السيرة الذاتية  والوجودpdf

قراءة في المتن النقدي العربي

د. حميدي بلعباس 

كلية الآداب جامعة معسكر(الجزائر)

ملخص :

يندرج هذا البحث في مجال نقد النقد ،حاولنا من خلاله قراءة رواية الخبز الخافي لمحمد شكري من خلال المتون النقدية المغربية التي توفرت لدينا ،مبرزين بذلك مدى اهتمام النقاد المغاربة بالسيرة الذاتية كون كاتبها يملك  الرغبة في الحديث عن الذات وعدته في ذلك حياة كاملة يتخذ تجاهها مواقف معينة ،إنها بمثابة البوح تارة وتلجأ تارة أخرى إلى المخاتلة ،مما يستدعي حضور قارئ حاذق له القدرة على استجلاء حياة صاحبها في ثنايا النصوص الأدبية.

كلمات مفتاحية :السيرة الذاتية و الوجود ، المتن النقدي العربي .

Summary:

The fall of this research in the field of criticism of criticism, we have tried through reading the novel bread latent Mohamed Shukri through texts cash Morocco that we had, highlighting that the attention span of Moroccans critics autobiographical fact that the author has a desire to talk about the self and promised him a life full take towards certain situations, it is as revealing and sometimes at other times resorting to stalking, which requires the presence of dexterous reader has the ability to elucidate the life of its owner in the folds of literary texts.

Résumé:

cette recherche appartienne au domaine  critique de la critique, nous avons essayé de faire une lecture du roman pain latente de Mohamed Choukri, à travers des textes de critiques marocaines  que nous avons possédé ,sachant que ces écrivains  ont donnés beaucoup d’importanceàl’autobiographie, car tout écrivain a le désir  d’écrire sursoi-même; en se basant sur sa  vie entière .l’auteur a un désir de parler de sa autobiographie et cela oblige la présence d’un lecteur habile à lire et a interprété les plis de textes littéraires.

تعتبر رواية الخبز الحافي من الروايات التي استطاعت بجرأتها وذاتيتها أن تحدث زلزالا قويا في مجال الابداع الروائي العربي ،الأمر الذي شجع النقاد إلى ولوج مجاهيل هذا النص .ويعتقد الناقد محمد برادة رواية الخبز الحافي لمحمد شكري من الكتابات التي (كسرت قواعد اللياقة والتكتم على الكلام  غير المباح ،التي كانت تطبع السير الذاتية العربية السابقة )[1].لقد دأبت الكتابات العربية على التخفي وعلى عدم البوح نتيجة المحاذير التي اعترضت طريقها كالتقاليد والعادات والدين والعرف وغيرها .

ومما لا شك فيه أن "الخبز الحافي"  رواية جريئة  قد ارتدت بصراحتها على  النمطية والشكل المألوف  والمعتاد في الكتابة العربية ،فالنص (يكاد يكون وحيدا في جرأته وذاتيته يفضح ذاكرة غير معلنة وكتابة عربية مستترة بالخديعة والزيف ،فهو يلقي ضوءا باهرا ،مفعما بأسئلة الكتابة ،على المناخ القمعي الكامن في عمق التجربة الأدبية وممارستها ) [2] ..يبدو أن هذه الرواية تجاوزت جميع الأسوار والمحاذير ،وتمردت وكفرت بتقاليد القبيلة .

لقد عاش الأديب محمد شكري حياة قاسية ومع ذلك سعى إلى تعلم القراءة والكتابة ،ليتحدث عن المجتمع الذي ظلمه وقسا عليه.لقد استبدل سلطة القهر والفقر والحاجة بسلطة الكتابة .

