أنماط الجمل الاسمية في عناوين الشعر الجزائري المعاصرpdf

 

د. مسكين حسنية

جامعة عبد الحميد بن باديس مستغانم(الجزائر) 

ملخص:      

إذا كان بعض الباحثين قد مالوا إلى تطبيق الدراسة النحوية على أعمال أدبية مختلفة، بغيـة استعراض أنماط تراكيبها وإيضاح العلاقة الدلالية بين عناصرها، ففي ما يلي محاولة لمعاينة أنماط الجمل الاسمية في عناوين الشعر الجزائري المـعاصر.

Résumé:

Si certains chercheurs ont tendance à appliquer l’étude grammaticale sur diverses ouvres littéraire afin de recevoir leurs structures et motifs du type de relation sémantiques entre les éléments, dans une tentative pour obtenir un aperçu des modèles de phrases nominales dans les titres de poésie algériennes moderne.                   

يستدعي الحديث عن البنية التركيبية الحديث عن النحو، والنحو كما عرفه "الشريف الج

رجاني" هو« علم بقوانين يعرف بها أحوال التراكيب العربية من الإعراب والبناء وغيرها»1، وبذلك فالغاية من دراسة النحو هي« فهم وتحليل بناء الجملة تحليلا لغويا يكشف عن أجزائها، ويوضح عناصر تركيبها، وترابط هذه العناصر بعضها مع البعض الآخر، بحيث تؤدي معنى مفيدا، وتبين علائق هذا البناء...ثم تعيين النموذج التركيبي الذي ينتمي إليه كل نوع من أنواع الجمل »2، وعليه فقيمة الجملة في المستوى التركيبي كقيمة الكلمة في المستوى الصرفي لا يستقيم التحليل إلا بها، ولذلك فمهمة الباحث النحوي هي تصنيف الجمل وشرح طريقة بنائها وإيضاح العلاقة بين عناصرها.

وعلى هذا الأساس سيتم معاينة أنماط الجمل الاسمية الواردة في منظومة عناوين الشعر الجزائري المعاصر، على النحو التالي:

النمط الأول: مبتدأ + خبر .

ويمكن التمثيل لهذا النمط من العناوين بحسب ما يوضحه الجدول الموالي:

اسم الشاعر

عنوان الديوان

عنوان القصيدة

بوبكر قانة

خطاب عاجل إلى نزار قباني

أنت أنا

مبروكة بوساحة

براعم

الحب كذب

أحمد حمدي

انفجارات

الصباح فوق الجبال

عبد العالي رزاقي

الحب في درجة الصفر

الخروج من المدينة

الوقوف أمام الجنازة

السفر في المنافي

المشي أمام الجنازة

عمر أزراج

الجميلة تقتل الوحش

الموت في الحب

الجميلة تقتل الوحش

وحرسني الظل

الهبوط إلى القصبة

العودة إلى تيزي راشد

الطريق إلى غرناطة

العودة إلى تيزي راشد

     

 

 

 

 

 

 

تتشكل البنية التركيبية لهذه العناوين من مبتدأ وخبر، وما يلاحظ عليها أنها تشترك جميعا في حالة وجود المبتدأ ولكنها تختلف في حالات وروده فهو قد ورد إما مفردا نحو : (أنا) في عنوان (أنت أنا) و(كذب) في عنوان (الحب كذب).

أو جملة فعلية نحو: (تقتل الوحش) في عنوان (الجميلة تقتل الوحش)، أو شبه جملة: (من المدينة)، (في المنافي)، (إلى القصبة) في عناوين (الخروج من المدينة)، (السفر في المنافي)، (الهبوط إلى القصبة)، أو شبه جملة ظرفية نحو: (فوق الجبال) في عنوان (الصباح فوق الجبال)، و(أمام الجنازة) في عنوان (الوقوف أمام الجنازة)، وفي كل هذه العناوين احترم الخبر موقعه في تبعيته للمبتدأ.

النمط الثاني: مبتدأ محذوف + خبر + جار ومجرور + مضاف إليه.

