في رحاب منجد الولهان في معرفة ومآثر الشيخ سيدي محمد بن أبي زيان قدس الله سرهpdf

 

د.سليمان قوراري

كلية الآداب واللغات جامعة أدرار(الجزائر)

الملخص :

تحاول الدراسة تقديم قراءة تكاملية لكتاب " منجد الولهان في معرفة ومآثر الشيخ سيدي محمد بن أبي زيان قدس الله سره. (ولد بقصر تاغيت ولاية بشار  عام 1650م ، وتوفي في العاشر من رمضان 1733م " تأليف الشيخ مولاي التهامي الغيتاوي . والذي يبرز الدور الحضاري الذي قدمته الزاوية الزيانية في القنادسة ، ، وستستعين الدراسة بمجموعة من المراجع لتحقيق الغاية. ستتم القراءة عبر المحاور الرئيسية التالية :دراسة في العنونة (أهم دلائل العنوان) .قراءة في شخصية المؤلِّف ، والمؤلَّف عنه.قراءة في أهم مضامين ودلالات كتاب (منجد الولهان) .ثم ما هو الأثر الذي تركه الشيخ بن بوزيان؟ .

الكلمات المفتاحية :  منجد الولهان/ محمد بن أبي زيان/ مولاي التهامي الغيتاوي/ الزاوية الزيانية/ القنادسة.

Résumé :

Cet article examine le parcoure du cheikh Mhammed Ben Bouziane, en 1650au Palais Taghitwilaya de Bechar, décédé 1733. L'étude présente une lécture intégrative du livre "mongido alwalhane." Écrit par Cheikh Moulay Touhami gheitawi. Ce qui met en évidence le rôle présenté par zawiya Alzayaniha Kenadsa.L'étude a utilisé une gamme de références diverses et importantes. Dans cet article nous abordons ce qui suit: Une étude sur le titre du livre (les signes les plus importants du titre), une étude de la personnalité de l'auteur, une étude de la vie de Sidi Mhammed Ben Bouziane, une étude des contenus les plus importants et des implications du livre et en fin  les traces qu’a laissé Sidi Mhammed Ben Bouziane.

cheikh Mhammed Ben Bouzianemongido alwalhane/ Moulay Touhami gheitawi/ zawiya Alzayaniha/ Kenadsa

قراءة في العنونة (أهم دلائل العنوان) .

للعنوان دلالتان لغوية واصطلاحية : العنوان (titre) في جانبه اللغوي يعني : " سمة الكتاب كما يذكر ذلك ابن سيده ، وفي جبهته عنوان من كثرة السجود أي أثر ، " [1].

من هنا فإن الدلالة اللغوية تحيل على الدلالة الاصطلاحية ، باعتبار أن المعنى اللغوي يؤشّر على ما يوحيه العنوان من مكنونات الكتاب  وحول الدلالة الاصطلاحية للعنوان ، يرى هوك Leo Heokفي تعريفه للعنوان بأنه " مجموع العلاقات اللسانية التي يمكن أن ترسم على نص ما ، من أجل تعيينه ، ومن أجل أن تشير إلى المحتوى العام وأيضا من أجل جذب القارئ [2] . وحين التأمل في عنوان المؤلَّف  نجد مجموعة من المواد اللغوية الجديرة بالتأمل لتكون مفاتيح أساسية للولوج على عالم الكتاب ، من أبرزها : المنجد والولهان والمآثر .. فبالنسبةلمادة ن ج د وهي المادة رقم 5046 من معجم اللغة العربية المعاصرة سنرى أن هذا المعجم يبيّن:" • أنجد فلانًا: نجَده، أغاثه، أعانه ونصره "تدابير مُنجِدة- مُنجد الضُّعفاء"." [3] أما الولهان فهو من "ولَّه فلانًا: أَوْلَهَهُ، أوقعه في الحُبّ الشَّديد .. صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت" [4] .

أما المآثر فهي " [جمع]: مف مأثُرة: أعمال خيّرة، مكارم متوارَثة...".[5] إذن من المادة اللغوية وشروحها يمكن أن نستنتج أن عنوان الكتاب بمثابة المفتاح السحري لفهم مكنونات المضمون ، فالعنوان هو سفينة النجاة للعاشق الولهان ، الفاني في الحب والتعلق بالشيخ سيدي محمد بن أبي زيان لمعرفة مآثره ومكارمه وصفاته النفسية والخلقية . فالكتاب كما يحاول المؤلِّف إثبات ذلك بمثابة المعين والمنجد وهو كالروضة الغنّاء يجد فيه الباحث ما يحقق بغيته وتعطشه المعرفي ، فهل كان الأمر كذلك ؟ وهل مضمون الكتاب يعكس قيمة وأهمية العنوان ؟

$11)  قراءة في شخصية المؤلِّف والمؤلَّف عنه:أولا الحديث عن شخصية المؤلّف عنه : هو العلامة الشيخ مولاي التوهامي بن المرحوم محمد أوقديم أدرار ، جمع بين شرف النسب والعلم ، حيث تتصل سلسلته الشريفة بسيدنا الحسن بن علي بن فاطمة الزهراء رضي الله عنهما ، درس في الكتاتيب المبادئ الأولية في اللغة والدين ، ثم تضلّع في الفنون والعلوم التي كانت تدرّس في المدرسة العامرة للعلامة الشهير سيدي الحاج الشيخ محمد بن الكبير ، وذلك مدّة سبع سنوات ، ليتوّج بعد ذلك بتاج الإمامة والخطابة بأوقديم عام 1979م ، ويتولى مهمة ممثل الشؤون الدينية ، مع مواصلته حضور دروس الشيخ بلكبير ، ليأذن له بعد ذلك بتأسيس المدرسة الدينية على تقوى من الله ورضوان ، لترى النور عام 1990م ، ونظرا لنشاطه الدؤوب تم تعيينه عضوا في المجلس الإسلامي الأعلى ، وذلك العام 1998م ، وفي عام 2001 أحرز عضوية الأمانة العامة للجمعية الوطنية للزوايا "[6] كما أن للشيخ مولاي التهامي نشاط تأليفي ملحوظ وغزير ، من بينه هذا المؤلف الذي نشتغل على قراءته . خلّف من ورائه مدرسة عامرة بالعلم وطلابه ، وثروة بشرية من الحافظين لكتاب الله تعالى والحاملين للعلم الشريف كما ترك مجموعة من المؤلفات من بينها "  الضوء المستنير, الإشراق الكبير, الرائد في جملة من حياة الشيخ محمد بلقايد, لفت الأنظارتوفى بفرنسا ليلة الخميس 05 جمادي الثانية 1436هـ, الموافق 26 مارس 2015م, وصلي عليه في مسجد العلامة الشيخ سيدي محمد بلكبير عشية يوم السبت 28 مارس ودفن بمدرسة الإمام مالك ابن أنس بأوقديم أدرار"[7].

