حركية البناء الفني للقصيدة الشعرية السرديةpdf

د/ محمد عروس

جامعة العربي التبسي، تبسة(الجزائر)

الملخص:

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن حركية البناء الفني للقصيدة السردية. وذلك بالبحث في عنصري البناء الدرامي والتصوير المشهدي. إن ما تتميز به القصيدة السردية من حدث، وحوار، وشخصيات، وفضاء ينقلها من نقاء الجنس الأدبي إلى تداخل الأجناس الأدبية، وبالتالي ينقل الرؤية للنص الشعري من الطابع الغنائي إلى الطابع التمثيلي، وبالتالي من الذاتية إلى الموضوعية..

الكلمات المفاتيح: الجنس الأدبي، تداخل الأجناس الأدبية، البناء الدرامي، التصوير المشهدي، الشعر السردي.

Résumé :

Cette étude vise à révéler la cinétique de la construction artistique d'un poème narratif, et ce en recherchant les deux éléments : celui de la construction dramatique  et la représentation de la scène. Ce qui caractérise le poème narratif, d'un événement, du dialogue, des personnages et de l’espace,  le transmet de la pureté du genre littéraire à l’interférence des genres littéraires ce qui transmet, par conséquent, la vision poétique du texte du caractère lyrique au caractère représentatif et le transmet, aussi, de la subjectivité à l'objectivité.

Mots clés:la construction dramatique, la représentation de la scène, le poème narratif, la pureté du genre littéraire,  l’interférence des genres littéraires

مقدمة:

لحق النص الشعري العربي عبر سيرورته التاريخية، تحولات جوهرية. انتقل فيها من القصيدة العمودية؛ حيث ثبات الشكل ونمطية الإيقاع، إلى القصيدة الحرة ( قصيدة التفعيلة )؛ حيث تغير الشكل وتنوع الإيقاع، إلى قصيدة النثر؛ حيث تغير الشكل و خفوت الإيقاع. وفي كل هذه التغيرات، تبرز ظاهرة إبداعية، تتمثل في حضور السرد، وما يتعلق به من حدث، وحوار، وشخصيات، وفضاء، وزمان. وكل ذلك أساسه قصة يتأسس عليها البناء الدرامي والتصوير المشهدي. و هو ما ينقل النص الشعري السردي من نظرية نقاء الجنس الأدبي إلى تداخل الأجناس الأدبية، بما جلبته تلك العناصر التي هي في الأساس عناصر بنائية لأجناس أدبية مجاورة للنص الشعري من جماليات فنية وأبعاد رؤيوية.

ولذلك نتساءل: ماهي عناصر البناء الدرامي ومظاهره في القصيدة السردية؟ وكيف تحقق التصوير المشهدي فيها؟

وسَنَتَّخِذ من شعر التفعيلة الجزائري المعاصر نماذج تطبيقية، لعدم تسليط الضوء عليها من طرف الدرس النقدي من جهة ولغناها الإبداعي من جهة ثانية.

أولا: البناء الدرامي في القصيدة السردية

اتجه الشعر الجزائري المعاصر ذو الطابع السردي إلى استلهام العناصر البنائية للأجناس الأدبية المجاورة، وإلى استثمار طاقاتها التعبيرية، مما أكسب النص الشعري صفة "تداخل الأجناس الأدبية".

إن التفاعل بين المكوّنات البنائية المختلفة في النص الشعري السردي جعل هذا النص ينحُو إلى الدرامية،[1][2]. وتصبح بدورها مظهرا من مظاهر تداخل الأجناس الأدبية في النص الشعري.

يتعلق "البناء الدرامي" أساسا بالمسرح وما في عالمه العجيب من "فضاء" و"صراع" و"تأزّم". وقد نقل الشاعر المعاصر تلك القضايا وألبسها عباءة الشعر. فكان البناء الدرامي مظهرا لتداخل الأجناس الأدبية في النص الشعري المعاصر. إذ عمل الشاعر على « تجسيد أبعاد رؤيوية في صورة أشخاص تتصارع وتتحاور، ومن خلال تصارعها ينمو بناء القصيدة وتبرز دراميتها »[3]، وذلك ما ينقل النص الشعري من مجال نقاء الجنس الأدبي إلى تداخل الأجناس الأدبية.

تتكون البنية السردية للقصيدة القائمة على الحكي من جملة عناصر بنائية، استقتها من أجناس أدبية مجاورة؛ من رواية ومسرح و سينما. وتتمثل هذه العناصر أساسا في : الحدث، والحوار، والفضاء، والشخصيات، الزمان. وينتج عن التفاعل بين مختلف هذه العناصر، ما يعرف بالبناء الدرامي للقصيدة متداخلة الأجناس الأدبية.

إن "البناء الدرامي" لا يتحقق إلا من خلال التفاعل بين تلك العناصر والعلاقات التي تنشأ بينها وبين غيرها من مكوّنات نصية وسياقية. إذ أن ما يميز الدراما هو « قدرتها الماثلة في التقنيات المختلفة»[4]، مما يزيد من إمكانات النص الشعري التعبيرية والتصويرية.

وكل ذلك يجعلنا نتساءل: ما الدراما ؟ وما هي تمظهراتها في النص الشعري ؟

تعني الدراما « الفعل والحركة والصراع »[5]، وذلك ما يولّد التأثير على المتلقي، ويجعل منطق التأزّم الواقع في النص الشعري مصورا لحالات نفسية أو اجتماعية أو سلوكية. قد يكون لها "معادل موضوعي" في الواقع. و بالتالي مثلما تمارس المسرحية الدرامية التطهير، تمارس القصيدة ذات البناء الدرامي التأثير، بما استلهمته من عناصر بنائية لأجناس أدبية أخرى.

إن استلهام النص الشعري لعناصر البناء الدرامي من المسرح أساسا، هو في الأصل استرجاع لإرث تاريخي، فالمسرح بدأ شعرا.

يعتمد البناء الدرامي للقصيدة السردية أساسا على « تعدد الأصوات والمستويات اللغوية، وترتفع درجة الكثافة نتيجة غلبة التوتر والحوارية فيه »[6]. إضافة إلى الدور الذي يلعبه كل من الفضاء والزمان، إذ الفضاء « لُبُّ الدراما »[7]، بينما الزمان مداها الوجودي.

بناء على ذلك كيف تجسد البناء الدرامي في قصيدة " شيء من سيرة الطفل المشاغب "   لـ: " عز الدين ميهوبي " ؟

تعتبر قصيدة " شيء من سيرة الطفل المشاغب " لعز الدين ميهوبي[8] نموذجا لنص شعري جزائري معاصر يغلب عليه البناء الدرامي. من خلال الحدث المأساوي الذي يصور تفاصيله. ومن خلال القدرة الفنية عند نقل النص من الواقع الإنساني إلى الواقع النصّي.

تستمدّ قصيدة " شيء من سيرة الطفل المشاغب " دراميتها من بعدها الإنساني. إذ تصور مصير الطفل الذي هزّت وفاته العالم. إنه محمد الدرّة، الذي لم يعد يرمز لشخص محمد الدرّة فحسب، بل صار علما لمأساة اسمها الوجود الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي. ومن خلال ذلك مأساة الوجود الإنساني في ظل الهيمنة والاعتداء.

وتبدأ القصّة بحوار هادئ بين الطفل وأبيه. زمانه الليلة السابقة للحدث المأسوي، وفضاؤه بيت الوالد وأحلام الطفولة، حيث يترجى الطفل أباه في أن يأخذه إلى السوق فغدا يوم راحة، أمل الأطفال في التسوق، وشراء الحلوى، والألعاب، والكراريس، ووصايا الأم حول ما قد يغفل عنه الوالد. كل ذلك أسرّ به الابن إلى أبيه ليلا. و بعد أن انتزع الابن من أبيه وعْدا بالذهاب، يخلد إلى النوم.

« أَبِي خُذْنِي غَدًا للسُّوقِ

إِنَّ غَدً الَنَارَاحَهْ

وَإِنِّي أَعْشَقُ الْحَلْوَى

وَلَيْسَ لَدَيَّ مَا يَكْفِينِي مِنَ الألْعَابِ

فِي السَّاحَهْ

وَلَيْسَ لَدَيَّ كُرَّاسَ الأنَاشِيدِ ..

وَلَيْس َلَدَيّ َقَدَّاحَهْ

وَأُمِّي تَبْتَغِي" شَالا" وَمِرْآةً ..

وَتُفَّاحَهْ

سَنَذْهَبُ يَا بُنَيْ لِلسُّوقِ

نَمْ .. عَيْنَا كَمُحْمَرَّهْ

.. »[9]

إنه مشهد هادئ. ينطلق منه البناء الدرامي لهذا النص، حتى يهيئ القارئ ويجعله يتعرف على فضاء الحكي، وينسج حميمية معه. تفرض عليه أن يسأل هل حقق الطفل حلمه القريب، أم أن الحلم سيتحوّل إلى فاجعة ؟

ويأتي دور السارد (الراوي) ليقص حكاية الطفل محمد درة، ويصوّر بالكلمات مأساته في بناء درامي، يجعل المشاهد و كأنها ماثلة للعيان. و يزداد الصراع حدّة، والمواقف توترا، كلما تكاثرت خيوط البناء، واقتربنا من العقدة، التي فجّرت الموقف، وحوّلت الحدث من أن يكون موتا عاديا إلى موت مفعم بروح الثورة والشهادة والخلود.

ها هو محمد الدرة، الذي كان يُنتظر منه أن يغرق في حلم طفولي، يواصل فيه ما هجس به في قرارة نفسه أياما، وصرّح به لأبيه ليلا، يتحوّل حلمه إلى مشاهد، تختلط فيها رؤيا الفتية في سجن يوسف، حيث الطير تأكل الخبز من فوق رأس أحدهما، وسفر ذي القرنين إلى تخوم الشمس وأطفال الحجارة وضغط الاحتلال.

« وَنَام َمُحَمَّدُ الدُّرَّه

وَلَمْ يَحْلُمْ بِكُرَّاسِ الأنََاشِيدِ

وَلا بِالشَّال ِوَالْمِرْآةِ وَالْحَلْوَى

وَلا تُفَّاحَةِ الْعِيدِ

رَأَى طَيْرًا تُخَضِّبُر ِيشَهُ الحِنَّاءُ

يَكْبُر ُفِي الْمَدَى زَعْتَر

وَأَبْصَر َفِي تُخُومِ الشَّمْسِ دَالِيَّةً

مِنَ النَّار ِينْجِوَ الْعَنْبَر

وَأَطْفَالا عَلَى أَسْوَارِ "رَامَ الله"

وَفِي بَوَّابَةِ الأقْصَى ..

وَخَلْفَ حَدَائِقِ التَّلَّه

بِأَيْدِيهِمْ وُرُود ُالصَّبْرِ ..

قُمْصَانٌ

وَمِقْلاعٌ ..

