخدام لغتهم في البحث العلمي والإنتاج المعرفي.

أما اليوم فالناظر يرى عجباً من ضعف الإنتاج العلمي في اللغة العربية مقارنة بما تنتجه أمم أقل عددا وخبرة وتراثا، حيث تستمد اللغة مكانتها من أهميتها الثقافية في ضوء عدد الكتب من جانب، وحركة الترجمة وعدد البحوث العلمية من جانب آخر. فقد كشف تقرير لمنظمة التربية والثقافةوالعلوم (الألكسو) التابعة  للجامعة الدول العربية ومقرها تونس، أن اللغة العربية تمثل (4%) من مجموع اللغات الحاضرة على الشبكة العنكبوتيّة مقابل (47%) للإنجليزية، و(9%) للصينية، و(8%) لليابانيّة، و(6%) للألمانيّة، و(4%) للإسبانيّة والفرنسيّة. وأشار التقرير إلى أن اللغة العربية تحت المرتبة الـ (27) من حيث عدد الكتب المترجمة، وأن (6881) كتاباً فقط ترجم إلى العربية منذ عام (1970) وهو رقم يعادل الكتب المترجمة إلى اللغة (الليتوانية) في الفترة ذاتها التي لا يتجاوز عدد الناطقين بها أربعة ملايين.

ولعل من أسباب قلة ذلك الإنتاج والعجز في الإبداع باللغة العربية هو الاعتماد على اللغات الأجنبية في الحصول على المعلومات والأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات والمجلات العلمية. بالإضافة إلى أن مؤسسات التعليم العالي في الجامعات العربية والتي تدرس العلوم العامة والإنسانية والاجتماعية باللغة العربية تفترض أن يكون النشر والبحث باللغات الأجنبية. فضلاً عن انعدام الوعي وعدم الثقة في قدرات الباحثين العرب بالكتابة باللغة العربية، نظرا لكون الكثيرين منهم قد تخرجوا في جامعات أجنبية. وهذا يطرح سؤالا مهماً يتعلق بقدرة اللغة العربية على مواكبة التطور العلمي والتقني في العالم، فهل هي قادرة على استيعاب ما يستجد من أفكار ومصطلحات وغيرها باللغات الأخرى؟

إن المعروف لدى المفكرين والباحثين أن الأمة التي تنتج المعرفة هي التي تقدم الأسماء والمصطلحات لتلك الأفكار والمنتجات بلغتها القوميّة، وعلى الآخرين البحث في لغاتهم عما يقابل تلك الأسماء والمصطلحات. وبالرغم مما نعانيه من فقر في النتاج العلمي والمعرفي، إلا أن ما في اللغة من سمات وخصائص تجعل منها وعاء حاملاً لكل علم مستجد، مستفيدة من مزايا عدة منها: ظاهرة الإعراب، والتوليد، والاشتقاق، والتعريب وغيرها.  

ومن العوامل التي أدت إلى الفقر في الإنتاج العلمي هو توجه الباحثين العرب إلى الدراسة باللغات الأخرى لما يرونه من فرص أفضل للعمل، حيث إن المؤسسات العامة والخاصة في معظم البلدان العربية تتطلب إتقان لغة أجنبية على الأقل للحصول على فرص العمل دون أدنى اهتمام باللغة العربية.

4ـ دعوات تيسير اللغة العربية

لقد أثيرت ـ في أوائل القرن المنصرم ـ فكرة مسمومة مفادها صعوبة العربيّة الفصيحة لا على متعلميها من أبناء الجلد الأخرى ـ غير الناطقين بها ـ فقط، وإنّما على أبنائها الذين ينتمون إليها كذلك، وكانت هذه الفكرة باعثاً لظهور الدعوة إلى العاميّة (اللهجات المحليّة)، في كلّ قطر، ومن أوائل الذين بثّوا هذه السموم والاتهامات بعض المستشرقون[21]، حيث اعتقدوا أنّ إهمال الإعراب ييسّر تعليم العربية على الأجانب، ويكون في الوقت نفسه تجديداً يليق بمؤسسة علميّة كالمجتمع. وإنّ في مراعاة قواعد النّحو من إلحاق علامات الإعراب بالجمل التي تتألّف منها أحاديثنا ومحاوراتنا تفريطاً في الوقت، وتضييعاً له، وفي عدم مراعاته توفيراً للوقت وحرصاً عليه.