تفتتح الخبز الحافي سيرتها بتصوير سنوات الجوع والفقر والحاجة ،ولا أجد وصفا مماثلا للوصف الذي وصفه بها الناقد محمد برادة قائلا : (وبالفعل ،كتب شكري سيرته وكأنما كتبها من وراء القبر إذ لا يستطيع الالتحام من جديد بذاته الأولى التي عاشت القسوة والرعب والمهانة ،ومنذ ذلك ،انتقلت السيرة الذاتية ،عندنا من رد الاعتبار فأنا باحثة عن اعتراف اجتماعي ،إلى التوغل في متاهات الغرابة المقلقة التي نحسها كلما حاولنا أن نفهم الذات بظواهرها ومكونات اللاوعي الفاعلة خلسة في حياتنا )[3].وأن تنجح في كتابة رواية سير ذاتية تراعي خصوصية هذا الجنس الجديد يبدو أمرا عسيرا كثيرا ما أسقط كبار الروائيين في الفشل .

وبالمقابل ،يبقى النص الأدبي (لا يعرف الاستقرار والجمود. ذلك أنه يخضع لمنطق خاص هو منطق السؤال والجواب. النص يجيب على سؤال يضعهالمخاطب وبتعدد المخاطبين تتعدد الأسئلة والأجوبة )[4] يبدو أن النص الأدبي يطرح الكثير من الأسئلة وعلى المتلقي أن يجيب عنها .

وفي مقاربة صدوق نور الدين لرواية الخبز الحافي لمحمد شكري ،يشير الناقد إلى أن إبداع الأديب يشكل  ظاهرة أدبية متميزة ،كونه( فتح نافذة المسكوت عنه ،فيما يتعلق بقضايا المحرم: الجنس ،سلطة الأب ،الدين وغيرها )[5].لقد حملت كتاباته الكثير من الصراحة والجرأة على البوح إلى حد البذاءة .وهذا النوع من الكتابة لم تشهده الكتابات الروائية العربية من قبل .

يرى الناقد صدوق نور الدين أن محمد شكري لم ينصف كأديب كونه عرف بثلاثيته السير ذاتية :"الخبز الحافي "،"زمن الأخطاء" ،و "وجوه"  وفي المقابل  أسهم ذلك فيتجاهل الأدباء والنقاد (قوته الأدبية الإبداعية  التي تلفت النظر –أصلا –منذ نشر أولى تجاربه القصصية على المستوى العربي ،وأشير أساسا إلى مجموعته القصصية "مجنون الورد"و"الخيمة"،بالإضافة إلى روايته "السوق الداخلي " التي لم تحظ بتلق نقدي فاعل وموضوعي )[6].يبدو أن البعد الذاتي هو الذي يتحكم في الكثير من أعمالنا الفكرية ،إذ نلفي لجوء الكثير من النقاد إلى الانتقائية في تناولهم للإنجازات الأدبية وفيها ( الكثير من ذاتية الناقد ورؤيته للأمور في أحوال تذوق النص أهو الحكم له أو عليه ،وفي المواقف المتخذة منه في حال التفسير أو التأويل )[7].وتظل بذلك الإيديولوجيا عنصرا أساسيا في تقويم الإبداعات الأدبية ،ومثل هذه الحتمية لا تصب إلا في مصب بخس الإبداع حقه.

قاد هذا المنطلق الناقد صدوق نور الدين ،إلى دعوة الأدباء والنقاد لإعادة قراءة تجربة محمد شكري الإبداعية، قصد إنصافه كي يتبوأ مكانته  اللائقة .