ثانيا : قراءة في شخصية المؤلّف عنه سيدي أمحمد بن أبي زيان القندوسي قدس الله سرّه (ولد حوالي 1062 هــ/ 1650م / وتوفي بالقنادسة يوم 10 من رمضان المعظم 1145هـ / 24 فيفري 1733م) [8]:

بداية بيّن الشيخ مولاي التهامي أن مولد سيدي أمحمد بن أبي زيان القندوسي قدس الله سرّه كان حوالي 1062 هــ/ 1650م . بتاغيت أحد القصور الخمسة التي يسكنها بني كومي على الضفة اليمنى من نهر زوزفانة القادم من مرتفعات شمال فكيك المنتمية للأطلس الكبير والذي يتصل بنهر كير عند مدينة إكلي مكونا معه دلتا قاعدتها في الشمال وقمتها في الجنوب " [9].

ونظرا لأهمية النسب في البناء الاجتماعي للمجتمعات الصحراوية فقد رسم لنا الشيخ لوحة فنية متوارثة ، من ذلك المعدن النفيس ، الذي يعود إلى الدوحة النبوية الشريفة فيقول عنه أنه " هو  امحمد بن عبد الرحمان بن محمد بن أبي زيان بن عبد الرحمان بن أحمد بن عثمان بن مسعود بن عبد الله الغزواني دفين مراكش (سبعة رجال) بن سعيد بن موسى بن عبد الله بن عبد الرحمان بن أحمد بن عبد السلام بن مشيش بن أبي بكر بن علي بن حرمه بن سلام بن عيسى بن سليمان المدعو سلام بن مزوار علي المدعو حيدرة بن محمد بن مولانا إدريس الأزهر بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن سيدنا علي بن أبي طالب ومولاتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم "[10].

القراءة الأولية للكتاب ، تدفع القارئ إلى ملاحظة : " الطابع الأنوماستيكي الذي يشتغل على أسماء الأعلام بصفة عامة كالأشخاص والقبائل والعشائر والجبال ، وينفتح اسم المقدس على عالم متنوع من الدلالات الأساسية والمركزية المستلهمة أصلا من الإرث القدسي للتسمية ككل ، هذا دون نسيان التواشجالجينيالوجي كإطار سلالي ومنحدر عشائري  ينفتح على المقدس ويتواصل معه ،  حيث ينهض الأصل الشريف لابن أبي زيان القندوسي على الأصول الشريفة والجذور العربية ، حيث الانتماء الدموي يوجه بقوة الخلفية المرجعية لما يسمى في كتب المناقب بــــ " النسب الطيني " بينما يحيل النسب الديني " على الانتماء الطرقي الصوفي " [11].

ومما يتعلّق بشخصية ابن أبي زيان في شقها المعرفي ، ركّز المؤلف على بيان ، الهمّة الكبيرة التي امتاز بها الشاب ابن أبي زيان وهو في بدايات طريقه في التحصيل العلمي ، وقد لازم شيخه سيدي مبارك بن عبد العزيز الغرفي مدة عشرين سنة استنادا إلى قول أحد طلبته : " فسألته عن قدر إقامته هناك فأجابني : تركت الناس لم يولدوا ووجدتهم بأولادهم ، وخلال هذه المدة كان ينتهل من العلوم القرآنية وما يتصل بها ويتربى على الطريقة الناصرية ، يجلس في مختلف الحلقات ويحضر كل المناظرات ، مثالا للطالب النبيه الزاهد الممتثل ، الشيء الذي جعل شيخه يحبه ويقبل عليه إذا حضر ويسأل عنه إذا غاب ، علما أن غيبته لم تكن تطول أو تتعدى أسوار سجلماسة إلا نادرا " [12] ، وقد استمر تواجده هناك إلى حدود سنة 1089هــ (عام وصول الطاعون)  وكان من جملة ضحاياه شيخه المربي الذي أوصى بأن يتولى تلميذه ابن أبي زيان عملية التغسيل ، وورّثه سرّه في وصية حضرها جمع من الإخوان ، ليواصل ابن أبي زيان رحلته المعرفية إلى فاس " .[13]

وفي حاضرة فاس [14]العلمية يواصل ابن أبي زيان تفرّغه العلمي وذلك " بمدرسة سيدي مصباح إلى أن فتح الله عليه بالعلم الشريف الظاهر والباطن" متتلمذا على شيوخ أجلاء من أبرزهم تاج العارفين سيدي أحمد الحبيب اللمطيالسجلماسي ، واتخذ ابن أبي زيان سبيل المجاهدة والرياضة سبيلا لتطهير النفس وحملها على الطاعة ، والترقي في درجات القرب من الحق سبحانه وتعالى ، لاسيما أن الثمان سنوات التي قضاها بفاس كانت عصيبة من شتى النواحي السياسية والاقتصادية والصحية (ثورة ابن محرز ، الأزمات والكوارث عام 1091هــ ، زلزال عام 1095هــ ) [15]، وقد استفاد الشيخ من دراسته في فاس حتى أن أهلها " يجيبون السائل حول مدى جودة أو متانة الشيء " اللي يحّب الصحيح يمشي للقرويين " يعنون لا تضمن جودة ولا متانة في غيرها ... " [16] وقد قالوا " ما بقى ناس بعد فاس " ردا على البكري القائل " فاس بلا ناس"  وقالوا " الكلب إذا دخل لفاس تيقولو له " مولاي الكلبون " !" [17] وتذكر الموسوعات المتخصصة أن جامع القرويين بفاس  "  يُعد أقدم جامعة علمية." [18].

أشار المؤلف إلى الحركة العلمية بفاس زمان تواجد ابن أبي زيان فيها ، وقام بانتقاد مناهج التعليم السائدة آنذاك .. مع الإشارة من المؤلف أن المغرب في ظل الدولة العلوية الشريفة عرف ملوكا عظاما آلمهم الحال التي آلت إليها الثقافة آنذاك ، وكانوا يطمحون إلى اللحاق بركب الدول الأروبية الحديثة على غرار المولى إسماعيل في رسالته الشهيرة للفقيه محمد بن عبد القادر الفاسي رحمه الله " [19].