وَبَعْضُ حِجَارَة الإسْفَلْتِمُبْتَلَّه»[10]

تنمو معالم هذه المأساة الدرامية وذلك بتصوير فضاءات الحكي المتوهمة أو الواقعية، حيث لا يخلو أي مشهد شعري من مفارقة تصويرية تزيد من حدة التوتر، فالأطفال الذين كان من المفترض أن يمسكوا بأيديهم الأقلام والدفاتر، إذا بهم يمسكون الحجارة و المقاليع. و الأحلام التي يتوقع منها الإغراق في عالم الطفولة البريء إذ بها توغل في حيثيات الواقع الفلسطيني الذي صنعه الكبار، ولم يتركوا فيه فسحة أمل للصغار.

ويواصل الراوي سرد ما رآه محمد الدرّة في حلمه:

«  رَأَى الأطْفَالَ ..

هَلْ يَدْرُون َأَنَّ الأرْضَ مُحْتَلَّه

وَلَم ْيَكُبَيْنَهُم ..

يَبْكِي

فَيَسْمَعُ صَوْت َوَالِدِهِ

مُحَمَّد ُإِنَّهُ الْوَقْتُ ..

أَبِي كَانُوا هُنَا وَأَنَا بَعِيدً اعَنْهُم ُوكُنْتُ .. »[11]

ويبرز في هذا المقطع "تعدد الأصوات" كملمح للبناء الدرامي، فالسارد يسأل في حيرة على مدى إدراك الأطفال لكُنه الاحتلال، ومحمد الدرّة يسمع صوت والده، الآتي من عالم اليقظة، و المركوز في ذاكرته، بأن يبتعد دائما عن كل ما يَمُتُّ للاحتلال بصلة من جنود ومستوطنين، ومدافع و مجنـزرات، إنه التوتر المتصاعد مع نمو الأحداث و سيرورة الحكي.

ويبدأ الحوار داخل الحلم، بين والد هدّته السنون، وفقد من الأبناء الكثير، وبين ابن غرس فيه فَقْدُ الآخرين فلسفة جديدة للحياة. تمتد فيه تداعيات أفكار الفتى، ويكتفي الوالد بفعل أمر قد ينتظر منه الاستجابة الفورية، لكنها الأحلام لها أحكامها الخاصة.

« دَعِ الأَحْلامَ ..

لايَا أَبِي .. مِن َالأَحْلاِم قَدْ جِئْتُ

أَمَا عَلَّمْتَنِي يَوْمًا

إِذَ الَمْتَكْبُر الأقْمَارُ ..

يَقْتُلُ ضَوْءَهَا الصَّمْتُ ..

أَمَا عَلَّمْتَنِي أَنِّي

إِذَ الَمْأَرْعَذَا كِرَتِي ..

يُعَشِّ شُفِيدَمِي الْمَوْتُ

أَبِي مَا أَضْيَقَ الشَّارِع

وَمَا أَوْسَعَ أ َحْلامِي »[12]

إنه حوار يزيد في حدّة التوتر النفسي بين الوالد وابنه؛ الوالد الذي غرس القيم الأصيلة في نفس ولده، وها هو الابن يذكره بها عندما يشفق الوالد عليه ويأمره بالابتعاد عن المواجهة حفظا لحياته. ولكن الابن تعلم درس الحياة، فصار الواقع يضيق بأحلامه. و أيقن أن حفظ الذاكرة سببا لبقائه، و أن حقائق الغد لن تكون إلا تجسيدا لأحلام اليوم.

ويتواصل الحلم، ويواصل السارد ذكر حيثيات الحوار. يتخيل الطفل نفسه وقد ذهب إلى السوق، وبدأ يشير على الوالد بالأشياء التي يشتريها، وبالمعالم التي يعرفها، والأب يتابع ما يقول الطفل، ويعتصر أسى وحسرة لأن الاحتلال لم يترك له فرصة شغل ليقتات، ما بالك بتلبية تلك الحاجات.

« أَبِي انْظُرْ إِلَى الجَامِع ..

إِلَى ظِلِّي ..

يَمِيلُكَعَقْرَب ِالسَّاعَة ..

هُنَا قَدْ صَار َقُدَّامِي ..

أَبِي انْظُرْ ..

هُنَاِلكَ خَلْفَ بَابِ السُّوقِ حَانُوتٌ ..

وَفِي الْحَانُوت ِشَالات ٌوَأَلْبِسَةٌ نِسَائِيَّه

سَأَخْتَارُ لأُمِّي شَالَهَا الْوَرْدِيِّ ..

أَوْصَتْنِي بِأَنْ أَخْتَارَ هَذَا اللَّوْن ..

يَصْلُحُ فِي الزِّيَارَاتِ الْمَسَائِيَّه

لِمَاذَا تُحِبُّهُ أُمِّي .. وَمَا دَخْلِي أَنَا؟

فَأَنَا أُحِبُّ "سَلاحِ فَالنِّينْجَا"

أَبِي هَلْ أَشْتَرِي عِلْكًا ..

وَأَقْرَاطًا مِنَ الْجَوْهَر ..

وَإِبْرِيقًا مِنَ الْمَرْمَر

وَأَسْوِرَةً نُحَاسِيَّه»[13]

إنها ذات طفل بريئة في واقع بائس. أصبحت فيه أشياء الحياة البسيطة، من شال وعلك وأقراط وإبريق مطمحا وأمنية. وتزداد حركية الإبداع حيوية، ويزداد الصراع توترا، ويزداد البناء الدرامي إحكاما، مما يفجر صبر الأب، فيصرخ في وجه الابن أن كفى أمنية، فليس كل الأطفال من حقهم الأماني، بل إنني المقتول أو أنت ولا الأحلام تنجينا، ولا العالم المخمور ينقذنا، هذا قدرنا في أرضنا.

« كَفَى يَاابْنِي ..

فَقَد ْأَتْعَبْتَنِي يَا ابْنِي

وَتَعْرِفُ أَنَّنِي عَاطِل

رَغِيفٌ مِن ْعَجِينِ الْمُرِّ

يَطْلَعُ فِي يَدِي الْيُمْنَى

وَخَلْفَ الْبَابِ سَفَّاحٌ

وَمُسْتَوْطَنَةٌ تُبْنَى

فَحُلُمُك َيَابُنَي ْبَاطِل

وَتَعْلَمُ أَنَّنِي الْمَقْتُولُ

فِي أَرْضِي

مَنِ الْقَاتِل؟

أَلَيْسَ الْعَالَم ُالْمَخْمُور ُيَا وَلَدِي هُو َالْقَاتِل؟»[14]

و بعد أن أيقن الوالد من تخلّي العالم عنه. يتجه إلى ذاته. يكشف عن أسرارها. ويعبر عن قوة صبرها واصطبارها، وعناصر القوة التي تمتدّ جذورها إلى مكوّنات الأرض، وخبايا التراث، ومعالم الدين، وحجارة المقاومة. في تحدّ واضح للواقع المفروض والمرفوض، وبين الفرض والرفض يحتدم الصراع، وتزداد الألفة مع الوطن تجذرا. في نهاية حلم أفاض السارد في ذكر تفاصيله، وكان مجالا لبناء درامي محكم، بما فيه من شخصيات، وحوار، وصراع، وأحداث، وحركة، وفضاء. ليسدل الستار على الأب مُعلنا التحدّي مُعتبرا بشائر النصر لا تحملها إلا أمطار الغضب.

« وَأَبْقَى وَاقِفًا وَحْدِي

وَلَيْسَمَع ِيسِوَى حَجَرِي

سِوَى رُوحِ يالتِّيانْشَطَرَتْ ..

إِلَى وَطَنَي ْنِفِي الْمَنْفَى ..

وَمِئْذَنَتَيْنِ فِي حَيْفَا

وَلَيْسَ مَعِ يسِوَى سَفَرِي

وَأَنْتَوَ غَابَةَ الزَّيْتُونِ ..

وَالزَّجَل َالفِلِسْطِينِي ..

وَالآتِين َفِي أَثَرِي ..

يَدِي أُسْطُورَةُ الدُّنْيَا

تُلامِس ُفِي الْمَدَى قَمَرِي

وَتَجْدِلُ مِنْدَ مِيوَطَنًا

يُخَبِّئُ فِي دَمِي قَدَرِي ..

وَتَعْلَمُ أَنَّنِي يَا ابْنِي

كَكُلِّ اللاجِئِينَ أَرَى ..

شُمُوسَ الصَّحْوِ فِي مَطَرِي»[15]

وهكذا، ينتهي المقطع الطويل الأول من "شيء من سيرة الطفل المشاغب"، والذي عنونه بأول الشغب. و الشغب عادة ما يكون المجال الأرحب للفعل والحركة والصراع، وما يتولّد عن ذلك من توتر في علاقة الشخصيات ببعضها، وعلاقتها بالفضاء المحيط بها. وكل ذلك تجسيد للبناء الدرامي الذي يمثل ملمحا بارزا لتداخل الأجناس الأدبية في النص الشعري. غير أن البناء الدرامي لهذا المقطع من القصيدة شغل فيه الحلم حيزا معتبرا. وتعددت فضاءات الحكي بين واقعي ومتخيل، ونما فيه الحوار، وتعددت الأصوات مع التكثيف اللغوي، والضغط السردي، بما يعطي البناء الدرامي في النص الشعري خصوصية تجعله مختلفا عن نظيره في المسرح. إذ البناء الدرامي في المسرح أشدّ واقعية لشروط التمثيل وطبيعة الفضاءات والمشاهد، التي يتطلب الموقف حضورها على خشبة المسرح، بينما المشاهد في الشعر تخيلية تعتمد الوصف والتصوير.

وما إن ينتهي المقطع الأول حيث أحلام الطفل وكوابيسه ، وواقع الوالد ومآسيه، حتى يفتتح الشاعر مقطعا جديدا سماه "آخر الشغب". يُفتتح المقطع بوصف حالة الطفل مع والده وهما في الطريق إلى السوق، ليتحقق وعد الأب وأمنية الطفل. ويبدأ القلق يساور الفتى. فقد مرّ الكثير من الوقت. ولم ينفتح الطريق. ولم ينجل غمام الرصاص. والأب العارف بطبيعة الاحتلال يهدّئ من روعه أن مهلا بنيْ، فالتقدم ليس مأمون المخاطر والتراجع كذلك. لأن الأحداث بدأت في التأزّم منذ وضع الطفل قدميه على الطريق. فالرصاص ينهمر من كل جانب، والطفل يتحاور مع أبيه بحثا عن مخرج وسط الرصاص. ويزداد التوتر وخفقان القلب، حتى تصبح الحوارات ناقصة، والنفوس منفعلة، والمشاهد كلها تنذر بحدوث خطب جسيم. لا أحد يدري طبيعته وضحاياه بالضبط، إلا أن علامات دالّة أرسلها الشاعر في معرض تصويره للمشاهد توحي بذلك كسيارة الإسعاف المسرعة، والرصاص المتساقط.

« الصَّمْتُ تَأْكُلُهُا لْخُطَى..

وَمُحَمَّد ٌيَمْشِي عَلَى الْجَمْرِ النَّدِي

أَبَتَاهُمَرَّتْسَاعَتَانِ ..

مَتَى نَعُود ُلِبَيْتِنَا؟

مَهْلا بُنَيْ ..