نظرا لورود هذا النمط من العناوين بكثرة في منظومة عناوين الشعر الجزائري المعاصر سيتم التمثيل له بشاعر واحد فقط كما يلي:

اسم الشاعر

عنوان  الديوان

عنوان القصيدة

أحلام مستغانمي

على مرفأ الأيام

مذكرات في مدائن السبات

صلاة إلى العام الجديد

رسائل إلى الحبيب المجهول

عودة إلى مدينة المدافن

أكاذيب سمكة

حفل على شرف النسيان

الكتابة في لحظة عري

سؤال في حدود الذاكرة

     

 

 

 

إذا أخذ المتلقي نموذجا من هذه العناوين وليكن مثلا عنوان (حفل على شرف النسيان)، لوجد أن (حفل) خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذا حفل) وما بعده شبه جملة (على شرف النسيان) متعلق بالخبر ومتمم لمعناه، لأن الأصل في هذا العنوان أن يبدأ بجملة اسمية لا باسم مفرد.

وذاك مكمن الفرق بين البنية السطحية والبنية العميقة، فإذا كان المبتدأ لا يظهر في البنية السطحية للعنوان فهو موجود بالقوة في بنيته العميقة كما سيوضحه المخطط التالي:

m100901

 

يظهر من خلال هذا المخطط  كيف غير حضور المبتدأ شكل الجملة، وحولها من حـالة الابتداء باسم مفرد في (البنية السطحية)، إلى حالة الابتداء بجملة اسـمية في  (البنية العميقة)، ويمكن أن يرجع حذف المبتدأ في هذه الحالة إلى خاصية العنوان التي تدعوا إلى «الإيجاز والاختصار في مجال يجمل فيه الاختصار».3

النمط الثالث: مبتدأ محذوف + مضاف إليه + حرف عطف + اسم معطوف.

ويمكن التمثيل لهذا النمط من العناوين بما يلي:

اسم الشاعر

عنوان الديوان

عنوان القصيدة

حمري بحري

ما ذنب المسمار يا خشبة

مقطع الرقص والنشوة

شهد حليمة مرابط

ذاكرة السّماء

رحيل الجسر والمنار

محمد عبد القادر الأخضر السائحي

معلقة الجزائر

معركة الصحراء والبترول

متفرقات

تغريبة العشق والانتماء

مصطفى محمد الغماري

أغنيات الورد والنار

أغنيات الورد والنار

حديث الشمس والذاكرة

حديث الشمس والذاكرة

عثمان الوصيف

أعراس الملح

رحلة الموت والميلاد

       

 

 

 

إن الجمل الاسمية في هذه العناوين تبدأ باسم نكرة يعرب خبرا لمبتدأ محذوف تقديره (هذا) أو (هذه) نحو: (هذا مقطع الرقص والنشوة)، (هذه معركة الصحراء والبترول)، (هذا حديث الشمس والذاكرة).

وإذا كان الاسم النكرة قد تصدر معظم هذه العناوين (مقطع، رحيل، معركة، تغريبة، أغنيات، حديث)، فذلك راجع إلى أن الاسم إذا كان «سمة لشيء ما فإنه إلى التنكير أقرب، إذ يدلنا الاسم على شيء يكتنفه نوع من الإبهام، ثم يكون الكشف والتعريف بعد ذلك بذكر الخصائص والسمات، ومن ثم كانت النكرة أخفّ على الذوق العربي السليم من المعرفة»4، ولذلك مال إليها الكثير من الشعراء في صياغة عناوين قصائدهم.

وقد يكون سبب حذف المبتدأ – ربما- هو قلة الاهتمام به مقارنة بالخبر، ومثل هذا ما يورده عنوان (أغنيات الورد والنار)، فالشاعر حذف المبتدأ المقدر بـ (هذه) لأن ذهنه كان مشدودا إلى الخبر الذي وسم الديوان، لأن ما عناه الشاعر بالأغنيات إنما هي القصائد.

وقد خص الشاعر هذا الخبر النكرة (أغنيات) باسم مضاف إليه مجرور (الورد) ليفك عنه الإبهام، وكأن الإضافة حيلة تركيبية من حيل اللغة لتعويض محدودية الدلالة في هذا الخبر.

ولم يكتف الشاعر بهذا التخصيص، بل عطف عليه اسما آخر (والنار)، حتى يكون العنوان شاملا لكل الأغنيات، فنتج عن ذلك بنية عنوانية جمعت بين شيئين متناقضين (الورد/النار)، فالورد دليل على الحب والحياة والاستمرار، والنار رمز للاحتراق والثورة.