تحدث المؤلف عن أهم شيوخ سيدي امحمد بن أبي زيان في فاس وهم كثير ولكن اقتصر على أبرزهم ، ومنهم : الشيخ عبد القادر الفاسي الذي قرأ عليه الحكم العطائية ، والشيخ عبد السلام بن أحمد أوحمدونجسوس وصفه ابن أبي زيان بأنه شيخ الطريقة ، وبحر الحقيقة ، والشيخ أحمد بن العربي المعروف بابن الحاج (ت أول ربيع الأول 1109هــ)وكان يُدَرِّس ألفية ابن مالك ، وشمائل الترمذي وموطأ الإمام مالك والشفا للقاضي عياض .ومن شيوخه أيضا :الشيخ أحمد اليمني (ت1113هـ) . وتحدّث عن صاحبيه في العشرة والدراسة والعبادة العارفين بأحواله ، سيدي أحمد الحبيب اللمطيالسجلماسي والشيخ علي بن تيرس الذي كان يلازمه ويأمره بالكتمان " [20].

تحدّث الكتاب عن ظروف خروج ابن أبي زيان من فاس ، وعودته إلى بلاد جده ، القنادسة ، ثم تيممه شطر البيت الحرام لأداء فريضة الحج ، واكتسابه للمعارف والحكم في رحلته تلك . "  ولاحظ المؤلف غير مستبعد لفرضية استقراره بالقنادسة على أنه منبثق من " رغبة في تعميق صلاته بربه عن طريق التقشف والاختلاء في أرجائها ، كما أنه أشار إلى سكوت المصادر عن التعرض لظروف زواجه بالسيدة أم كلثوم والتي قال عنها في حديث مقتضب لأحد طلبته " تزوجناها لله وعرفناها لله وأجابت لذلك رضي الله عنها " وكانت خير معين لبعلها في عبادته وتصوفه وأحواله العجيبة في خلواته ، قال أبو القاسم سعد الله عن التغيّرات الكبيرة التي مسّت إقليم القنادسة بعد عودة سيدي محمد بن أبي زيان " ومنذ عاد بوزيان إلى القنادسة بدأت تظهر عليه الكرامات وجاءه الناس من كل فج وأصبح عندهم قطب أهل التصوف واستوى في ذلك العامة والخاصة . حتى أن معاصره الشيخ عبد الرحمن القرزازي(مؤسس الطريقة القرزازية بالقرب من بني عباس) قد جاءه زائرا ونصح الناس بزيارته " [21] وتطرّق المؤلف في تحليل دقيق مبينا سبب الاختيار لموقع القنادسة لتأسيس الزاوية الزيانية لكونها تناسب طبعه التقشفي ، وترضي تطلعاته في مواصلة مسيرته التعبدية بعيدا عن مراقبة العيون ، بالإضافة إلى موقعها الجغرافي كمنطقة ربط أساسية للطريق التجاري الهام بين بين الشمال والجنوب من جهة ، وبين الشرق وتافيلالت مع درعة في الغرب مرورا بفكيك من جهة أخرى ، كما أنها من الناحية البشرية تقع في منطقة نفوذ الكونفدرالية القبلية المتكونة منذ زمن بعيد من قبائل ذوي منيع وأولاد جرير ، وهذه الكونفدرالية  كانت في حاجة إلى دعم روحي يبرزها أكثر إلى غيرها من قبائل الشرق والجنوب على الخصوص "[22]قال بعض الباحثين : " وعاشت القنادسة في ظل الزاوية الزيانية عهدا ذهبيا لم تعرفه من قبل ..." [23]تقول دائرة المعارف الإسلامية عن أهم إنجازاته التي خلّدت ذكره في العالمين" وأدخل محمد بعض التعديلات على شعائر الشاذلية وذاع أمر ولايته ، زد على ذلك أنه ينسب إليه حفر بعض الآبار ، كما نظم شئون الري ، وأشهر كراماته التي قررت مصير جماعته هي قضاؤه على اللصوص ، وقد اجتذبت شهرته ومواهبه كثيرا من الزوار ، وهؤلاء أنشئوا في الوقت الحاضر مستعمرة زاهرة ، وكان شأن غيره من أصحاب الطرق المسلمين رب أسرة ، وقد خلف مشيخة الطريقة لابنه " [24] .

وقد أشاد بفضل الزاوية الزيانية ومكانتها وشخصية مؤسسها العارف بالله  في المنطقة وخارجها ثلة من الباحثين قديما وحديثا لاسيما في أدب الرحلات الذي يعد سجلاًّ أمينا لتلك المراحل التي سجلّت فيها تلك الرحلات . قال أبو القاسم سعد الله " وكان بوزيان يختفي فجأة عن اعين الناس لمدّة أسبوع ثم يعود إلى الظهور ، وكان يركب الحمار أو يمشي حافي القدمين ، وكان غذاؤه من الأعشاب وأوراق الشجر ، وكان يغسل ثيابه بنفسه ، وقد بنى زاوية بالحجر والطوب أصبحت مقصد الزوار الذين بلغوا أحيانا أربعمائة زائر . وكانوا يأتون إليه بالقمح والشعير والشحم والعسل . وأصبحت القنادسة ، بعد بناء الزاوية ، غنية بعد فقر ومعرفة بعد أن كانت نكرة وراوية بعد عطش " [25]قال العلامة الشيخ محمد باي رحمه الله بعدما سرد أسماء مجموعة من المشائخ الذين تولّوا مشيخة الزاوية  : " زرنا معاهد تاريخية وآثارا تدل على حضارة هذه البلدة العظيمة القنادسة ودخلنا إلى المحل الذي كان يتعبد فيه الشيخ سيدي محمد بن أبي زيان وشاهدنا عكازه الذي كان يتوكأ عليه والحجارة التي كان يتيمم عليها عند الضرورة وكذلك آثار الدرع الذي كان يستعمل في الحروب على شكل الدروع التي كان يصنعها داود عبيه السلام ، ويقال أن سبب هذا الدرع أنه كان يلبسه للعبادة ليمنعه من النوم ، فإذا نامت عينه مسه الحديد والله أعلم بصحة ذلك " [26] كما ذكر بعض الدارسين نقلا من المصادر التي تحدثت عن الشيخ سيدي امحمد بن أبي زيان مجموعة من صفاته الكريمة وأخلاقه الرفيعة ، ونبذة من اجتهاده في الطاعة والعبادة ، فمن هذه الصفات " الوفاء لشيوخه وأصدقائه ومحبيه ، فقد كان يتردد على صديقه الشيخ عبد الرحمن الكرزازي صاحب الطريقة الكرزازية"[27] إحياء لسنة التزاور بين الأحبّة . وأما عبد العزيز رأسمال فيقول عن الطريقة الزيانية " مؤسسها الشيخ محمد بوزيان ، الذي نشر دعوته لاتباع الطريقة الشاذلية بالوسائل التي استعملها الملياني ، لقد كانت درعة مصدر تاثير صوفي ، وهي زاوية للتعليم والدراسة "[28] وتذكر المصادر المختصة بالطريقة الزيانية كما تناولها المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله " إلى أن محمد بوزيان هو السابع والثلاثون في سلسلة الطريقة الشاذلية ، ومن ضمن المذكورين في هذه السلسة شيخه بو بكر بن عزة ومحمد بن ناصر الدرعي ، بالإضافة إلى أبي مدين الغوث وأبي الحسن الشاذلي والملك جبرائيل " [29]، وإن عناية الطريقة الزيانية بسندها الطرقي يترجم لنا مدى توسّلها بذلك إضفاء الشرعية والمصداقية والقوّة والرغبة في قلوب مريديها وأتباعها وإلقاء والرهبة في صدور مناوئيها ، كما هو دأب الطرق الصوفية في غالبيتها .

