دراسة استطلاعيةعن ظاهرة الانتحار و المحاولة الانتحاريةpdf

  د/زينب سهيري

 جامعة الأغواط( الجزائر)

Résumé :

 cette étude a pour objectif de mettre en évidence la réalité et l’étendu du phénomène du suicide et de la tentative de suicide dans la ville de Laghouat .Et pour cela on a étudié les dossiers de 64 cas. On a conclu que le nombre de suicide et de tentative de suicide est légèrement élevé par rapport à d’autres willayas .les jeunes représentent la proportion de 81.25 %, elle augmente essentiellement au début du printemps, et on trouve que parmi les cas ayant un comportement suicidaire 46.8 % sont des chômeurs.

 Mots clefs : suicide – tentative de suicide- le milieu laghouati.

 1-المقدمة :  

 إنّ الانتحار يمثل قمة المأساة الإنسانية لما لها من عواقب وخيمة على المجتمع عامة واتجاهات الأفراد خاصة. فيصبح الإنسان عاجزا عن الاستبصار بحلول للمشاكل التي تنتابه. ولا يرى أملا في المنجاة منها، إلاّ الموت باعتباره المخرج الوحيد لمأزقه.

و ذلك بالرغم من أنّ جميع الشرائع السماوية تقرر وتؤكدّ ما أدركه الإنسان بفطرته من حرمة النفس البشرية. وأن قتلها عمدا بغير حق يعتبر جريمة فوق الجرائم كلها، جرائم لا يقررها شرع ولا يتقبلها وضع ولا يستسيغها اجتماع. فيقول الله تعالى في هذا الشأن :

 ] وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً[ [سورة النساء، الآية 29]

 وفي رواية النسائي " أنّ رجلا قتل نفسه بمشاقص، والمشاقص جمع شقص وهو سهم عريض فقال رسول الله (ص) « أما أنا فلا أصلي عليه » (ت. بن التواتي، 2002، ص 308)

 و يرى دوركايم أن تحريم الانتحار نجده بوضوح عند البروتستانت والكاثوليك بالإضافة إلى العقاب الذي ينتظره في الحياة الأخرى بعد الموت، لكن نجد نسب الانتحار عند البروتستانت تزداد عن الكاثوليك، وذلك يرجع إلى فردية الطقوس الدينية للبروتستانت وعدم اندماج الكنيسة البروتستانتية في حياة هاته الفئة. ويقلّ الانتحار عند اليهود وذلك نتاج التلاحم القوي لأفرادهم. ويضيف " تحرم الديانة الإسلامية تحريما قاطعا الانتحار، لأنّ الفضيلة الأساسية هي الخضوع المطلق للإرادة الربانية، الصبر الجميل الذي يجعل من الفرد يتحمل كل شيء بصبر، فالانتحار كفعل عدم الامتثال والثورة لا يمكن أن ينظر له في الديانة المحمدية إلاّ كتجاوز خطير للدين. "(E. Durkheim ,1930, p p141- 373)

 و قد تلقت ظاهرة الانتحار في الفترة الأخيرة اهتماما كبيرا من طرف الأوساط العلمية، من أجل معرفة صيرورتها والوقاية منها وكفالة المتورطين فيها. باعتبارها مؤشرا للصحة النفسية للمجتمعات. وبذلك تحتل السلوكات الانتحارية والانتحار ومحاولته مكانة بارزة في الميدان السيكولوجي والسيكوباتي. و نحن من خلال بحثنا نريد تسليط الضوء على ظاهرة الانتحار و المحاولة الانتحارية و توزيعها بمدينة الأغواط .

 2-الإشكالية :

 رغم الدراسات العديدة، بقي موضوع الانتحار والموت الاختياري تابوها وموضوعا محظورا اجتماعيا، في حين نجد مواضيع الجنس أو الإدمان قد فقدت من السرية والتستر اللذان كانا يحيطان بهما في العهود السابقة.  ونلاحظ ذلك من خلال تكتم عائلة المحاول للانتحار ومن خلال المحاول للانتحار نفسه، حيث يحاول تغطيته و التهرب حتى من التلفظ بكلمة الانتحار أو التلميح له من أجل أن يجعله حادثا عارضا.  ونلاحظه أيضا من خلال الإحصائيات حيث يؤكد الأطباء أنهم لا يسجلون إلاّ 40 % من المحاولات الانتحارية لتقلّ هذه النسبة في إحصائيات الشرطة، وتتضاءل بأكثر من ذلك في الملفات التي تمر على المجالس القضائية.  وما توحي هذه المقاومة والتكتمّ إلاّ على أنّها وسيلة دفاعية يستعملها الفرد والمجتمع تجاه رغبة جامحة، فكلما زادت المقاومة كانت الرغبة أكثر قوة (نعني بهذه الرغبة غريزة التدمير والموت التي سماها فرويد غريزة (الثانتوس) حتى أنّ الفرد والمجتمع يخشى من أن يطلق العنان لها فتدمره وتخل بتوازنه. وذلك أنّ الفرد تحكمه غريزتان غريزة الموت وغريزة الحياة، وتغلّب الأولى على الثانية ينتج عنه تدمير الفرد لذاته.

 فحسب دراسة لكانكيل وشريف KanKel & Shereve (1991)أنّه يوجد في أمريكا حوالي مليون محاول للانتحار فقط من فئة المراهقين. (ح . فايد، 2001، ص 243)

 وتمثل محاولات الانتحار عند الشباب المصري في سن ما بين 15 و24 سنة 60 % من مجموع المحاولات الانتحارية. (س. عبد القوي) نقلا عن (ح. فايد، 2001، ص244)

 وبينت الإحصائيات في مصطفى باشا أنّه من بين 500 حالة مستعجلة في مصلحة الطب الجراحي المحصاة يوميا نجد من 2 إلى 3 من محاولي الانتحار، وأن 98 % ممن تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة. (مجلة الجزائر الجمهورية) نقلا عن (غ .عبيب، 1995، ص 5)

 ويؤكد كاشا أنّه 76 % من مجموع المحاولات الانتحارية تمثل محاولات انتحارية للشباب، و6 % منهم يكررون المحاولة Récidiviste(F. Kacha ,2003 , p7).

 وقد بلغت الظاهرة في الجزائر زيادة وتطورا مهيبا، حيث أننا نسمع ونقرأ عن حوادث الانتحار يوميا وبأشكال وألوان مختلفة.

 فقد وصلت إلى معدل 2.9 في 100000 انتحارا في التسعينيات. بعد أن كانت تمثل نسبة 0.83في 100000 نسمة في الستينيات، وارتفعت معها نسب محاولة الانتحار من 34 في 100000 إلى 39.3 في 100000. (F. Kacha, Opcit, p7) و (ك .تكفي ، 1996، ص 8)

 فالسلوك الانتحاري في الجزائر يمثل منه الشباب نسبة 80% ويرجع ذلك إلى مرحلة المراهقة وعدم النضج الانفعالي. ونجد 3 محاولات انتحارية مقابل حالة واحدة عند الذكور وتقل بكبر السن لمدى القيمة الاجتماعية المعطاة للمسن في الوسط العربي. وتقلّ أيضا نسبتها في شهر رمضان وشهر جوان لما يمثله الأول من معاني دينية والثاني من تلاحم عائلي واجتماعي أثناء العطل والأعراس الصيفية. وحسب بن الصغير فإن نسبتها تزداد في شهر ماي لمصادفة هذا الشهر بنهاية السنة حيث يكثر الإخفاق والفشل الدراسي ويمثل للإناث المكوث بالبيت والحرمان من الحرية.  فيما يخص العوامل المحفزة لانفجار السلوك الانتحاري تبقى الصراعات العائلية السبب الرئيسي بنسبة 40% وصراعات الأزواج بنسبة 20% وعدم التكيف المهني في المرتبة الثالثة. وتمثل نسبة تكرار المحاولة 6%.

 (M. Ghorbal. In J. Védrine. 1981. p 71)

 و يكو ن التساؤل كالتالي :ما مدى انتشار ظاهرة الانتحار و المحاولة الانتحارية بمدينة الأغواط حسب عدد من المتغيرات مثل : السن و الجنس و السلوك الانتحاري و وسيلة الانتحار  و الشهر و الفصل و المهنة ؟

 3-أهداف الدراسة :

 تهدف هاتة الدراسة إلى الاطلاع على واقع هاته الظاهرة بمدينة الأغواط تسمح لنا بمقارنتها بدراسات أخرى و معرفة خصوصيتها  من أجل التفكير في برامج وقائية وعلاجية لها.

