أدب المناقب : المفهوم والجذورpdf

أ. أيوب بن حـوّد  

أ.د. بلقاسم مالكية

جامعة قاصدي مرباح ورقلـة (الجزائر)

الملخص:

لقد حظي الأدب العربي بدراسات وافرة، كان هدفها استجلاء أهم الظواهر، والموضوعات التي يحفل بها هذا التراث الزاخر، بيد أن هذه الدراسات على كثرتها لم تخرج عن إطار البحث في أجناس أدبية محددة، وموضوعات مكرورة؛ فأغفلت بذلك أشكالا تعبيرية أخرى تبدو لصيقة بالأدب العربي، ومن جملتها أدب المناقب؛ الذي كثرت فيه التآليف، والتصانيف حتى شكلت ظاهرة تستحق البحث .

Resumé:

Arab literaure have celbrated a rich scruting theaim of this scruting have been to extracte thour atic and other variosaspects of this litrature, howerver,the exisisting literature serus to focus only on differeut geures and reiterated thures . as a result, other aspects have been devited interst such as virtures literature .        

أ- مفهوم أدب المناقب :

المناقب لغة: تحدث صاحب اللسان بإسهاب عن مادة " نقب" ومما جاء في ذلك : " نَقَبَ : النَّقْبُ : الثَّقْبُ في أَيّ شيء كان، نَقَبَهُ يَنْقُبُهُ نَقْباً، والمَنْقَبُ والمَنْقَبَةُ، كالنَّقْبِ  والمَنْقَبُ والنِّقَابُ : الطريق في الغلظ.

والمَنْقَبَةُ : الطريق الضيِّق بين دارين، لا يُستطاع سلوكه، والنَّقيبة : النَّفْسُ؛ وقيل: الطبيعة وقيل : الخَلِيقَة.  

ونَقَّبَ عن الأخبار وغيرها : بَحَثَ؛ وقيل : نَقَّبَ عن الأخبار: أَخْبَرَ بها، وفي الحديث : إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلوبِ النَّاس أي أُفَتِّشَ وأَكْتَشِفَ.

وقولهم : في فلان مناقب جميلة أي أخلاق، وهو حسن النَّقيبة أي جميل الخَلِيقة،   وإنما قيل : للنَّقيب نقيب لأنه يعرف دخيلة أمر القوم، ويعرف مناقبهم، وهو الطريق إلى معرفة أمورهم.

قال: وهذا الباب كله أصله التأثير الذي له عمق ودخول؛ ومن ذلك يُقال : نَقَبْتُ الحائط أي بلغت في النَّقْبِ آخِره"[1].

ونخلص بذلك إلى أن "المناقب" في معناها المعجمي هي: اسم جامع لكل ما حسن من أقوال، وأفعال، وخصال؛ وهي مرادف للمآثر والفضائل والمفاخر،وجماعها الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة.

المناقب اصطلاحا: إن المناقب مفهوم واسع، يمثل مجموعة من السياقات تسود وقائع وأحداث تتصل بسيرة شخصية أو مجموعة من الشخصيات أشتهر جميعها بصدق الطوية وصلاح السلوك تأصيلا للموعظة وإثمارا لنهجها الفاضل القويم. وليس المقصود بالفضيلة مدلولها الأخلاقي فحسب بل جميع الخصال التي اعتبر بها العامة من الناس وأولاها مخيالهم مكانة خاصة[2]. ومن بين تلك الخصال ميز"Michel de Certeau"الثقة في الله وصلابة الإيمان والصبر ورباطة الجأش والتغلب على مساوئ النفس وكبح شهوتها"[3]. والمناقب يهذا تمثل أخبارا وحكايات تبرز محاسن، ومآثر، وفضائل الأعلام والنابهين...وقد شهد هذا المصطلح مناقب على مر الأوقات  نوعا من التطور انتهى به إلى الاقتران بمعنى خصال القدوة في فعل الخير، والجرأة على صونه، وحمل الناس على الاهتداء به فهي نماذج القدوة القيمية والسلوكية التي يسعى الإنسان دوما إلى اتخاذها مُثُلا عُليا يهتدى بها[4].

وفي ظل التطور الذي شهده مدلول هذه الكلمات"مناقب"نجدها تُطلق على "مؤلفات تراجم ذات صبغة تمجيدية ارتبطت في مرحلة من مراحل تطورها في نطاق الحضارة الإسلامية بالحديث عن سير الأولياء وكراماتهم[5].

والملاحظ أن كلمة"مناقب" بهذه الصورة تحمل معنيين، فهي تدل من جهة على مزايا المترجم له من أخلاق، وفضائل، ومفاخر، كما تدل على كل التصانيف، والمدونات التي تعتني بهذا النوع من الموضوعات والمضامين.

وفي سياق هذه التحولات سجل شارل بلا ( Charles Pellat )   أن كلمة مناقب تطورت من الدلالة على الفضائل والأعمال المحمودة التي يمكن أن تتجسد في سيرة شخص من الأشخاص إلى الدلالة على الخوارق والكرامات التي تنسب إلى الأولياء وذلك بحكم ازدهار التصوف والاهتمام بالمظاهر العجيبة، وقد صارت التآليف التي تهتم بتلك الموضوعات، تبعا لذلك، تحمل تسمية مناقب في الغالب الأعم[6].

والمستقرئ لمراحل الكتابة  التاريخية العربية وأشكالها التعبيرية المختلفة يجد أن المناقب، والتي تندرج ضمن أدب السير والتراجم بشكل عام" قد انتقلت من دلالتها على مطلق الأفراد إلى اختصاصها بالأفراد الدينيين لذلك نجد مناقب صيغت حول الفقهاء الكبار أصحاب المذاهب مثل مالك بن أنس وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل[...] ومناقب حول رواة الحديث وكبار الحفاظ مثل البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجة والترمذي مثلما نال التكريم نفسه كبار الزهاد والمتصوفين فلهم بدورهم كتب تروي سيرهم وكراماتهم وأقوالهم"[7]. ولكن كلمة مناقب التي صارت تدل في الغالب الأعم  على الخوارق والكرامات المنسوبة إلى الأولياء والمتصوفة لا تقتصر على هذه الفئة، لأنها-كلمة المناقب-" قد تستخدم في كتب التراجم للدلالة على مزايا المترجم له الاجتماعية والأدبية. فمن ذلك استعمال لسان الدين بن الخطيب لكلمة"مناقب" في كتابه" الإحاطة في أخبار غرناطة" عندما تحدث عن المجال الذي يتفرد به العلم المترجم له، مثل ترجمته لأحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي، فقد ورد تحت عنوان (مناقبه) قول ابن الخطيب (وهي الكتابة والشعر)[8] .