$12)   قراءة في أهم مضامين ودلالات الكتاب

يمكن أن نلخص أهم مضامين ودلالات كتاب منجد الولهان  في محاور كبرى من أبرزها :

$1·   إعطاء فكرة مفصّلة عن البيئة التي تواجدت فيها شخصية سيدي محمد بن أبي زيان ، سواء من ناحية نسبه ومولده ، والبيئة الجغرافية والبشرية التي نشأ فيها ، يستعرض في الناحية الجغرافية أهم المعالم الطبيعية المشكلة للبيئة (وادي زوزفانة ، جبل بشار ، حمادة الكير ، وادي كير ، وادي الساورة )[30] ومن جانب الوسط البشري ، يركز المؤلف على القبائل الهامة والبارزة ، والتي كان لها تأثيرا بارزا في الأحداث وحفظ التوازن والمتمثلة في قبيلتي ذوي منيع وأولاد جرير ، ويسترسل المؤلف مولاي التهامي في الحديث عن أصلهما ومجالهما الجغرافي وتنقلاتهما ، وعلاقتهما بالزاوية الزيانية .." [31].

$1·   الحديث عن المحطات الهامة في حياة الشيخ سيدي محمد بن أبي زيان ، والمتمثلة في انتقاله لسجلماسة[32]لأجل قراءة العلم والانتفاع بالشيخ العارف بالله سيدي مبارك بن عزي الغرفيالسجلماسي ، وكان هذا الشيخ صاحب ورع وزهد وديانة ، يعتمد على العلم والمعرفة ، فعنده الكتاب والسنة وتعليم الأحكام الشرعية هي من أجل أنواع الذكر . كما أن في الكتاب الإشارة إلى السياق التاريخي لظهور شخصية ابن أبي زيان ألا وهو ميلاد دولة العلويين الأشراف [33].

$1·   التأكيد على البعد الوحدوي لبلدان المغرب العربي الكبير ، حيث عوامل الوحدة واجتماع الكلمة أكثر من عوامل الفرقة ، (اللغة ، الإسلام ، الخصائص الثقافية والاجتماعية ...) هذا من ناحية ، إضافة إلى مدى الترابط العميق بين منطقة المغرب العربي ، والمشرق العربي .وفي كلمة للعلامة المرحوم الشيخ المهدي البوعبدلي من محاضرة عنوانها (لمحات تاريخية من حياة بشار الثقافية في القرنين التاسع والعاشر للهجرة) إشادة بعمق هذه الروابط التاريخية والثقافية والدينية بين علماء وأبناء المغرب الكبير وقال رحمه الله أن اختياره لهذا العنوان مرجعه إلى أن بشار هي قاعدة الناحية الجغرافية والإدارية ، وكانت الناحية آهلة بالمراكز العلمية كمركز كرزاز ، والقنادسة ، وفجيج ... كما ركز دراسته على أسرة علمية من سكان فجيج أضفت على البلدة طابعا علميا جعل فجيج في مصاف أمهات المدن العلمية ، بما أنجبته من أسر علمية كبيرة كأسرة عبد الجبار الفجيجي ، وقد قال فيما قاله في محاضرته التي ألقاها يوم 6 من ربيع الأول 1398هــ الموافق لــ 14 من فبراير 1978م ، على الساعة السادسة والنصف مساء بقاعة سينما البلدية " وإنني أغتنم هذه الفرصة ، لأبين أن كثيرا من المعاصرين يحاولون جعل كل بلدة ــ خصوصا بالجنوب : أي الصحراء ـــ منزوية وراء الحدود الضيقة وتناسوا أن بلاد الإسلام بصفة عامة وبلاد المغرب العربي بصفة خاصة كانت تجهل الحدود الضيقة المصطنعة ، وإنني في هذه المحاضرة ــ كما سترون ــ أثبت أن الاتصال العلمي بين هذه المناطق الجنوبية وبلاد الشمال كان حقيقيا ووثيقا متينا لم ينقطع ...." [34] ومما قاله أيضا بعد كلام لا يسعنا المقام لسرده ، وبعد عرضهلصفحات لجهود بعض علماء إقليم فجيج وتلامذتهم وأنه " كان من أمثلهم في هذه الناحية أحمد بن موسى الحسني مؤسس زاوية كرزاز وكان تلامذة هذه الزاوية منتشرين بأولاد جرير وفجيج وبني قومي..." [35].

$1·   التأكيد على قيمة وأهمية الولاية والولي ،ودورهما في توفير الأمن والأمان في ربوع منطقة الساورة وما يتاخمها من جهات ، ذلك أنه انطلاقا من " التأطير اللغوي يغدو الولي من يتولى الله  تعالى ، ويتخذه مولى له فيؤمن به ويتقيه ... ويتولاه الله تعالى بأن يوفقه فيخرجه من ظلمات الجهل إلى نور العلم بواسطة القرب والتمكن ، وتغدو الولاية تلك السلطة الروحية التي تكون للشيخ الذي يعرف بالمرشد أو الولي والقطب ، وتتسع دلالتها لتكتسب مفهوما أوسع وأشمل " [36] وبهذا المفهوم المقدس للولي وعبر هذه الدرجات التي يترقى عبرها للوصول إلى أعلى درجات الكمال الروحي ، يتألف ذلك النسق الذي " يمكن تسميته بالحكومة الباطنية ، وهي حكومة دينية صوفية تتولى تدبير أمور الدولة الباطنية ، ويتولاها أصحاب علم المعرفة أو الحكمة البالغة ، وأصحاب العلم الظاهر لا شأن لهم بها ، وتتكون هذه الحكومة من عدة عناصر ويتولى رآستها القطب " [37]

$1·   بيان دور التصوف والصوفية في تعزيز القيم الدينية ، وغرس الفضائل الخلقية في تلك الفترة الحضارية التي شهدتها منطقة الصحراء في ظل الأوضاع السياسية القائمة آنذاك في مختلف ربوع العالم الإسلامي شرقه وغربه ، و :

$11)  " الصُّوفِيَّة طريقة روحية معروفة عند بعض الشعوب ذات الحضارات القديمة. .. أما الصوفي، فيعرف عند المتصوفة، بأنه مَنْ صفا من الكدر، وتسلى عنه بالفكر، وانقطع إلى الله عن البشر واستوى عنده الذهب والمدر (الطِّين). كما يُعرَّف الصُّوفي بأنه كالأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح."[38].