صَوْتُ الرَّصَاصِ مِنَ الْجَنُوبِ

مِنَ الشِّمَالِ

مِن َالْجِهَاتِ الأَرْبَعَه

مِنْ أَيْن َنَذْهَبُيَا أَبِي؟

مَهْلا بُنَيْ..

سَيَّارَةُ الإسْعَافِ مَرَّتْ مُسْرِعَه

دَرْبُ الشَّهَادَةِ مُشْرَعَه

فِي الانْتِفَاضَةِ .. يَاأَبِي ..

مَا كُنْتُ أَقْصِدُ ..

يَا أَبِي .. بَلْكُنْ تَتَقْصِدُ

لَسْتُأَقْصِد .. »[16]

وتتغير أمنية الطفل وحاله، وفجأة يتحول من الهلع إلى السؤال عن الأطفال الذين يُصَوَّبُ نحوهم كل هذا الوابل من الرصاص. ويبدأ حوار جديد بين والد مهزوز الكيان، وطفل منفطر الجَنان، ليقترب الموقف من التأزم النهائي حيث يبلغ البناء الدرامي مداه الإبداعي، وتقترب خيوط القصة من بؤرة التوتر الحارقة.

« فَلْيَكُنْ خُذْنِي إِذَن ْنَحْو َالشَّوَارِعِ كَي ْأَرَى الأطْفَالَ.. خُذْنِي يَا أَبِي..

خَطَرٌ عَلَيْنَا إِنْذَهَبْنَا..

قُلْتَلِي بِالأَمْسِ .. أَطْفَالُ الْحِجَارَةِ لَنْيَمُوتُوا ..

طَبْعًا بُنَيْ .. لَنْ يَسْرِقُوا مِنْهُمْ بُطُولَتَهُمْ

وَلَنْ يَقْوَى عَلَى دَمِهِمْ سُكُوت.

خُذْنِي إِذَنْ ..

أُسْكُتْ .. فَلَيْسَ أَمَامَنَا إِلا الرُّجُوعُ

وَالانْتِفَاضَةُ يَا أَبِي

لاوَقْتَ .. أَسْرِعْ »[17]

إنه الخيار الصعب، التحرك في فضاء خانق، تم تصويره ببعثرة الأسطر الشعرية كما ينتشر الرصاص تماما، شخصياته الطفل وأباه يقتحمان الأهوال، وتفضيته متراس إسمنتي وحواجز وجنود ورصاص. ويبدأ الضعف يتسلل إلى الطفل، ولكن عزيمة الأب في قمتها، رغم التوتر النفسي العنيف الذي يعيشه. ويبلغ التأزم في البناء الدرامي مداه ويحتمي الابن بأبيه، ويحاولان الاحتماء بالواقية الإسمنتية، ولكن الرصاص يسرق الطفل من بين يدي أبيه، في مشهد أحكم الشاعر نسج تفاصيله، وكأنه مشهد تصويري يشاهده القارئ.

« أَيْن َنَذْهَب ُيَا أَبِي

دَعْنِي أُفَكِّر .. فَالشَّوَارِعُ لَم ْتَعُد ْتَسَعُ الْجُمُوع

مِنْ هُنَا ..

صَوْتُ الرَّصَاص ..

وَمِن ْهُنَا؟

أَيْضًا رَصَاص ..

لَمْيَبْقَ غَيْرَ الشَّارِعِ الْمَسْدُود ِبِالْمِتْرَاس ِنَعْبُرُهُ ..

أَبِي أُنْظُرْ هُنَاك َجُنُودُهُمْ ..

هَيَّا اِقْتَرِب ْمِنِّي ..

أَبِي .. هُمْ يَنْظُرُون،يُصَوِّبُونَ الأَسْلِحَه

لا .. تَخَفْ .. فَهُنَاك َوَاقِيَّةٌ مِنَ الإسْمَنْتِ

هَل ْيَكْفِي الْجِدَار؟

لا حَلَّيَا ابْنِي .. لَيْتَ عِنْدِي أَجْنِحَه

هُمْ يُطْلِقُونَ النَّارَ نَحْوِي ..

لاتَخَف ْإِنِّي مَعَك

مَهْلا بُنَي ..

إِنَّنِي أَنْزِفُ مِنْ كُلِّ الْجِهَات

يَا وُحُوش

أَوْقِفُو االنَّار َفَإِنّ َالطِّفْل َمَات»[18]

هي فجيعة والد يفقد فلذة كبده بين ناظريه. ولكن لحظة الموت دائما ميلاد للحقائق. وقد فجّرها الشاعر في حوار جديد بين ابن أطلّ على وجود آخر وهو يودّع وجوده الأول، وأب ما عاد يملك قلبه ولا عقله، فهو يصرخ في وجوه القتلة وكأنه يدل على مكانه أن اقتلوني فلا معنى للحياة دون محمد. ويتكاثر الرصاص في جسميهما، ويستمر الحوار، ويحدث تكثيف للرؤى والتصورات، واسترجاع للأحلام والطموحات، وتجسيد للتوتر، وانفعال في مقاطع تصويرية تمر سريعا أمام ناظري من يودع الدنيا، ولكن الشاعر يغرق في التفصيل بما يعمق البناء الدرامي ويغني المشهدية.

« لَمْ أَمُتْ مَازِلْتُ حَيًّا يَا أَبِي..

أَوْقِفُو  االنَّارَ ..

أَبِي .. دَعْهُمْ فَلَنْ يُجْدِي رَصَاصُ الْجُبَنَاء

لاتَقُل ْشَيْئ ًابُنَي ..

يَا أَبِي .. الأَطْفَالُ مِلْحُ الأَرْضِ

أَفْرَاحُ السَّمَاء

فِي فِلِسْطِين أَبِي ..

وُلِدَ الأَطْفَالُ طَبْعًا لِيَكُونُوا شُهَدَاء

يَا مُحَمَّد .. لا تَقُلْ شَيْئًا

أَنَاأُحْصِيب ِجِسْمِي كَمْ رَصَاصَه

وَأَنَا أَيْضًا.. بِصَدْرِي كَمْ رَصَاصَه

مَازِلْت ُحَيًّايَا أَبِي. هَلْ أَنْتَ حَيٌّيَا أَبِي؟

حَيٌّ .. وَلَكِنِّي أَخَاف ..

لا تَقُلْ هَذَا .. أَبِي كَيْفَ يَخَاف؟

دَمُنَا يَثْأَر ..

دَعْهُم ْيَا أَبِي.

فَغَدًا يَأْتِي الْقِطَاف؟

يَا  أَبِي ..

لا تَقُلْ شَيْئًا بُنَي ..

يَا أَبِي لا تَنْـزَعِجْ مِنِّي

فَإِنِّي عَاتِبٌ عَنِّي

وَإِنِّي مُحَمَّدُ الدُّرَّه

دَمِي لِلتُّرْبَةِ الْحُرَّهْ

مُحَمَّد ٌيَا أَبِي طِفْلٌ

فِلِسْطِينِيَّةٌ عَيْنَاهُ

قُدْسِيُّ الْمَوَاعِيدِ

وَلَمْ يَحْلُمْ بِكُرَّاسِ الأَنَاشِيدِ

وَلابِالشَّالِ وَالْمِرْآة ِوَالْحَلْوَى

وَلا تُفَّاحَةِ الْعِيدِ

أَنَا طِفْلٌ لِمَجْدِ الأَرْضِ

فِي عَصْرِ الْعَبَابِيدِ.

أَبِي ..

طَخْ .. طَخْ .. »[19]

وينسدل الستار عن المشهد الدرامي وعلى منصة الأحداث، محمد الدرّة مضرج بدمائه، ولا أحد يهب لنجدته، غير والد غارق في الدم والحزن والألم والحسرة. يسدل الستار على استشهاد الطفل محمد الدرة. ويفتح الشاعر أفقا تصويريا جديدا، يجعل البناء الدرامي السابق سبيلا لبناء ملحمة جديدة، شعارها موت الولدان طريق لحياة الأوطان.

« مَاتَ الْوَلَد .. مَاتَ الْوَلَد

طَلَعَتْ مِنَ الدَّمِ وَرْدَتَان

وَوَرْدَة ٌطَلَعَتْ بَلَد

مَاتَ الْوَلَد .. عَاشَ الْبَلَد»[20]

ويكتمل المشهد الدرامي، باستشهاد محمد الدرة صانعا منه أسطورة حية، تجعله يحيا في كل ضمير. لقد أضفى الشاعر على الحدث من قوة التعبير، وإحكام التصوير، بما استحضر في النص الشعري من عناصر البناء الدرامي ما جعل النص الشعري يتميز بتداخل الأجناس الأدبية.

ما يخلص إليه البحث في البناء الدرامي كمظهر لتداخل الأجناس الأدبية في الشعر الجزائري المعاصر، هو أن البناء الدرامي الذي هو وليد المسرح حوّل النص الشعري إلى طابع تمثيلي. تتجسّد فيه الرؤى والمواقف. وتتفاعل فيه الشخصيات مع الأحداث والفضاءات. بما ينتج عن ذلك من حركة، وانفعال، وتأزم، وصراع، يزيد من فاعلية التأثير على المتلقي، وينقل النص الشعري من التعبير إلى التصوير، ومن نقاء الجنس الأدبي إلى تداخل الأجناس الأدبية.

ثانيا: التصوير المشهدي في القصيدة السردية

تطورت الحياة المعاصرة بشكل جعل ثقافة الصورة تهيمن على شتى المجالات المعرفية. فبها تصنع الآراء وتوجه الشعوب. وعليه كان لكثافة الصورة إلحاح كبير على ذاكرة المبدع والمتلقّي لشتى الأنواع الإبداعية. ومن ذلك النص الشعري « فاحتلّت العناصر المرئية بؤرة حافزة في تكوين المتخيل الشعري، بحيث تعززت بطريقة حاسمة ثقافة العين وفرضت نتائجها على تقنيات التعبير الفني في  الشعر »[21]. وأصبحنا أمام نماذج من النصوص الشعرية يمكن أن تُوصف بالقصيدة المشهدية. وهي القصيدة التي تعتمد التصوير المشهدي في أسس بنائها.

إن ظاهرة التصوير المشهدي، التي هي في الأساس من صميم الفن المسرحي، أصبحت تمثل ملمحا بارزا ومظهرا مهما لتداخل الأجناس الأدبية في النص الشعري. ذلك أن القصيدة المشهدية لم تقف « عند حدود استعارة التكنيكات المسرحية الجزئية، من تعدد شخصيات، وحوار، وكورس، وغير ذلك من الأدوات المسرحية، وإنما تجاوزت ذلك إلى استعارة القالب المسرحي بكل عناصره ومقوماته »[22]، وهو ما يحقق التصوير المشهدي من خلال الحضور الفني لتلك المقومات والعناصر في النص الشعري.

لم يقف الأمر عند تداخل المسرح بالشعر لإنتاج التصوير المشهدي، وإنما تعدّى ذلك إلى السينما. إذ « شهدت العلاقة بين الأدب والسينما تفاعلا كبيرا وحققت نتائج مميزة، ولم يكن انفتاح القصيدة المعاصرة على التقنيات السينمائية مقتصرا على القصيدة الطويلة، بل إنه ظهر في القصيدة القصيرة أيضا»[23]، لتكون القصيدة الطويلة في مقابل الشريط السينمائي، وتكون القصيدة القصيرة في مقابل الومضات الإشهارية.