وتأسيسا على ما سبق نقول: إن مصطلح  المناقب يطلق ، ويراد به معنيين:

- أما الأول:فهو المعنى العام: ويشمل كل المؤلفات التي اعتنى واضعوها بإبراز الفضائل، والمآثر، والمحاسن بوجه عام دون التركيز على مجالات بعينها أو موضوع بعينه.

- والثاني فهو المعنى الخاص:ويختص بالمؤلفات التي اهتم أصحابها بنوع خاص من الشخصيات الدينية، هي شخصيات الأولياء، من المتصوفة ويلتقي هذان المعنيان- العام والخاص- رغم اختلافهما حول قاسم مشترك وهو إبراز الفضائل، والمفاخر والمحاسن بهدف التمجيد.

ونخلص بناء على ما سبق – إلى أن المناقب مفهوم جامع لكل الأخبار والحكايات التي تعدد مآثر ، ومحاسن، ومفاخر، الأعلام والنابهين من الأولياء، والعلماء، والصالحين، والأمراء، والوزراء، والسلاطين، وأهل الشرف، والفضل أجمعين بهدف تمجيدهم، وذكر محاسنهم، رغبة في التأسي بهم، والاقتداء بسيرهم.

"وغني عن البيان ما تعرب عنه التسمية بالمناقب من دلالات في هذا المجال وإن كانت بعض المؤلفات في هذا السياق قد تبنت تسميات أخرى موازية"[9].

والمستقرئ للتأليف المنقبي في التراث العربي الإسلامي عامة، والمغربي على وجه الخصوص، يجد أن هذا الشكل الكتابي أو "ما يمكن تسميته بــ(جنس منقبي) " Le genre Manakib" لا يمكن عزله عن أجناس كتابية أخرى بسبب التداخل في المؤلفات التي وضعت للتنويه بالأشخاص"[10].

وهذا التقاطع  بين هذا الجنس الأدبي- إن صح التعبير- وهذه الأشكال الكتابية الموازية أو النصوص الغيرية المتداخلة معه يجعلنا نتساءل، ما هي حدود الائتلاف والاختلاف بين هذا المصطلح (المناقب)، والمفاهيم المجاورة له؟.    

فهناك من يعتبرها " خـرافات أو حكايات خرافيــة أو كرامات أو أساطير أو خوارق إلى غيرها من النعوت والصفات"[11].

فهل هي خُرافات أو حكايات خُرافية؟

إن الحكاية الخُرافية " تشير إلى فن قصصي يدل على أحداث خيالية مروية على لســان الحيوان أو للدلالة على أحداث عجائبية أوغرائبية خارقة أو أحداث مع الجان"[12]. إضافة إلى أن الحكايات الخُرافية عادة تدور حول شخصيات عامة غير معروفة، في أزمنة وأمكنة مجهولة.

وهكذا نلاحظ أن الحكايات الخُرافية  تتقاطع مع المناقب في بعدها العجائبي  خاصـة  ومع ذلك فإننا نستبعد إدراجهما في حقل واحد وذلك لسببين :

أولا : إن المناقب تتحدث عن أحداث واقعية ولا علاقة لها بالخيال، وإن شابها بعــض الغلو والمبالغات.

ثانيا : إن المناقب تتحدث عن شخصيات معروفة لها وجود حقيقي في التاريخ، وأزمنة وأمكنة معلومة.    

فهل هي كرامات ؟   

إن الكرامـة بوصفها "ظهور أمر خارق للعادة من قِبَلِ شخص غير مقــارن لدعـوى النبوة مقرون بالإيمان، والعمل الصالح" في مقدمة الأشكال التعبيرية التــي يصعب تمييزها عن المنقبة، وهو ما دفع بعض الدارسين إلى عدم الفصل بينهما أصلا.  

بيد أننا نعتقد أن المنقبة أشمل من الكرامة لاعتبارين أساسيين، وهما :

أولا : أن المنقبة تدل على كرم الفعل، والخُلُق الحسن، وهي معاني واسعة، ولا يعِزُّ   وجودها في حياة الناس، بينما الكرامة في دلالتها على الأمر-"الخارق للعـادة الذي يظهر على عبد ظاهر الصلاح في دينه متمسك بطاعة الله في أحواله"[13] - تقتصر على معاني أكثر تحديدا، و شيوعها نادر بين الناس. 

ثانيا : أن المنقبة لا تختص بفئة معينة من المجتمع، وإن كان الغالب ارتباطها بالعلماء، والصالحين.  في حين تقتصر الكرامـة على فئة الأولياء دون سواهم.  

فهل هي أساطير؟

إن الأسطورة "بوصفها مجموعة الحكايات الطريفة المتوارثة منذ أقـدم العهود الإنسانيـة، الحافلة بضروب مـن الخـوارق والمُعجزات التي يختلط فيها الخيال بالواقع، ويمتـزج عالم الظواهر بما فيه من إنسان وحيوان ونبات ومظاهر طبيعية بعالم ما فوق الطبيعة من قوى غيبية اعتقد الإنسان الأول  بألوهيتها"[14].

نلاحظ أن الأسطورة بهذا المفهوم وإن اشتركت مع المناقب في احتوائها على جملـة من الحكايات الطريفة والمتوارثة الحافلة بضروب من الخوارق فإنها تختلف معها اختلافا بيِّناً في ارتباطها بالخيال، وعالم ما فوق الطبيعة من قوى غيبية اعتقد فيها الإنسان الأول اعتقادات باطلة تنافـي خصوصية الثقافة الإسلامية، هذا الفضاء الذي نشأ فيه هذا الشكل من النصوص، إضـافة إلى أن الأسـاطير رديف لكل ما هـو باطل وغير حقيقي، وليـس الأمر كذلك مع المناقب.

فهل هي خوارق؟

الخارق لغة: جاء في اللسان: خرِقَ، الخرْقُ: الفُرْجَةُ والخرْقُ الشق في الحائط والثوب ونحوه[...] والخَرَقُ، بالتحريك الدّهَشُ من الفزع أو الحياء وقد أخرقته أي أدهشته، وقد خرِقَ بالكسر، خرْقا، فهو خرقٌ:دهِش وخرِقَ الظبي: دَهِشَ فلَصِقَ بالأرض ولم يقدر على النهوض، وكذلك الطائر إذا لم يقدر على الطيران جَزَعاً، وقد أخرقه الفزعُ فخرق".