وقد تبنى بعض الدارسين المحدثين من أبناء العربيّة مثل هذه الآراء، وأخذوا يبثونها في كلّ صوب، ومن هذه الآراء رأي لإبراهيم أنيس في كتابه (من أسرار اللغة)، حيث يرى أنّه لا أثر للحركات الإعرابيّة في المعنى، بل ويذهب أكثر من ذلك حين يُسميّ (الإعراب) قصّة حاكها النّحاة في أوائل القرن الأوّل الهجري، فيقول:"وما أروعها من قصّة، لقد استمدّت خيوطها من خواطر لُغويّة متناثرة بين قبائل الجزيرة العربيّة، ثمّ حيكت، وتمّ نسجها حياكة محكمة في أوائل القرن الهجري الأول أو أوائل القرن الثاني على يد قوم من صنّاع الكلام نشأوا وعاشوا معظم حياتهم في البيئة العراقيّة...... حتّى أصبح الإعراب حصناً منيعاً امتنع حتّى على الكتّاب والخطباء والشعراء من فصحاء العرب وشقّ اقتحامه إلاّ على قومٍ سُمّوا فيما بعد النّحاة"[22].

وهذا الاتهام الخطير من إبراهيم أنيس ينفي من خلاله جهود النحاة في هذه الباب؛ فقواعد الإعراب بهذه الطريقة المتقنة لا يمكن أنْ تكون مبتدعة بهذه الصورة التي ذهب إليها إبراهيم أنيس، ولا يمكن أن تكون قد وضِعتْ في فترة زمنيّة معيّنة، فهي جزء من اللغة نمت وتطوّرت ومرّت بمراحل متعددة عبر حياة اللغة إلى أن وصلت إلى مرحلة النضوج، وخير ما يمثلها الشعر الجاهلي، وفوق ذلك "يمكن أن نتبيّن ظاهرة الإعراب من الحِكم والأمثال الجاهليّة وغير الجاهليّة، لأنّ في الحكم والأمثال ميزة فوق المحافظة على الأصل، وهي المحافظة على كيفيّة النطق بها"[23].

وقد تبنى جبر ضومر مثل هذه الآراء في مجموعة من المحاضرات التي ألقاها تحت عنوان (فلسفة اللغة العربيّة وتطورها)، حيث ذهب إلى أنّ الإعراب ليس من مقومات اللغة، ولا من الأمور الجوهريّة فيها، وقد استدلّ على ذلك بالوقف، فهو من وجهة نظره (جائز كثير الاستعمال ولم يُنقل عن نحوي قطّ أنّه منع جوازه). ويرى كذلك أنّ الإعراب من أغراض اللغة العربيّة (المضريّة)، ولم يعد له حاجة كما كان في السابق، ولكنّه مع ذلك يعود فيناقض نفسه فيقول:"وهو في كثير من المواقف زينة في اللغة إلاّ أنّه قد يكون أحياناً مساعداً على الفهم، ومنع الالتباس"[24].

واللبس الذي وقع فيه الباحث إشارة واضحة على تأكيد أهميّة الحركات الإعرابيّة في بيان المعنى، وإنْ كان ذلك في بداية حديثه، إلاّ أنّه أثبته حيث ذهب إلى أنّه أي الإعراب مزيل للبس أحياناً، ومساعد على الفهم، ولكنّه لم يحدد المقدار الذي يمكننا به اللجوء إلى الإعراب أو تركه، فهل هو عمليّة اختياريّة يلجأ إليها الإنسان في وقت ويتركها في وقت آخر.

ومما يمكن أن يُسجّل على الدعوات السابقة:

1ـ هي كلمات حقّ أُريد بها باطل، لتكون بداية القضاء على اللغة الفصيحة.

2ـ تناسى الباحثون العرب والمسلمون الذين ساروا في هذا الركب أثر تعلّم الفصيحة والتمسّك بها في فهم دستور الأمّة وتعاليم دينها.

3ـ أغفلت هذه الفئة أهميّة الإعراب وقيمته في حفظ الروابط العقليّة والأدبيّة بين الأجيال الحاضرة والأجيال البعيدة.