 4-مصطلحات الدراسة :

 الانتحار :

 أ - التعريف اللغوي للانتحار:  الانتحار باللغة العربية من أصل كلمة نحر أي ذبح وقتل وانتحر الشخص أي ذبح نفسه وقتلها. (س . مكرم، 1964، ص 45)

 أمّا في اللغة اللاتينية فنجد كلمة suicideالتي أدخلت اللغة الفرنسية على يد Abbé Desfontaine سنة 1737. (A. Haim,1970, p 14)

 وتنقسم إلى كلمة sui(الذات) وcaedere(قتل) والكلمة بأكملها suiciderأي tuer soi mêmeبمعنى قتل الذات. ((N. Sillamy,1980,p653

 ومن مرادفاتها كلمة  autolyseوهي مصطلح علمي متداول بين الأخصائيين للتخفيف من ثقل كلمة الانتحار أمام المفحوص. ونجد في مقابلها بالألمانية selbest mord (G. Krahl, 1980, P354)

 ب- تعريف الانتحار اصطلاحا: نجد عدة تعاريف من بين أشهرها :

 تعريف دوركايم : "نسمي كل حالات الموت الناتجة مباشرة أو غير مباشرة من فعل إيجابي أو سلبي تنفذه الضحية بنفسها وهي على علم بهاته النتيجة. " ((E. Durkheim, Opcit, p5 و نلاحظ أنّ دوركايم لا يأخذ بنية القصد أو الهدف من السلوك الانتحاري، أو حتى أسبابه الشعورية واللاشعورية، و هو يؤكد على إدراك الفرد للنتيجة النهائية للموت أي الطابع الإرادي. و هو حين يذكر الفعل المباشر وغير المباشر، السلبي والإيجابي يجعل من معادل الانتحار والانتحار في كفة واحدة ويذهب في نفس المنحى Deshaies. Schneider. Ey. Landsberg. Bayet  ( (A. Haim,1970, p 29

 كما يذهب Baechlerإلى إعطاء الانتحار الصبغة الوجودية فلا يرجعه لأصل باثولوجي ذاتي ولا لسبب اجتماعي، وهو بذلك ينفي هاته التأثيرات فلا يراه كفعل لكن كسلوك له أهدافه حينما يقول " الانتحار يشير إلى كل سلوك يبحث عن حل لمشكل وجودي، على شكل مساس بحياة الفرد. "Baecheler,1975)(نقلا عن (D. Mandon. in J. Védrine ,1981, p41) وهو بذلك ينتزع منه الصبغة المرضية وكأنّه يحاول أن يعطيه شرعية.

 وحاول Hallbwachsفصل مفهوم التضحية عن مفهوم الأنتحار مرتكزا بالأساس على موقف المجتمع والأحكام المختلفة التي تعطيها لأفعال مماثلة. (Hallbwachs. 1930) نقلا عن D. Mandon. in J. Védrine , Opcit, p 36)(فالانتحار حسبه هو حالة موت نتاج فعل تأتيه الضحية بذاتها وباختيار للوسيلة المناسبة إراديا، وليس للتضحية بها من أجل شيء أخر. و يتفق Hallbwachsفي هذا التمييز مع Esquiro (1837) و)Halifacs (1930 وDelmas وBlandel. . ( (A. Haim,Opcit, P 29و (غ.عبيب، 1995، ص ص22- 23)

 ويراه Deshaiesعلى أنّه "فعل قتل الذات عادة بطريقة إرادية، أخذا الموت كوسيلة أو كهدف." (G. Deshaies, 1968 , p 5) و بذلك نجد أنّ الباحث الأخير يرى في الإرادة عاملا مهما للانتحار، مهملا بذلك انتحار الفصامي والمهلوس.

 جـ- التعريف الإجرائي للانتحار :  نحاول تبني مفهوم الانتحار عند Deshaies، حيث نعتقد أنّه الأنسب لدراستنا بإضافة تعديلات عليه كإضافة الصبغة اللاإرادية واللاشعورية للفعل مثلما يحدث عند الفصامي أو الجماعات الطائفية معتقدين أنّ هناك دوافع لاشعورية تدفع بالشخص للانتحار. فنقول : فعل قتل الذات بطريقة إرادية أو لا إرادية، وبطريقة شعورية أو لا شعورية، آخذا الموت كوسيلة أو هدف دونما تحريض من آخر أو تضحية ما.

 المحاولة الانتحارية : tentative de suicide:

 أ- التعريف الاصطلاحي للمحاولة الانتحارية :  حسب تعريف شنايدر (1973) Scheneider" المحاولة الانتحارية هي كل انتحار باء بالفشل لأنّ الفرد لا يزال على قيد الحياة، وهذا مهما كان سبب الفشل. " (J. Duche,1964, p 4)

     وذهب دوركايم على أنه"المرور إلى الفعل دون أن يكون الموت هو النتيجة."E.Durkheim,1930,p5))

 ب- التعريف الإجرائي للمحاولة الانتحارية : فعل تدمير الذات باء بالفشل.

 ج - الفرق بين المحاولة الانتحارية والانتحار :

 1-الانتحار يتمّ بوسائل عنيفة مثل السلاح الناري أو الشنق، أمّا المحاولة الانتحارية فتتم بتناول الأدوية أو المواد المنظفة وقطع الشرايين phlébotomie.

 2-الانتحار مدروس بسرية تامة، أمّا المحاولة الانتحارية فتكون غالبا مصرح بها.

 3-  الانتحار يتمّ غالبا ليلا، أمّا المحاولات الانتحارية فتحدث في الغالبية نهارا.

 4-  غالبا ما يكون سبب الانتحار الفصام أو الميلانخوليا أمّا المحاولة الانتحارية ففي الغالب سببها صراعات عائلية وعاطفية.

 5-تواتر الرجال في الانتحار أكثر من تواتر النساء، أمّا في المحاولة الانتحارية فنجد العكس. 6

 6-   المنتحر له نيّة الرغبة في التدمير الذاتي النهائي ويهدف إلى إبادة الأنا.

 7-  المحاول للانتحار يحاول أن يلفت أنظار محيطه لمشاكله. (J. Ajuriaguerra &D. Marcelli , 1982,p126) و (Y. Sarfati,1998,p6).

 5-منهج الدراسة و إجراءاتها :

 أ-المنهج :  نستعمل في هاته الدراسة المنهج الوصفي ، لما يلاءم طبيعة الدراسة التي من شأنها وصف الظاهرة وفقا للعديد من المتغيرات مثل السن و الجنس و المهنة  .

 ب -إجراءات الدراسة :

 مكان الدراسة  :  لقد جرى البحث بمدينة الأغواط، وهي مدينة في طور التوسع والتعمير، عانت مثلبقية المناطق الجزائرية من ويلات العشرية السوداء، ويعاني شباب المنطقة مشاكل اقتصادية واجتماعية جمّة، منها مشاكل التهميش والبطالة و انتشار آفة المخدرات ونقص المرافق الترفيهية وما إلى ذلك من مشاكل عديدة. حيث تمثل الحالات الت  تستقبل على مستوى مستشفى بن عجيلة.  و هو المستشفى الوحيد بالأغواط  و الذي توجه لاستعجالاته جل حالات الانتحار و محاولاته من كل بلديات الولاية .

 زمن الدراسة: جرى البحث في الفترة الممتدة من 1 جانفي 2003 إلى 31 ديسمبر 2003 .

 العينة : تتكون العينة من مجمل حالات المحاولات الانتحارية المسجلة بمستشفى محمود بن عجيلة من تاريخ 1 جانفي 2003 إلى 31 ديسمبر 2003، والتي وصلت إلى 64 ملفا منهم 53 محاولة انتحارية و11 انتحارا [1]. لاحظ الجدول:

 الجدول رقم1: توزيع العينة حسب الجنس والسلوك الانتحاري

تقنيات و وسائل الدراسة : لقد تمّ استقراء  و تبويب ملفات المنتحرين و المحاولين للانتحار الموجودة على مستوى مستشفى بن عجيلة .

 6-الجانب النظري من الدراسة:

 أ‌-  إبيديميولوجية الانتحار: تهدف الدراسات الإبيديميولوجية الوبائية إلى معرفة مدى انتشار الظاهرة وتوزيعها وتطورها عبر الزمن وفقا للجنس والسن والمستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي ومعرفة العوامل المؤدية للسلوك الانتحاري من أجل إعطاء وصف محدد للمجموعة المحاولة للانتحار من أجل التنبؤ بها والوقاية منها.

 و نجد :

 في العالم الغربي : نجد في العالم مليون منتحر سنويا ومن 10 إلى 20مرة أكثر من حالات الانتحار ومتوسط العالمي للانتحار هو 16 منتحر في 100000 وتمثل الصين نسبة 20% من نسبة الانتحار العالمي (287ألف في السنة) وهو خامس سبب للموت هنالك. (doctissimo. fr)

 و تشير الإحصائيات في العالم الغربي إلى:

الجدول رقم2: يمثل الانتحار لبعض البلدان

((M. Bourgeois. 1997. p 5- 6

جدول رقم 3: يمثل نسب الانتحار لبعض البلدان

لسنة 1988   لما بين سنة 1991 و1993

 N. Sillamy. 1999. P256 )

وتمثل ألبانيا أقل نسبة للانتحار بنسبة 1.5/ 100000 حسب إحصائيات 1992. أما ليتونيا فتمثل أعلاها بنسبة 42.4/ 100000 وذلك سنة 1993. (M. Bourgeois, Ibidem) وتشير الإحصائيات في فرنسا إلى : 12000 انتحار سنويا منها 1000 حالة عند المراهقين، مقابل 160000محاولة انتحار سنة 1995منها50000 محاولة انتحار عند المراهقين. وتزداد نسبة الانتحار حسب السن أمّا معدّل المحاولة الانتحارية فينخفض مع السن .   (doctissimo.fr)وبأمريكايقول Shereve وKankel(1991) أنّه يوجد حوالي مليون محاول للانتحار منالمراهقين وأنّ نسبة الانتحار تزداد بـ40% (ح. فايد ، 2001، ص 243)  وشهدت كندا حوالي 3500 انتحار منهم 80% ما بين 20 و40 سنة 1996 بنسبة 12. 3 /100000 (www. Statcan. ca/français)