وبهذا نجد أن مادة الخرق في اللغة لا تخرج عن معنى الدهشة والحيرة التي يثيرها الأمر الخارق في نفس الإنسان.

1-5-2 الخارق اصطلاحا:"الخارق في عُرفِ العلماء هو الأمر الذي يخرق بسبب ظهوره العادة"[15]، "والخارق للطبيعة كلما استخدمه الأديب من مظاهر خارقة لا يقبل بها العقل المثقف من جان وعفاريت[...]، أو ما ينسب إلى المتصوفة والقديسين من أعمال لا يقبل بها العقل"[16].

"والخارق للطبيعة( Super Natural) يعني في الآداب الغربية كل نص أدبي يوحي إلى القارئ بقوى عُليا متصرفة لا يدركها الإنسان وقد تثير في نفسه الرهبة والإحساس بالغرابة، ولا حول له فيه ولا قوة، وقد لعب هذا المفهوم دورا كبيرا في فنون مختلفة من الأدب"[17] .

إن هذه التعريفات تبرز أن الخارق في عُرف العلماء هو كل أمر تجاوز نواميس الطبيعة، وسنن الكون، وأثار عند حدوثه الدهشة والرهبة في نفس الإنسان، والخارق بهذا المعنى يشكل أحد مكونات المنقبة، لأن المناقب باعتبارها أخبارا وحكايات هي أشمل وأعم من الخوارق التي تمثل عنصرا من عناصرها، وإن كنا لا نجزم بأن الخوارق مكون دائم الحضور في نص المنقبة.

فهل هي تاريخ؟

إذا علمنا أن "التاريـخ ذلك العِلم الذي تُعرف به أحوال الماضيين من الأمم الخاليـة من حيث معيشتهم، وسيرتهم، ولغتهم، وعاداتهم، ونظمهم، وسياستهـم، واعتقاداتهـم وآدابهم حتى يتم بذلك معرفة أسباب الرُّقي والانحطاط في كل أُمَّة وجيل "[18].

إن التاريخ يختلف عن المناقب من ثلاثة أوجه :

أولهما : إن التاريخَ عِلمٌ، والمناقب لا ترقى إلى درجة العِلم.

ثانيهما : إنهدف التاريخ تقديم صورة شاملة عن الحياة في ظروف زمنية محددة بينمـا يقتصر دور المناقب على إبراز جزء مُضيء في حياة عَلَمٍ من الأعلام.     

ثالثهما : إن التاريخ يحرص على ربط كل حدث بزمنه المحدد بدقة، وليست هذه مــن أولويات المناقب.

وتأسيسا على ذلك فإن المناقب لا يمكن اعتبارها تاريخا وإن اشتركت معه في بعض الخصائص. 

فهل هي تصوُّف؟

إن من معاني "التصوُّف الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا، فيرى حُكمها من الظاهـر في الباطن، وباطنا فيرى حكمها من الباطن في الظاهر، فيحصل للمُتأدِّب بالحُكميــن كمال، وقيل : بذل المجهود والأنس بالمعبود، وقيل : حفظ حواسِّك من مراعاة أنفاسك وقيل : الإعراض عن الاعتراض، وقيل : هو صفاء المُعاملة مع الله تعالى، وأصلــه التفرُّغ عن الدنيا، وقيل : الصَّبر تحت الأمر والنَّهي، وقيل : خِدمة التشـرُّف  وتـرك التكلُّف، واستعمال التظرُّف، وقيل : الأخذُ بالحقائق والكلام بالدَّقائق والإياسُ ممـا فـي أيدي الخلائق" [19].

وهكذا يبرز لنا أن "معظم تعريفات التصوُّف ـ مهما اختلفت صيغتها ـ تتفق في عدِّ المُتصوِّف عبدا صالحا يزهد بالدنيا من أجل الآخرة.   

ودائرة الصلاح التي ينتمي إليها الصوفي هي نفسها التي تنتمي إليها المناقـب "ذلك أنها هبة من الله لمن شاء من عباده الصالحين"[20] 

وهكذا نلمس أن التصوُّف يُعدُّ أقرب الحقول المعرفية للمناقب، لأن البيئة الصوفيـة مثَّلت أرضا صالحة لنشأة هذا الصنف من الأشكال التعبيرية، لذا شاع في أدبياتنا ارتباط المناقب بالمتصوِّفة والزُّهَّاد والصالحين، ومع ذلك فإن قصر المناقب على فئة المتصوِّفة دون سواهم أمرٌ لا يخلو من شطط؛ لأن المناقب " قد تُستخدم للدلالة على مزايا المُترجم له، الاجتماعية والأدبية.  فمن ذلك استخدام لسان الدين بن الخطيب للكلمة في كتابــه (الإحاطة في أخبار غرناطة) عندما تحدَّث عن المجال الذي يتفرَّد به المُترجم له، مثـل ترجمته لأحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي، فقد ورد تحت عنوان (مناقبه) قــول ابن الخطيب : (وهي الكتابة والشِّعر)"[21].

ولأجل هذا فإن "نص المنقبة لا يمكن اعتباره منغلقا على نفسه، بل يبقى منفتحـا على أدوات ووسائل النصوص الأخرى والتي لا يتردد في إدماجها في بنيتـه، وهذا  ما يضمن للمنقبة سلطتها وتأثيرها"[22].

ونخلص بذلك إلى أن "أدب المناقب" مفهوم واسع يشمل أخبار وحكايات الصالحين ومزايا الأعلام والنابهين حـوى مآثرهم، وفضائلهم، وأخبارهم، وأشعارهم بهــدف تمجيدهم وذكر محاسنهم، ورغبة في التأسّي بهم، والاقتداء بسيرهم لمن يأتي بعدهـم، ويبقى عصيّا على مسألة التجنيس، لأنه في جوهره مدح، وليــس بمدح، يحمـل بعض سمات الرثاء وليس برثاء، يتقاطع مع أشكال تعبيرية كثيرة، ولا يُنسب إليها.

ونميّز في دراستنا هذه بين أدب المناقب  ومصطلحين أدبيين آخرين كثيرا ما يقع الخلطٌ بينهما، ونعني بهما : الترجمة والسيرة.