$1·   حاول الشيخ مولاي التهامي في كتابه (منجد الولهان) التركيز على ناحية الكرامة في شخصية الولي ، ذلك لأن " الكرامة الصوفية"  تجعل منهم كائنات ىفوق طبيعية ، فهم يرتفعون عن الإنسان العادي ليرتقوا إلى الإنسان الديني القدسي الذي يمتلك خصائصه النوعية الفارقة ، فيتحولون إلى شخصيات مدهشة ، قابلة للتحليل الفونتاستيكي ، لأنها تجمع بين كل مذهل وغريب ، وخارق وعجيب "[39] وبالنسبة للكرامات من حيث حصولها على يد أولياء الله الصالحين فإن هذا " أمر ممكن يقرّه الدين ولا يأباه العقل ، وقد فرّق علماء الكلام بين المعجزة والكرامة بأن يشترط فيها التحدي ، كأن يقول النبي لمن بعث إليهم : إن لم تقبلوا قولي فافعلوا مثل هذا ، أما الثانية ، وهي الكرامة فلا يشترط فيها التحدي " [40] .

 وردّا على المعترضين على إثبات الكرامة أو حصولها يجيب العلامة محمد جواد مغنية بعد تفصيل وبيان قائلا في عبارات ختامية " وبالتالي ، فإن كل من يعترف بوجود قوة مدبرة وراء الطبيعة يلزمه حتما أن يعترف بالمعجزات والكرامات ، لأن من أوجد الطبيعة بكاملها بدون سبب طبيعي فأولى أن يوجد بعض أشيائها ، كذلك ، أما من ينكر الخالق الحكيم فلا كلام لنا معه ــ هنا ــ ونحيله على كتابنا " الله والعقل " [41] وبعض الباحثين قال إنه بالإمكان إدراج الكرامة " ضمن الظواهر العجيبة التي لقيت اهتماما متناميا من طرف الدارسين الغربيين، وخصوها بعلم مستقل يحمل اسم " الباراسيكولوجيا " ينكب على دراسة الظواهر النفسية الجانبية، وقوى الإنسان الخفية والباطنية ، كالسحر والتصوف ، واليوجا ، والتنويم المغنطيسي ، والتنجيم ، والعرافة ، وتفرع عنه علم خوارق العادات المسمى بــــ " البارنورمالوجيا " الذي يختص بدراسة " المتزامنات " التي تشكل " توافقات غريبة بين حوادث بينها عناصر تشابه معين ، ولكنها لا ترتبط ببعض بعلاقة سببية تفسر توافقها في الوقوع زمانيا ومكانيا ، أي لا تخضع لتفسير منطقي وسببي ، وإنما هي نتيجة وجود طاقة مجهولة تفتق في الإنسان الأمور الخارقة للعادة ، وتشمل هذه التماثلات أو المتزامنات تواصل الأفكار ، واستباق الأحداث ، واستحضار الأشياء ، والجلاء الحسي ، والعلاج الروحي ، ومعانقة الظواهر الغريبة ( المشي على النار ، شرب الماء الشديد السخونة) ـ " [42] .

$1·   أورد الشيخ مولاي التهامي مجموعة من كرامات الشيخ سيدي ابن أبي زيان ودرسها واستخلص منها مجموعة من الاستنتاجات معتمدا في ذلك على مخطوطي " منهل الظمآن ومزيل الهموم والكروب والأحزان في كرامة شيخنا العارف بالله سيدنا الحاج مَحمد بن أبي زيان " و " فتح المنان في سيرة الشيخ مَحمد بن أبي زيان " وما ذكره المؤلف من ثبوت الكرامة للولي ثابت في كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم ، ويقدّم لنا الصوفي الكبير ابن عجيبة نظرات ذوقية تصوفية لمضمون هذه الآيات المباركات حيث يقول رحمه الله تعالى : " الولاية على قسمين: ولاية عامة، وولاية عرفية خاصة، فالولاية العامة، هي التي ذكرها الحق تعالى، فكل من حقق الإيمان والتقوى فله من الولاية على قدر ما حصًّل منها، والولاية الخاصة خاصة بأهل الفناء والبقاء، الجامعين بين الحقيقة والشريعة، بين الجذب والسلوك، مع الزهد التام والمحبة الكاملة، وصحبة من تحققت ولايته... [43] وقد اعتنى السادة الأشاعرة ببيان الكرامة وأحكامها ، قال صاحب الجوهرة :

وأثبِتَنْ للأوليا الكرامهْ        ومن نفاها فانبِذَنْ كلامَهْ

وجاء في شرحها " والكرامة أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ، ملتزم لمتابعة نبيّ كلّف بشريعته ، مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصّالح ، علم بها أو لم يعلم " [44] وقال سيدي محمد البشار رحمه الله :

للأوليا كرامة لا تنكر      ثم الدعاء نفعه مؤثر

وآية (الكرامة) " عدم تظاهر صاحبها ، وزهده وورعه الحقيقيان " [45] ، مع التنبيه على ضوابط مرتبة الولاية فقد " قال القشيري رضى الله عنه: علامة الولي ثلاث: شغله بالله، وفراره إلى الله، وهمه الله. هـ " [46] هذا مع وضع الضوابط اللازمة لهذا الموضوع الهام ، ذلك أن من يستعرض تاريخ الجزائر مثلا منذ القرن 13م ، يهوله أن يجد ، أن الخرافة كانت هي الطابع الذي غلب على حياة الناس ..." [47].