وعليه فإن التصوير المشهدي يمثل انفتاحا للقصيدة الشعرية المعاصرة على كل من الفن المسرحي والفن السينمائي. ومن نماذج التصوير المشهدي ما يُصطلح على تسم

يته "المونتاج الشعري"، حيث يعتمد الشاعر « على مبدإ عمل المونتاج السينمائي في بناء القصيدة، بمعنى ربط اللقطات والمشاهد بعضها ببعض لتكون في النهاية عملا متكاملا »[24]، وقدرة الشاعر على ربط المشاهد التصويرية بما يُكَوِّنُ صورة متكاملة عن التجربة التي يريد تصويرها، هو ما يعمّق فكرة التصوير المشهدي كأداة لبناء القصيدة. إذ تغدو القصيدة الشعرية عند إحكام ذلك التصوير مسرحا حقيقيا، يمكن للمشاهد متابعة تفاصيله التصويرية. ولكن ذلك المسرح لا يعتمد الشاشة السينمائية للعرض، وإنما يعتمد الخيال التصويري كفضاء للإنتاج والعرض.

في ظل التصوير المشهدي « بدلا من اعتبار النص كتابة جامدة ونهائية ومكتفية بذاتها، يجري تصويره على أنه تعبير أو تلفظ لا سبيل إلى أن يتحول إلى خطاب إلا عبر شروط مشهديةلإيصاله »[25]. وتلك الشروط المشهدية هي ما تجسد في القصيدة السردية المعاصرة.

إذا كان المخرج المسرحي يعتمد الشروط المشهدية من ديكور، وحركة شخصيات، وإضاءة، وحوار، والتي تتجسّد على خشبة المسرح بما يُمَكِّنُ المشاهد من متابعة تفاصيل الحدث المسرحي، وإذا كان المخرج السينمائي يعتمد في الشروط المشهدية على تركيب اللقطات التصويرية، مع توظيف كل عناصر الإثارة، من خلفيات، وإضاءة، وموسيقى تصويرية وغيرها، فإن الشاعر يجسد الشروط المشهدية على مستوى التخييل الشعري عن طريق الوصف والسرد والصورة والعبارة والإيقاع. فتتحول القصيدة إلى ما يشبه الشاشة التي تحكي عالم القصيدة، بما يتجلّى في سطحها من تصوير للمشاعر، وتأجيج للعواطف، وتصوير للذّات أو للآخرين، في مشاهد متتابعة تحقق التصوير المشهدي، من خلال رسم المشاهد، وتفعيل التصوير، وفسح المجال للخيال الشعري، وما تتيح إمكانياته الذهنية من خرق لأفق التوقع. و ذلك ما ينتج مشاهد تصويرية في عالم القصيدة الشعرية، قد تعجز الخشبة عن تجسيدها والكاميرا عن تصويرها في كثير من الأحيان.

إن من يتابع القصيدة المشهدية قراءة أو سماعا، يكون أشبه ما يكون بمتابع لمشاهد مسرحية أو سينمائية تجري أمام ناظريه.

يعتبر التصوير المشهدي الذي يتجسّد في «قصيدة المشهد الشعري أنموذجا متقدما وغنيا »[26] من النماذج الشعرية للإبداع، لما تميزت به من التفاعل بين كل العناصر البنائية للنص الشعري. إذ يحضر فيها الحوار، والشخصيات، والفضاء، والبناء الدرامي، وما ينشأ بين كل ذلك من تفاعل يحقق المشهدية.

يدل الإبداع الشعري المتّسم بالتصوير المشهدي كمظهر لتداخل الأجناس الأدبية في النص الشعري على اقتدار فني من طرف المبدع. إذ يتحول النص الشعري من نص يطبعه السكون إلى نص غـني بالحـركة،« ويظل المشهد المعطى أو المتشكل تدريجيا هو المهيمن الروحي على حركية الأصوات والشخصيات وعلى الكتل والأشياء البصرية والهندسية المتجانسة تارة والمتصادمة تارة أخرى »[27]، مما يعطي النص نموا ذاتيا بالصور التي يشكلها، والمشاهد التي يصورها.

قد يتخذ الشاعر من القصيدة الديوان أو القصيدة متعددة المقاطع أو القصيدة متعددة الومضات إطارا لتجربته الشعرية المتسمة بالتصوير المشهدي، حسب طبيعة التجربة المعاشة أو الموقف المشهدي.

من نماذج قصيدة الديوان ذات التصوير المشهدي يمكن أن نذكر ديوان " طواحين العبث " لأحمد شنّة، حيث جعل لتمفصلات التصوير فيها لازمة تكرارية هي: تكلم، واستهلها بقوله:

« تَكَلَّمْ لِكَيْ لا أَرَااك

لِكَيْ لا تُطَهِّرَنِي بِالدِّمَاءِ يَدَاك »[28].

ومن نماذج القصيدة الطويلة متعددة المقاطع ذات التصوير المشهدي تبرز قصيدة   " شهرزاد والليلة الثانية بعد الألف "[29]. ومن نماذج القصيدة أحادية المقطع متعددة الومضات يمكن أن نذكر قصيدة " هي لن تموت "[30].

وعلى سبيل التمثيل، فإن قصيدة " شهرزاد والليلة الثانية بعد الألف " و التي تمثل حكاية متكاملة، نجد أنه يتجسّد في تشكيلها البنائي التصوير المشهدي، بدءا من العنوان، وانتهاء بالخاتمة النصية.

1- شهرزاد عنوان السردية العربية

يوغل بنا هذا العنوان: "شهرزاد والليلة الثانية بعد الألف" إيغالا بعيدا في تراثنا. فشهرزاد عنوان السردية العربية. وبذكرها تقفز إلى الذهن مباشرة شخصية الملك شهريار، التي بُني فيها المخيال العربي على شخصية باذخة في الترف، مشبعة بالظلم، تتبدى فيها سلطة الذكورة، وإشباع اللذّة، وإلغاء الآخر. وكل من أدركها الليل مع شهريار لا سطوع لنهارها، لأنه الليل الأخير، حيث أن غروب كل شمس مهدٌ للذّة وإشباع لرغبة، وكل طلوع نهار إيذان بأفول لأنثى وانمحاء لوجودها، وميلاد للذّة جديدة، فأفول جديد. هي لذّة مفعمة بروح الانتقام، لا مجال فيها لحب، فالعقل لا يتصور حبا نهايته قتل، والنفس لا تأنس لألفة ليل يخبئ في ثناياه الموت الرهيب. ذلك هو شهريار.

شهرزاد، حامية جنسها ومنقذته من هول الأفول والاندثار، وحضورها على مستوى العنوان حضور على مستوى الفكر والوجدان، حضور تحمله الليالي التي ذكر الرواة أخبارها، والتي تغلبّت فيها سلطة الكلام على سلطتي القوة والشهوة. فقد استطاعت بفتنة الكلام والقول، والبيان وسرد الأخبار خلال ألف ليلة وليلة أن تنقذ ألف أنثى وأنثى، وأن تغذي الوجود الإنساني بألف حكاية وحكاية. تلك هي شهرزاد، اسم لا أخال أن أصوله عربية مثلما هو السرد والحكي.

ذلك ما توحي به لفظة شهرزاد، هذا العلم الذي يأخذ موضع الابتداء في عنوان القصيدة، ليكون مبتدأ خبره في النص، أو يكون خبرا لاسم إشارة محذوف، وأيا كان الأمر فشهرزاد تبحث عن قصّة جديدة، فماذا تريد أو يراد لها في هذه الحكاية الجديدة ؟ ذلك ما يحمله حرف العطف، لأن حرف العطف أحدث انزياحا على مستوى العنوان، إذ المعلوم أن ليالي شهرزاد مع شهريار ألف ليلة وليلة، علمت أخبارها وتواترت آثارها، لكن شهرزاد التي أحياها الشاعر ستروي الحكاية الثانية بعد الألف، وذلك ما يولد إغراء للمتلقي بمرافقة شهرزاد لاستماع الحكاية الجديدة.

2- الفاتحة النصية: البدر وشهرزاد ومنطقي التشاكل والتباين

تتمثل الفاتحة النصية في الأسطر الشعرية:

« الْبَدْرُ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ قَد اسْتَقَرَّ ..

وَعَلَى أَرِي كَتِهِتَمَدَّد َشَهْرَيَار .. »[31].

مَثَّلَ منطق التشاكل السمة البارزة التي يرسمها التصوير المشهدي للفاتحة النصية بين لفظتي: البدر وشهريار

m101001

بناء على منطق التشاكل، فإن شهريار ملك سعيد في عالم الواقع، يماثل البدر في عليائه في فضاء الكون، ومثلما سعت النفوس الكسيرة لاستمداد القوة من البدر، باعتباره سلوة المشتاقين وأنس المتحابين، فقد تسابق الناس إلى الملوك لاستمداد القوة ورفع الضيم، باعتبارهم سند المقهورين ودعم المظلومين. لكن هذا التشاكل الظاهري سرعان ما يتحول إلى تباين واضح، حيث تتحوّل الصفات ذات القيمة الإيجابية لدى شهريار إلى قيم سلبية تجاه صنف من بني جنسه. إذن هو التشاكل الذي يقود إلى التباين، ومن ذلك تنشأ العلاقة الضدية بين طرفي الحكي شهريار وشهرزاد، وهو ما سيعمق التصوير المشهدي .

والملفت للنظر أن هذه الفاتحة النصية تحدد فضاءين للنص، فضاء سماوي يشغله القمر ببهائه، وفضاء أرضي تظهر فيه صورة شهريار وهو على أريكته حيث يوحي تمدده بالترف والبذخ، وتوحي أريكته برفعة المقام وسلطة الملك، ويولد الفضاء الكوني جو الحكي وعالم الحكاية.

إنها فاتحة نصية تغري وتغوي، يغلب عليها التصوير الحسي والتجسيد التمثيلي، وهو ما يؤسس لمشهد رسم فضاؤه بما يحقق سيرورة الحكي وتناسل المشاهد، وذلك ما سنتتبعه من خلال مقاطع القصيدة.

3- تضاريس الحكاية

يمكن تقسيم القصيدة إلى مقاطع وتأسيس هذا التقسيم على تضاريس الحكاية

المقطع الأول: سلطة الليل

يتمثل في الأسطر الشعرية:

« أعْيا هطُولُ الانْتِظَار..

والنَّوْمُ أَرْخَى نَحْوَه

كَفًّا وَرَاحَ

يُدَاعِبُ الأجْفَانَقَهْرا ..

فَيَرُدُّهَا السُّلْطَانُيَ أْبَى

أَنْي ُلَبِّيمُكْرَهًاللنَّوْمِأَمْرا .. »[32] .

ها هو شهريار مأسور بسلطة الكلام، وعليه أن يغالب سلطة النوم التي تختار سكون الليل، تلك النعمة التي امتنّ الله بها على عباده، قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾، سورة النبأ، الآيات: 9/10/11. غير أن السلطان يأبى الخضوع لسلطة النوم بالإكراه، لأنه يريد أن يكون له مع الليل شأن آخر.