 في البلاد العربية : - سجلت الأردن سنة 1953 2.04/100000 كنسبة انتحار فعلي.أما في العراقفكانت نسبة ضئيلة جدا , ما بين 0.1و0.2/ 100000. وفي دراسة لـ 15 محاولة انتحارية منها أربع حالات انتحار في منطقة الموصل سنة 1963، وجد أن من دوافعها فشل الحب أو الدراسة , أو بسبب انشقاق عائلي، وكانت حوالي 1/3 من الحالات بسبب مرض عقلي أو عضوي. (فخري الدباغ، 1968, ص 146)  و سجل في بيروت فقط سنة 1965، 6 حالات انتحار 3 ذكور و3 إناث، و 32 محاولة انتحارية منها 21 إناث أكثرها ما بين 15و 30 سنة. أما في لبنان عموما فهنالك 40 انتحارا بنسبة 1.8/ 100000و 200 محاولة انتحارية. و أحصت سوريا حوالي 18 انتحارا بمعدل 0.45/100000، 70% منهم إناث. و بلغت في المغرب نسبة المحاولات الانتحارية سنة 1978 هي 33.8/100000و كان الانتحار الفعلي في تونس سنة 1979 هو 4.5/100000 إما المحاولات الانتحارية فنسبتها 31.5/100000. (ك.تكفي ،1996، ص ص105 - 111) و تظهر الإحصائيات الحديثة في مصر أنّ معدلات الانتحار ومحاولته قد ارتفعت بشكل كبير حيث وصلت نسبتها إلى 38/ 100000 في القاهرة، بينما وصلت نسبة الانتحار الفعلي إلى 4/100000. وكذلك كان 60% من محاولي الانتحار من الذين تتراوح أعمارهم بين 15و 24 سنة، وبلغت بين طلاب الجامعات 10% وعن المشاعر الانتحارية بين نفس الفئة فقد وصلت إلى 12.6%. ويحدث في القاهرة 30% من مجمل إنتحارات القطر كله. (س. عبد القوي، 1989) نقلا عن (ح .فايد،2001،ص 244)

 في الجزائر: نحاول استخلاصه من الدراسات التالية : -دراسة بن خلفات في وهران ستة 1969 -دراسة فريد كاشا بالجزائر العاصمة سنة 1971. -دراسة غور بال سنة 1981 - دراسة بن إسماعيل بقسنطينة سنة 1987. -دراسة بن خنشير سنة 1988 - دراسة المعهد الوطني للصحة العمومية INSP بالعاصمة سنة 1991. -دراسة الصغير بقسنطينة سنة 1995.

 تمثل نسبة الانتحار في الجزائر 2.9/100000 والمحاولات الانتحارية34.1/100000 أي 15 مرة نسبة الانتحار. (غ. عبيب، 1995، ص4) وهو واقع انتحاري في طريق التضخم.. (M. Ghorbal. In J. Védrine. 1981. p 71)

 وتكثر إثر الانعزال الاجتماعي عند الأرامل والعزاب والمطلقين ودرجة عدم اندماجهم في المجتمع.  وأهمّ الطرق المستعملة هي على التوالي : الأدوية ثم المنظفات ثم حل الوريد. ونجد عادة تسمم الأدوية والارتماء من مكان عالي في الوسط الحضري والشنق وتناول مبيدات الفئران والحشرات في الوسط الريفي. (F. Kacha. 1996. p274) وتؤكّد مصلحة الوقاية من التسمم والاستعجالات والطب الشرعي بمستشفى باشا الجامعي أنّ نسبة التسمم العمدي هي 26% من مجموع التسممات.

 وتبين الإحصائيات في مصطفى باشا أن ّمن بين 500 حالة مستعجلة في مصلحة الطب الجراحي المحصاة يوميا نجد من 2 إلى 3 حالات من محاولي الانتحار. وأنّ 89.2% كن من الشابات مقابل 98% ممن تتراوح أعمارهم ما بين 15و24 سنة.  (مجلة الجزائر الجمهورية ، 1993) نقلا عن (غ. عبيب،1995،ص 5).

 وتشير البيانات أنّ محاولات الانتحار قد ارتفعت بشكل بالغ الخطورة بحيث أنّها بلغت 606 محاولة انتحار سنة 1983 منها 209 مراهق وارتفع سنة 1988 ليبلغ 775 محاولة انتحارية منها 314 مراهق. (Belkhenchir et AL,1988,pp197- 205)

 وفي الفترة 1990- 1993 سجلت في مصلحة الاستعجالات بمستشفى مصطفى باشا الجامعي 1361 محاولة انتحارية منها 988 إناث و379 ذكور.

 وارتفعت حالات الانتحار بالجزائر العاصمة لوحدها سنة 1986 إلى 25 حالة. لتصل سنة 1987 إلى 44حالة. (Ibid,p 201)

 ب- الاتجاهات النظرية المفسرة لظاهرة الانتحار :

 ·   التفسير التحليلي: إنّ التمييز الذي وضعه فرويد بين نزوة الحياة والنزوة الجنسية كان كافيا لتفسير الكثير من الأفعال الانتحارية. ففي الانتحار نزوة ألانا مهزومة من طرف الليبدو. وفي وجهة النظر هذه الانتحار يعترض التعريف العام للعصاب (الصراع بين نزوة الأنا والنزوة الجنسية) ويقترب من الذهان أي ينشئ نوعا من المعادل. والسبب الوحيد الموضوعي لذلك هو اليأس من الحب.

 ويقول فرويد عن نظرتنا للموت: " ويظهر من السلوك الواضح ما يستشف منه أنّنا قد استبعدنا الموت من الحياة، ووضعناه على الرف وأخرسناه، وصرنا كما يقول المثل نحاول التفكير في أشياء أخرى تصرفنا عن التفكير في الموت. وبالطبع فإنّ الموت الذي نتوجه بالحديث عنه هو موتنا نحن وكلما تخيلناه تدافعت صورة في مخيلتنا بوصفنا متفرجين. و لذلك فإنّنا قلنا من خلال التحليل النفسي إننّا في أعماقنا لا نعترف بأنّنا سنموت وأنّنا نعتقد في لاشعورنا أنّنا خالدون . أمّا خوفنا من الموت هو خوف يسيطر على حياتنا أكثر مما نعرف فليس في الحقيقة إلا شيء ثانوي مرده عادة الشعور بالذنب. "

 ويضيف عن نظرتنا لموت العزيز: " لا يصدق الفرد أنّ الشخص العزيز قد مات لأنّه في الواقع كان يدمجه في أناه، ويعتبره جزءا من نفسه التي يحبها، و مع ذلك كان من ناحية أخرى يحس إحساسا غامضا، أنّ موت هذا العزيز عليه له ما يبرره، فقد كان في العزيز دائما جزء غريب معاد، لم يكن قد استدخله ودمجه في نفسه وهنا نجد التفسير في قانون ازدواجية الشعور " (س. فرويد، 1981، ص ص 40- 47) ويضيف : " نحن نحاول بكل قوانا إبعاد الموت و انتزاعها من حياتنا ونحن نحاول أن نرمي فوقها حجابا من الصمت." D. Gonin,inJ. VédrineetAl,1981,p19)).

 وتمثل كتب فرويد " الحداد والسوداوية " و" ما فوق مبدأ اللذة " و" الأسباب النفسية لحالة جنسية مثلية لامرأة " المصادر التحليلية الأساسية للانتحار. ويركز فرويد على عدم وجود مفهوم موت الذات في اللاشعور. فالإنسان يعتبر نفسه خالدا ولا يتصور موته. كما يقولCharles Baudelaire " اقتل نفسي لأنّي أضن أنّني خالد. " ((J,Ajuriaguerra. D. Morcelli. 1982, p 123

 فانتحاره لا يعتبر إلاّ قتل للموضوع المفقود المتقمص. فيفسّر أيضا بفرضية "التوحد الخروج" الذي يعني أنّ الفرد يتوحد مع المحبوب المفقود فيخبر ألما يؤدي به إلى الرغبة في الراحة والخروج بالموت. (ح. علي فايد، 2001، ص 258- 256)

 ومن جهة أخرى وظف أدلر أفكاره حول الشعور بالنقص. وأكدّ على أهمية دوافع عقاب الأباء، عصيان الأب، الإلحاح على شعور بالعار والانحطاط التي تتعارض مع الطبع اللامحدود للكبرياء والتكبر اللاشعوري.

 ويتفق رولف W. Rolfe ,1928)) وويليامس E. Williams ,1936)) على أنّ الشخص الذي يقبل على تنفيذ الانتحار يتميّز بشخصية نرجسية تعجز عن مواجهة مواقف التهديد. بل تتضمن من الفشل والحرمان ما يفقده وجدان التقدير الذاتي، وتنمو فيه نزعات إنهباطية. وفي هذه الحالة يلجأ الفرد إلى الانتحار هروبا من الصراع غير المحتمل. ويكون انتحاره دالة رغبة نكوصية لا شعورية في العودة إلى المرحلة الرحمية. وقد تغمر وجدانه كراهية شديدة ضد من تسبب في حرمانه وإحباط رغباته، فتتملكه الرغبة في الانتقام منه. لكن ثمة ظروف اجتماعية قد تمنع تحقيقه، أو قد تحول شدّة ضغط الأنا الأعلى دون ذلك، فيرتد الانتقام خلال عمليات التثبيت والتوحد بالآخر إلى الذات فيدمر الإنسان نفسه بدلا للآخر. وقد أسهم الدكتور كارل مننجر(1930) مساهمة فعالة في تفسير السلوك الانتحاري وتقدم بالتفسير الفرويدي خطوة هامة فالفعل الانتحاري حسبه مركب من بعض من الرغبات الثلاث أو كلها :

 1- رغبة في أن أقتل(Wish tokill) ، تصدر عن الأنا ومضمون هذه الرغبة نزعة عدوانية ووجدان مشحون بالكراهية ورغبات في اتهام الآخر وتوبيخه وعزله والتخلص منه وإبادته والانتقام منه.