لقد حظيت رواية"الخبز الحافي"لمحمد شكري بما لم تحظ به أية رواية مغربية ،كونها وطدت النقاد بأدب السيرة الذاتية ،وينطلق الناقد صدوق نور الدين من فرضية مؤداها( أن كل سيرة ذاتية هي كتابة روائية .وفي المقابل لا يمكن اعتبار كل كتابة روائية سير ذاتية)[8].هذا الزعم يثير الكثير من الأسئلة سنتعرض إليها لاحقا .ونورد في هذا الصدد أن صدوق نورالدين يرى أنه عندما ظهر الجزء الثاني من السيرة الذاتية "الخبز الحافي" ، ثم التنصيص مثلما في الجزء الأول على "سيرة ذاتية روائية " ويتساءل الناقد :هل كان من الضروري  تكايد الصفة (روائية) ،عوض الاكتفاء بميثاق التعاقد المتضمن لقاعدة الحد والتوجيه في عملية تلقي الأثر :سيرة ذاتية ؟وفي هذا الصدد يعتقد ناقدنا أن التحديد سيرة ذاتية كفيل لتجنيس هذا الإبداع وخلق حوار مع هذه السيرة ،ويستحضر رأي الناقد محمد برادة في تقديمه  لرواية "زمن الأخطاء" قائلا :  (بعد قراءتي الأولى لـ "زمن الأخطاء" لفت نظري ابتعادك عن الصوغ الروائي لسيرتك مثلما فعلت في الخبز الحافي .ولجوؤك إلى كتابة شذرية تحمل عناوين فرعية )[9].أما الرأي الثاني فهو لحافظ صبري ويقول فيه:( ويعلن علينا النص منذ البداية عن بعض سمات حداثته تلك عندما يؤكد أنه سيرة ذاتية روائية ،وهذا ما يميزه عن السيرة الذاتية(Autobiography ) بمعناها التقليدي المعروف،وعن الصورة الذاتية (Autoportrait) بنزعتها الانتقائية،وان استخدم تقنياتهما معا ليخلق سيرته الروائية (FictionalAutobiography)التي يلعب فيها السرد والتخييل دورا أساسيا)[10]. و هذا الموقف المتخذ من هذا الانجاز –في نظر الناقد صبري حافظ- يشير إلى أن المشروع السردي لا ينتمي إلى عالم السيرة الذاتية بمعناه التقليدي قدر انتمائها إلى استراتجيات الخطاب الروائي[11].

إن السيرة الذاتية -حسب صدوق نورالدين –هي الكتابة عن الحياة عبر أهم مراحلها ومحطاتها (ويتحقق ذلك بالاستعادة والتركيب ،والاعتماد على التخييل بغية الوصول إلى تثبيت المتداول وما ليس كذلك في حياة الاسم العلم )[12] . يبدو أن الكتابة في السيرة الذاتية حياة وتعبير عن الواقع المقموع والمسكوت عنه .وبعد قراءته لنماذج أدبية يذكر منها : "الأيام" ، "في الطفولة "،"الخبز الحافي" "زمن الأخطاء " يستوقفه حسا أدبيا رفيعا يوجزه في ما يلي :[13]

$1-      اعتماد الجملة الشعرية ،دقة الوصف،الحرص على تحديد الزمن ،والتقديم والتأخير .

هذه الخاصات –في نظر الناقد-تصنع بلاغة السيرة الذاتية ،مما يجعل السبيل للوصول إلى هذه الذروة من الصعوبة بمكان ،لذا قل ما يجترئ الكتاب العرب على كتابة السيرة الذاتية،كونها فنا يحتاج إلى مراس كبير ويفرض طقوسا مهيبة من الصراحة والجرأة والصدق .هذا الاستثناء صنعه –في نظر الناقد- محمد شكري وعبد الله العروي ،لكونهما ارتقيا بهذا الفن وبرعا فيه.

وفي موضع آخر ،يعتبر الناقد صدوق نور الدين الكثير من الكتابات المغربية نصوصا سير ذاتية ، و( إن لم يعترف الكتاب بذلك صراحة ولجؤوا في ذلك إلى نوع من الانتقائية والتصرف في الأحداث ،ومحاولة صرف انتباه القارئ عن ذواتهم بشتى أساليب التمويه والمراوغة)[14].كذلك نجد الكثير من ملامح الأدباء في إبداعاتهم ،مما يجعل الحدود الفاصلة ما بين الفن الروائي والسيرة الذاتية  واهية جدا .