إن كل ما ذكر في هذا المقطع يشمله فضاء زماني هو الليل، حيث الصراع الأبدي أو الأنس السرمدي بين قوى الطبيعة المختلفة، فالليل ملاذ الخائفين وغطاء الهاربين، ومهد المتحابين، وراحة المتعبين، وبهجة المتعبدين، فيه الأنس والخوف، الحذر وترقب المجهول. ترى لماذا اختار شهريار مغالبة النوم وبالتالي الليل ؟ أليس النهار أرحب وأدعى لاستقبال شهرزاد ؟ أم أن شهريار أراد أن يخلد للراحة ولا أنسب لذلك من الليل، ولكنها الراحة التي سيماها اليقظة، ومغالبة الليل، الليل الذي تكون الهموم عادة على موعد معه، وقديما قال الشاعر " امرئ القيس " :

وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ   عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِي[33]

وحديثا قال الشاعر " محمود غنيم ":

لِي فِيكَ يَا لَيْلُ آهَاتٌ أُرَدِّدُهَا      أَوَّاهُ لَوْ أَجْدَتِ المَحْزُونَ أَوَّاهُ[34]

من أجل ذلك تنشأ لنا في هذا المقطع حركتان: تؤسسان لصراع نفسي رهيب يعتمل في كيان السلطان، قوة النوم وسلطتها وحركتها من جهة، وقوّة المقاومة التي يبديها شهريار تجاه قوى الطبيعة هاته، إنه مارد النوم في مقابل قوّة اليقظة.

والمقطع يصوّر شهريار وقد استسلم كليّة لخيوط الحكي التي نسجتها حوله شهرزاد، ولذلك يبدو وقد أعياه طول الانتظار، فقوى النوم تحاصره، تداعب أجفانه، وهو يغالب ذلك منتظرا قدوم شهرزاد. وعليه فقد نجح البرنامج السردي الذي أقامته شهرزاد في الليالي السابقة لكن هذا النجاح ما مدى صلاحيته للاستمرار والتفاعل من جديد ؟ وذلك ما يجعلنا ندلف بوابة المقطع الثاني.

المقطع الثاني: السكون الثائر

يتمثل هذا المقطع في الأسطر الشعرية:

« والغَادَةُ الْحَسْنَاءُ تِمْثَالٌ

يُطَوِّقُهُ السُّكُون»[35].

هي شهرزاد إذن تدخل باب الحكاية، وقد تحولت في نظر الراوي إلى تمثال، هل هي صورة نمطية للتماثيل الحجرية أو الورقية ؟ أم هو تمثال تكسوه القداسة ويجلله التاريخ بهالة تبعث الروح فيه وتمدّه بالحياة.

كل ما في هذا المقطع يحيل على السكون:

m101002

فعل المضارع يطوق وإن دلّ بمعنى الفعلية على الحركة إلا أنها حركة تقود إلى السكون.

هو سكون بمثابة نواة قادرة على أسر كل من يقترب من عالمها، وجعله يدور في فلكها، فعُمق هذا السكون الظاهر، يحمل في طيّاته ثورة ستقوم بها شهرزاد، بعد أن تستجمع كل قواها الحكائية، فالليلة الثانية بعد الألف تتطلّب قوّة كامنة للحكي من جديد، إذ ما عساه أن يقول من روى ألف حكاية وحكاية، وهو ما يتطلّب تجميع القوى وتبئير الرؤى، إنه السكون الثائر.

المقطع الثالث: حديث الراوي وتحديد مصائر الشخصيات

تتمثّل الأسطر الشعرية لهذا المقطع في:

« وعلى امْتِدَادِ الصَّمْتِ

تَمْتَدُّ الْهَوَاجِسُ والظُّنُون

" هَب أَنَّهَ الَم ْتَسْتَطِعْ

إِتْمَامَ قِصَّتِهَا كَمَا وَعَدَتْه ُشِعْرًا

هَبْأَنَّهَا عَجَزَتْ

وَخَانَهَافَنُّتَنْمِيقِ الكَلامِ

أَوْ أَنَّهَا لَم ْتَسْتَطِعْ

إِغْفَالَهُ حَتَّى يَنَام

هَبْ أَنَّهَا ارْتَبَكَتْ لِبُرْهَة

وَخَيَالَهَا

نَضَبَتْجَدَاوِلُهُوَ أَمْسَتْ

جَنَّةُ الأَفْكَار ِقَفْرا ..

أَيُحَكِّمُالسُّلْطَانُسَيْفَهُعِنْدَهَا؟

أَيَصِيرُخِدْرُالغَادَةِالْحَسْنَاءِقَبْرا .. ؟»[36].

باعتبار هذه القصيدة تتأسس على منطق الحكي، فإن الراوي يلعب دورا مهمّا في عرض الأحداث وتصوير الوقائع وتفعيل المشهدية. وعليه فالرؤية قائمة على النظر من الخلف، ومنه فالراوي راو عليم، يعرف أكثر مما تعرفه الشخصيات. يقوم هذا المقطع على تساؤلات الراوي، وذلك لحصر الهواجس التي تدور في خلد شهرزاد، وعلى المصير الذي ينتظرها إن هي قصرت في ما وعدت به واعتادت عليه. وبالتالي فهذا المقطع يحمل جملة مفارقات:

الأولى: كسر نمط الحكي، فالموروث الحكائي في ألف ليلة وليلة قائم على النثر ، وهو هنا يتأسس على الشعر في صورته الحداثية – الشعر الحر – في الحكاية الثانية بعد الألف. فهل أن منطق القصيدة اقتضى ذلك ؟ أم أن طبيعة الشعر المغروسة في الذهنية العربية أبت أن يستمرّ الحكي نثرا، ليستأثر الشعر بشرف الحكاية الثانية بعد الألف. بعد أن جلب لمجراه طاقات السرد وإمكاناته.

والثانية: الخوف من تراجع سلطة الكلام أمام سطوة الحسام.

والثالثة: بروز مظاهر تداخل الأجناس الأدبية في هذه القصيدة بدءا بوصف حالة الملك في المقطع الافتتاحي، وغنى النص بالحوار الداخلي، وصوت الراوي، ومصائر الشخصيات، وتنوع الفضاءات. إننا بحق أمام مشاهد تصويرية لقصّة تتسم بالسرد الشعري.

المقطع الرابع: الحوار الداخلي

ويتكوّن من الأسطر الشعرية الآتية:

« وَمَضَتْ تُحَدِّث ُنَفْسَهَا

- خَوْفًا مِنَ السُّلْطَانِ – سِرّا:

عَجَبًا لأَمْرِي ..

أَجَعَلْتُ مِنْ نَسْجِ الكَلام ِقَوَاِقعَ

فِي جَوْفِهَا خَبَّأْ تُعَمْرِي .. ؟

كَيْفَ ارْتَمَتْ هَذي الحروفُ

لِكَي ْتَحُول َبِسِحْرِهَا

مَابَيْن َخِنْجَرِ هِوَ نَحْرِي

وَتَدَافَعَتْ لِتُطِيلَ عُمْرَا

كَيْفَ اسْتَطَاعَ الْحَرْ فُأَن ْيَمْتَدَّ فَوْقَ

الْمَوْتِ وَ السيَّافِوَالأَهْوَالِ جِسْرَا .. ؟»[37].

تتبدى في هذا المقطع فتنة اللغة وتفوقها على السيف في صراعهما الأزلي، وهذا المقطع قائم على الحكي داخل الحكي، أو ما يعرف بمبدأ تضمين الحكاية، حيث أن الراوي يسرد على لسان شهرزاد مونولوجا دار بينها وبين نفسها، يرسم فضاءه التخيلي بعوالم متقابلة، منها ما ينتمي إلى المحسوس، ومنها ما ينتمي إلى المجرد، فالقواقع مادية طبيعية تختزن داخلها الجواهر، ولكن قواقع السارد من كلمات، جعلتها شهرزاد غاية في التجريد خصوصا وأنها اتخذت منها أصداف حماية.

m101003

لأجل ذلك اتخذت شهرزاد من الكلمات قواقع تستتر بسحرها، تخبئ فيها عمرها، ليس حبّا في الاختباء وإنما طلبا للحياة. فالحروف عرائس الحياة، وإن اعتدى السيف يوما على الحرف فقتله فقد وهب له الحياة. لكن شهرزاد لا تريد أن توهب لها الحياة، بل تريد أن تكون واهبة للحياة لبنات جنسها، ولذلك نجدها في لحظة الخوف تعجب لأمرها، وتقيم مقابلة بين عناصر القوة الموهومة في الحرف، وعناصر القوة الماثلة في السيف.

فالقواقع كلسية سهلة الكسر، تقذفها الأمواج وتلهو بها الأيادي. والسيف، الخنجر، السلاح، يحمل في طيّاته الموت والأهوال، ولا تخاله يتحرّك دائما إلا في مهاوي النحر، حيث مجمع العروق واجتماع الحياة. فكيف بشهرزاد تثق بهذه القواقع الصدفية وتختبئ فيها، وتقيم منها جسرا يمنع الموت عن النحر ويعمل على إطالة العمر . هو شك إذن له ما يبرره، وهواجس لها ما يؤيدها، ذلك أن المونولوج يتصف بالصدق عادة، لأن الذي يحدث نفسه لا يكذب عليها، ولئن غطّى الحقائق عن الآخرين فلن يستطيع كتمان الحقيقة عن نفسه التي بين جنبيه، والراوي وحده من يستطيع إعلامنا بذلك الحوار الداخلي وإعلانه لنا، ليستمرّ السرد وتتشكّل تضاريس الحكاية.

المقطع الخامس: الحكاية المؤجلة

يشمل هذا المقطع الأسطر الآتية:

« أَيَكُونُ .. لَكِنَّ ..

صَوْتَ سَيِّدِهَاتَهَادَى

في فَضَاءِ الْقَصْرِ جَهْرَا:

يَا شهرزادُ .. أَمَا وَعَدْتِنِي أن تُتِمِّي

قِصَّةَ " الْمِصْبَاحِ وَ الْكَنْزِ الْمُخَبَّأِ

في بِلاد ِالْعُرْبِ " شِعْرَا .. ؟»[38].

يقتطع الراوي جملة من الإمكانات اللغوية، والتي هي تساؤلات مؤجلة دارت في ذهن شهرزاد في حديثها مع نفسها، بوضع نقطتين بعد فعل مضارع ناقص مبدوء بهمزة استفهام، وكأن نقصان الفعل مشتق من نقصان الحكاية، ونقطتي التتابع فتح للخيال ليتم ما لم تقصه الحكاية . ولا يقطع ذلك الاسترسال إلا صوت شهريار، وهو يناديها، فيقف استرسال الراوي ويؤجل تخيلات السامع.

لقد اعتمد شهريار في ندائه حرف الياء ليدلّ على تعيين المنادى وقربه، وقد جاء وصف صيغة النداء هذه بالتهادي، والأصل في التهادي أنه هيأة مشي:

قام يختال كالمسيح وئيدا     يتهادى نشوان يتلو النشيدا

ولكنها نقلت لتعبّر عن صوت، وفي هذا تظهر صورة الملك، وهو ينتقل مع صوته، لتضفي على المشهد مهابة، وتعمّق الخوف الحاصل والمعبّر عنه في المقطع السابق.