- رغبة في أن أقتل (Wish to be killed) تشتق من طبيعة تكوين الأنا الأعلى. فإنّ شدّة وجدان الإثم وما يتبعه من توبيخ واتهام ذاتي يكشفان عن حاجة ملحة إلى العقاب. لذلك فهي تتضمن النزعات المازوشية بما تتضمنه من استمتاع بالخضوع وانهزام وتلذذ بمعاناة الألم.

3- رغبة في أن أموت (Wish to die) وترحيب بالموت : تتولد في الهو بوجه عام وغريزة الموت والتدمير بخاصة، ومضمون هذه الرغبة يعود إلى الشعور الأساسي باليأس والضياع، يسانده وجدان الخوف وتثبيط الهمة والخيبة وإحساس عام بالتعب. . مكرم، 1964، ص ص 63- 65)

·   التفسير السلوكي : يعتبر أصحاب هذا الاتجاه الانتحار كسلوك متعلم في أغلبه، ولا وجود لأي قاعدة جينية قد تؤدي إلى ظهوره. و من خلال ملاحظة أفراد حاولوا الانتحار، تم استخلاص معادلة السلوك الانتحاري. و هي:

CS= (PF*EF* (RF*MF) / (PNS*Ens*RNS*MNS)

-  CS: السلوك الانتحاري.

-  Pf: النواحي الضعيفة الموجودة في الشخصية.

 -  EF: محيط فقير من التعزيزات.

 -  RF: استجابات كانت مرتبطة مع السلوك الانتحاري الذي خضع للتعزيز.

 -  MF: دوافع لصالح السلوك غير المرغوب فيه

 -  PNS: صفات الشخصية الإيجابية والتي باستطاعتها مواجهة عوامل الضغط بفاعلية.

 -  ENS: وجود موارد إيجابية سهلة المنال في المحيط.

 -  RNS: عادات سابقة مسيرة لعوامل الضغط.

 -  MNS: دوافع من أجل سلوك فعال ومرغوب فيه.

 وفقا لهذه المعادلة يفترض أنّ الشخصية الضعيفة والهشّة، بالإضافة إلى فقر المحيط لعوامل التعزيز الإيجابي بالمقابل مع التعزيزالسلبي لسلوكات غير مرغوب فيها، يؤدي إلى تعلّم الانتحار وبذلك يصبح هذا الأخير نمط من الاستجابة، يظهر كلما اعترضت عوامل الضغط طريق الفرد الذي تتوفر لديه هذه الأرضية.

 وتعتبر النمذجة modelingبالنسبة لـ Diestra(1973)من الطرق الرئيسية التي يتمّ من خلالها تعلّم السلوك الانتحاري أي عندما يشاهد الشخص نموذجا معينا يقوم بسلوك انتحاري، ويحصل على مكافأة من جراء ذلك، فإنّ احتمال تقليده للسلوك يزيد، ...وفي دراسته لأفراد حاولوا الانتحار، وجد أنّ الطريقة التي يستجيب بها المحيط لمثل هذا السلوك، هو شكل من أشكال التعزيز الذي يعمل على استمرار وظهور المحاولة الانتحارية كلما دعت الحاجة إلى ذلك. (Diestra in Wilmotte et Al,1986, p4)

 ·   التفسير المعرفي: إنّ التناول المعرفي يؤكدّ على أنّ الاضطراب السيكولوجي عموما، هو نتيجة لخلل أو تشوهات في طريقة تفسير الفرد لوقائع الحياة وكذلك نتيجة لمعتقدات فكرية خاطئة، يبنيها الفرد عن نفسه وعن العالم الخارجي. و يرى بيك أنّ المكتئب يكوّن اتجاهات غير عقلانية تجاه المحيط والمستقبل ينجم عنها توقعات سلبية وكلما زادت شدّة التوقعات السلبية كلما زاد الاكتئاب وزادت معه الرغبة في الانتحار. (A. T. Beck, 1979, p 255) 

 كما يفسر الانتحار طبقا للتقلص المعرفي، ذلك الذي يشير إلى الجمود في التفكير، وصعوبة التركيز والرؤية المعتمة ولا يعرض عند اللحظة التي تسبق موته سوى تشوشات خاصة بصدمة أو جرح مثل الفشل في العمل إلخ. كما يفسر طبقا للتعبيرات غير المباشرة فيتسم الانتحاري بثنائية الوجدانية كالسادية والمازوشية وتكون القوى الحافزة للانتحار هي عمليات لا شعورية لحد كبير. (ح.فايد، 2001، ص 256- 257)

 ويرى الباحث Selye (1956)أنّ للضغط النفسي أثر كبير على الصحة النفسية بصفة عامة، والمنتحر بهذا المنظور يتعرض في حياته اليومية لعوامل ضغط عالية أو مشكل حياتي يكون الفرد المحاول للانتحار غير قادر على التفكير المتسلسل والسريع وعليه يجد صعوبة في إيجاد الحلول المناسبة لمواجهة المشكل، مما يدفع به للاعتقاد أن مشاكله لا تحل إطلاقا، ولا يمكن أن يحقق أهدافه، الشيء الذي يؤدي به إلى السقوط في حالة من اليأس، التي تؤدي إلى الاكتئاب، وبالتالي اللجوء إلى المحاولة الانتحارية. (H. Selye , 1956 , p 47)

 ·   التفسير الاجتماعي: يعتبر دوركايم مؤسس علم الاجتماع وعلم الانتحار ومن أشهر مؤلفاته " الانتحار " حيث يدرس دراسة إحصائية وتحليلية لعوامل الانتحار التي ينتقد فيها الأسباب العقلية والوراثية التي جاء بها المنحى البيولوجي، واستنتج أنّ العمل الرئيسي هو عامل اجتماعي ومتمثل في مدى اندماج الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه (المجتمع الديني أو العائلي أو السياسي الخ) . بالإضافة لأنّ المجتمعات مكوّنة من حصيلة مواقف لأفراد نحو هاته الجماعة وهي ثلاثة مواقف: الأنانية والفوضوية والأيثارية، و اختلال التوازن فيها عند أحد الأفراد حيث يطغى أحد المواقف يكون كعامل مسبب للانتحار.

 أ- الانتحار الأناني: ويعتبر النوع الخاص بمجتمعاتنا المعاصرة أين الإنسان يحس بالوحدة والفردية مثل حالات الشيخوخة والأرامل والمطلقين إلخ وهنا يكون يائس لا يرى من الحياة فائدة.

 ب- الانتحار الأيثاري: هو الانتحار الذي ترتضيه الجماعة ويقبل عليه الفرد من أجل مجتمعه وهو ميزة المجتمعات البدائية والحروب، ونجده في حالة الخطر الذي يلحق بالجماعة حيث يضحي الفرد بنفسه من أجلها. وهنا يرى فائدة وجوده خارج الحياة نفسها.

 ت- الانتحار الفوضوي: هو نجده نتاج تغير حال الفرد من الأحسن إلى الأسوأ وحتى من الأسوأ إلى الأحسن، وهذا نتاج تغير النظام الذي كان يسير عليه وعدم تكيفه مع المتطلبات الجديدة، ونجد هذا النوع عند المطلقين والأرامل أو إثر الاغتراب وما إلى ذلك. وهنا يسعى للانتقام من ذاته معتقدا أنّه هو سبب الاختلال.

 ولم يغفل هليفاكس الإشارة في كتابه " أسباب الانتحار " الإشارة إلى العوامل العقلية والنفسية الأخرى، في حين ردت كافان 1968 الانتحار إلى ما تسببه الطوارئ الاجتماعية الحادة من اختلال اجتماعي، واضطراب في جوانب السلوك المعتادة والمستقرة لتحقيق حاجات الفرد. وهو ما أطلقت عليه أزمة الشخصية. وحدد سينسبوري (1955) كثرة الإقبال عليه في لندن وفي أحياء معينة منها الحياة في المدينة عامة وفي هذه المناطق بوجه الخصوص، فالحياة فيها تسودها اللامبالاة وتخلق في الأفراد شعورا بعدم الأهمية والتفاهة، كما تهيئ فرص الوحدة والعزلة بين سكانها، وتنشأ هذه السمات عن طبيعة العمران ونظم الإسكان الفردي وما يؤدي إليه الحراك الاجتماعي من تفكك في العلاقات الاجتماعية وجمودها في مستوى شكلي سطحي واضطراب في القيم والمعايير الاجتماعية وكلها تقتضي المسايرة الاجتماعية التي تفقد الإنسان تلقائيته. (س. مكرم، 1964، ص 107- 108)

 ·   التفسير الوجودي:هناك ما يمكننا تسميتهبالانتحار الوجودي وهو الوسيلة التي يلجا إليها بعض الوجوديين لتأكيد حريتهم المطلقة في التصرّف، وهم بذلك يعتبرون أنّ حريتهم لا تكتمل إلاّ بقدرتهم على التخلص من الحياة وبتأكيدهم أنّ الرغبة في الحياة لا تستبعدهم. ويعلق الدباغ قائلا : " إنّ الحرية التي يتمتع بها الإنسان ويستخدمها للقضاء على ذاته هي تأكيد آخر لوجوده وإن كان ذلك بالموت. " (م.بدوي، 1993، ص 58)

 ويرتبط في كثير من الأحيان الإلحاد بفكرة الموت والوجودية فنجد من بين هؤلاء العلماء سار تر وكامو وهيدجر، ويستند الوجوديون على الحرية والاختيار الذي من شأنه أن يولّد عند الإنسان القلق الذي هو حسب مقولة هيدجر الشهيرة : " إن القلق هو الشعاع الثابت لمشاعرنا الإنسانية. " (غ.الأحمدي، 1964، ص 45) ويذهب ألبير كامو لأن يزعم بأنّ خيرا للإنسان أن يموت في متناقضاته من أن يحياها.