وفي اتجاه مغاير ،يثير الناقد التونسي محمد الباردي مصادرة الناقد صدوق نور الدين التي أوردناها في هذا المبحث والقائلة : (إن كل سيرة ذاتية هي كتابة روائية وفي المقابل  لا يمكن اعتبار كل كتابة روائية سير ذاتية )[15]. ويضيف الناقد معلقا على رأي حافظ صبري الذي تضمنته رواية الشطار قائلا :(إن الاختلاف يرتبط بتشكل السيرة الذاتية .في معنى أخر انه يمس تقنية الكتابة والتأليف التي يمكن أن تكون من ناحية إلا روائية ومن أخرى لا يمكن أن ينجزها إلا اسم علم اعتباري يمتلك كفاءة الانجاز الأدبي )[16] ،ثم يخلص الناقد إلى اتخاذ حدودا فاصلة للسيرة الذاتية  ،قوامها العناصر التالية:[17]

- إن السيرة الذاتية كتابة روائية .

- إن السيرة الذاتية جنس أدبي .

- إن للذاكرة دور في عملية الاستحضار والامتداد بالسيرة ،وهي قاعدة تنطبق على البعض ليس غير.

ينضاف إلى ذلك –حسب محمد الباردي –الموقف  الاعتباطي  الدغمائي المتخذ من طرف صدوق نور الدين،ذلك (أن هذه المصادرة تقصي من هذا الجنس الأدبي عددا هاما من النصوص، وقد لاحظنا في بحثنا، أن أغلب النصوص السيرية ،لا تحتذي شكل الكتابة الروائية ،خاصة إذا اتخذنا من "الخبز الحافي" نموذجا لهذه الكتابة ،كما أوحى بذلك المؤلف في شيء من التعصب الذي لا مبرر له)[18].إن جنس السيرة الذاتية العربي هو بصدد التأسيس ،لذا فمن البديهي أن تتعدد أشكاله ،وتتنوع .

ويشير الناقد محمد الباردي في نهاية مقاربته ،  لما توصل إليه صدوق نور الدين أن نجاح السيرة الذاتية منوط بروائية هذا الجنس الأدبي وإن (أنجح السير الذاتية  في الأدب العربي الحديث ،هي تلك التي كتبت بأسلوب روائي ابتداء من أيام طه حسين ،مرورا بثلاثية حنا مينه والخبز الحافي ،ووصولا إلى ثلاثية نوال السعداوي ونجاحها يكمن في درجة تلقيها وطبيعته )[19]

لقد أثارت هذه النصوص الكثير من التساؤلات ،الأمر الذي حذا بالنقاد إلى الخوض في مساءلتها،لاستجلاء ما خفي منها . وبهذا تغدو السيرة الذاتية عند الناقد محمد الباردي( حكياستعادي نثري بأشكال سردية متنوعة،يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص والعام وذلك عندما يركز على حياته الفردية والجماعية وعلى تاريخ شخصيته الجزئي والكلي )[20].هذا الإقرار بالنوع يجعل الكثير من الانجازات تبدو سيرا ذاتية أصيلة، ومع ذلك فهي تؤثر التخفي .

لقد صبت آراء محمد الداهي في مقاربته لروايات محمد شكري في نفس الاتجاه،حيث تعرض إلى التجربة الإبداعية، و الإسهامات التي بذلها هذا الأديب من أجل إعطاء معنى للوجود، ورصد التجربة الذاتية .

لقد أصدر محمد شكري ثلاثة أعمال سير ذاتية ( تتضافر في ما بينها لرصد تجربة الذات  في مواجهة صروف الدهر وتقلبات الذات ،وإبراز المجهودات التي بذلتها لاستكشاف مجاهيل الكينونة ،وإعطاء معنى للوجود ،والتخلص من براثن الجهل والفقر لمدقع ،ومواكبة الأحاسيس والمواقف والاستيهامات في فترات متعاقبة من زهرة العمر )[21]..لقد استطاعت هذه الكتابات أن تضع محمد شكري باقتدار عل الخريطة الأدبية ،وترسم بجرأة وبعفوية معاناة الذات وانشطاراتها .