لذا نقول : إنّ " أدب المناقب" رغم الروابط العديدة التي تجمعه بكل من الترجمــة والسيــرة إلا أن له خُصوصيته التي تهبه تميُّزَه.

لأن الترجمة كمفهوم " هي التأريخ للأعلام المبدعيـن في النتاج العلمـي والأدبي وهو فن قائم بذاته "[23].

وهي كمصطلح" نستعمله إذا تناولت الدراسة الواحدة أكثر من شخص"[24]

أما السيـــرة : فهي : " نوع من الأدب يجمع بين التحرّي التاريخي، والإمتـاع القصصي ويُراد به دراسة حياة فرد من الأفراد، ورسم صورة دقيقة لشخصيته "[25].         

وهي كمصطلح " نستعمله إذا تناولت الدراسة الواحدة شخصا واحدا وكان محورها"[26].

ويتجلّى تميّز " أدب المناقب " عن كل من الترجمة والسيــرة ـ في نظرنا ـ من ثلاثة أوجه، وهي :

أولا : من حيث الأسلوب : تقتصر كتب المناقب في عمومها على ذكر المحاســن والفضائل؛ بمعنى أنها تركّز على الصفحات المضيئة في حياة المترجم لهم، ولا يهمها تتبع تفاصيل الحياة كما تفعل الترجمة والسيرة.      

ثانيا : من حيث اللغة : تستند لغة الكتب المناقبية ـ عادة ـ إلى لغـــة الخطاب الصوفي،  وهو ما يجعلها تنزع إلى اللغة الأدبيـة، بينما تعتمد الترجمة والسيـرة لغة علمية تقريرية غالبا.     

ثالثا : من حيث المحتوى : يشكّل حشد الأخبار والقصص، والحكايات، والعجائب والغرائب خاصية مميزة تطبع كل كتاب مناقبي تقريبا، في حين تركّز الترجمة والسيـرة على الحقائق التاريخية المتعلقة بالشخصية أو الشخصيات المحورية.

ولذلك كانت ثوابت الترجمة المنقبية – وإن تماثلت مع عامة الثوابت في الترجمة التاريخية والأدبية – تعكسها حيثيات خاصة، ويزيد في خصوصيتها نموذج الصياغة، وتوفر المادة، وتركيب بناء الترجمة المنقبية عند هذا المؤلٍّف أو ذاك .

ويمكن رصد الثوابت العامة في الترجمة المنقبية في مايلي : 

أولا: التعريف بالأصل، والنشأة وظروف الولادة والمشيخة التي استفاد منها، ووراثة سر شيوخها وعرض أسانيد طريقته .

ثانيا : عرض المواقف والأخبار مما يبرز فيه عنصر الكرامة .

ثالثا : عرض ما يمثل الثقافة الصوفية عند الشيخ مما يفسره من القرآن والحديث وكلام القوم ولا سيما ما أشكل منه .

رابعا : عرض ما صدر من منه من كلام يعبر به عن مواجده وتمكنه في الطريقة .

خامسا : إيراد لوائح الأتباع ممن حصل لديهم الانتفاع بالشيخ، والتعريف بهم .

سادسا : عرض ما صدر من الشيخ، من إنشاد منه أو بحضرته .  

سابعا : ما قيل في الشيخ من أشعار، مدحا أو رثاءً .

وضمن هذه الثوابت تتولد الأبواب والفصول في كتب المناقب لتجري عليها، فتقوم تسمية هذه الثوابت في عدد من الأبواب والفصول . قد يكثر عددها، وقد يقل .

   

ب: التأليف المنقبي في التراث الإسلامي :    

لا شك أن حفظ آثار السابقين، ومناقب العلماء، والأولياء، والصالحين، وسير الملوك والأمراء، والسلاطين مهمة نبيلة  تضمن تحقيق التواصل بين الأجيال.

فهل كان هذا الدافع الوحيد وراء التأليف في موضوع المناقب ؟    

نعتقد أن الدوافع أكثر من أن يتم حصرها في سبب واحد،ويأتي في مقدمتها :

أولا : الدافع الإخواني: يشير كثير من مؤلِّفي كتب المناقب في مقدمات كتبهم إلى أنها كانت بطلب من قريب، أو صديق، أو حبيب، أو مجموعة من الناس، كما حدث مع المقَّري  مثلا في كتابه "نفح الطِّيب" الذي كان بطلب من أهل دمشق حينما حدَّثهم المقَّري عن أديب الأندلس الشهير "لسان الدين بن الخطيب" فألحُّوا عليه في تأليف كتاب يجمع أخبار هذا الأديب، فلبَّى نداءهم، والحادثة نفسها تقريبا تتكرر مع كتابه الآخر"أزهار الرياض "وهو الذي ألفه تلبية لطلب سكان بلده تلمسان الذين رغبوا في مؤلَّفٍ يضم أخبار ومناقب عَلَم  المغرب الأشهر في زمانه "القاضي عياض" فأجابهم المقَّري إلى ذلك بتأليف كتابه الثاني "أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض".

ثانيا : الدافع السياسي : والمطَّلع على كتب المناقب لا يكاد يخفى عليه البعد السياسي في كثير منها؛ كونه يظهر من خلال عناوينها الموشَّحة بأسماء الملوك والسلاطين، كما هو الحال مع مؤلفات : المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية، ومواهب اللطيف  في فضل المقام الشريف في مناقب السلطان قنصوه الغوري، وغيرها.  

ويظهـر أن أغلب هذه الكتب كان إما بطلب من السَّاسة (الملوك والسلاطين)، أو رغبة من أصحابها في التقرُّب إليهم.

إضافة إلى الصراع المذهبي الذي نشأ بين الفرق الإسلامية أو ما اصطلح على تسميته بالفتنة الكبرى، خاصة بين السنة والشيعة.

وهكذا بدأت كتابة المناقب في فضائل الخلفاء الراشدين في التراث السني في مقابل التراث الشيعي الذي يقدس علي والأئمة. إلا أن كتب المناقب السنية لم تلبث أن عرفت تنوعا في عصور التخلف والتقليد، إذ لم يقتصر الأمر على تزايد التقديس للخلفاء الراشدين، وإنما ضموا إلى دائرة المناقب أئمة المذاهب الفقهية، حيث انعدم الاجتهاد وانحصرت الحياة العقلية في ترديد ما قاله الأئمة، وأفضى ذلك إلى دخول شيوخ التصوف في مجال المناقب، فكتبوا مصنفات في مناقب وكرامات شيوخ التصوف. وأصبح ذلك عنصرا أساسيا في تديُّن المسلمين وحياتهم الفكرية يعبر عما يسمى بعبادة الأبطال"[27].   