وقد يكون تفسير ذلك أن الشاعر حاول اختـصار مضمون الديـوان في عنوان واحـد، فـ (الورد) مثل قصائد الحب نحو: (أغنية العاشق المجهول)، (نجوى العشق والنار)، (رفض في مسافة العشق)، و(النار) مثلت قصائد الثورة والتغيير نحو: (براءة... إلى شهداء الرفض والجهاد في مصر)، (لبنان الرافض)، (مرثية الألم والثورة).

وبذلك فقد اجتمعت في هذا الديوان قصائد للحب وأخرى للثورة، كنّى عنها الشاعر برموز أحالت عليها، وكان بإمكانه أن يسم هذا الديوان بعنوان (قصائد الحب والثورة).    

وأول ما يثير انتباه القارئ في هذا النمط من العناوين هو حرف العطف (الواو) بين المعطوف والمعطوف عليه، وإذا كانت وظيفة حرف العطف هي «الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم والإعراب جمعا مطلقا»5، فإن ما حدث في بعض هذه العناوين أنها جمعت بين اسمين لا يمكن الجمع بينهما وفقا لما يتطلبه العقل والمنطق نحو: (رحلة الموت والميلاد)، فالمعطوف عليه (الموت) ينتمي إلى حقل دلالي يشير إلى النهاية، أما المعطوف (الميلاد) فهو يدل على البداية، كما لو أن الشاعر أراد أن يحكي عن حياة الإنسان من بدايتها إلى نهايتها، ولكنه أوجز هذه القصة في  بنية محددة هي (رحلة الموت والميلاد).

النمط الرابع: مبتدأ محذوف +خبر + مضاف إليه +صفة.

ومن أمثلة هذا النمط في عناوين الشعر الجزائري المعاصر ما يوضحه الجدول الآتي:

اسم الشاعر

عنوان الديوان

عنوان القصيدة

محمد زتيلي

ومضات الحزن والذهول وظلال المرائي

حوار النهر الغاضب

مرثية المرأة الحزينة

مرثية الرجل الوحيد

حمري بحري

ما ذنب المسمار يا خشبة

رباعيات الماضي الآتي

أغنية الزمن الآتي

علي ملاحي

صفاء الأزمنة الحانقة

صفاء  الأزمنة الخانقة

توجعات الشحر القاحل

مراسيم الهيام الساطع

مذكرة العشق الناتئ

الأخضر فلوس

حقول البنفسج

هواجس البريد القادم

تتشكل البنية التركيبية لهذا النمط من العناوين من مركب إضافي ومركب وصفي، وبين «الوصف والإضافة علاقة تسمو عن الموقعية النحوية وتقف على عتبة الدلالة حاملة مضمونها إمكانا متاحا أمام استثمار السياق لها..... والتخصيص الذي تقوم به الصفة هو عينه ما يقوم به "المضاف"، فبينما المفردة الأساسية في التركيب هي "الموصوف"والصفة تعمل على تخصيصه، نجد" المضاف إليه" هو المقصود في التركيب».6

والظاهر أن العلاقة بين طرفي هذه العناوين اتسمت بشيء من التعقيد، وذلك لأن التركيب الإضافي لم يتطابق على مستوى القدرة الكامنة المتمثلة في البنية العميقة مع القدرة الأدائية المتمثلة في البنية السطحية، وإنما مر عبر قاعدة تحويلية أسقطت حرف الجر المقدر بين طرفي هذا التركيب الإضافي، والمشجر الآتي سيوضح عناصر الحضور والغياب في بنية هذه العناوين:

m100902

يظهر من خلال هذا المشجر أن البنية السطحية أسقطت المبتدأ الذي يمكن تقديره بــ (هذا)، وأسقطت أيضا حرف الجر الذي يمكن تقديره هو الآخر بـــ (لــ) لأن الأصل في صياغة هذا العنوان أن يقال (هذا حوار للنهر الغاضب)، وهذا يجري على النماذج الأخرى للعناوين التي هي من نفس النمط.

النمط الخامس: مبتدأ محذوف + خبر + مضاف إليه.