لقد أحدثت هذه الكتابات صدمة عند المتلقي العربي كونها تجرأت على أمور كثيرة (فليس ثمة نص في أدبنا الحديث، أشد جرأة في انتهاكه للمحرمات اللغوية ،والاجتماعية ،والجنسية ،من سيرة شكري تلك )[22]. .يبدو أن شكري تعمد انتهاك المحرمات اللغوية والاجتماعية والنفسية والجنسية على حد تعبير صبري حافظ.

وفي موضع أخر ،يعتبر الناقد محمد الداهي الجزء الأول والثاني من رواية شكري بأنها ( تجربة مثيرة وغنية وفريدة وقاسية عرف صاحبها كيف يشخصها بـ"البراءة الأدبية "،وكيف يخرج من مختلف أطوارها منتصرا ومتحديا ومتشبثا بحب الحياة )[23].إن كتابات محمد شكري –في نظر الناقد – لا تقدم للقارئ عبرة أو قدوة لاقتفاء آثارها ،وإنما هدفها يكمن في عرضها لتجربة حياتية تغري بقراءتها المتلقي العربي والأجنبي ،وبهذا الاعتبار، استطاعت بعض الروايات أن تقتنص عناصر لقراءة المجتمع ومتخيله، أغنى وأعمق مما أنجزه الباحثون والإيديولوجيون.[24]

ويعتبر الناقد محمد الداهي رواية "الخبز الحافي" لمحمد شكري امتدادا للعملين السابقين،هذه الأعمال الثلاثة ،تؤرخ لذات واحدة ،رغم التفاوت الزمني بينها ،بحيث ظهرت هذه الأعمال في فترات متفاوتة (1982-1992-2000م)، مما انعكس على وتيرة المشروع السير ذاتي وأثر في شكله وطريقة استثمار المادة الحكائية وعرضها[25]

لقد اتخذ الجزء الأول -في نظر الداهي – صبغة قصة ترصد هجرة أسرة شكري  من قرية بني شيكر إلى مدينة طنجة هروبا من المجاعة وبحثا عن الخبز الكثير كغيرها من الأسر والعائلات الأخرى[26]. لم توفق الأسرة في مسعاها واصطدمت بواقع مر ،مما دفع بالطفل محمد إلى ولوج عالم الشغل صغيرا .وقد امتهن الكثير من المهن من أجل كسب لقمة العيش في مدن عدة (طنجة ،تطوان ،وهران ) . لقد استطاع الطفل في خضم هذا المجتمع المتناقض والقاسي أن يفرض وجوده وأن يقتحم عالم الكبار( الجنس ،الخمرة ،السرقة ،الشذوذ  ...).

لقد كان للرسالة الوصية التي كتبها له حسن الزيلاشي أثر كبير على نفسية شكري ،الأمر الذي حفزه على التسجيل لأول مرة بالمدرسة وكان عمره آنذاك عشرين سنة ،لقد كانت الكتابة والقراءة تمثلان هاجسا مؤرقا له،استطاع بواسطتهما ولوج عالم الإبداع .

أما في ما يخص الجزء الثاني ،فقد جمع ما بين المحكيات السير ذاتية  بحيث عرضت (بتقتير وتكثيف ،وبسخرية وإيحاء أحيانا ،وتقيم قطيعة بين حياة الصعلكة والتشرد والقذارة وبين حياة التحصيل والتعليم والأناقة ،وبين هامش المؤسسة الاجتماعية وبين طقوسها وقوانينها المتواضع عليها)[27]. يبدو أن الكثير من التحولات قد طرأت على محمد شكري ،وأصبح بذلك عنصرا مؤثرا في المجتمع.