ثالثا : الدافع الدّيني : في الحقيقة المجتمع الإسلامي "مجتمع ديني بطبعه يسعى إلـى الالتزام بالنص (القرآن الكريم والحديث الشريف)، والاقتداء بالنموذج (النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين ومن صلح من التابعين).  وهذا كان يقتضي ضرورة الحفاظ على كلا النمطين (النص والنموذج)، ليُستطاع العودة إليهما دائما، بعدِّهما المنهاج الذي يُفترض بالمسلم إتباعه. وقد استحدث للنص ما يُلائمه من شروط؛ من خلال تدويــن القرآن الكريم واعتماد نُسخة مُوحَّدة منه في سائر الأقطار.     

وكذلك الأمر مع الحديث الشريف الذي ظهرت من أجله علوم خاصة،كعلمي الجرح والتعديل، أما النمط الثاني وهو (النموذج) فقد كانت السبيل إلى المُحافظة عليه هــي: سيرة النبي(ص)، وسيرة الخلفاء الراشدين؛ لتبقى تلك السّير نمــاذج في التأليف تقاس عليها أفعال المسلمين.

ولأجل هذه الغاية جُعلت كتب المناقب التي كانت تسعى، أول ما تسعى إلى تثبيـت النموذج الأصل، حيث ينبغي لكل إمام أن يعرف حال إمامه الذي قلّده، ولا يحصل ذلك إلا  بمعرفة مناقبه وشمائله وفضائله وسيرته وصِحَّة أقواله"[28].

  كما أن القرآن الكريم؛ وهو النص المقدّس الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بما له من مكانة خاصة في قلوب المسلمين؛ نجده يحتوي على إشارات كثيرة تحُضُّ على الاستفادة من قصص الأنبياء والمرسلين.

قال الله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنَ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود : 120]. وهذا "ليكون له بمن مضى من إخوانه الأنبياء أسوة "[29] ولعامَّة المسلمين من بعده. وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنِّه كَانَ صِدِّيقا نَّبِيًا﴾ [مريم : 41]. وقال  الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيِّا﴾ [مريم : 54].           

ويبرز هذا المعنى بصورة أوضح في قوله تعالى على لسان سيّدنا إبراهيم :    

﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرينَ﴾ [الشعراء : 84].  بمعنى " اجعل لي ذكــرا جميلا أُذكَر به، ويقتدى  بي في الخير، وقال مجاهد : يعني الثناء الحسن "[30]

وجميع الآيات كما يظهر لا تخرج عن معاني الدعوة إلى الاقتداء بالأنبياء والصالحين والحث على نشر فضائلهم، ومناقبهم بين الأجيال. 

ولذلك "بعث الله الرسل في أكمل الصفات الخُلقية وكان رسولنا محمد (ص) نموذجا فريدا من نوعه في كل  شيء"[31].  وهو ما أكّده الله تعالى بقوله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلىَ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم : 4]. ومن أجل هذا الخُلُق العظيم أمرنا الله بالاقتداء به، فقال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ الله كَثيرًا﴾ [ الأحزاب : 21].  

أما الأحاديث النبوية الواردة في هذا الباب فكثيرة، منها قوله (صلى الله عليه وسلّم) : 

"اِقْتَدُوا بِالَّذِينَ مِنْ بَعْدِي مِنْ أصْحَابِي : أَبِي بَكْرٍ وَعُمرَ، وَاهْتدُوا بِهَدْي عَمَار   وَتًمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ مَسْعُود"[32].                                                           

وقوله صلّى الله عليه وسلّم : "مَثَلُ أَصْحَابـيِ مَثَلُ النُّجُوم بأيِّهمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ"[33].

وقوله صلى الله عليه وسلّم : "عَلَيْكُمْ بٍسُنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعْدي..." [34].

والدعوة إلى التأسّي بسنن الأوَّلين، والاقتداء بسلوكهم يستلزم بلا شك نشر مناقبهم، وآثارهم، الأمر الذي كان مدعاة إلى التصنيف، والتأليف في هذا الباب.

فمتى بدأت حركة التأليف في موضوع المناقب ؟ وكيف ؟                         

نعتقد أن التأليف في المناقب بدأ مع حركة تدوين السُّنَّة النبوية، والتراث العربـي  الإسلامي عموما؛ أي مع بدايات القرن الثاني للهجرة.                  

ومن أوائل الكتب في الموضوع كتاب "المناقب" لزيادة بن قدامه (ت161هـ)  وكتاب "مناقب العُبَّاد من صُلحاء أهل البلاد" لعبد الله بن المبارك ( ت 181 هـ)، ثم كتـاب "الإشراف في مناقب الأشراف" ـ في القرن الثالث الهجري ـلصاحبه ابن أبي الدنيا (208 - 281 هـ / 823 – 894 م) "ويعتبر من أوائل الكتب التي تصدت لجمع أخلاق الأشراف ومناقب النُّبلاء، ويضم (520) نصا، تشتمل على أخلاق الأشراف، وصفاتهم وسماتهم، وأخبارهم.

أراد مؤلِّفه من وراء جمعها  وتسجيلها أن يحثَّ المسلمين على الاقتداء بأشراف الأمة والتحلِّي بأنبل ما أُثر عنهم من الخِلال الحميدة، والمناقب الكريمة "[35]. ثم كتاب " حلية الأولياء " لأبي نعيم الأصفهاني( ت 430 هـ) وهو كتاب ضخم اشتمل على " 800 ترجمة في آلاف الصفحات، ابتدأها المؤلف  بالخليفة أبي بكر ثم بقية العشرة، ثم من داناهم من زهاد الصحابة...  ثم التابعين ثم من يليهم" [36].

وقد أصبح كتاب " الحلية " مرجعا مهما لكثير من  كتب  المناقب والتصوف التي أعقبته.

وكتاب " رياض النفوس " لأبي بكر المالكي ( ت : بعد عام 484 هـ ) الذي ضمَّنه أخبار ( 270 ) علمًا من العلماء، والفقهاء، والأولياء المعاصرين للمؤلِّف، الذين سكنوا القيروان، وما حاذاها من بلاد المغرب. 