 ويسميها هيدغر Heidegger"Freiheit zum Tode" حرية الإنسان في أن يعترف بموته الشخصي وأن يتصورها دون قلق ودون هوامات فيقول:يظهر التناقض الغريب والدائم لنظرة الإنسان للموت، ففي حين لا يعلم ما تصنع به الأقدار، فهو يعلم ومتأكد أنّه سيموت يوما ما، وأنّه لن يهرب من مسار الموت فبالنسبة له الحياة تعني الاقتراب من الموت. ورغم ذلك فهو لا يعلم متى؟ وأين؟ وكيف؟ فهو يعيش في جهل. وكل ما يتحكم فيه ومتأكدّ منه هو أنّه سيموت، ومن ذاك يحس الإنسان بأنّه سيئ لأنّه غير خالد فلا يشبع الإنسان رغبته في العظمة في أن يكون الإله والمسيّر، وفكرة الموت تعني له أخطر جرح نرجسي. وهذا ليس من الغريب أن ينشأ قلق الموت. " (A. Haim , 1970, p 133)

 7-الجانب الميداني من الدراسة وعرض نتائج العينة ومناقشتها وتحليلها :

 بينت الدراسة الاستطلاعية والمعالجة الإحصائية لملفات 64 سلوك انتحاري، أن هذه الظاهرة على خلاف اعتقادنا تعتبر ظاهرة كثيرة الحدوث بالوسط الاغواطي. وسنحاول تبين توزيعها.

 1-توزيع أفراد العينة حسب الجنس والسلوك الانتحاري :

 بين الجدول رقم (1) أن الغالبية العظمى من الأفراد المحاولين للانتحار هم من الإناث حيث بلغت نسبة هاته الفئة حوالي 68 % من مجموع العينة، مقابل 32 % بالنسبة للذكور المحاولين للانتحار.

 ووصل معامل الذكورة (نسبة الإناث /نسبة الذكور) إلى 2.12. أي أننا نجد مقابل كل محاول للانتحار من الذكور، 2.12 أنثى محاولة للانتحار. [2]

 وتتفق هذه النتائج مع ما وصل إليه الدكتور محمد غوربال في دراسته عن الوسط المغاربي حيث وجد ثلاث محاولات للانتحار مقابل محاول واحد. ويرى بأنها تعبر عن الصراع النفسي المزدوج للفتاة المغاربية المتمثل في صراع داخلي مع الأنا وصراع آخر مع وسطها الاجتماعي. (M. Ghorbal,in J,Védrine &al , 1981,p 71)

 وقد توصل كاشا إلى نفس النتائج أي ¾من المحاولات الانتحارية هي للنساء. (F.Kacha, 2004,p7) وتتقارب مع إحصائيات فيليب ودافيدسون Philippe &Davidson بمدينة ليون الفرنسية. حيث أحصيت 2.13 محاولة انتحارية للإناث مقابل حالة واحدة للذكور. (Philippe & Davidson , in J. Védrine et Al ,1981,p115)

 وبالرجوع إلى دراسة الأستاذة تكفي كلثوم بالوسط الجزائري العاصمي وجد أنّ النساء المحاولات للانتحار مثلن77.33  % (116 حالة) من العينة المدروسة مقابل 22.66 % من الذكور المحاولين للانتحار (34 حالة) . (ك.تكفي، 1996، ص 129)

 وبناء على الإحصائيات المسجلة من الفترة ما بين1990- 1993 في مصلحة الاستعجالات بمصطفى باشا الجامعي. فإن هذه الأخيرة تعطينا فكرة واضحة عن تزايد هذه الظاهرة، إذ وصل العدد إلى 1361 محاولة انتحار منها 988 محاولة انتحار عند الإناث مقابل 379 محاولة عند الذكور. (غ.عبيب، 1995، ص 13) وتتفق هذه مع دراسة هايم )1979(.

 ويرى R. Menahem أنّه في حين نجد عند الذكر في فترة المراهقة السلوكات الانحرافية، نجد عند الأنثى في نفس الفترة السلوكات الانتحارية. وقد حاول تفسيره بأن الميكانزمات الدفاعية ضد الموت ليست متماثلة عند الجنسين. فالقدرة على إعطاء الحياة والولادة تعطي للمرأة قدرة إحيائية، ولا نجدها عند الرجل فيعوضها بالإبداع كي يحيا. ورجوعا إلى الصراع الأوديبي لا نجده بنفس الشكل عند الجنسين فيكون الموت كرجوع للحالة الانصهارية الأولى نحو الأم ولكن هذا الانصهار يؤدي بالذكر إلى إحياء قلق الخصاء. رغم أن نزعات الموت والحياة تكون متواجدة في الجنسين. ((P. Barlet,in J. Védrine  et Al, 1982, p 111

 نلاحظ أنّ نسبة المنتحرين الذكور (55 %) تفوق نسبة المنتحرات الإناث (45 %) من مجموع العينة.

 وهذا يتفق مع الإحصائيات الفرنسية سنة 1993 التي وجدت أنّ نسبة الذكور المنتحرين 36.5 / 100000 تفوق نسبة الإناث المنتحرات 13.1/100000، بمعامل ذكورة 2. 78 أي مقابل كل أنثى واحدة نجد 2.78 ذكر منتحر. (M. Bourgeois & Al,1997, p 7)

 وتقول)Marie Choquet et Sylvie Ledoux (1994 : " نجد عند الذكور تشخيصات أمراض عقلية أكثر من الإناث. فعندما يتبنى الذكر السلوك الانتحاري، والاضطرابات الوظيفية واضطرابات الأكل والاكتئاب التي تمثل من أعراض الجسمية النمطية للمرأة فإنهم يمثلون ضررا حقيقيا. (X. Pommereau, 2001 , p p34- 53) 

 ويشير ريتش وآخرون (1992) إلى أن الذكور أكثر دافعيه في محاولات الانتحار الناجحة من الإناث، فيستعملون طرقا عنيفة ونهائية ذلك أن الذكور يخافون من عدم المرغوبية الاجتماعية، كما يخافون أن يظهروا بمظهر الضعف باعتبارهم انتحاريين، ونجد لهم نية أكيدة في الانتحار، و لا تستعمل المرأة هاته الطرق إلى بعد سن 55 وفي غالب الأحيان يكون انتحار المرأة كلفت للانتباه وصرخة مساعدة. (ح. فايد، 2001، ص 245)

 ونستنتج في بحثنا أن السلوك الانتحاري عموما يزداد عند الإناث ليقل عند الذكور. وقد يعود ذلك إلى أنّ أغلب السلوكات الانتحارية تعتبر كتصرفات هستيرية أو كصرخة نداء حيث تستعمل فيها الإناث وسائل أقل عنفا من الوسائل التي يستعملها الذكور الذين يلجئون في أغلب الأحيان كآخر حل حيث قليلا ما يفشلون فيه.  وقد تعود زيادة نسبة السلوكات الانتحارية عند الإناث إلى التكوين النفسي لهن أو الحساسية الزائدة التي يتميزن بها دون الرجال.

 وهذا الأمر يتفق مع نتائج دراسة أليون ومورون وفارسي A. M. Alleon , O. Mrran et F. Farcy (1991) التي تمت على شباب تتراوح أعمارهم ما بين 15- 16 سنة، نصفهم إناث والنصف الأخر ذكور، فمجموعة الذكور (أ) ظهر أفرادها يتميزون بالراحة والانبساط والنظام ولديهم قدرة على الصبر والانتظار وليس لديهم أفكار انتحارية ونادرا ما يسأمون. أمّا المجموعة (ب) فكانت مكونة من الإناث 61 % منهم يمتازون بأفكار انتحارية وتهيج الأعصاب وعدم الاستقرار والخمول بالإضافة إلى أفكار تجعلهن يعشن الأحزان مما يجعلهن يعانين من اكتئاب شديد علاوة على خمود الهمة والنشاط وفتور الشجاعة وعدم أو قلّة الصبر والملل المتكرر والهجر المتكرر للبيت (غ.عبيب، 1995، ص 74)

 2-توزيع أفراد العينة حسب السن والسلوك الانتحاري :

 جدول رقم4:أفراد العينة حسب السن والسلوك الانتحاري.