يسلط محمد شكري في الجزء الثالث  الأضواء على شخوص اقتسم معهم حياته بطنجة (فاطي ساقية بحانة غرناطة ،عبد الهادي الذي عاد مبتور اليدين مـن الحرب الهند-الصينية ،بابا دادي صاحب مطعم وحانة بطنجة ،ماجدولينا ،حمادي القمار وغيرهم...) .ويرى الناقد محمد الداهي أن في هذا العمل (يبرز حذق محمد شكري في إضفاء طابع التخييل على تجربيته الشخصية ،وترك أحلامه تصنع عالمها دون قيد أو مراقبة ،والمواءمة بين الذاتي والموضوعي ،وبين الحلم واليقظة وإثارة أسئلة حول الكتابة عن الذات والمفهوم التقليدي للسيرة الذاتية )[28].لقد تحولت  الكتابة عند شكري الى فعل إبداعي خلاق ،وبدأ يبحث عن ذاته بطرح الكثير من الأسئلة بفضول معرفي مركز .

لا يغادر الناقد محمد الداهي روايات محمد شكري ،حتى يثير الانتباه لأسلوب هذا الروائي المتميز والذكي في نفس الوقت في عرض الأحداث واحتفائه بالواقـع المعيش ،وتنبني هذه الإستراتجية في الجزء الأول والثاني –حسب الناقد – على ما يلي :

-أ- يعرض محمد شكري تجربة استثنائية وجريئة تغري القراء للاستمتاع بمغامرات السارد .إن هذه التجربة لا تقدم عبرة و موعظة أو قدوة ،وأما هي تجربة شخصية فقط .

-ب- سعى شكري إلى تذليل المعجم القاعدي وذلك بوضع هوامش لشرح بعض المفردات أو استدراك بعض الأحداث أو التعليق على بعضها ،والغرض من هذا الصنيع هو توسيع دائرة القراء .

-ج- يوظف شكري لغة بسيطة يستمدها من الصياغة الشفوية  ،ومن رواسم الكلام اليومي لإضفاء الشرعية والواقعية على شخوصه .

ويعتبر النقاد المغاربة –خاصة محمد الداهي –من خلال تتبعه للمشروع السير ذاتي ،أن محمد شكري قد حقق طفرة نوعية في كتابة السيرة الذاتية وارتقى بها من مستوى الشهادة إلى مستوى التخييل .

قائمة المصادر والمراجع:

1-الباردي  محمد،2005 ،عندما تتكلم الذات ،السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث ..دمشق ،منشورات اتحاد الكتاب العرب .

2-برادة  محمد،2003،فضاءات روائية.ط:1 ،المغرب .المركز الثقافي العربي .

3- الداهي محمد ،2007 ،الحقيقة الملتبسة ،قراءة في أشكال الكتابة عن الذات .ط:1.الدار البيضاء ،شركة النشر والتوزيع المدارس .

4-رضوانمحمد ،2002. محنة الذات بين السلطة والقبيلة ،دراسة في أشكال القمع في الرواية العربية .دمشق .اتحاد الكتاب العرب

5-  الشاويعبد القادر ،2005،سلطة الواقعية ،مقالات تطبيقية في القصة والرواية ،دمشق.اتحاد الكتاب العرب

 شكري محمد،1992،زمن الأخطاء ،المغرب ،ط:1 ،مطبعة النجاح الجديدة .   -6

7-صبري  حافظ،2004،بنية النصية لسيرة التحرر من القهر ،ضمن كتاب الشطار لمحمد شكري ط:5،بيروت .دار الساقي.

8 -صدوق نور الدين، 2008،انغلاق الدائرة ،دراسات في الرواية العربية ،الأردن ،أزمنة  للنشر والتوزيع ،الأردن .

9-صدوق نور الدين،2004،السيرة الذاتية :قضايا الكتابة والتلقي حول تجربة محمد شكري ،مجلة عمان ،نيسان،.ص41 .                   

10- كيليطو عبد الفتاح ،1997،الأدب والغرابة ط:3 ،بيروت.،دار الطليعة .