إن فضاء القصر مؤثث على الرحابة والاتساع، ولذلك دعت الحالة أن يكون الصوت جهرا، ليقترب الصوت من صفات الملوك، وليدلّ على القوة والسيطرة، وليؤكد الخوف، وليزيد من رجفة فؤاد شهرزاد.

إن هذا المقطع يجيبنا عن سبب تململ شهريار، وإيثاره السهر على الوسن، إنه العنوان المغري للقصة المؤجلة التي وعدته بها شهرزاد، وتركته معلّقا بأهدابها وأسيرا لغوايتها، إنها قصة " المصباح والكنز المخبّأ في رمال العرب " ليس ذلك فحسب، وإنما ستكون القصة على غير العادة، لأنها ستكون بالشعر، وفي الشعر تكون اللغة ساحرة والبيان آسرا. وبالنظر إلى المكونات اللغوية لعنوان الحكاية المؤجلة، نجد لفظة المصباح تدلّ على النور والإضاءة، ولفظة الكنز التي تجعل العيون تتراقص، لأنه المال الوفير بلا جهد، إلى هذا الحدّ ليس هناك ما يثير الغرابة، فكل قصصنا الخرافي قائم على البحث على الكنز سواء وجد في عالم الواقع أم لا، ولذلك نسجت حوله الأساطير وكونت الحكايا والأماثيل.

غير أن ما يثير الانتباه هو أن هذا المصباح والكنز مخبّأ في بلاد العرب، هذه البلاد التي لم يسكنها الرومان حتى نتحدث عن كنوز مطمورة أو مصابيح مغمورة، فكل ما تحرك في رحابها لم يَعْدُ أن يكون خيمة وطللا، وذلك ما يحتم التأويل ويجعلنا نبحث عن المصباح والكنز مع شهريار إن كتب له أن تحدثه شهرزاد عن ذلك.

و لكننا لن ننتظر ذلك من شهرزاد بل سنحاول فك شفرة اللغة والتعرف على سرّ الكنـز وطبيعة المصباح، لأن مشكلة اللغة أنها دائما شفافة وكل ما استودعته إياها فقد ذاع.

فالمصباح يدلّ على الإضاءة والاحتراق، وماذا تخبّئ رمال العرب ؟ ببساطة إنها تخبّئ البترول، والذي يتعمق فيه معنى الإضاءة والاحتراق، وفعلا فقصة البترول العربي قصة غريبة عجيبة، فقد حوّل جزيرة العرب من بساطة الحياة وشظف العيش إلى ترف الحياة وحياة الترف، وبقدر ما جلب من النعم والرغائب، بقدر ما جرّ عليهم من الويلات والمصائب، وذلك ما لم يخطر بالفعل على قلب شهريار خلال الحكايات السابقة، وبذلك فهي قصة تستحق أن تسرد وأن يستمع إليها.

المقطع السادس: أسطرة الواقع

ويتكون من الأسطر الشعرية الآتية:

« فَتَبَسَّمَتْ: مَوْلايَ .. عُذْرا

سَأُتِمُّهَا،

لكنني آثَرْتُ كَالْيَوْم َبِأُخْرَى

سَأَقُصُّعَنْذَاتِالْعِمَادِ

عَنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ كَيْفَ تَبَخَّرَتْ

كَيْفَ انْتَهَت ْبِجَمَالِهَا وَجَلالِهَا

مَابَيْنَ كُثْبَانِ الرَّمَادِ

سَأَقُصُّ عَنْ غُول ِالْفَنَاءِ

وَقَوَافِلِ الشُّهَدَاءِ،عَنْ

أُسْطُورَةِ الْعَنْقَاءِ وَ الْعَشْر ِالشِّدَادِ

سَأَقُصُّ عن جُرْحٍ تَغَلْغَل َفي فُؤَادِي

تُذْكِيهِصَلْصَلَةُ السِّلاحِ

تُذْكِيهِأَنَّاتُالأسَى

تُذْكِيهِحَشْرَجَةُالنُّوَاحِ

سَتَقُولُ يا مَوْلايَ: إِنَّ

الْكَيَّ أَشْفَى لِلْجِرَاحِ ..

فَبِأَيِّكَفٍّياتُرَىأَكْوِيبِلادِي؟؟

وَتَنَهَّدَتْ

أَلْقَتْ بِحَرّ ِشُجُونِهَاحِمَمًاوَجَمْرا

وَتَدَفَّقَتْ عَبَرَاتُهَا لِتَشُقَّفَوْقَ

الْوَجْنَةِالْمَلْسَاءِ نَهْرَا

وَتَكَلَّمَتْ

وَالْحُزْنُ يَعْصِرُ قَلْبَهَا الْمَذْبُوحَعَصْرَا:

يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ السَّعِيدُ

مَا عُدْتُ أَدْرِي كَيْفَ أَبْتَدِئ ُالْكَلامَ

بَل ْكَيْفَ أَدْخُلُ قِصَّتِي

وَبِأَيِّ حَرْفٍ سَوْفَ أَفْتَتِحُ الْقَصِيد»[39].

ينشأ بن هذا المقطع والمقطع الذي قبله التباين الآتي:

المقطع السابق ( المقطع الخامس)

هذا المقطع ( المقطع السادس)

شهريار هو الذي يتكلم.

شهرزاد هيالتيتتكلم.

تكلم شهريار آمرا.

تكلمت شهرزاد مجيبة.

تكلم شهريار بصوت مرتفع.

ابتسمت قبل الكلام، وبلغة اعتذار أنشأت الخطاب.

في الصوت قوّة.

في الصو تلين.

كان ينتظر قصة المصباح والكنز.

آثر تهب مقدماتقصصيةتمتحمنالتراثوالأساطيرمادتها.

إن جملة المؤشرات الواردة في هذا المقطع مقارنة بالذي قبله، تظهر التباين الواضح بين ما تأسس عليه المقطع السابق وهذا المقطع، وهو تفجير ذاتي لسلطة الحكي التي أرساها السكون السابق، وأسس لها التباين اللاحق، ولذلك كانت تقنية الحكي قائمة على التشويق والإغراء، لصرف شهريار عن القصة التي كان ينتظرها، وإقناعه بالحكاية الجديدة التي أسست لها أسطوريا وعرضتها بقالب حكائي غلبت عليه لغة الاستعطاف، وبذلك تتغلب من جديد فتنة القول على سلطة الغضب والسيف.

أما لغة الاستعطاف فنلمسها من خلال البنى اللغوية التي تحمل في طيّاتها أبعادا نفسية وتأثيرية، ورسائل تواصلية منها ما وظيفته انتباهية، ومنها ما وظيفته تأثيرية، ومنها ما وظيفته مرجعية. وذلك يجعل شهريار ينصرف عن القصة التي كان ينتظرها، ويتقبّل في ارتياح وبتفاعل القصة التي تريد أن تقصها له.

ويتغلّب من جديد سلطان الكلام من خلال ألفاظ النداء وعبارات التودد " يا أيها الملك السعيد "، " يا صاحب الرأي السديد "، ومع ذلك نلمس أسلوب الاستدارة وتهدئة الحوار لتجميع خيوط الحكي والتأثير على المتلقي، بما يشبه التنويم المغناطيسي. لكنه تنويم ليس بمجالات مغناطيسية، ولكنه بالحروف وسحرها البياني، لأن إيهام المتلقي بنوع من الحيرة لدى المرسل يؤسس لفعل تشاركي.

هي شهرزاد إذن تفتتح عالم الحكاية بإدخال ذاتها في الحكاية (كنا)، وتبدأ بالإخبار عن طبيعة الوطن الذي تنتمي إليه، وتستغرق في وصف أشيائه الجميلة، فينخرط شهريار ومن ورائه السامع أو القارئ في الإعجاب بهذا الوطن وسحره، ويتمنى أن تنقله الأقدام إليه مثلما نقلت العبارة الشعرية الوصفية الوطن إلى العين.

« مَاعُدْتُأَدْرِيكَيْفَأَبْتَدِئُالْكَلامَ

بَلْكَيْفَأَدْخُلُقِصَّتِي

وَبِأَيِّحَرْفٍسَوْفَ أَفْتَتِحُالْقَصِيد»[40]

المقطع السابع: عالم الحكاية

الأسطر الشعرية لهذا المقطع تفتتح بقول الشاعر على لسان شهرزاد:

« كُنَّا،

وَكَانَ الْحُبُّ فِي وَطَنِي

يَسِيلُجَدَاوِلا

يَمْتَدُّ فيأ َعْمَاقِنَا نَبْعًا وَظِلا ..

تَتَفَتَّحُ الأحلامُ حَوْل َهُنَرْجِسًا

عَطِرًا وَنِسْرِينًاوَفُلا ..

يَتَوَرَّدُ الأَمَلُ الْجَمِيلُ

عَلَى شِفَاهِ صِغَارِنَا

يَسْتَلُّم نأَرْوَاحِنَايَأْسًاوَغِلا .. »[41]

وتنقل شهرزاد الحكاية من الوصف إلى السؤال لإثارة الانتباه إلى ما يمكن أن يكون أصاب هذا الوطن، وهل ينفع الحكي ويغني السؤال إذا حلّ المكروه.

« مَنْ كَان َيُؤْمِن ُأَوْ يَرَى

فيزَرْعِ نَار ِالْحِقْدِ حَلا ..

مَنْ كَان َيَعْزِفُ لَحْنَهُ الْمَشْئُومَ

في أَفْرَاحِنَا

مَنْ كَان َيَسْعَىكَيْيَرَى

وَطَنِيمُدَاسَالْعِرْضِمَصْلُوبًامُذَلا..

" مَنْ كَانَ .. ؟ " مَاعَادَ تْتُفِيد»[42]

وحتى لا تترك شهرزاد شهريار في حيرة كبيرة، بعد أن استدرجته بالأسئلة المثيرة. تبدأ بالإجابة في إخبار جديد، يتتبع حيثيات ما أصاب الوطن وأشياءه الجميلة.

« يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ السَّعِيدُ

فَالْحُبُّ أَخْرَسَهُالرَّدَى

والزَّهْرُ فَارَقَهُ النَّدَى

والرَّوْض ُغَطَّاهُ الْجَلِيد

وَطَنِ يتَقَاسَمَهُ بَنُوهُ

فَذَبَّحُوه ُمِن َالْوَرِيدِ إِلَى الْوَرِيد

بَاعُوهُ نَفْطًا،سِلْعَةً،

خَبَرًا مُثِيرًا،مَشْهَدًا

مِنْفِلْمِرُعْبٍ،حِصَّةً،

سَبْقًا صَحَافِيًّا ،مَقَالا مُغْرِيًا ..

عَرَضُوهُ جَارِيَة ًتَكُونُ

لِمَنْ يُضَاعِفُ سِعْرَهَا

وَلِمَنْ يَزِيد.»[43]

وبعدما عرضت تفاصيل الحكاية، تدخل التمني عساه يُخفف من تأزم الحكي، ويعطي فرصة للتأمل في ما سبق ذكره:

« لَوْ كَانَ في الْوَطَنِ الْمُذَبَّحِ عُصْبَةٌ

قَالَتْلِمَنْبَاعُوهُ: كَلا ..