وقد وقف بعض من الغيُر من أبناء الأمة الإسلاميّة في وجه هذه الدعوات الهدامة، ومن هؤلاء العقاد ـ رحمه الله ـ مدافعاً عن الإعراب، ومبيناً أثره في المعنى. حيث يقول رحمه الله "لقد كان للحركات في العربيّة شأن لا نحيط اليوم بجميع دلالاته ومعانيه، ولكن نلحظه في الإعراب وفي غير الإعراب، ونلحظه في أوّل الكلمة ووسطها كما نلحظه في نهايتها واتّصالها بغيرها، ونرى أنّ الاستغناء عنه يُلجئنا إلى تغيير بنية الجملة كلّها كما تتغيّر بنيتها أحياناً من فعليّة إلى اسميّة، ومن ترتيب مختلف إلى ترتيب مطّرد في جميع التركيب"[25].

ثالثاً: دور المؤسسات المعنية باللغة العربية في البلاد العربية والإسلاميّة في تجذير اللغة العربية هويةً لدى أبنائها.

إن الوضع الذي آلت إليه اللغة العربية الآن في التعليم وفي ميادين الحياة المختلفة يؤكد أن الكثير من المؤسسات التي ينبغي أن تكون معنية بتطوير تعليم اللغة العربية في المدارس والجامعات والحياة بشكل عام، لم تقم بالدور المنوط بها بالشكل المطلوب، وهذا ما سنراه في المناقشات الآتية:

أـ التخطيط اللغوي : يقصد بالتخطيط اللغوي تدخل السلطة السياسية في الميادين اللغوية تدخلاً مباشراً يهدف إلى ضبط جملة من الاختيارات لتنظيم العلاقات بين المجتمع واللغة[26]. فالتخطيط اللغوي عملية فنية معقدة تتطلب العديد من الخبرات البشرية المتنوعة والتي يمكن أن تكون قادرة على وضع رؤية سليمة لوضع اللغة في الاستخدام الأمثل داخل المجتمع. كما تتطلب بناء مؤسسات علمية تقوم على هذا العمل كون العمل الفردي لايحقق المطلوب لأن العمل أكثر من أن يقوم به فرد أو مجموعة محددة من الأفراد. 

ولأن التخطيط اللغوي مرهون بإرادة سياسية فإن من المشكلات التي واجهت العاملين في ميدان التخطيط اللغوي للعربية هو ضعف التشريعات أو عدم تطبيق الصادر منها. من الواضح أن عدداً من الدول العربيية جعلت اللغة العربية اللغة الرسمية، وضمنت ذلك في دساتيرها. وهو أمر محمود بلا شك. كما أن عدداً من الدول العربية أصدرت عدداً  كبيراً من التشريعات والقوانين التي تجعل اللغة العربية اللغة الرسمية في مكاتب الدولة ومؤسساتها. ففي العراق مثلاً، صدر القانون (74 ) عام(1977). كما صدرت قررات أخرى في تونس وليبيا والجزائر. ويعتقد د. زهير زاهد أن صدور القوانين أمر طيب ولكن المهم هو متابعة تنفيذ تلك القرارات[27].

ولكن ـ  للأسف الشديد ـ يبدو أن هناك تهاوناً من قبل المسؤولين في تطبيق هذه التشريعات والقوانين. ولذلك نرى لغة ثانية تزاحم اللغة العربية في كثير من المؤسسات العامّة والخاصّة، وخصوصاً التعليمية والتربوية منها. هذا التزاحم ظاهر أيضاً في الإعلانات الرسمية واليافطات التي تملأ شوارع العواصم والمدن العربية، حتى غدت اللغة العربية خادماً للغة الأجنبية.

   ب ـ دور المؤسسات العربية في التعريب : إن نقل مفردات ومصطلحات أجنبية من لغة إلى أخرى أمر ليس بجديد. فاللغات تستعير من بعضها. وقد استطاعت اللغة العربية يوم أن كانت اللغة العالمية ولغة الحضارة الإنسانية أن تقدم مفردات ومصطلحات إلى اللغات الأخرى ماتزال مستخدمة حتى اليوم. ولما ضعفت الأمة ووقعت في براثن الاستعمار الأجنبي الذي حاول بكل الوسائل فرض لغته على العرب، فقد تبدل الحال وأصبح من الضروري الاستعانة بوسيلة علمية لمتابعة ما يستجد من مفردات ومصطلحات في ميادين العلم المختلفة. ولعل الميدان التقني كان هو الغالب على ذلك. فالأمم التي تصنع وتبدع هي التي تعطي صناعاتها الأسماء من لغتها، وعلى الآخرين أن يفعلوا ما يشاءون للحاق بتلك الأمم.