 لهذا النمط من العناوين انتشار واسع في الشعر الجزائري المعاصر، يمكن التمثيل له بـما يلي:  

اسم الشاعر

عنوان الديوان

عنوان القصيدة

شهد حليمة مرابط

ذاكرة السماء

سطح القمر

أمانة السماء

ثأر الكلمات

قضبان الشعر

صقيع الخوف

طفلة الشعر

مشري بن خليفة

سين

مطر الغواية

كوابيس السراب

جنازات الخروج

أغنية المنفى

أبواب الجسد

عاشق الرمل

عز الدين ميهوبي

منافي الروح

فارس السلم

فتى الخضراء

حدائق السلم

جزائر الكبرياء

تاج الياسمين

حديث المنفى

طفل القصيد

أحلام مستغانمي

على مرفأ الأيام

ساعة الصفر

مسيرة الأقزام

مهزلة الزمن

          

تتشكل البنية التركيبية لهذا النمط من العناوين من اسمين بينهما علاقة إضافة، يعرب الأول منهما خبرا مضافا لمبتدأ محذوف تقديره (هذا) على شاكلة (هذا سطح، هذا صقيع، هذا فارس...)، أو يمكن تقديره بـ (هذه) على نحو: (هذه أمانة، هذه قضبان، هذه كوابيس...)، ويعرب الثاني مضافا إليه مجرورا.

والإضافة لدى النحاة هي «ضم اسم إلى آخر مع تنزيل الثاني من الأول منزلة تنوينه، أو ما يقوم مقام تنوينه، وبحيث لا يتم المعنى المقصود إلا بالكلمتين المركبتين معا»7، ولذلك كان للمضاف إليه وظيفة تعريف المضاف وتخصيصه، وكأنه ما جيء به إلا لينوب عن (الـ) التعريف التي حذفت من الاسم الذي أضيفت إليه، ولكن (الـ) التعريفية للاسم لا تفيد بنفسها تحديدا للمعرف بها، على عكس التعريف بالإضافة، لأن التعريف بالإضافة في اللغة خاص بإنتاج دلالة أكثر تحديدا كما يتضح من (القمة) و(قمة الجبل )، ثم يفتح بابا لمجازات كثيرة نحو: ( قمة الروح).8

وعلى هذا الأساس فإن معظم الأسماء المضافة التي وردت في هذا النمط من العناوين، استمدت تعريفها من الأسماء التي تلتها لا من ذاتها، الأمر الذي يلفت إلى عدم تمام المعنى المقصود إلا بالكلمتين المركبتين معا، نحو (ساعة الصفر)، فلولا كلمة (الصفر) لما استطاع المتلقي تحديد الحقل الدلالي الذي تنتمي إليه كلمة (ساعة) التي وردت في سياق النكرة، وقد يتبادر إلى ذهنه مباشرة سؤال: أي ساعة هذه؟ هل هي الساعة المادية التي تحدّد الوقت، أم هي الساعة التي تعني مقدارا من الوقت؟ أم هي شيء آخر؟

ولذلك فقد جاء التركيب الإضافي في هـذا العنوان ليحدد المعـنى ويخصـصه، فكانت الساعة (ساعة الصفر) وتعني فترة زمنية تشير إلى منتصف الليل.

غير أن بعض العناوين شذت عن هذه القاعدة، بحيث صار المضاف إليه عبأ على المضاف، لأنه لم يفده في التخصيص والتعريف وإنما منحه صفة الغموض والإبهام، ولم يعد للمتلقي من حيلة لفهم العنوان إلا بالعودة إلى النص ومحاولة استنطاقه من أجل فهمه وفك غموضه.

ومن أمثلة هذه العناوين: (كوابيس السراب)، (صقيع الخوف)، (ثأر الكلمات)، فالقراءة الأولى لعنوان (كوابيس السراب) تقدم انطباعا أنه لا علاقة بين المضاف (كوابيس) والمضاف إليه (السراب)، فعلاقة الإضافة هنالم توضح المعنى بل زادت المضاف غموضا وإبهاما، فكيف يكون للسراب الذي هو وهم لا حقيقة كوابيسا؟ ولذلك فعلى المتلقي الولوج إلى عالم النص، ليكتشف هذا السراب و الكوابيس ، يقول الشاعر :

                                   عرب،

من المحيط إلى الخليج

ينعمون بالغنائم،

والنساء الحسان

يفاوضون أنفسهم،

يمنعون في تأكيد الغياب

يرقصون في كوابيس السراب

هم الأغراب

هم الأعراب

من الماء إلى حدّ الماء

يموت الذين نحبه

وحيدين كالصفصاف

تحترق "جنين"

تسقط "رام الله"

تأتي القيامة

من بيت "لحم"

...............