وكتاب " المناقب المزيد ية في أخبار الملوك الأسدية " لأبي البقاء الحِلِّي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الخامس، وبدايات القرن السادس الهجري، "وقد ألَّف كتابه هذا لسيف الدولة منصور بن باديس المز يدي ملِك العرب بالحِلَّة، في تمجيده، ونشر كريم شمائله" [37].

وكتاب "في أخبار الزُّهَّاد والعُبَّاد بالأندلس" لابن عفيون الغافقي(ت: بعد عام 584هـ/1189 م). 

ويليه سلسلـة كتب مناقبية لعبد الرحمن بن الجوزي ( 551- 595 هـ) وهـي :

"مناقب أصحاب الحديث"، و"مناقب أبي بكر"، و"فضائل عمر بن الخطاب"، و"مناقب علي"، و"فضائل عمر بن عبد العزيز"، و"فضائل سعيد بن المُسيَّب"، و"فضائل الحسن البصري"، و"مناقب الفُضيل بن عياض"، و"مناقب بشر الحافي" و"مناقب إبراهيم بن أدهم"، و"مناقب سُفيان الثوري"، و"مناقب الإمام الشافعي"، و"مناقب أحمد بن حنبل"، و"مناقب معروف الكرخي"، و"مناقب رابعة العدوية"[38]

ونستطيع أن نُدرج ضمنها كتابه "الوفا بفضائل المُصطفى  صلى الله عليه وسلم" ليُمثِّل ابن الجوزي بذلك أحد رُوَّاد هذا الصِّنف من التآليف.

ثم كتاب "المُستفاد في مناقب العُبَّاد بمدينة فاس وما يليها من البلاد" لأبي عبد الله عبد الكريم التميمي (ت 603 أو 604 هـ). 

"وقد أودعه صاحبه مشاهداته وما اختزنته ذاكرته من أخبار حول عالم مدينة فاس وعُبَّادها"[39].

"وتتأكد لنا الأهمية التي ينطوي عليها "المستفاد" ليس في كونه مصدرا لتاريخ مدينة فاس فحسب بما يطفح به من معلومات دفينة وفريدة في نوعها في كثير من الأحيان حول الحياة الدينية للمدينة من خلال المعطيات المكثفة حول عُبَّادها وسلوكهم وتصوراتهم ومواقفهم وحياتهم اليومية...الخ، وكذا بما  يكشفه  من  نشاط صوفي كانت تعرفه  هذه الحاضرة ممارسة وتحصيلا وتدريسا، وإنما في كونه كذلك مصدرا من المصادر الدفينة لتاريخ المغرب الوسيط عامة، مادام النص وثيقة اجتماعية تحوي معطيات ثمينة تخص الجوانب الاجتماعية والثقافية والنفسية للمجتمع المغربي في القرن السادس الهجري"[40]

ونضيف قيمة أخرى لكتاب "المستفاد" وهي أنه مصدر لكثير من الكتب المناقبية التي جاءت بعده، المغربية منها خاصة، سواء تلك التي ثبت نقلها عنه مباشرة مثل كتاب "الروض العطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس" لابن عيشون الشَّرَّاط (ت 110 هـ/1697 م).  وكتاب "جذوة الاقتباس في ذكر من حلَّ من الأعلام بمدينة فاس "  لابن القاضي (ت 910 هـ/1065 م) وكتاب " التشوُّف إلى رجال التصوُّف " لابن الزيَّات التادلِّي (ت 617 هـ).

أو تلك التي نقلت عنه بصفة غير مباشرة مثل كتاب "المعزى في مناقب الشيخ أبي يعزى" لأحمد التادلِّي الصَّومعي (1013 هـ/1604 م).

وبعده كتاب "الشمائل المحمَّديَّة "للإمام أبي عيسى التِّرمذي (609 - 679 هـ) وقد عدَّد فيه صاحبه شمائل النبي محمَّد صلى الله عليه وسلم من خلال مجموعة كبيرة من الأحاديث النبوية الشريفة، والتي ترسم لنا صورة  عن حياته، وصِفاته الخِلْقية والخُلُقية وكتاب "النفحة النَّسرينية واللمحة المَرينية" لابن الأحمر (725-807 هـ/1324  1404م)، " والكتاب في حقيقته أرجوزة مشروحة، تشتمل على (112) بيتا في تاريخ الدولة المرينية  منذ قيامها وحتى إمارة أبي العبَّاس المُستنصر:أحمد بن أبي سالم المر يني الذي ألَّف الكتاب باسمه، ورفعه إليه سنة (789 هـ)"[41]

وكتاب "طبقات الأولياء" لابن المُلقِّن(723–804 هـ/1323–1401 م) وهـو "من أشهر مؤلَّفات الكاتب التي سار بها رُواة الأخبار، وانتشر ذكرها في الأقطار، وهو في تراجم مشائخ الصوفية منذ منتصف القرن الثاني للهجرة إلى أوائل القرن الثامن؛ أولهم: إبراهيم بن أدهم(ت 161 هـ) وآخرهم معاصره الشِّهاب القُونَوي(ت: بعد 787 هـ)"[42]  وكتاب "مواهب اللطيف في فضل المقام الشريف في مناقب السلطان قنصوه الغوري" لابن شرف الدين المدني(ت 905 هـ) وقد ألَّفه في تعداد مناقب السلطان قنصوه الغوري (ت 915 هـ/ 1516 م) أحد سلاطين المماليك البُرْجية، الذي وليَ السلطنة  بداية القرن العاشر الهجري، السادس عشر الميلادي [43].

أما إذا عُدنا إلى حركة التأليف المنقبي لدى الجزائريين فنجدهم لم يتوانوا في تسطير  مناقب أعلامهم؛ من علماء، وأولياء، وسلاطين، بل وأعلام العالم الإسلامي عامة.   

ولعلَّ أقدم كتاب في الموضوع ـ في حدود ما نعلم ـ هو كتاب "عُنوان الدِّراية في من عُرفَ من علماء المائة السابعة ببجاية "لأحمد الغُبْريني(644 –714 هـ) والذي ألَّفه كما يقول : "...  بحيث يعلم طالب العلم الأئمة الذين بهم يقتدي وبسلوك سننهم السَّوِّيِّ يهتدي،  وإني رأيت أن أذكر في هذا التقييد من عُرفَ  من علماء  في بجاية  في هذا القرن السابع" [44].  وقد ضم الكتاب مجموعة من العلماء القاطنيـن أو الوافديـن على بجاية في القرن السابع، وقد بلغ عددهم (108) علماء.