$1·   سرد علينا الشيخ مولاي التهامي المجالات الحيوية التي قامت بها الزاوية الزيانية وشيخها الكبير سيدي محمد بن أبي زيان وذلك كإطعام الطعام ، مع احترام قاعدة إنزال الناس منازلهم ، كما أنها قامت بدور ثقافي كبير لاسيما المحافظة على الثقافة الدينية واللغة العربية ، وتزويد خزانة الزاوية بالكتب من المشرق لاسيما شروح البخاري وشرح الشفا ...الخ [48] .وتذكر المراجع في الجانب الاجتماعي للطريقة الزيانية فيما يخص خدمة الزائرين والضيوف ، فقد كانت تشرف على تغطيته السيدة الفاضلة زوجة الشيخ طيّب الله ثراها " والتي يقول عنها صاحب فتح المنان " وكانت أم الأولاد الكرام السيدة الفاضلة أم كلثوم صالحة عارفة بأمور الضيافة وكانت رضي الله عنها رفيقة وملجأ للأيتام وكانت تصل الرحم " [49]، كما أن الزاوية من خلال تنظيمها الهيكلي عرفت عدّة وظائف هامة ضمنت السير الحسن للزاوية الزيانية وضمنت لها حسن التواصل مع غيرها ، ومكنت لها من الذيوع والانتشار ، فمن الوظائف الهامة وظيفة الرقاب وهو بمثابة ساعي البريد ، ومن مهامه الجليلة حمل الرسائل من الشيخ للحكام لأجل التوسط في حلّ المشاكل وما فيه خير الرعية ، وهناك أيضا وظيفة المدّاح الذي يقوم بدور إعلامي كبير في نشر مزايا الطريقة ومآثر شيخها ، ويعتبر بعض الدارسين أن عرش أولاد سيدي علي بوشنافة من المولعين بالقصائد المدحية في شأن الشيخ [50]تحدثت دائرة المعارف الإسلامية عن الدور الكبير الذي تكفلت به الزاوية الزيانية في تحقيقها للركيزتين الأساسيتين اللتين قد تعجز عن تحقيقها عديد الدول وهما : الأمن الغذائي والأمن على الأرواح والممتلكات والأعراض ، حيث اختصت هذه الزاوية العظيمة " بإرشاد القوافل والمسافرين وحراستهم من اللصوص وقطاع الطرق وفي أيام رن (1884) : " لم يجسر أي تاجر على أن يبعث ببضاعة صوب الجنوب ، إلا إذا ضمن لها الحراسة يتولاها رجل من ركبان الزيانية يحمل رسالة مختومة بخاتم مقدَّم فيهاب اللصوص أمره ، ومن هنا أطلق عليهم رن ربابنة الصحراء ، ويتفق ذلك إلى حد كبير وما ذكره ا.برنارA.Bernardالذي كتب سنة 1931 (Le Maroc، ص205) . وجماعة الزيانية لا يعرف عنها فيما يظهر إلا القليل خارج شمال إفريقية وقد أورد ديبووكوبولاني أثباتا بزواياهم في بلاد الجزائر ووصفا انتشارهم في مراكش (Confréries)" [51]

$1·   تحدّث الشيخ مولاي التهامي في مؤلفه عن تأسيس الزاوية وأصول طريقتها عن طريق السند الزروقي الجزولي الشاذلي ، كما سلّط الأضواء على أورادها وأذكارها [52] كما عرّج على ناحية التنظيم الهيكلي للزاوية القندوسية وهذا مع انتشارها وتزايد مريديها عبر مختلف المناطق ويتمثل هذا التنظيم في : الشيخ / الخلفاء / المقدمون / ....كما تطرّق الشيخ إلى قضية نوعية التعليم في زاوية القنادسة ،المرتكز على العلوم اللغوية والدينية [53] ، ويحيل مؤيد العقبي على كتابي " طهارة النفاس والأرواح الجسمانية في الطريقة الزيانية الشاذلية ، لمصطفى بن الحاج بشير ، وكتاب فتح المنان في سيرة الشيخ سيدي الحاج محمد بن ألي زيان للشيخ عبد الرحمن اليعقوبي " [54]لمن أراد أن يزداد توسّعا في أخبار الزاوية الزيانية ، وطريقتها الصوفية .

$13)  أثر شخصية ابن أبي زيان :إن شخصية سيدي ابن أبي زيان شخصية غنية وثرية من شتى الجوانب ، نظرا لطابعها الصوفي والعلمي والاجتماعي والقيادي في ذلك المحيط وفي ذلك السياق الحضاري الذي تواجدت فيه  ، ومن هنا وحسب تعبير د/ عبد الإله لغزاوي فإن موضوع أولياء الله والصالحين ، يتميز " بخصوبته الدلالية وتنوعه التيماتي ، وقدرته الفائقة على استقطاب مواقف وتصورات كثيرة من حوله ، واجتذاب مناهج متعددة لأجل دراسته ، كما يتطلب ترسانة ابستيمية بغية التمكن من زئبقيته ، والتحكم في انفلاته ، فهو ينتمي إلى الطبيعة الدينية المعروفة بكونيتها ، وسعة انتشارها ، وتجديد نسيجها ، ويتأطر تحديدا بحقل قدسي بتسم بغموضه ومفارقته ، والطابوهات المحيطة به ، ويحظى بالتجلي ويقابل بالخشوع والرهبة ، ويحاط بالطقوس ....".[55] كما وظف الشيخ ابن أبي زيان منهجا تعليميا وتربويا كان من إفراز  تحصيله العلمي وتجلياته الروحية ورياضته النفسية ونابعا من خصوصيات الإقليم الذي تواجد فيه ، وطبيعته الجغرافية وتركيبته الاجتماعية ، فقد " استعمل بوزيان تعاليم الطريقة الشاذلية إذا لم يكن قد بالغ فيها بعض الشيء نتيجة التخلف العلمي في المنطقة والحاجة إلى اتخاذ المقنعات عند الناس . فقد أشيعت عنه الكرامات واتخذ السبحة لازمة له حتى كان يقول عنها " السبحة واللوح إلى خروج الروح " [56] ومن وحي هذه المقولة يمكن أن نستنتج منهجه القائم على الجمع بين البعدين المعرفي والعرفاني ، في محاولة منه الجمع بين الشريعة والحقيقة ، وبين الظاهر والباطن ، وعدم الاكتفاء بترديد طقوس الشريعة دون فقه أسرارها وحكمها السامية .