أموت من أجلك يا قدس.9

فهذا النص يوضح للمتلقي أن السراب هو ذلك السلم المزعوم الذي يعيشه العرب من المحيط إلى الخليج، وينعمون فيه، رغم ظلم وتعسف الطغاة، ورغم ما يكابده الشعب الفلسطيني من ألوان العذاب والأحزان والموت.

وعلى هذا الأساس فالمضاف إليه ليس دائما أداة  تعريف تسقط الغموض والإبهام عن المضاف، ولكنه مع ذلك يبقى ركنا أساسيا تقوم عليه البنية التركيبية لهذا النمط من العناوين.

النمط السادس: مبتدأ محذوف + خبر+ صفة.

يمكن التمثيل لهذا النمط من العناوين بمعطيات الجدول الآتي:

اسم الشاعر

عنوان الديوان

عنوان القصيدة

مصطفى محمد الغماري

قصائد مجاهدة

أغنية ثائرة

قصائد مجاهدة

محمد زتيلي

ومضات الحزن والذهول وظلال المراثي

أشياء صغيرة

محمد عبد القادر الأخضر السائحي

ألوان من الجزائر

أحزان غامضة

ألحان من قلبي

بطاقة تعريف

واحة الهوى

ألحان مغربية

أغنيات أوراسية

بطولة جديدة

أحلام مستغانمي

على مرفأ الأيام

جرح قديم

سامية  زقاي

قصائد معتقة بالأسى

فرح مفجوع

أحمد حمدي

تحرير ما لا يحرر

هواء خانق

أقوال واقفة

سليمان جوادي

يوميات متسع محظوظ

محاكمة علنية

زينب الأعوج

أرفض أن يجن الأطفال

ولادة قيصرية

   

 

 

 

 

 

 

يظهر من خلال الجدول أن في هذه التراكيب العنوانية لا وجود للمبتدأ إلا تقديرا، أما الخبر فقد اقترن بالصفة،  ولذلك  يمكن القول أن مركز العنونة في هذه التراكيب انتقل من الخبر إلى الصفة، لأن مواضيع القصائد تحددت تبعا للصفة لا للخبر، ويمكن التمثيل لذلك  بأحد عناوين هذا  النمط، كعنوان (أغنية ثائرة)، فـــــــ (أغنية) هي خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه أغنية)، و(ثائرة) صفة لهذا الخبر، ودليل سيطرة الصفة في هذا العنوان هو خلو الخبر من أي دلالة، لأن تسمية القصيدة بالأغنية أمر مألوف في لغة العرب، فقد سموا الشعر غناء وقالوا:

تغنّ بالشعر إما كنت قائله      إن الغناء بهذا الشعر مضمار».10

 وبذلك فتسمية الشاعر للقصيدة بالأغنية لا يمنحها دلالات جديدة غير معناها الحقيقي في كونها قصيدة، ولكن وصفه لهذه (القصيدة/ الأغنية) بالثائرة فيه ما يحدد دلالات العنوان والنص معا، وكأن هذا الاسم الخبر كان بحاجة لما يحدد معناه، خاصة حينما ورد نكرة، فكانت هذه (الأغنية / القصيدة) ثائرة، وثورتها كانت على الأوضاع العربية المتأزمة.

النمط السابع: مبتدأ محذوف + خبر.نظرا للانتشار الواسع لهذا النمط من العناوين في الشعر الجزائري المعاصر، سيتم التمثيل له بأعمال شاعر واحد فقط، على النحو التالي:

اسم الشاعر

عنوان الديوان

عنوان القصيدة

محمد زتيلي

فصول الحب والتحول

حب

حلم

لست حزينا لرحيل الأفعى

سياحات

 

سعادة

رحلة

أسفار

لحظة

شمعة

شاعر

أقوال

        

        

 

 

 

 