إلاَّ أنه ذكر ثلاثة ممن عاشوا في القرن السادس "للتَّبرُّك باسمهم  وانتشار ذكرهم"[45] وهم: الشيخ أبي مدين شُعيب (594 هـ)، والشيخ أبي علي لمسيلي، والفقيه أبي محمَّد عبد الحق الاشبيلي (600–659 هـ). 

وكتاب "أنس الفقير وعِز الحقير"لابن قنفذ القسنطيني (741-809 هـ)

وقد" ألَّفه في رجال من أهل التصوُّف كأبي مدين وأصحابه"[46].

وكتاب" في مناقب الأربعة رجال المتأخِّرين "لمحمد بن يوسف السنوسي(895 هـ) والأربعـة المتأخِّريـن هم : محمد بن عمر الهـوا ري (842 هـ)، والحسن أبركـان (858 هـ) وإبـراهيـم بن عـلي التــازي (ت 866 هـ) والحسـن الغُمــاري (ت 874 هـ) [47].  

وكتاب " المواهب القُدسية في المناقب السنوسيـة " لأبي عبد الله الملا لي؛ والـذي لم نقف على تـرجمته ولا على تاريخ وفاته، إلا أنه عاصر الشيخ محمد بن يوسف السنوسي (832–895 هـ) كونه أحد تلاميذه، وقد ألَّف هذا الكتاب في تخليد مناقبه. 

وكتاب " النجم الثاقب فيما لأولياء الله من مفاخر المناقب "لابن صعد التلمسانــي (ت901 هـ) وله كتاب آخر بعنوان "روضة النسرين في مناقب الأربعة المتأخِّرين" وهم أنفسهم الذين ذكرهم محمد بن يوسف السنوسي في مؤلَّفه السابق.

وكتاب "البستـان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان "لابن مريم (ت 1020 هـ) ترجم فيه صاحبه لاثنين وثمانين ومائة عالم وولي، ولدوا بتلمسان أو عاشوا بها، وكان القصد من تأليفه كما قال : "جمع أولياء تلمسان وفقهائها الأحياء منهم والأموات، وجمع من كان بها وحوزها، وعمالتها"[48]

وكُتب أحمد المقَّري التلمساني (983 – 1041 هـ / 1575 – 1632 م) التالية :

كتاب "نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب"وهو موسوعة تاريخية وجغرافية ضخمة؛ قسمه صاحبه على قسمين : تحدث في الأول منهما عن تاريخ الأندلس، ومعالمها الجغرافية، وأخبار العرب فيها منذ الفتح الإسلامي  وجعل  القسم الثاني لأخبار وأشعار عَلَم الأندلس البارز الوزير الأديب لسان الدين بن الخطيب. وكتاب "أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض" والذي ألَّفه تلبية لطـلب سكـان تلمسان، الذين رغبوا في تأليفٍ يجمع أخبار ومآثر قاضي المغرب الشهير القاضي عياض ، وكتاب "روض الآس العاطر الأنفاس في ذكر من لقيته من علماء مراكش و فاس".

ويمكن ردُّ التآليف المنقبية  كما استقرأناها إلى تصنيفين لا ثالث لهما :       

التصنيف الأول (كمِّي) : بحسب عدد المترجم لهم، وينقسم على قسمين :

أ/-مؤلَّفات جمعت مناقب فرد واحد:  وليا، أو عالما، أو سلطانا، أو أميرا،... الخ  مثل: مناقب الإمام أحمد، الشمائل المحمدية، مواهب اللطيف في فضل المقام الشريف، أنس الفقير وعز الحقير ... 

ب/-مؤلَّفات جمعت مناقب مجموعة أفراد : أولياء، أو علماء، أو سلاطين،... الخ  مثل: مناقب العُبَّاد من صلحاء أهل البلاد، الإشـراف في مناقب الأشــراف، المناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية، النجم الثاقب فيما لأولياء الله من مفاخر المناقب، البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان، وغيرها .

التصنيف الثاني (نوعي) : بحسب موضوع، أو مجال المترجم لهم، وينقسم على قسمين :

 أ/-مؤلفات ذات طابع ديني : اهتم فيها أصحابها بتعداد مناقب العلمـاء، والأوليـاء والـزهـاد، والعُـبَّاد، والصـالحين، أفرادا كـانوا، أو جماعات، مثل : مناقب الإمام أحمد، والمستفـاد في مناقب العُبّـَاد، وعنـــوان الدراية، والنجم الثـاقب فـيمـا لأوليـاء الله من مفاخر المناقب، وروضة النسرين في التعريف بالأشياخ الأربعة المتأخرين ...   

ب/-مؤلفات ذات طابع سياسي : جُمعت فيها مناقب الملوك والأمراء، والسلاطين مثل: الإشراف في مناقب الأشراف، والمناقب المزيدية في أخبار الملوك الأسدية، والمسند الصحيح الحسن في مآثر ومحاسن مولانا أبي الحسن، وواسطة السلوك في سياسة الملوك، ومواهب اللطيف في فضل المقام الشريف في مناقب السلطان قنصوه الغوري.

وتأسيسا على ما سبق نقول : إن التأليف المنقبي (مصنفات المتصوفة )أخذ شكلين:

$1-   فمن كتب المناقب ما يقوم على تراجم الرجال الجماعية، وذلك في إطار التعرُّف على الجماعة الصوفية التي تكفلت بحفظ التسلسل في وراثة السِّر وتناقل معالم الطريقة .

$1-      ومن كتب المناقب ما يقوم العمل فيه على إبراز دور الشيخ وأهميته في وراثة السِّر، ومجال تصرُّفه لأجل إثبات ولاية الشيخ المترجم له أولا، وما يُمثِّله من استمرارية في وراثة سِرّ الطريقة .

بيد أن الهدف العام لكل هذه التأليف والمصنفات يبقى هو التعرُّف على أصحاب المناقب، والتقرُّب إليهم بغرض أخذ الحظوة لديهم، والتبرُك بهم .                                                           

الهوامش :



[1]-ابن منظور : لسان العرب ، تحقيق : عامر أحمد حيدر، مادة " أدب"، حرف " الباء"، فصل " الألف"، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، 2003 م-1424 هـ.

[2]-لطفي عيسى،مدونة المناقب ببلاد المغرب من القرن 10 الى القرن 17م عرض منهجي، المجلة التونسية للعلوم الاجتماعية، تونس، العدد 130، 2005م، ص41.