وقد أنشئت في عدد من البلاد العربية، خصوصا تلك التي وقعت تحت تأثير اللغات الأجنبية، مؤسسات للتعريب. كما أنشئ المكتب العربي الدائم لتنسيق التعريب في الرباط عام 1962 بالإضافة إلى المجامع والأكاديمييات الكثيرة التي تولت عملية التعريب. وقد كان من أهداف تلك المؤسسات نقل المصطلحات والمفردات المعرّبة عن المفاهيم والأفكار الجديدة إلى العربية وفق منظومة البنية الصرفية للغة العربية.

على أن تلك الجهود الخيرة لم تلق العناية والاهتمام والشيوع اللائق بها. فمازالت غالبية العرب تستخدم كلمات أجنبية مثل"التلفون" بدلا من الهاتف، و "التلفاز" بدلا من "الرائي" أو "المرناة"، و "الراديو" بدلا من المذياع. بل أضيفت مصطلحات جديدة  مثل "آي باد" و"كمبيوتر" و"موبايل" وغيرها. ولم يتقصر الأمر على هذه المصطلحات التقنية، بل تعدتها إلى استخدام عبارات المجاملة والتحيّات باللغات الأجنبية.

كما أن بعض الجامعات العربية حاولت أن تعرب كتباً دراسية لاستخدامها في تدريس المواد العلمية على وجه الخصوص، ولكن النتيجة واحدة، إذ تم وضع تلك الكتب المعربة في المخازن ـ هذا إن طبعت ـ أو بقيت مسودات على الأرفف أو في الأدراج. ولطالما تحدث خبراء وعلماء وأساتذة محترمون في هذه المجالات عن أهمية استخدام العربية في العلوم البحتة والرياضيات، إلا أن دعواتهم ذهبت أدراج الرياح. حيث القرار بِيَد الساسة لا بِيَد التربويين المختصين.

ويستعرض قاسم شعبان في مقالة مطوّلة له حول التعريب نشرتْ في  موسوعة اللغة العربية واللغويات تجارب عدد من الدول العربية في شمال أفريقيا على وجه الخصوص. ويشيد قاسم بالتجربة التونسية كونها الأفضل لتوفر الإمكانيات الفنية لتدريب المعلمين وتصميم المناهج للقيام بالمهمة على الوجه الأحسن. وكذلك الحال بالنسبة للتجربة السورية. على أنه يستدرك قائلاً " مع أن  الأهداف كانت نبيلة إلا أن التطبيق الفعلي اتّسم بالنقص والاختلال ولم يؤدّ إلى تطوير وإصلاح حقيقيين للغة، فضلا عن أن التطوير والإصلاح يتطلب وضع معايير للتحديث، كما أن علاقة اللغة العربية بالإسلام وقلة فرص العمل للمتعلمين بالعربية تعدّ مشاكل أخرى تواجه المتعلمين بالعربية وحدها"[28].

ج ـ المجامع اللغوية : تعد المجامع اللغوية حصون العربية. ففي مراحل مبكرة من القرن الماضي سارعت دول عربية مثل مصر والعراق وسورية إلى إنشاء مجامع لغوية، ثم تبعتها دول أخرى مثل الأردن وغيرها. ولمجع اللغة العربية في دمشق قصب السبق في هذا الميدان فقد أسس عام (1919)، وكان من أهدافهالنظر في اللغة العربية وأوضاعها العصرية، ونشر آدابها وإحياء مخطوطاتها، وتعريب ما ينقصها من كتب العلوم والصناعات والفنون من اللغات الأوربية، وتأليف ما  تحتاج إليه من الكتب. وقد وضعت أسسه عام (1921)، وأصبح مؤسسة رسمية عام (1947). ويضع المجمع في رأس ألوياته  المحافظة على سلامة اللغة العربية والعمل على تنميتها ووفائها بمطالب العلوم والآداب والفنونن بالإضافة إلى  المحافظة على سلامة اللغة العربية، والإسهام الفاعل في حركة التعريب، ووضع المصطلحات العلوم والآداب والفنون والحضارة[29].