يعرب كل اسم في هذه العناوين خبرا لمبتدأ محذوف تقديره (هذا) أو (هذه) نحو: (هذا حلم)، (هذه شمعة)، ويلاحظ أن الشاعر اكتفى بالخبر واستغنى  عن كل أجزاء الجملة، فجاء العنوان كلمة مفردة، وإذا كان الأمر كذلك فإن هذه الكلمة تسمى الكلمة المفتاح التي تدور حولها القصيدة، أي «أنها تخلق النص وبمعنى أدق: إن النص يتخلق في رحمها، ويتشكل في إطارها، وهكذا فإن الكلمة المفتاح تولد القصيدة».12

ويمكن التمثيل لذلك بعنوان (حلم)، فالشاعر في هذا القصيدة يسعى إلى تصوير حالة نفسية، يحلم فيها منذ زمن بعيد أن يقول كلمة أو جملة تطرب كل الناس، وتنسيهم آلامهم ومآسي هذا العالم، يقول:

من زمن بعيد

يا سادتي أحلم أن أقول،

كلمة أو جملة تطرب كل الناس

تهز في أعماقهم مأساة هذا العالم

تشدهم بقوة إليه

تـحزنـهم

تبهجهم

تضيء درب الفرح المهجور في أعماقهم

يا سادتي أحلم أن أقول

كلمة، بسيطة، عميقة

يفهمها أناس هذا الوطن الكبير

يعشقها أناس هذا الوطن الجميل.12

فالحلم في هذا العنوان لم يسند إلى كلمة محددة تحمل معنى معين، ولكنها رغم ذلك أشارت إلى حلم الشاعر، المتمثل في إسعاد الناس بأشكال مختلفة، فهي مرة تطربهم  ومرة تهز في أعماقهم مأساة هذا العالم، ومرات أخرى  تشدهم بقوة وتضيء لهم درب الفرح المهجور في أعماقهم.

ولذلك فحلم "زتيلي" وإن كان يدور حول فكرة واحدة هي إسعاد الناس فإن تمظهراته تعددت، ولذلك ما كانالشاعر ليجعل لكل مظهر من مظاهر هذا الحلم عنوانا خاصا، بل وضعه على شاكلة العنوان المفرد النكرة (حلم).

ومن خصائص الكلمة المفردة أنها تحمل المعاني بصفة مطلقة لأنها غير محددة بسياق أو نسق تركيبي معين، وعلى هذا الأساس جاء عنوان (حلم) ليختصر المعاني المتعددة التي احتضنها النص.

وكونه جاء على شكل نكرة، فذلك راجع لخاصية التنكير، لأن النكرة كما عرفها النحاة هي «اسم دلّ على غير معين»13، وبذلك هذا تكون النكرة في عنوان (حلم) قد أدت دلالة الشيوع وعدم التعيين.

الهوامش:

 (1)- الشريف الجرجاني: التعريفات، تحقيق محمد باسل عيون السود، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2000، ص259.

(2)- محمد حماسة عبد اللطيف: بناء الجملة، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، 2003، ص19.

 (3)- محمد عويس: العنوان في الأدب العربي (النشأة والتطور)، مكتبة الأنجلو المصرية، مصر، ط1، 1984،ص42.

(4)- محمد عويس: العنوان في الأدب العربي (النشأة والتطور)، ص.ص:25-26.

(5)- مصطفى الغلاييني: جامع الدروس العربية، ج3، جامع الدروس العربية، المكتبة العصرية، بيروت، ط1، 2005، ص245.

(6)- الجزار محمد فكري: لسانيات الاختلاف، لسانيات الاختلاف (الخصائص الجمالية لمستويات بناء النص في شعر الحداثة)، ايتراك للطباعة  والنشر، مصر، ط1، 2001، ص146.

(7)- محمد عبده: النحو المصفى، مكتبة الشباب، القاهرة، 1992، ص545.

(8)- ينظر: الجزار محمد فكري، لسانيات الاختلاف، ص282.

(9)- مشري بن خليفة: سين، منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين، ط1، 2002، ص14.

(10)- ابن منظور: لسان العرب، مادة، (غنا)، ج11، ص95.

(11)- العيد يمنى: في القول الشعري، دار توبقال، الدار البيضاء، المغرب، دط، 1987، ص188.

(21)- محمد زتيلي: فصول الحب والتحول، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، دط، 1982، ص44.

(13)- مصطفى الغلاييني: جامع الدروس العربية، ج3، ص147.