نلاحظ أنّ المحاولة الانتحارية تمثل 5 مرات الحالات الانتحارية في الوسط الأغواطي، في حين تؤكد الدراسات أنها قد تصل إلى عشرة أضعاف أو خمسة عشرة أضعاف الحالات الانتحارية.  ونستخلص أن السلوك الانتحاري يصل إلى قمته من سن 17 إلى 23 (38 حالة من مجموع 64 حالة) وتعود للزيادة كذلك نسبيا من سن 26 إلى سن 29 (10 حالات من بين 64 حالة) .

 3-توزيع العينة حسب الفئات العمرية :

 جدول رقم 5 : توزيع أفراد العينة حسب الفئات العمرية والسلوك الانتحاري

 نستخرج من الجدول أن الفئة العمرية الأكثر تضررا بالسلوك الانتحاري هي الفئة ما بين 20 و25 سنة بنسبة 35.93 % من مجموع الحالات.

 وقد تم تسجيل 102 حالة انتحار عام 2002 و77 حالة عام 2003 لمراهقين وذلك على مستوى الجزائر عامة. (أسبوعية الشروق، 2004، ص 7)

 4-توزيع مجموعة أفراد العينة حسب الفئات العمرية والجنس :

 الجدول رقم6: توزيع أفراد العينة حسب الجنس والسن والسلوك الانتحاري

وعندما نربط بين متغيري السن والجنس، يتبين لنا أن كلا المتغيرين لهما تأثير على الأخر من حيث نسبة السلوكات الانتحارية.

 عند الإناث نلاحظ :- إنّ المحاولات الانتحارية تنعدم في الطفولة، لتبدأ في سن المراهقة، حيث نجد أنّها تزداد تصاعديا في هذه المرحلة من معدل 8.33% لتصل أكبر نسبة لها ما بين سن 20 و25 سنة لتكون بنسبة 41.6%، أمّا في الفترة التي تليها (25- 30 سنة) فنجد أنّها تمثل أيضا نسبة معتبرة (16.6%) . لما تمثله هذه المرحلة في حياة الفتاة المراهقة من إرادة الاستقلال والتفرد الذي يتسبب في صراعات عنيفة مع العائلة، وقد يكون للمشاكل الغرامية أو فض غشاء البكارة مبررا للمرور للفعل. وقد تتميّز العائلات الأغواطية بالمحافظة فلا تسمح للفتيات بمزاولة الدراسة أو العمل أو الخروج للتنزه، إضافة إلى قلّة المرافق الترفيهية الخاصة بالنساء، مما يجعل الفتاة تحس بالاختناق والضيق والقلق الذي قد يؤدي بها إلى السأم والتفكير في التخلص من حياتها.

 فتتفق هذه النتائج مع إحصائيات لدراسة لمجموعة من الأطباء المختصين في الأمراض العقلية حيث وجد أن محاولات الانتحار تكثر بصفة معتبرة عند النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 30 و39 سنة بنسبة 64.7 % لتنخفض إلى نسبة 17.6 % عند من هن بين 20 و29 سنة ثم إلى 11.8% لدى الشريحة العمرية بين 16 و19 سنة.(الخبر،2004، ص 12)

 

أمّا روزنثال فقد استخلص من دراسته أن محاولات الانتحار من الإناث يعانين معظمهن من عقدة إلكترا أي كره الأم وحب الأب. كذلك فهن لا يرتحن للحيض ويشعرن بالاشمئزاز والتعاسة عند حلوله. (ن. الجيوش، ب ت، ص 159)

 وتكاد تنعدم هاته النسبة عند النساء بالوسط الأغواطي بعد سن 35، لتعود هذه الظاهرة للظهور في ما بين سن 40 و45 لتأكد أن سن اليأس يمثل عند المرأة سن حرجة.

 ويرى الدكتور ناجي الجيوش أن انتحار النساء يرتفع بتقدم العمر سيما ما يرافق تقدم العمر عند النساء من العزلة والوحدة وظروف الترمل والحرمان من الصحبة والمحبة ومشاعر الحقد والمرارة، والغضب التي لا تزايل المرأة في شيخوختها وذبول جمالها. (المرجع السابق، نفس الصفحة)

 - و نجد 100 % من الأنتحارات عند الإناث بالوسط الأغواطي ترتكز في ما بين سن 15 و30 مما يوحي بصعوبة هاته المرحلة عند بعض الأفراد.

 - في حين نجد أن أكبر نسبة للسلوك الانتحاري عامة عند الإناث في فئة الشابات ما بين 20 و25 سنة (41.4%) بالإضافة إلى أنّ السلوك الانتحاري عند المرأة الأغواطية ينعدم في مرحلة الطفولة ومرحلة الشيخوخة.

 عند الذكور نلاحظ : - أنّ المحاولات الانتحارية للذكور تنعدم ما قبل سن العاشرة، ليبدأ بعد ذلك ويصل لأعلى قيمه بين سن 15 و25 سنة لتمثل 47 % من مجمل المحاولات الانتحارية، وهذا قد يعود إلى أن هذه المرحلة تمثل مرحلة حاسمة في بناء الحياة الذاتية والعائلية وتكوين شخصية الشاب الأغواطي، وقد يضيف إلى ذلك مشاكل البطالة والسكن التي تتركه يفقد استقراره النفسي، مما يسبب له إحباطا وسوء تقدير الذات. وتبدأ هذه النسبة في التناقص تدريجيا لتنعدم ما فوق سن الخمسين. وقد يرجع ذلك إلى أن العائلات الأغواطية تولي قيمة واهتماما خاصا بالمسّن.

 -ويكثر عدد الانتحار ما بين سن 15و 25 سنة عند الذكور ليصل إلى نسبة 66. 66% من مجموع المنتحرين الذكور. حيث تمثل أغلب الحالات انتحارات لفصاميين.

 بينما نجد أن السلوك الانتحاري عند الذكور يصل إلى أعلى نسبه ما بين سن 15 و30 بنسبة 65.5% وهو بنسب معتبرة عند أغلب الفئات لينعدم في فترة الشيخوخة أي من سن 55 فما فوق.

  5-توزيع أفراد العينة حسب الأشهر والجنس:

 جدول رقم7: السلوك الانتحاري حسب الجنس والشهر

 نلاحظ أنّ السلوك الانتحاري لدى الإناث بالوسط الأغواطي سجل أكبر نسبة له بشهر جانفي (19.5%) يليها شهر جوان (14.6%) وفي الرتبة الثالثة شهري مارس وجويلية بنسبة (12.1%) ، أما أقل نسبة فقد سجلت بشهري سبتمبر وديسمبر (0 %)

 في حين يختلف هذا بالنسبة للذكور حيث سجلت أعلى نسبة للسلوكات الانتحارية (21.73%) بشهري أفريل و سبتمبر ويليها شهر ديسمبر في الرتبة الثانية ب (10.3%) ثم شهري مارس و ماي وجويلية ب8. 6% من مجموع السلوكات الانتحارية عند الشباب الذكور بالوسط الأغواطي. لتنعدم بشهري ماي وجانفي. أمّا السلوك الانتحاري عموما فيأخذ نسبه الأعلى في شهر أفريل 14.06% ويليه شهر جانفي ب 12.5 % ثم مارس وجويليا بنسبة 10.8% وينخفض إلى 4.8 بالمائة في الأشهر التالية ماي، أوت، نوفمبر، ديسمبر.

 وقد خلص ناجي الجيوش من دراسته على ظاهرة الانتحار بدمشق سنة 1986، أنّ الأشهر التي يكثر فيها لسلوك الانتحاري هي شهري جوان وأفريل ثم تليها في الرتبة الثانية شهري جانفي وجويليا وتقل بأوت وسبتمبر. (ن .الجيوش، ب ت، ص ص 114 - 115)

 وحسب بن الصغير فإنّ نسب السلوك الانتحاري تقلّ في شهر رمضان وشهر جوان لما يمثله الأول من معاني دينية والثاني من تلاحم عائلي واجتماعي.

 لتزداد في شهر ماي لمصادفة هذا الشهر بنهاية السنة الدراسية حيث يكثر الإخفاق والفشل الدراسي و يمثل للإناث المكوث بالبيت والحرمان من الحرية. M. Ghorbal. In J. Védrine. 1981. p 71))

 ويمثل شهر جوان أكثر الأشهر انتحارا بنسبة 107 انتحار في الألف سنويا، وذلك في فرنسا لتقل لأقصاها في ديسمبر بنسبة 61 منتحر في الألف سنويا.  (E. Durkheim, 1930, pp. 94- 99)

 وقد يرجع ذلك إلى التغيرات الفيزيولوجية الحادثة من جراء التقلبات السريعة لدرجات الحرارة الشهرية وما لها من تأثير على نفسية الفرد وعلى مزاجه وسلوكاته.

 6-توزيع أفراد العينة حسب الفصول :

 جدول رقم8: توزيع السلوك الانتحاري حسب الجنس والفصول

  من خلال الجدول نلاحظ أنّ السلوك الانتحاري عند الإناث يزداد بفصلي الربيع29.3% والشتاء 34.1%، أمّا الذكور فيرتفع عندهم بفصلي الربيع 34.8% والصيف 34.8%، أما بالنسبة للسلوك الانتحاري عموما عند الذكور و الإناث فإنّه يصل إلى أقصى معدل له بفصل الربيع 34.2%.