أما في مصر فقد تأسس المجمع رسمياً في عام (1932) باسم مجمع اللغة العربية الملكي، ثم تحوّل إلى مجمع فؤاد الأول. وكان من أهدافه: عمل المعاجم العربية، وبحث قضايا اللغة، ووضع المصطلحات اللغوية و العلمية[30].

وقد كان لإنشاء تلك المجامع التي يقوم عليها مجموعات كبيرة من علماء العربية والخبراء المختصون في مجالات علمية وإنسانية متعددة هدف واحد هو حماية اللغة العربية من خلال تطوير المعجم العربي وتقديم النصح والمشورة للمؤسسات التعليمية العربية في مجالات تهمّ تلك المؤسسات كالتعريب.

وقد كان أن قامت تلك المجامع بمحاولات جادة في سبيل تحقيق أهدافها. ويبدو أن كثيرا من المشروعات التي حاولت المجامع تنفيذها لم تجد طريقها إلى التحقق لأسباب عديدة.

وقد واجهت هذه المجامع العديد من التحديات، ولعل في تجربة المجمع اللغة العربية الأردني ما يفيد. ففي محاضرة للدكتور همام غصيب عضو المجمع، يعدد جملة من التحديات التي واجهت عمل المجمع، ومنها: المعارضةُ الحادّة التي تعرّضْنا لها من عددٍ كبير من الزّملاء، بسبب الخوف من خوض غمار هذه التجربة. ومنها أيضا أن الترجمة عمل يخلو من الإبداع، إضافة إلى انشغال المدرسين بالتدريس والبحث فضلاً عن الأمور الإدارية. كما أن قلة الموارد المالية مشكلة أخرى، حيث إن مثل هذه الأعمال تحتاج إلى توفير مبالغ مالية كافية. أما عن الكفاءات المناسبة للعمل في مثل هذه المشروعات، فيرى غصيب أنها قليلة ونادرة[31].

التوصيات: من خلال اختبار الفرضيات التي قامت عليها الدراسة خلصتْ إلى التوصيات الآتية:

$1·           إعادة النظر في استخدام اللغات الأجنبية في التعليم في مستوياته المختلفة، بحيث لا يؤثر ذلك على استخدام اللغة العربية في التعليم.

$1·           إنشاء مراكز بحث لدراسة الظواهر السلبية على تعليم اللغة العربية.

$1·            تأهيل معلمي اللغة العربية بشكل يخدم اللغة ومتعلميها على أسس تربويه معاصرة.

$1·           وضع سياسة معينة للتعامل مع تعليم اللغات الأجنبية (الإنجليزية، والفرنسية) في مراحل التعليم المبكر في المدارس العربية.

$1·            ربط التعليم اللغوي بالثقافة العامة للأمة العربية والإسلاميّة.

$1·            تعزيز الوعي اللغوي والانتماء إلى الأمة ولغتها الأم على جميع المستويات.

$1·      تفعيل القوانين والتشريعات الصادرة في الكثير من الدول العربية بخصوص ضرورة استخدام اللغة العربية كلغة رسمية في المؤسسات والدوائر.

$1·      إعادة النظر في الشعر النبطي، وإطفاء صولجان الدعاية و الإعلان الذي يُعلي من شأنه على حساب الفصيح وماله من أثر سلبي على اللغة العربية.

$1·            فرض دورات تعلم اللغة العربية على جميع أبناء الجنسيات غير العربية الداخلين إلى البلاد العربية، وتطوير مناهجها وتدريب معلميها.

$1·     تنبيه المؤسسات التعليمية العليا في البلاد العربية إلى ضرورة اتخاذ خطوة جريئة إزاء اختبار (التوفل) الإلزامي في الدراسات العليا في التخصصات الإنسانية، والاستعاضة عنه بآخر باللغة العربية.

$1·           تعزيز جانب الترجمة بين اللغة العربية وغيرها من اللغات.

$1·            تعزيز دور المجامع اللغوية العربية ودعمها ماديا ومعنويا.

$1·           وضع تشريعات تحد من انتشار الأسماء الأجنبية في المجتمعات العربية على حساب اللغة العربية.