تركت هذه الشخصية آثارا كبرى في مختلف مجالات الحياة ، وتركت جيلا كبيرا من الأتباع والمريدين والمحبين ، الذين حاولوا نشر منهجه وتعاليمه المستمدة من شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منتهجين طريقته ومقتفين لآثاره ، فقد أشاد بفضله تلميذه الشريف إدريس محمد المنجرة الكبير الفاسي المتوفى عام 1137 [57] .وذكرت الكاتبة (إيزابيل إيرهاردت)[58] جانبا من خواطرها النفسية حول نفحات من منطقة القنادسة وزاويتها العامرة بكثير من التفصيلات العميقة ـ التي سكتت عنها بعض المصادر والمراجع ـ نظرا لمرجعية الكاتبة وحسها المرهف الرقيق حيث يعود بها " الزمن إلى الساعة الأبدية في هذه الباحة ، الساعة التي غمرت بنورها بداية الحياة هنا والتي مرت منذ مأتي عام ، حين كان صاحب الغبطة الشيخ سيدي محمد يدرس مذهبه الإنساني الباطني هنا " [59] إن هذه الكاتبة الصحفية بحسها المرهف ، وتحقيقها لحريتها الإنسانية في اكتشاف المجهول ، حفرت لنفسها اسما لامعا في سجل المغامرين الباحثين عن الحقيقة.

الخاتمة :

 حاول الشيخ مولاي التهامي ، بما توافر لديه من مصادر ومراجع أن ينجد القارئ المنجذب لمحبة الشيخ سيدي محمد بن أبي زيان بكل ما يشفي غليله، وحاول أن يرسم لنا هذه الشخصية في بيئتها ومحيطها الجغرافي والبشري والاجتماعي ، وفي تنقلاتها من منطقة إلى منطقة لأجل اكتساب العلم والمعرفة والوصول إلى الحقائق الروحية المحجوبة عن كثير من الناس ، من الذين اكتفوا بظاهر من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ، رسم لنا بكل صدق وأمانة عمق العلاقات الروحية والأخوية بين هذه الأقاليم ، وبلاد المغرب العامرة بالعلماء والصلحاء ومعاهد العلم والمعرفة ، ومجالس الذكر والتربية الروحية العميقة ، وكيف أنها شكلّت ملجأ للباحثين والدارسين على مرّ العصور ، وكيف أن العلامة الشيخ ابن أبي زيان استفاد من إقامته هناك علما وصلاحا وتقوى وارتقاء في الجانب الروحي ، أهلّه ليسلك سلوك العارفين بالله ، ويؤسس الزاوية الزيانية ، لتكون منارة للعلم والذكر ، ومأوى للخائفين ، وملاذا للمستغيثين ، ومركزا يتزود منه المريدون ما يحتاجون إليه لصلاح دينهم ودنياهم ، فكانت تلك المادة العلمية والإحصائيات الرقمية التي زوّد بها القارئ المتعطش ، خير منجد للباحث عن شخصية ومآثر العلامة ابن أبي زيان عليه سحائب الرحمة والرضوان ، مع الإشارة إلى أن هناك نواحي عديدة من شخصية هذا الطود الشامخ تحتاج إلى تسليط الأضواء بالاستفادة من المناهج العلمية الحديثة .

هوامش المقال :



[1]ينظر : ابن منظور: لسان العرب، دار صادر، بيروت، ط1، 1992، م15،ص106.

[2]Heok, Leo ,H la marque du titre ,dispositifs sémiotiques d’une pratique textuelle , paris , la haye, Mouton , 1981 , p .17 .  نقلا عن : الرواية المغربية ( أسئلة الحداثة ) مختبر السرديات . دار الثقافة للنشر والتوزيع ، الدار البيضاء ، الطبعة الأولى 1996 .

[3]معجم اللغة العربية المعاصرة: د أحمد مختار عبد الحميد عمر (المتوفى: 1424هـ) بمساعدة فريق عمل . عالم الكتب ،الطبعة: الأولى، 1429 هـ - 2008 م ج3 ، ص: 2169.

[4]المرجع نفسه. ج3، ص: 2495، 2496 .

[5]المرجع نفسه : ج1، ص: 62.

[6]ينظر : ترجمة الشيخ على غلاف كتاب : منجد الولهان في معرفة ومآثر الشيخ سيدي محمد بن أبي زيان قدس الله روحه . الشيخ مولاي التهامي الغيتاوي . دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع ، عين مليلة ، الجزائر (دون تاريخ) .

[7]الشيخ مولاي التهامي رحمه اللهhttp://www.lycghitaoui-adrar.org تاريخ الزيارة : 14/03/2016 الساعة 22:25.

[8]SidiMhammed Ben Bouziane: Par LaredjMoulayAbdellah. http://kenadsa.e-monsite.com 14/03/2016 . h:22:40

[9]المصدر نفسه .ص: 5 .

[10]المصدر نفسه.ص: 0 6 .

[11]ينظر: مونوغرافية المقدس بمدينة مكناس : د/ عبد الإله لغزاوي . دار أبي رقراق للطباعة والنشر ، الرباط ، الطبعة الأولى 1431هـــ/ 2010م . ج1 ، ص: 168 ، 175.

[12]منجد الولهان . المصدر السابق .ص: 18 .

[13]المصدر نفسه .ص: 19 .

[14] فاس مدينة مغربية تقع على ضفاف نهر فاس، أحد روافد نهر السبو في شمالي المغرب في المنطقة المعتدلة الدافئة (30-40° شمالاً) ...تشتهر مدينة فاس بدورها مركزًا دينيًا وثقافيًا في المغرب، وواحدة من العواصم القديمة للمغرب. وقد ظلت المدينة عاصمة للبلاد خلال بضعة قرون من الزمان حتى عام 1331هـ، 1912م. وتتباهى المدينة بوجود مسجد مولاي إدريس، وبه ضريحه، وكما تشتهر أيضًا بوجود جامع القرويين وهو جامع وجامعة، وهي واحدة من أعرق جامعات العالم، أنشئت في عام 245هـ، 859م. ..." الموسوعة العربية العالمية : مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية.الطبعة الثانية 1419هــ (1996م)ج17 ،ص: 192

[15]ينظر : منجد الولهان . المصدر السابق . ص: 19 ، 23 .

[16]في تاريخ المغرب : جامع القرويين المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري والفكري . : د/ عبد الهادي التازي . دار نشر المعرفة ، الرباط ، الطبعة الأولى1972  ج3 ، ص: 721 .

[17]المرجع نفسه .ج3 .ص: 722 .

[18]المرجع نفسه . ج8 ، ص: 155 .

[19]ينظر : منجد الولهان . المصدر السابق . ص: 23  ،32 .

[20]ينظر : المصدر نفسه.ص: 32 ، 36 .

[21] تاريخ الجزائر الثقافي ، دار البصائر ، الجزائر ، طبعة خاصة 2007م ، ج1(1500 ــ 1830) ، ص:505 .