 وتتفق هذه النتائج مع أغلب الدراسات المحلية والعربية والغربية.  ويمكن أن نذكر منها دراسة ناجي الجيوش الذي وجد أن الانتحار أكثر ما يكون في بداية فصلي الربيع والصيف.

 ويؤكدّ Ferri et Morselliأنّ للحرارة أثر إيجابي علىالانتحار، فالحرارة بالتأثير على الوظائف العقلية تؤدي للقتل الذات. وحاول شرحها فيري بأن الحرارة تزيد من إثارة الجهاز العصبي. و مع الصيف نجد الإنسان ليس بحاجة إلى الحريرات ليبقي جسمه في درجة الحرارة المعتادة. وينتج عن ذلك وجود حريرات أي طاقة متراكمة فتؤدي إلى الفعل و العنف والانتحار والقتل هو من أحد مظاهرها . وذهب lombrosoإلى أن الانتحار لا يعود بالضبط إلى الحرارة لكن إلى ما تثيره الزيادة المفاجئة للحرارة وبدايتها.

 وتبين دراسة دوركايم من خلال المعطيات الإحصائية بمدن باريس وهمبورغ وفيينا وفرانكفورت وذلك في الفترة الممتدة من 1867إلى 1892 أنّ الربيع والصيف هم أكثر الفصول انتحارا. (E. Durkheim, 1930, pp. 94- 99)

 7- توزيع أفراد العينة حسب وسيلة الانتحار :

 جدول رقم9: توزيع أفراد العينة حسب وسيلة الانتحار

 من خلال الجدول نلاحظ أنّ الوسيلة الأكثر استعمالا عند الأناث المحاولات للانتحار والمنتحرات هي استعمال الأدوية وذلك بنسبة63.8% بالنسبة للمحاولات للانتحار وبنسبة 60 % للمنتحرات، ويقلّ استعمال مادة الجافيل والرمي بالذات أيضا لنسجل لكل منهما حالة واحدة على مدار السنة، في حين ينعدم السلوك الانتحاري عن طريق قطع الشريان أو الشنق أو حرق الذات.

 وهنا نلاحظ أن الإناث اللاتي قمن بسلوك انتحاري لا تخترن الوسائل العنيفة وتميل إلى اختيار الوسائل الخفيفة مثل الأدوية، و فعلها في ذلك يعتبر كصرخة نداء موجهة للآخر أو نتاج تصرفات اندفاعية وهستيرية.

 ويبيّن الجدول أيضا أنّ الذكور يختارون استعمال الأدوية لمحاولات انتحارهم بنسبة 47 % ويلجئون إلى استعمال المادة الحامضة والشنق للانتحار الناجح بنسب متماثلة أي 33. 33 %، في حين كان استعمالهم لطريقة الرمي بالذات منعدما وخلافا على ما لاحظناه عند الإناث فان السلوك الانتحاري عند الذكور يتم باستعمال وسائل عنيفة وكثيرا ما يكون هذا السلوك قاضيا على الفرد فتمثل نسبة الانتحار التام من مجموع الانتحار الفاشل35 %، فحين تقلّ هذه النسبة عند الإناث بكثير لتكون 13.8%.  أمّا السلوك الانتحاري عموما للجنسين بالوسط الأغواطي فنلاحظ فيه استعمال الأدوية بالمرتبة الأولى بنسبة 53.1 %، تعقبها نسبتين متماثلتين (10. 9) لاستعمال مادتي المادة الحامضة والمبيد. وتمثل اقل النسب لطريقتي الرمي بالذات والحرق حيث سجلت في عام بأكمله حالة واحدة لكل منهما، الأولى أنثى رمت بذاتها والثانية ذكر قام بحرق نفسه. ونلاحظ أنّ استعمال وسائل مثل الغرق والاختناق بالغاز والسلاح الناري منعدمة بالوسط الأغواطي وذلك تبعا لإحصائيات سنة 2003.

 وتقترب هذه النتائج من تلك المتحصل عليها في العديد من الدراسات ومنها :

 حيث وجد كل من دوشي وسيزمنيسكا وفو ومساعديه في دراساتهم أن استعمال الأدوية عند الشباب المحاول للانتحار هي أكثر الوسائل استعمالا بنسب متقاربة في كل الدراسات الثلاث بحيث بلغت ما بين 44 % و56 %. (A. Haim ,1970 , p 97)  ووصلت نسبة استعمال الأدوية إلى أقصاها في إحصائيات فيليب ودافيدسون سنة 1980 بمدينة ليون الفرنسية التي كانت بها ما يعادل نسبة 81.8% محاولة انتحار عن طريق الأدوية من المجموع بقية الوسائل الأخرى. (A. Philippe & F. Davidson,in J. Védrine et Al , 1981, p 124)

 ونحن نعلم من دراستنا النظرية أن الانتحار يتم بوسائل عنيفة مثل السلاح الناري أو الشنق، أما المحاولة الانتحارية فتتم بتناول الأدوية أو المواد المنظفة وقطع الشرايين phlébotomie. ونعلم أيضا أن الانتحار الأكثر عنفا نجده عند الرجال باستعمال وسائل عنيفة أما الانتحار عند النساء فهو عادة ما يكون باستعمال الأدوية. وهذا ما يتفق مع نتائجنا الميدانية.

 8-توزيع أفراد العينة حسب المهنة :

 جدول رقم10: توزيع السلوك الانتحاري حسب المهنة

 لقد بلغت نسب السلوك الانتحاري عند البطالين بالوسط الأغواطي نسبا مذهلة، لنجدها جد مرتفعة عند الإناث بحوالي 48.8% وعند الذكور بحوالي 43.5%، وذلك راجع لمستوى البطالة الكبير والفادح المشهود على مستوى الأغواط (حيث أحصي على مستوى بلدية الأغواط فقط نسبة 43.62% وعلى مستوى الولاية كانت النسبة 40% مع مطلع سنة 2003 وهي نسبة كبيرة جدا مقارنة مع ولاية بجاية مثلا التي أحصت نسبة بطالة مساوية لـ 30 %) [3]

 و ذلك أنّ الشباب بالوسط الأغواطي يعاني معاناة كبرى من انتشار البطالة التي من شأنها أن تولد الملل والضيق بنفسية الشاب وقد يؤدي به الفراغ القاتل والتهميش عن المجتمع إلى اعتماد سلوكات باثولوجية وسيكوباتية خطيرة على ذاته وعلى المجتمع عامة (وهذا ما نلاحظه في الجدول فهناك 5 انتحارات من بين 6 لشباب بطالين) ، وتليها عند الإناث نسبة 26 % من السلوك الانتحاري ممثلة للطالبات والتلاميذ، وذلك لعدم وجود خيارات مستقبلية مهنية للفتاة بالوسط الأغواطي، فهي إما ناجحة في الدراسة وتواصل فيها لتمنحها نوعا من الاستقلالية الذاتية والمالية أو إما ماكثة في البيت وما يتبعها من إحساس بالعزلة والملل. وهي بين هذين الخيارين تختار الخيار الأول وأي إخفاق فيه أو فشل تعتبره كفشل في حياتها نحو الاستقلالية ولإثبات ذاتها ومقدرتها على الاعتماد على نفسها، وبالتالي يعتبر عندها كنهاية لآمالها، مما يؤدي بها لاختيار الانتحار كسلوك حاسم. ونجد عند الذكور 8.69% لكل من أصحاب الأعمال الحرة ومديري المؤسسات، وقد يكون للمسؤولية الملقاة على عاتقهم إثر خسارة مالية، أو أخطاء مهنية، وكل من تسيير المستخدمين وطريقة العمل أثر على شخصية الفرد، مما يؤدي به إلى نفاذ القدرة على تحمل الأعباء والمصاعب.  ونجد أيضا عند الذكور وجود حالة انتحار لفرد بشركة مقرها بالصحراء الجزائرية، كان يعيش قلقا حادا ناتج عن غيابه عدة أسابيع عن عائلته، فهو يرى أنه بالكاد أن يتأقلم في الصحراء حتى يذهب إلى عائلته وما إن يتأقلم في وسط عائلته حتى يعود لحزم أمتعته إلى الصحراء زيادة عن عدم حضوره أغلب المناسبات العائلية. وأمّا بالنسبة للسلوك الانتحاري عموما عند الجنسين فنجده عند البطالين بنسبة 46. 8%ثم يليها الطلاب والتلاميذ بنسبة 18.7%.

 وتتفق هذه النتائج مع ما توصل إليه فيليب ودافيدسون من أنّ البطالين ويليهم الطلبة خاصة منهم الإناث ثم الأحرار ثم الإطارات السامية هي الأكثر تضررا بالسلوك الانتحاري (A. Philippe &Davidson, in J. Védrine ,&Al ,1981,pp120- 122) .