الهوامش:



[1]ـ الجرجاني، الشريف.  التعريفات، تحقيق: غوسطافوس فلوجل، مكتبة لبنان، (1987)، ص314.

[2]ـ مكشيلي، أليكس. جريدة الأسبوع العربي، العدد (1052، 12/ 4/ 2007).

[3]ـ الدوريي، عبد العزيز.  الهوية الثقافية العربية والتحديات، مجلة المستقبل العربي م 10/ 99 /ص6.

[4]ـ الجابري، محمدعابد.  تشكّل الهوية العربية، مقال منشور،موقع الجابري.

[5]ـ السيد، محمود. اللغة والهوية، مجلة مجمع اللغة العربية، دمشق، م85، ج3،/ ص642.

6. JosephJohn , E. language, and identity, national, ethnic, religious. McMillan: NY. 2004. (P.12)19-

[7]ـ ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، تحقيق عبد الواحد وافي، نهضة مصر للطباعة والنشر، (2004)،ج4، ص1146.

[8]ـ السيد، محمود أحمد. اللغة والهوية، ص648.

[9] ـ Suleiman. Y. The Arabic and national Identity. Georgetown  University Press. Washington DC. 2003. P. 31.

[10]ـ أبو سليمان، عبد الحميد. بين المنهجية والأداء التربوي، إسلامية المعرفة، العدد 29، (2003)،ص153.

[11]ـ الدوري. الهوية الثقافية العربية ، ص6.

[12]ـ الثعالبي، أبو منصور، فقه اللغة، تحقيق: مصطفى السقا، مطبعة باب الحلبي، ط3، ص21.

[13]ـ السيوطي، جلال الدين، المزهر في علوم اللغة، ت: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1/ 475.

[14]ـ السيوطي، المزهر، ج2/ 261.

[15]- ابن خلدون، عبد الرحمن، مرجع سابق، ج3/  ص830.

[16]- عوض بن حمد القوزي، تبسيط استخدام اللغة العربيّة، جمعيّة حماية اللغة العربيّة، الشارقة، ط1(1422)، 3.

[17]ـ  محيي الدين صابر، الثقافة العربية وتحديات المستقبل في المثقف العربي،نشر مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، (1995).

[18]- عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العام، مؤسسة الرسالة، ط5(1988)، ص255ـ 270.

[19]بلغيث، سلطان. واقع إسهام الفضائيات العربية في نشر الثقافة العربية الإسلامية: دراسة ميدانية من وجهة نظر عينة من الشباب الجامعي. موقع الإلكتروني  (http://www.alriyadh.com/2007/05/13/article249196.htm)

[20]- برهومة، عيسى. اللغة والتواصل الإعلاني مثل من انتشار الأسماء الأجنبية في اللافتات التجارية في الأردن ، مجلة  مجمع اللغة العربية الأردني – العدد 67 – (2005).

[21]ـ الفيصل، سمر روحي، قضايا اللغة العربية في العصر الحديث، الإمارات العربية المتحدة، مركز زايد للتراث والتاريخ، (2007)، ص46.

[22]- إبراهيم أنيس، أسرار العربيّة،  مكتبة الأنجلو المصريّة، ط5، (1975)،197.

[23]- عبد الله الخثران، ظاهرة التصريف الإعرابي في العربيّة وأهميتها، مجلّة كليّة اللغة العربيّة والعلوم الاجتماعيّة، ع6/ 1976، ص170.

[24]- ضومر،جبر، فلسفة اللغة العربيّة وتطوّرها، طبع بمطبعة المقتطف والمقطم، (1958)، ص113ـ 114.

[25]- العقاد، عباس محمود، بين الكتب والناس، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1(1966)، ص 440ـ 441.

  * يُقصد بالمؤسسات المعنيّة: مجامع اللغة، ووزارات التعليم العام والعالي.

[26]. – كالفي، لويس. حرب اللغات و السياسات اللغوية. ترجمة حسن حمزة. بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 2008.

[27]ـ زاهد، زهير. مصدر سابق، ص13.

[28]ٍـShaban, Q.  In Versteegh, K. Ed. Encyclopedia of Arabic language and linguistics. Leiden: 2007.

[29]ـ موقع إلكتروني: (http://www.iraqacademy.com/PageViewer.aspx?id=2)

[30]ـ موقع إلكتروني: ( http://www.sis.gov.eg/VR/acadmy/html/acadmay07.htm).