لَوْأَنَّحُبَّهُم ُتَصَدَّى

جَهْرَةً للشَّامِتِين..

لَوْ أَنَّهُ في سَاعَةِ الْعُسْرَى تَجَلَّى ..

لَوْ أَنَّنَا

لَمْنُ لْقِأَلْوَاحَالْوَصَايَا

لَوْلَمْنَخُنْحُلُمَ الشَّهِيد

لَوْكَانَ في الْوَطَنِ الْمُكَبَّلِ قُوَّةٌ

لَوْ أَنَّهُآوَى إلى رُكْنٍ شَدِيد»

وبعدما منحت شهرزاد شهريار فرصة للتأمل، تستفيق من هواجس الحلم لديها (حلم التمني) وكأن شهريار يسألها: ما جريرة وطنك ؟ ما خطيئته ؟

فتسارع للإجابة:

« يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ السَّعِيدُ ..

وَطَن ِيجَرِي مَتُهُ الْجَمَالُ

وَطَنِيخَطِيئَتُهُالطَّهَارَةُ

وَسْطَعُشَّاقِالْخَنَاو الانْحِلال

وَطَن ِيجَرِيرَتُهُ التَّفَرُّدُ والتَّمَرُّدُ

حِينَ ذَلَّالْكُلُّوَانْعَدَم َالرِّجَال

لَوْ لَم ْتُرَقْ

تِلْكَ الدِّمَاءُ عَلَى الدِّمَاءِ

وَلَمْ تَسِلْ في الأَرْض ِبَحْرا

لَو ْلَمْ يَمُتْ.. لَوْ لَم ْتَمُتْ.. »[44].

المقطع الثامن: استمرار الحكي

تتمثل الأسطر الشعرية لهذا المقطع في قول الشاعر:

« واللَّيْلَةُ الكُبْرَى انْقَضَتْ

ثمانْ قَضَى من بَعْدِهَا

سَبْعُ و نَشَهْرا ..

وَالْغَادَةُ الْحَسْنَاءُ لازَال َتْتُصَوِّرُ

حِدَّةَ الْمَأْسَاةِ شِعْرَا. »[45]

كنا ننتظر نهاية الحكاية، لكن الذي حدث هو انقضاء الليلة التي  وصفتها بالكبرى، ولم تتم تفاصيل الحكاية، ليس ذلك فقط بل انقضى وراءها سبعون شهرا، وما زالت شهرزاد تحكي قصة وطنها شعرا، وشهريار مأسور بالحكي مندهش للمشهد.

تلك هي البنية السطحية القائمة في عالم ملفوظات السرد، أما البنية العميقة الثاوية في هذه القصيدة، فهي استمرار الأزمة التي تصور شهرزاد بعض تفاصيلها، وذلك ما يغذي جذوة الحكي عندها.

الخاتمة النصية:

وتشمل الأسطر:

« لاا لْفَجْرُ أَدْرَكَ شَهْرَزَاد

وَلا بِلادِي أَدْرَكَتْ

بَعْدَ اللَّيَالِي الألف فَجْرَا»[46]

ويسدل الستار على خاتمة نصية، لمشهد مفتوح لعالم الحكاية الذي أسست له شهرزاد، وسلبت بغواية الحرف سطوة شهريار وسلطة السيف، لتقيم تشاكلا حكائيا بين الواقع الذي تصور شهرزاد تفاصيله، وقد غاب الفجر المعتاد وتأخر كثيرا عن موعده، مثلما استمرت الأزمة وطالت على ما هو معتاد.

ويمكن حوصلة معالم الحكاية في قصيدة " شهرزاد والليلة الثانية بعد الألف " بتطبيق النموذج العاملي لقريماس في الخطاطة السردية الآتية:

 

m101004

 

 

 

 

إن ما يعمق فعل الحكي ويحقق تداخل الأجناس الأدبية في النص الشعري الجزائري المعاصر، هو هذا التصوير المتكامل للحكاية، بقالب شعري، فيه اشتغال على العبارة التركيبية والصورة الشعرية، بما يسمح بتطبيق النموذج العاملي، وكأننا أمام نص سردي لولا الإيقاع الشعري وكثافة الصورة والمشهدية. إذ أنها تتكوّن من المشاهد التصويرية الآتية:

المشهد الأول: يصور شهريار وهو على أريكته ينتظر شهرزاد.

المشهد الثاني: صوت الراوي وهواجس شهرزاد التي جسدتها عبر تقنية المونولوج.

المشهد الثالث: شهرزاد في مواجهة شهريار والصراع بين سلطة الحرف والسيف، وبروز فتنة السرد وقوة الحجة والحوار.

المشهد الرابع: مشهد مفتوح، تتداخل فيه الإضاءة والتعتيم، فانتهاء المشهد مرهون بانتهاء الأزمة التي تصور شهرزاد فصولها، وما دامت الأزمة مستمرة فالحكي مستمر والمشهد مفتوح وشهرزاد تحكي وشهريار أسير الحكي.

وبتركيب المشاهد الأربعة، تنشأ لدى قارئ القصيدة أو سامعها صورة متكاملة عن المأساة التي تصوّر القصيدة تفاصيلها وتحكي فصولها، في تصوير مشهدي يجعل الأحداث تجري أمام ناظري المتلقي، وهو يتابع المشاهد المؤثثة والصراعات المصوَّرة.

يتحول النص الشعري في التصوير المشهدي « إلى مجموعة منالمشاهد أو اللقطات أو اللوحات، بحيث يمكن تحويلها إلى سيناريو سنمائي »[47]، وعليه فنص " شهرزاد والليلة الثانية بعد الألف " غني بالمشهدية.

ومن نماذج الشعر الجزائري المعاصر للقصيدة متعددة الومضات ذات التشكيل التدريجي ضمن المقطع الواحد نجد قصيدة " هي لن تموت"[48]، التي استهل بها نور الدين درويش ديوانه  "مسافات ". وفيها يحاول رسم صورة متكاملة للرسالة التي يحملها ويبشر بها، عبر تسلسل تدريجي للمشهد الذي يريد تشكيله. ويؤثث الفضاء التصويري بعناصر تنتمي إلى عوالم مختلفة منها ما هو إنساني ومنها ما هو حيواني، ومنها ما هو مادّي وآخر معنوي، وواقعي ومتخيل.

 ويمكن تجزيء الوحدات المشهدية إلى البنيات الصغرى الآتية، والتي هي بمثابة ومضات مشهدية.

المشهد الأول: شاعر وحمامة وعنكبوت

وهو العنوان الذي يمكن أن تحمله الومضة الافتتاحية لهذا المشهد، وفيها من التكثيف التصويري ما يلقي بالقصيدة في فضاء المشهدية بشكل مباشر.

« وَضَعَتْ عَلَى كَتِفِي الْحَمَامَةُ بَيْضَهَا

وَعَلَى فَمِ ينَسَجَ الشِّبَاكَ الْعَنْكَبُوتُت »[49]

 إن هذه اللقطة التصويرية، تحيط بالموقف، وترسمه في حالة سكون تصويري، وتوغل به في الدلالة التناصية مع الهجرة النبوية، وما وقع فيها من معجزات. ولكنه سكون يُمَكِّنُ القارئ من إدراك واقعه التخييلي، مما يفتح لدى المتلقي أفقا قرائيا، ويجعله يبدأ في التساؤل عن طبيعة هذا الهادئ الذي يجلب الطير حتى تكون أكتافه موضع عش لبيضه، وما هي جريرته حتى ينسج على فمه العنكبوت بخيوطه. ولذلك فلئن تعلق المشهد التصويري بالسكون، فإنه يؤسس لحركة على مستوى الخيال الشعري.

المشهد الثاني:نداء الآخرين وصراعهم حول موقفه من الحياة.

 يصور هذا المشهد نداء الآخرين، وموقفهم من الشاعر، فهم يستنهضونه ويدعونه إلى العودة إلى بدء عهده، منشدا ومغردا وفق صورته المثلى في خيالهم.

وَتَعَالَتالأصْوَاتُ: غَرِّدْ

مِثْلَمَااعْتَدْنَاكَمِنْأَبَدِالدُّهُورِ

أَوَمَيِّتٌ؟

أَمْصِرْتَصُوفِيَالْهَوَى

وَتَضَارَبَتْحَوْلِيالنُّعُوتُ»[50]

إنه تدرج ثان لتشكيل الصورة وإتمام المشهد، يتأسس على حكاية صوت الآخر داخل المشهد، غير أنه لا يمكن عزل هذا المشهد عن المشهد الذي سبقه، أو المشهد اللاحق به، وهو ما يحقق تكامل المشهد التصويري.

المشهد الثالث: صوت الذات ونداء الأعماق.

يصور هذا المشهد صوت الذّات (الأنا)، إذ يضطر الشاعر لإتمام التدرج التصويري إلى إنطاق الذّات، وإضاءة بعض التعتيم الذي يشمل المشهدين السابقين، فيقول:

« أَنَا عَفْوَكُمْ

أَنَا لا أُبَايِعُكُلَّقَافِلَة ٍتَفُوتُ

إِنَّ التي غَنَّيْتُهَا انْتَبَذَتْ مَكَانًا فِي السَّمَاء

فَضَّل ْتُبَعْدَ غِيَابِهَا الْمُرِّ السُّكُوت»[51]

إنه تبرير تصويري، فالقوافل التي تطلب وده عديدة، وعلى تضاريس البسيطة الكثير ممن يطلب غناءه وتغريده، ولكن المشهد حصر المبايعة لقافلة بعينها، يرقب قدومها، ويعلن أن التي غناها فضاؤها الآن سماوي بعد أن كان أرضيا. وهو مشهد يصعب على الكاميرا التصويرية تتبع فضاءاته، وتصوير جزئياته، أما الشعر والخيال فيسمح بتداخل الفضاءات وتصوير المتناقضات.

المشهد الرابع: تعالي الذات الشاعرة عن واقعها

وينتقل التصوير المشهدي إلى رحاب الذكرى، ليعلل سر قوته وحقيقة وجوده وذكرياته مع من غناها، فتتكامل بالتالي الصورة ويكتمل التصوير المشهدي.

« سَأَعِيش ُبِالذِّكْرَى

بِأُغْنِيتِي الْقَدِيمَةِ لَنْ تَمُوت

هِيَ فِي فَمِي

هِيَ فِي الْفُؤَادِ وَفِي دَمِي

هِي َلَن ْتَمُوت

هِي َلَن ْتَمُوت.»[52]

إن هذا المشهد الشعري في صورته المتكاملة، بوحداته المشهدية الأربع، فيه من الحوار والسرد، والفضاءات، والشخصيات، وتشكيل الصورة البصرية ما يجعل تلك الوحدات المشهدية يكمل بعضها البعض من خلال حركية بناء المشاهد، والتي انطلقت من الإخبار بدلالة الماضي (وضعت، نسج، تعالت، تضاربت) إلى الحاضر في أبايع إلى الاستقبال في سأعيش إلى التأكيد على الحياة والحيوية في دلالة النفي في لن تموت.