[22] ينظر : المصدر نفسه .ص: 36 ، 39 .

[23]الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر : صلاح مؤيد العقبي . دار البصائر ، الجزائر ، طبعة خاصة 2009م .  ص:  138 .

[24]دائرة المعارف الإسلامية : نقلها إلى العربية : محمد ثابت الفندي وآخرون . انتشار جهان ، تهران ، بوذرجمهر ، جمادى الثانية 1352هــ/أكتوبر 1933م .م10 ، ص: 478 .

[25] تاريخ الجزائر الثقافي ،المرجع السابق ، ج1(1500 ــ 1830) ، ص:505 .

[26] الرحلة العلية إلى منطقة توات لذكر بعض الأعلام والآثار والمخطوطات والعادات وما يربط توات من الجهات : محمد باي بلعالم . دار هومة ، الجزائر ، طبعة 2005م . ج2 ، ص: 242 .

[27]الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر: المرجع السابق.ص:  138 .

[28] الزوايا والأصالة الجزائرية بين التاريخ والواقع (دراسة أنتروبولوجية حول صحراء تلمسان وأطرافها) ، منشورات تالة ، الأبيار ، الجزائر ، 2011م ،  ج2 ص: 73 .

[29]تاريخ الجزائر الثقافي ،المرجع السابق ، ج1 (1500 ــ 1830) ، ص: 505.

[30]ينظر : منجد الولهان . المرجع السابق . ص: 5 ، 10 .

[31]ينظر : المرجع نفسه .ص: 12 ، 16 .

[32]بلدة قديمة في المغرب كانت قصبة تافيلالت، و هي اليوم أطلال ، تقع على الشاطئ الأيسر لوادي زيز. قيل أنها شيدت ( 758 )، بناها بربر مكناسة، و حكمها بنو مدرار ( 771 / 772 )، و استولى عليها جوهر القائد ( 958 / 959 ). وقعت في قبضة عبد الله بن ياسين ( 1055 / 1056 ). زارها ابن بطوطة ( 1351 ). و قال إنها من أجمل البلدان.  من الموسوعة العربية الميسرة : إشراف : محمد شفيق غربال . دار نهضة لبنان للطبع والنشر ، بيروت ، لبنان ، طبعة 1401هــ ــ 1981م . ج1 ، ص: 971 .

[33]دولة الأشراف العلويين (1050هـ،1641م إلى اليوم)"ينظر:  الموسوعة العربية العالمية . المرجع السابق . ج23 ، ص: 526 ، 527 .

[34]تاريخ المدن : المهدي البوعبدلي . جمع وإعداد : عبد الرحمن دويب . عالم المعرفة ، الجزائر ، الطبعة الأولى 2013م .  ص: 432 .

[35] المرجع نفسه .  ص: 432 .

[36]مونوغرافية المقدس. المرجع السابق ، ج1 ، ص: 40

[37]المرجع نفسه . ج1 ، ص: 40 ، 41 .

[38]الموسوعة العربية العالمية.المرجع السابق.ج:15، ص: 208 .

[39]مونوغرافية المقدس: المرجع السابق . ج1 ، ص: 194  

[40]معالم الفلسفة الإسلامية نظرات في التصوف والكرامة : محمد جوَاد مُغنِيَّة . دار ومكتبة الهلال ، ودار الجواد ، بيروت ، لبنان ، الطبعة الخامسة 1406هــ/1986م ،  ص: 250 .

[41]معالم الفلسفة الإسلامية . المرجع السابق . ص: 252 .

[42]مونوغرافية المقدس ، المرجع السابق ، ج1 ، ص: 194 ، 195 

[43] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد : الشيخ :أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي (المتوفى: 1224هـ) . تحقيق : أحمد عبد الله القرشي رسلان الناشر: الدكتور حسن عباس زكي – القاهرة .الطبعة: 1419 هـ . ج2، ص: 484، 485.

[44] فتح المجيد في بيان تحفة المريد على جوهرة التوحيد : العلامة الشيخ : إبراهي بن محمد الباجوري ، حققه وعلّق عليه : عبد السلام بن عبد الهادي شنّار . مكتبة دار البيروني ، دمشق ، سوريا ، الطبعة الأولى 1423هــ / 2002م . ص: 364 .

[45] مصباح السالك شرح نظم أسهل المسالك في مذهب الإمام مالك للشيخ محمد البشار : الشيخ عيد الوصيف محمد . تحقيق وتعليق محمد القياتي ، دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير ، القاهرة ، مصر ن طبعة 2012م . ص: 28 .

[46] البحر المديد : المرجع السابق . ج2، ص: 485.

[47] أشراف الجزائر ودورهم الحضاري في المجتمع الجزائري : الشريف كمال دحومان الحسني . دار الخلدونية ، الجزائر ، الطبعة الأولى ، 1430هـــ ــ 2009 م . ص: 103 .

[48]ينظر : منجد الولهان من ص: 105 حتى ص" 119 .

[49]الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر: المرجع السابق.ص:  143.

[50] ينظر : المرجع نفسه ، ص: 143 ، 144 .

[51] دائرة المعارف الإسلامية . المرجع السابق . م10 ، ص: 477 .

[52]ينظر : منجد الولهان من ص: 122 حتى ص: 127 .

[53]ينظر : منجد الولهان ص: 172 وما بعدها حتى ص: 201

[54]الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر: المرجع السابق.ص:  146 .

[55]مونوغرافية المقدس : المرجع السابق .ص: 14 .

[56]تاريخ الجزائر الثقافي ، المرجع السابق ، ج1 ، ص: 505 ، 506 .

[57]ينظر : منجد الولهان .ص: 6 .

[58] إيزابيل إيرهاردت من مواليد سنة 1877 بجنيف قدمت إلى الجزائر سنة 1897 ، اعتنقت الإسلام على يد أحد الشيوخ ، أحبت الكاتبة الوادي كثيرا ، أطلقت عليه تسمية مدينة ألف قبة وكتبت عنه العيد من المقالات ، توفيت سنة 1904 اثر فيضان وادي عين الصفراء ..." الطريقة إلى قنادسة أو (في ظلال الإسلام الدافئة) : إيزابيل إيرهاردت . ترجمة : ميهي عبد القادر . مطبعة مزوار ، الوادي ، الجزائر ، الطبعة الأولى 2012م .  ص:3 .

[59] الطريقة إلى قنادسة أو (في ظلال الإسلام الدافئة) : المرجع السابق .  ص: 64 ، 65