[31]ـغصيب، همام. تجربة مجمع اللغة العربية الأردني في تعريب التعليم الجامعي: الإنجازات والصعوبات، والتحديات. المحاضرة الخامسة في الموسم الثقافي لمجمع اللغة العربية الأردني لسنة (2007).

قائمة المراجع:

أولاً: المراجع العربيّة:

ـ إبراهيم أنيس، أسرار العربيّة،  مكتبة الأنجلو المصريّة، ط5، (1975).

ـ ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، تحقيق عبد الواحد وافي، نهضة مصر للطباعة والنشر،

(2004).

ـ أبو سليمان، عبد الحميد. بين المنهجية والأداء التربوي، إسلامية المعرفة، العدد 29، (2003).

ـ برهومة، عيسى. اللغة والتواصل الإعلاني مثل من انتشار الأسماء الأجنبية في اللافتات

التجارية في الأردن ، مجلة  مجمع اللغة العربية الأردني – العدد 67 – (2005).

ـ الثعالبي، أبو منصور، فقه اللغة، تحقيق: مصطفى السقا، مطبعة باب الحلبي.

ـ الجابري، محمد عابد.  تشكّل الهوية العربية، مقال منشور،موقع الجابري.

ـ الجرجاني، الشريف.  التعريفات، تحقيق: غوسطا فوس فلوجل، مكتبة لبنان، (1987)،

ص314.

ـ الدوريي، عبد العزيز.  الهوية الثقافية العربية والتحديات، مجلة المستقبل العربي م 10/ 1999    

ـ السيد، محمود. اللغة والهوية، مجلة مجمع اللغة العربية، دمشق، م85، ج3،/ ص642.

ـ السيوطي، جلال الدين، المزهر في علوم اللغة، ت: فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية،

بيروت.

ـ ضومر،جبر، فلسفة اللغة العربيّة وتطوّرها، طبع بمطبعة المقتطف والمقطم، (1958).

ـ عبد الصبور شاهين، في علم اللغة العام، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط5(1988).

ـ عبد الله الخثران، ظاهرة التصريف الإعرابي في العربيّة وأهميتها، مجلّة كليّة اللغة العربيّة

والعلوم الاجتماعيّة، ع6/ (1976).

ـ العقاد، عباس محمود، بين الكتب والناس، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1(1966).

ـ عوض بن حمد القوزي، تبسيط استخدام اللغة العربيّة، جمعيّة حماية اللغة العربيّة، الشارقة،

ط1(1422).

ـ الفارابي، أبو إبراهيم، ديوان الأدب، تحقيق: عادل الشاطي، بيروت، مكتبة لبنان، (2003).

ـ الفيصل، سمر روحي، قضايا اللغة العربية في العصر الحديث، الإمارات العربية المتحدة،

مركز زايد للتراث والتاريخ، (2007).

ـ كالفي، لويس. حرب اللغات و السياسات اللغوية. ترجمة حسن حمزة. بيروت، المنظمة العربية

للترجمة، (2008).

ـ محيي الدين صابر، الثقافة العربية وتحديات المستقبل في المثقف العربي،نشر مركز دراسات

الوحدة العربية، بيروت، لبنان، (1995).

ـ مكشيلي، أليكس. جريدة الأسبوع العربي، العدد (1052، 12/ 4/ 2007).

ثانيا: المراجع الأجنبيّة

1- JosephJohn , E. language, and identity, national, ethnic, religious. McMillan: NY. 2004.

ٍ2-Shaban, Q.  In Versteegh, K. Ed. Encyclopedia of Arabic language and linguistics. Leiden: 2007.

3-Suleiman. Y. The Arabic and national Identity. Georgetown  University Press. Washington DC. 2003. P. 31.

ثالثاً:المواقع الألكترونيّة

)1-(http://www.iraqacademy.com/PageViewer.aspx?id=2

2-http://www.sis.gov.eg/VR/acadmy/html/acadmay07.htm.

3-http://www.alriyadh.com/2007/05/13/article249196.htm)

بلغيث، سلطان. واقع إسهام الفضائيات العربية في نشر الثقافة العربية الإسلامية: دراسة ميدانية من وجهة نظر عينة من الشباب الجامعي. موقع.