[3] - De Certeau(M).Encyclopédie Universalis,IV,articl Hagiographie=

= ومحمد مفتاح، الكتابة الصوفية ماهيتها ومقاصدها، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، العدد2،1977م.

[4]- خديجة السمعان، الفكر الصوفي من خلال مناقب أبي سعيد الباجي، مؤسسة دراسات وأبحاث،الرباط، المغرب، دت،ص5.

[5]-هشام عبيد،تونس وأولياؤها الصالحون في مدونة المناقب الصوفية، مركز النشر الجامعي، تونس،2006م ص50.

[6] - Pellat(Charles)E.I(n.e)TomeVI-Mamàkib-p333.

[7]-هشام عبيد، المرجع السابق،ص51.

[8]-لؤي علي خليل، عجائبية النثر الحكائي أدب المناقب والكرامات، دار التكوين، دمشق، دط،2007م، ص121.

[9]-الهواري (أبو الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم)، مناقب أبي سعيد الباجي،تح:أحمد البخاري الشتوي، الشركة التونسية للنشر،تونس،ط1،2004م،ص8.

[10] - Pellat+(Charles).E,IP333,334.

[11]- عبد الله أحمد بن عتو : مشكل المنهج في قراءة بعض الكتابات المنقبية بالمغرب،  مجلة عالم الفكر،  المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد الأول،  سبتمبر  1996 م.

[12]- ينظر: عبد الله أبو هيف : مصطلحات تراثية للقصة العربية، مجلة التراث العربي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ع 48، السنة 12، تموز ( يوليو) 1992 م ـ المحرّم 1413 هـ.                                                    

[13]-الشريف الجرجاني، التعريفات، مؤسسة الحسنى، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1427ه- 2006م، ص 102 . 

[14]- أنس داود : الأسطورة في الشعر العربي الحديث، ط3، دار المعارف، مصر، 1992 م، 19.                  

[15]- ابن منظور، لسان العرب، مادة(خرق)، حرف(القاف)، فصل(الخاء)،ج10،ص87،90.

[16] التهانوي(محمد علي بن علي بن محمد)، كشاف اصطلاحات الفنون،تح،أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،2006م-1427هـ،ج2،ص61.

[17]- مجدي وهبة وكامل المهندس، معجم المصطلحات الأدبية في اللغة والأدب، مكتبة لبنان، بيروت،ط2،1984م، ص156.

[18]-عبد الرحمن الجيلالي : تاريخ الجزائر العام، دار الثقافة، بيروت، لبنان، ط 4، 1400 هـ، 1980 م، 16.

[19]- الشريف الجرجاني : التعريفات، مؤسسة الحسنى، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1427 هـ -2006 م، 36.

[20]- لؤي خليل : الكرامات في التراث الإسلامي ( النموذج الأندلسي )، مجلة التراث العربي، اتحاد الكتاب العرب،

دمشق، العدد 97، السنة الرابعة والعشرون، آذار 2005 م – 1425 هـ.                                         

[21]- نفسه.                                                                                                            

[22]- عبد الله أحمد بن عتو : المرجع السابق، 243.

[23]- محمد منصوري : فن التراجم والسير في كتاب زهر الآداب، مجلة الفضاء المغار بي (جامعة تلمسان) العدد2،

صفر 1425 هـ / 2004 م، 229، نقلاعن : مجدي وهبة  وكامل المهندس، معجم المصطلحات العربية، مكتبة لبنان.

[24]- نفسه، 230.                                                                                                 

[25]-نفسه، 229.                                                                                                

-[26]نفسه، 230.

[27][27]-ينظر: أحمد صبحي منصور : أبو بكر الصديق ماذا تبقى منه في الفكر السني؟ مقال من موقع:  

http://www.arabtmes.com/writer/ahmed/doc4html. زيارة بتاريخ: 21/04/2008م .

[28]- لؤي خليل : المرجع السابق.

[29]- ابن كثير : تفسير القرآن العظيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 3، 2003 م / 1424 هـ، 2، 478.

[30]- نفسه، 343.      

[31]- ابن مريم التلمساني : البستان في ذكر العلماء والأولياء نشر بعناية عبد الرحمن طالب،ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986، 14 .

[32]- حديث صحيح : الجامع الصغير رقم (1319). 

[33]- الترمذي : نوادر الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، تح: عبد الرحمان عميرة، دار الجيل، بيروت، ط 1، 1992، 3 : 62.

[34]- رواه الطبراني وابن رجب في جامع العلوم والحِكم، دار المعرفة، بيروت، ط 1، 1408 هـ، 256.          

[35]- يُنظر : الموسوعة الشعرية ( قرص مدمج )، الإصدار الثالث، 2003 م.                                        

[36]- ينظر : محمذن ولد محبوبي : أدب المناقب والكرامات في بلاد شنقيط، رسالة دكتوراه مرقونة (جامعة وهران)2002-2003 م، 41

[37]- ينظر : الموسوعة الشعرية.                                                                                      

[38]- ينظر : عبد الرحمن بن الجوزي : ذم الهوى، تح : خالد عبد اللطيف السبع العلمي، دار الكتاب العربي، بيروت،

 ط1، 1424 هـ - 2004 م، 13

[39]- أبو عبد الله التميمي : المستفاد في مناقب العُباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد، تح : محمد الشريف (قسم الدراسة)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، ط 1، 2002 م، 136.

[40]- أبو عبد الله التميمي : المصدر السابق (القسم الثاني)، 11.                                                        

[41]- الموسوعة الشعرية، الإصدار الثالث.                                                                       

[42]- نفسه.

[43]- المماليك البُرجية  نسبة إلى أبراج القلعة حيث أنزلهم الأيوبيون وحكموا مصر(1382/ 1517 هـ ) ينظر: خالــد إبراهيم يوسف : الشعر العربي أيام المماليك، دار النهضة العربية، بيروت، ط1، 2003 م، 21.  

[44]- أحمد الغبريني : عنوان الدراية في من عرف من علماء المائة السابعة ببجا ية، دار البصائر للتوزيع والنشر،    الجزائر، ط1، 2007 م، 6.         

[45]- نفسه : 7. 

[46]- ابن مريم : المصدر السابق، 308 .

[47]- في تراجم الأربعة المتأخرين يُنظر : ابن مريم : المصدر نفسه، 221، 74، 58، 31.

[48]- ابن مريم : المصدر نفسه، 5.