 أمّا ناجي الجيوش فقد وجد أثناء دراسته لحالات الانتحار بدمشق سنة 1986 أن الجنود والعساكر هم الأكثر تضررا ويلهم الطلبة ثم المهندسون ثم الأطباء. (ن. الجيوش، بدون، ص 116)

 وتشير الإحصائيات الأخيرة بالجزائر إلى أنّ 63 % من المنتحرين هم بطالين مقابل 23 % من العمال و8 % من التجار و6 % من الطلبة. (أسبوعية الشروق، 2004، ص 7)

 الخلاصة : يتضح لنا من خلال استقراء الملفات والدراسة الإحصائية أنّ:

 1- مدينة الأغواط تعتبر من بين المدن التي تنتشر فيها ظاهرة الانتحار والمحاولة الانتحارية، وبمقارنتها بمدن أخرى مثل مدينة برج بوعريريج التي كثافتها أكبر من كثافة مدينة الأغواط، وقد سجل بها سنة 2003 عشر حالات انتحار والعشرات من المحاولات الانتحارية بعد أن كانت سنة 1999 حالتين فقط (يومية الشروق، 2004، ص 17)

 في حين وصل بمدينة الجزائر العاصمة إلى 25 حالة انتحار في سنة 1986 و44 حالة انتحار سنة 1987  (ك.تكفي، 1996، ص 110) وقد وصلت إلى نسبا خطيرة بمدينة بجاية حيث سجلت 40 حالة سنة2001. (Liberté,2002,p 13)

 وفي الثلاثي الأول فقط للسنة الجارية (2004) احتلت بجاية الصدارة ب 15 حالة أي بنسبة 15 % وتليها تيارت ب 11.66% ثم تيزي وزو ب 8.33%. (أسبوعية الشروق، مرجع سابق، ص 7)

 وقد يرجع انتشار ظاهرة الانتحار وتزايدها بالوسط الأغواطي، نتاج الظروف السياسية والأمنية التي عاشتها المنطقة والجزائر عامة وهاهي نتائجها النفسية والعقلية تظهر جلية تاركة بصماتها على مجتمعنا.  بالإضافة إلى المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي يتخبط فيها سكان المنطقة، علاوة على نقص الكفالة النفسية

 2- نجد توزيع الظاهرة الانتحارية والمحاولة الانتحارية كالشكل التالي :

 -     السن : تمثل الفئة الشبابية من 15 سنة إلى 35 سنة أكثر الفئات تضررا بنسبة 81.25%

 -  الجنس : تنتشر المحاولة الانتحارية عند الإناث أكثر من الذكور وذلك وفقا لنسب التالية 67 % لإناث مقابل 32 % ذكور، في حين تكثر حالات الانتحار عند الذكور بالمقارنة بالإناث وذلك وفقا للنسب التالية (54 % لدى الذكور و45 % لدى الإناث) .

 -  التوزيع الشهري لحالات المحاولة الانتحارية والانتحار، يكثر السلوك الانتحاري بشهر أفريل 14% من مجموع السلوك الانتحاري بالوسط الأغواطي ويليه شهري مارس وجويلية بنسب متماثلة 10.9%.

 -  التوزيع الفصلي لحالات المحاولة الانتحارية والانتحار : يكثر السلوك الانتحاري بفصل الربيع وقد يكون هذا راجع لتأثير تغير درجات الحرارة المفاجئة على جسم الإنسان وعلى نفسيته.

 -  توزيع اختيار الوسيلة : نلاحظ أن أكثر المحاولين للانتحار يستعملون وسيلة الأدوية بنسبة53 % في حين نجد المنتحرين يلجئون إلى وسائل أكثر عنفا مثل الشنق وشرب المادة الحامضة أو تناول مبيد الفئران.

 -    توزيع المهن: نلاحظ أن نسبة البطالين تمثل أعلى قيمة (46.8%) وتليها مباشرة نسبة الطلاب والمتمدرسين (18.7)

 قائمة المراجع:

 أولا: باللغة العربية :

 1-  الكتب :

 1-تواتي بن تواتي، المبسط في الفقه المالكي بالأدلة: كتاب الصلاة والزكاة، دار الأمل للأعلام والثقافة، الجلفة، 2002.

 2- سمعان مكرم، مشكلة الانتحار: دراسة نفسية اجتماعية للسلوك الانتحاري، دار المعارف، القاهرة، 1964

 3-سيغموند فرويد، أفكار لأزمنة الحرب والموت، ترجمة : سمير كرم، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1981

 4-علي حسين فايد ، الاضطرابات السلوكية، جامعة الحلوان، مصر، ط 1، 2001

 5-غازي الأحمدي، الوجودية فلسفة الواقع الإنساني، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1964

 6-- ناجي الجيوش، الانتحار: دراسة نفسية اجتماعية، مؤسسة الشبيبة لإعلام والطباعة والنشر، دمشق، بدون.

 2-المجلات والدوريات:

 7-بلجودي زوينة، ظاهرة الانتحار، يومية الشروق، العدد 1063، 2 ماي 2004

 8-ص. ب، الانتحار في الجزائر يطال المصابين بأمراض عقلية، الخبر، العدد 4018، 26 فيفري، 2004

 9-كياس سارة، 4411 جزائري انتحروا أو حاولوا ذلك في العشرية الحمراء، أسبوعية الشروق، العدد 610، من 17- 23 ماي 2004.

 3-الرسائل والمذكرات :

 10-تكفي كلثوم، الانتحار في المجتمع الجزائري : دراسة ميدانية على مستوى مدينة الجزائر، رسالة ماجستير في علم الاجتماع العائلي، جامعة الجزائر، 1996، (غير منشورة)

 11-عبيب غنية، محاولات الانتحار لدى الإناث وعلاقتها بالعوامل النفسية والأسرية، العمر 15- 25 سنة، رسالة ماجستير في علم النفس العيادي، جامعة الجزائر، 1995، (غير منشورة) 

 ثانيا : قائمة المراجع بالفرنسية :

 1-Les Livres :

 1-    Ajuriaguerra (J.) ,Marcelli (D.) ,Psychopathologie de l’enfant , Ed Masson , Paris , 1982

 2-    Beck(A.T.) & al,Cognitive therapy of depression,Guild ford press,New york,1979.

 3-    Deshaies (G.) , Psychologie du suicide ,P. U. F,Paris ,1969

 4-    Durkheim (E.) ,Le suicide,P. U. F,Paris,1930.

 5-    Haim (A.) ,Les suicides d'adolescents, Ed Payot, Paris ,1970.

 6-    Kacha (F.) ,Psychiatrie et psychologie médicale, Ed Entreprise nationale du livre, Alger , 1996

 7-    Kacha (F.) ,Psychiatrie et psychologie médicale, Ed Entreprise nationale du livre, Alger ,2003

 8-    Meerloo (Joost. A. M) , Le suicide , Ed Charles Dessart , Bruxelles , 1996

 9-    Moron (P.) , Le suicide , P. U. F. Paris, 1975

 10-Pomereau (X.) , L’ adolescent suicidaire,Ed Dunod , Paris , 2002

 11-Selye(H) : Le stress de la vie,Gallimard,Paris,1982.

 12-Védrine (J.) , Quenard (Olivier) , Weber (Didier) ,Suicide et conduites suicidaires :Aspect socio- culturels épidémiologique, prévention et traitement,tome1, Ed Masson, Paris , 1981

 13-Védrine (J.) ,Quenard (Olivier) ,Weber (Didier) , Suicide et conduites suicidaires : Aspect clinique et institutionnels,Tome 2 , Ed Masson , Paris , 1982

 14-Wilmotte & al ,Le suicide, psychothérapie et conduite suicidaire, Pierre Mardaga,paris,1986.

 2-Revues et périodiques :

 15-Beacheler (J) ,Une théorie stratégique du suicide , L’encéphale ,SPIv, 4- 9 , 1996

 16-Belkhenchir (D) ,Geurinick (m) , Laidli (MS) :Tentatives de suicide chez l’enfant et l’adolescent dans le grand Alger , centre international de l’enfance ,Paris ,1988.

17-Bourgeois (M) et Al ,Epidémiologie du suicide ,Ency Medi Cher , (Elsevier , paris) , (37- 397- a- 20) , 1997, 10p

 18-Duché (J) , Les tentatives de suicide chez l’enfant et l’ adolescent , Psychiatrie de l ‘ enfant , vol vII,Fasc7,P. U. F1964

 19-Liberté,Suicide :Plus de 40 cas par an à Béjaia,23- 10- 2002

 20-Sarfati (Y),Positions inadéquates face à l’acte suicidaire,EMC, (Elsevier , paris), (7- 0350),1998,6p.

 3-Dictionnaire

 21-Krahl (G) , Deutsch- arabisch TachenWarterbuck , librairie da liban , Bierout , 1980

 22-Le Ny (J. F) ,et Al , Grand dictionnaire de psychologie , Ed Larousse , Paris , 1999.

 23-Sillamy (N) ,Dictionnaire usuel de psychologie , Ed Bordas , Paris , 1980

 24-Sillamy (N) , Dictionnaire de psychologie , Ed Larousse , Paris , 1999.

 webographie:

 25-www. psychomédia. Fr consulté en 2004

 26-www. doctissimo. Fr  consulté en 2004

 27-www. statcan. ca/Français consulté en 2004

1] لقد تمّ تسجيل 3 حالات انتحار بمستشفى محمود بن عجيلة بالأغواط أمّا الباقي فقد كان من توثيق محكمة الأغواط.

[2] علما أن نسبة الذكور متساوية تقريبا مع نسبة الإناث حيث وصلت نسبة الذكور سنة 2003 إلى 50.91 % (عن مصادر مطلعة بمديرية التخطيط لولاية الأغواط)

[3] عن مصادر مطلعة وموثوقة ببلدية الأغواط وبمديرية التخطيط والعمران لولاية الأغواط