هي مشاهد مقطعية متدرجة، تتفاعل جميعها في دينامية تحقق التصوير المشهدي في النص الشعري. مما يجعلنا نحكم على أن النص الشعري الجزائري المعاصر المتسم بالمشهدية، يتجلى فيه تداخل الأجناس الأدبية، بما جلبه من الخصائص الفنية للأجناس الأدبية المجاورة، وجعلها عناصر بنائية له. إذ "التصوير المشهدي" في الأساس تقنية مسرحية وسينمائية أكثر منها أدبية وشعرية.

إن ظاهرة التصوير المشهدي، بناء على ما تم التأسيس له نظريا وتطبيقيا، تمثل ملمحا بارزا لتداخل الأجناس الأدبية في النص الشعري الجزائري المعاصر. وعليه يمكن القول إن قصيدة المشهد التي يتجلى في فضائها التصوير المشهدي مجال إبداعي، اغتنى من خلاله النص الشعري بما جلبه من خصائص فنية من المجال المسرحي والسينمائي بشكل لم يفقد فيه النص الشعري سماته الأساسية وخصائصه الجوهرية.

ما يخلص إليه البحث في حركية البناء الفني للقصيدة السردية، يمكن بيانه في الآتي:

$1·      تمثل القصيدة السردية فضاء نصيا، تتداخل فيه عناصر بنائية هي في الأساس مكونات نصية لأجناس أدبية مجاورة، وفنون إبداعية أخرى.

$1·      إن غنى القصيدة السردية بالحدث، والحوار، والشخصيات، والفضاء، وصوت الراوي، جعلها مجالا إبداعيا للفعل الدرامي والتصوير المشهدي.

$1·   تولد عن البناء الدرامي والتصوير المشهدي حركية في البناء الفني للقصيدة السردية، مما يولد الألفة بين المبدع والمتلقي، فيغدو السامع أو القارئ للقصيدة وكأنه يشاهد مشهدا تلفزيا أو مسرحيا.

$1·   إن تحول النص الشعري المعاصر إلى القصيدة السردية فيه ابتعادٌ عن الطابع الغنائي الذي ميز القصيدة العربية عبر العصور، واقترابٌ من الطابع التمثيلي، وهو الملمح الإبداعي الذي يمكن أن ينقل الشعر العربي من الذاتية إلى الموضوعية.

$1·   إن البحث في القصيدة السردية يقتضي أن تنتقل الرؤية النقدية من نقاء الجنس الأدبي حيث الحدود الصارمة بين الأجناس الأدبية إلى تداخل الأجناس الأدبية حيث شفافية تلك الحدود ومرونتها.

هوامش البحث ومراجعه



[1]ـ تتأسس فكرة تداخل الأجناس الأدبية على جملة مفاهيم نظرية تعتبر النص فضاء تتداخل فيه العديد من المكونات البنائية التي هي في الأساس خاصة بأجناس أدبية مختلفة، وهذا التداخل يضفي على النص قيما جمالية وأبعادا فنية لم تكن متاحة من قبل في ظل مقولة نقاء الجنس الأدبي. ومن أهم المراجع التي يمكن العودة إليها في مجال تداخل الأجناس الأدبية يمكن أن نذكر:

$1·      تداخل الأنواع الأدبية وشعرية النوع الهجين ـ جدل الشعري والسردي ـ لعبد الناصر هلال ، منشورات النادي الثقافي الأدبي بجدة، المملكة العربية السعودية،  ط1، 2012م.

$1·      البنية السردية في النص الشعري  لمحمد زيدان، الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مصر، ط1، 2004م.

$1·      الأجناس الأدبية في ضوء الشعريات المقارنة، دار الراية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط1، 2010م.

$1·      Marc Dambre etmonique gosselin-noat, L’ éclatement des genres au 20 siècle, presses de la sorbonne nouvelle,2001.

[2] ـ ينظر، علي قاسم الزبيدي: درامية النص الشعري الحديث، دراسة في شعر صلاح عبد الصبور وعبد العزيز المقالح، دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا، ط1، 2009م، ص ص 15،21.

[3] ـ علي عشري زايد: عن بناء القصيدة العربية الحديثة، مكتبة الآداب، القاهرة، مصر، ط5، 2008م، صص 194، 195.

[4] ـ علي قاسم الزبيدي: درامية النص الشعري الحديث ، ص 22.

[5] ـ أحمد الجوة: بناء الشعر على السرد في نماذج من الشعر العربي الحديث، ضمن أعمال مؤتمر النقد الدولي الثاني عشر، 2008م، مج 1، عالم الكتب الحديث، إربد، الأدرن، ط1، 2009م، ص 70.

[6] ـ صلاح فضل: أساليب الشعرية المعاصرة، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط1، 1995م، ص 35.

[7] ـ المرجع نفسه، ص 85.

[8] ـ عز الدين ميهوبي: ديوان عناقيد لميلاد الفجر، منشورات أصالة، د ط، 2010م، الجزائر، ص ص 3، 12.

[9] ـ عز الدين ميهوبي: عناقيد لميلاد الفجر، ص 3   .

[10] ـ المرجع نفسه ، ص ص 3 ، 4.

[11] ـ المرجع نفسه، ص 4.

[12] ـ المرجع نفسه ص5.

[13] ـ المرجع نفسه ، ص ص 5، 6.

[14] ـ المرجع نفسه ، ص6.

[15] ـ المرجع نفسه ، ص ص6، 7.

[16] ـ المرجع نفسه، ص ص 7، 8.

[17] ـ المرجع نفسه ، ص 9.

[18] ـ المرجع نفسه ، ص ص 9، 10.

[19] ـ المرجع نفسه ، ص ص10، 11.

[20] ـ المرجع نفسه ، ص12.

[21]ـ  صلاح فضل: قراءة الصورة وصور القراءة، دار الشروق، مصر، ط1، 1997م، ص 34.

[22] ـ علي عشري زايد: عن بناء القصيدة العربية الحديثة، ص 206.

[23] ـ أحمد زهير رحاحلة: القصيدة الطويلة في الشعر العربي المعاصر، دار الحامد للنشر والتوزيع ، عمان، الأردن، ط1، 2012م، ص 212.

[24] ـ المرجع نفسه، ص 163.

[25] ـ علي عواد: شفرات الجسد، جدلية الحضور والغياب في المسرح، عرض وممارسة، أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط1، 1996م، ص 66.

[26] ـ فاضل ثامر: شعر الحداثة، من بنية التماسك إلى فضاء التشظي، دار الهدى، سوريا، ط1، 2012م، ص 182.

[27] ـ المرجع نفسه، ص 183.

[28] ـ أحمد شنة: طواحين العبث، مؤسسة هديل للنشر والتوزيع، الجزائر، 2000م، ص 21.

[29] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، منشورات السائحي، الجزائر، ط1،2007م، ص 21.

[30] ـ نور الدين درويش: مسافات، شعر، إصدارات رابطة إبداع الثقافية، الجزائر، 2002م، ص 11.

[31] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص 21.

[32] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص 22.

[33]- الزوزني، القاضي أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني: شرح المعلقات السبع، تقديم عبد الرحمان المصطاوي، ط2، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 2004م، ص44.

[34]- - محمود غنيم: قصيدة " وقفة على طلل "، موقع www.gonaim.com ، بتاريخ 10/05/ 2012.

[35] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص 22.

[36] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص 22، 23، 24.

[37] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص 24، 25.

[38] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص 25، 26.

[39] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص 25، 29.

[40] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص 29.

[41] ـ المرجع نفسه، ص ص 29، 30 .

[42] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص ص 30،31.

[43] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص ص 31، 32.

[44] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار، ص 33، 34.

[45] ـ المرجع نفسه، ص ص 34،35.

[46] ـ عبد الحليم مخالفة: صحوة شهريار،  ص 35.

[47] ـ علي عشري زايد: عن بناء القصيدة العربية الحديثة، ص 221.

[48] ـ نور الدين درويش: مسافات، ص 11.

[49]ـ المرجع نفسه ، ص11.

[50]ـ المرجع نفسه ،  ص 11.

[51]ـ المرجع نفسه، ص ص 11، 12.

[52] ـ المرجع نفسه، ص 12.

مصادر البحث ومراجعه

1/ المصادر

1 ـ شنة أحمد: طواحين العبث، مؤسسة هديل للنشر والتوزيع، الجزائر، 2000م.

2 ـ مخالفة عبد الحليم: صحوة شهريار، منشورات السائحي، الجزائر، ط1،2007م.

3 ـ ميهوبيعز الدين: ديوان عناقيد لميلاد الفجر، منشورات أصالة، د ط، 2010، الجزائر.

2/ المراجع

1ـ ثامر فاضل: شعر الحداثة، من بنية التماسك إلى فضاء التشظي، دار الهدى، سوريا، ط1، 2012م

2ـ الجوة أحمد: بناء الشعر على السرد في نماذج من الشعر العربي الحديث، ضمن أعمال مؤتمر النقد الدولي الثاني عشر، تداخل الأنواع الأدبية،22ـ 24 تموز 2008م، مج 1، عالم الكتب الحديث، إربد، الأدرن، ط1، 2009م.

3ـ رحاحلة أحمد زهير: القصيدة الطويلة في الشعر العربي المعاصر، دار الحامد للنشر والتوزيع ، عمان، الأردن، ط1، 2012م.

4ـ زايد علي عشري: عن بناء القصيدة العربية الحديثة، مكتبة الآداب، القاهرة، مصر، ط5، 2008م.

5ـ الزبيدي علي قاسم: درامية النص الشعري الحديث، دراسة في شعر صلاح عبد الصبور وعبد العزيز المقالح، دار الزمان للطباعة والنشر والتوزيع، سوريا، ط1، 2009م.

6ـ الزوزني، القاضي أبو عبد الله الحسين بن أحمد الزوزني: شرح المعلقات السبع، تقديم عبد الرحمان المصطاوي، ط2، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 2004م.

7ـ زيدان محمد: البنية السردية في النص الشعري  ، الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، مصر، ط1، 2004م.

8ـ عز الدين المناصرة: الأجناس الأدبية في ضوء الشعريات المقارنة، دار الراية للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط1، 2010م.

9ـ عواد علي: شفرات الجسد، جدلية الحضور والغياب في المسرح، عرض وممارسة، أزمنة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، ط1، 1996م.

10ـ فضل صلاح: أساليب الشعرية المعاصرة، دار الآداب، بيروت، لبنان، ط1، 1995م

 11ـ فضل صلاح: قراءة الصورة وصور القراءة، دار الشروق، مصر، ط1، 1997م.

12ـ  محمود غنيم: قصيدة " وقفة على طلل "، موقع www.gonaim.com، بتاريخ 10/05/ 2012

13ـ هلال عبد الناصر: تداخل الأنواع الأدبية وشعرية النوع الهجين ـ جدل الشعري والسردي ـ ، منشورات النادي الثقافي الأدبي بجدة، المملكة العربية السعودية،  ط1، 2012م.

-14Marc Dambre etmonique gosselin-noat, L’ éclatement des genres au 20 siècle, presses de la sorbonne nouvelle,2001.