11- منور أحمد،1991،رواية السيرة الذاتية في الأدب الجزائري المعاصر ر،ابن الفقير نموذجا ،مجلة المساءلة ،اتحاد الكتاب الجزائريين ،ع1،ص185.      

12- يقطين سعيد  وفيصل دراج، 2003،آفاق نقد عربي معاصر ،ط 1دمشق.،دار الفكر .

الهوامش:



[1]-محمد برادة ،فضاءات روائية ،منشورات وزارة الثقافة ،الرباط، ط 1،2003 ،ص76

[2]-محمد رضوان ،محنة الذات بين السلطة والقبيلة ،دراسة في أشكال الق .مع في الرواية العربية ،اتحاد الكتاب العرب ،دمشق ،2002،ص106.

[3]-محمد برادة ،فضاءات روائية ،ص77.

[4]-عبد الفتاح كيليطو،الأدب والغرابة ،دار الطليعة ،بيروت ،ط3،1973،ص44.

[5]-صدوق نورالدين ،انغلاق الدائرة ،دراسات في الرواية العربية ،أزمنة للنشر والتوزيع،الأردن،ط1،2008،ص115.

[6]-المصدر نفسه ،ص115.

[7]-سعيد يقطين وفيصل دراج ،آفاق نقد عربي معاصر ،دار الفكر ،دمشق ،ط1 ،2003،ص166.

[8]-صدوق نور الدين ،انغلاق الدائرة ،دراسات في الرواية العربية ،ص116.

[9]-محمد شكري ،زمن الاخطاء ،مطبعة دار النجاح الجديدة ،1992،ص09.

[10]-صبري حافظ ،البينة النصية لسيرة التحرر من  القهر ،ضمن رواية الشطار لمحمد شطكري ،دار الساقي ،ط5،2004،ص225.

[11]-المصدر نفسه ،ص225.

[12]-صدوق نور الدين ،انغلاق الدائرة ،دراسات في الرواية العربية ،ص118.

[13]-المصدر نفسه ،ص118.

[14]- أحمد منور ،رواية السيرة الذاتية في الأدب الجزائري الحديث ،ابن الفقير نموذجا ،مجلة المساءلة ،ع 1،1991 ،ص185 .

[15]- ينظر صدوق نور الدين ،السيرة الذاتية :قضايا الكتابة والتلقي حول تجربة محمد شكري ،مجلة عمان ،نيسان،2004،ص40.

[16]-المصدر نفسه ،ص41.

[17]- ينظر صدوق نورالدين ،انغلاق الدائرة ،ص121،ومحمد الباردي ،عندما تتكلم الذات ،ص178 .

[18]- محمد الباردي ،عندما تتكلم الذات ،السيرة الذاتية في الأدب العربي الحديث،منشورات اتحاد الكتاب العرب ،2005،ص178 .

[19]-محمد الباردي ،عندما تتكلم الذات ،ص178.

[20]-المصدر نفسه ،ص179 .

[21]- محمد الداهي ،الحقيقة الملتبسة ،قراءة في أشكال الكتابة عن الذات ،شركة النشر والتوزيع امدارس ،الدار البيضاء ،ط1 ،2007،ص109 .

[22]- صبري حافظ ،البنية النصية لسيرة التحرر من القهر ،ضمن كتاب الشطار لمحمد شكري ،ص224 .

[23]-محمد الداهي ،الحقيقة الملتبسة ،ص109.

[24]- محمد برادة ،فضاءات روائية ،ص100 .

[25]- محمد الداهي ،الحقيقة الملتبسة ،ص110 .

[26]- عبد القادر الشاوي ،سلطة الواقعية ،مقالات تطبيقية في القصة والرواية ،اتحاد الكتاب العرب ،دمشق ،صص273-304 .

[27]- عبد القادر الشاوي ،سلطة الواقعية ،ص110 .

[28]- محمد الداهي ،الحقيقة الملتبسة ،ص111.