إشكالية التسرب لدى الشخصية البينية وعوامله pdf

 واستراتجيات الامتثال العلاجي

د. عبد العزيز حدار

 جامعة البليدة ( الجزائر).

 Résumé:

 L'un des troubles de personnalité qui s'adhèrent  difficilement a  la psycho- thérapie, est la personnalité limite ( borderline) ; les données observationnelles montrent  son faible  compliance a la prise en charge thérapeutique, au point que certains spécialistes l’ont nommé  le " patient-papillon"; ce qui pose une importante problématique au thérapeute .

 ce drop-out est causé par trois facteurs essentiels : des facteurs liés aux caractéristiques du patient lui –même , des facteurs liés au thérapeute, et des facteurs en relation avec les structures d'accueil et les établissements hospitaliers .

 Cet article essaie d' analyser  ces facteurs, tout en proposant certaines mesures et stratégies susceptibles de réduire le taux de drop-out chez cette catégorie de patient  

 1-تعريفات:

 ·تعريف دورون وبارلو  DURAND ET BARLOW (2004):

 يعيش الأفراد ذوي الشخصية البينة حياة تتميز أمزجتهم وعلاقاتهم بعدم الاستقرار، لديهم في الغالب صورة سيئة لذواتهم حيث يشعرون بأنهم غير مفيدين ويحملون أفكار انتحارية.(1)

 ·  تعريف ليبو و آخرين(2004) LIEB ET AL:

 تتميز الشخصية البينة بنموذج منتشر لعدم الثبات في الضبط الانفعالي، والتحكم الاندفاعي، والعلاقات البينشخصية وصورة الذات، وتتمثل الأعراض الإكلينيكية لهذا الاضطراب في الاختلال الوظيفي للانفعالات، والعدوانية والاندفاعية، وسلوكيات تدمير الذات وميول انتحارية مزمنة.(2)

 ·  تعريف فام سكوتز وقالفي (2003 PHAM-SCOTTEZ ET GUELFI(:

 يتميز اضطراب الشخصية البينية بعدم الاستقرار العاطفي، والعلائقي والسلوكي، وباضطراب الهوية وصورة الذات وعدم الاستقرار والاندفاعية لهؤلاء الأفراد تشجع لديهم سلوكيات غير متوقعة (القيادة الخطيرة، الشجار) والإقدام على الفعل الموجه نحو إيذاء الذات. وتكون العلاقات البينشخصية غير مستقرة، حادة، صراعية، فالفرد يتأرجح بين التبعية والعدائية والحط من شأن الآخر، كما يتميز هذا الاضطراب بالشعور بالفراغ والملل والنقص وبالاستجابات المزاجية (حصر، غضب، اكتئاب)(3).

 2-الانتشار:

 دلت دراسة موسعة تحليلية لويديجر وويسمان WIDIGER ET WEISSMNN (1991) أن تواتر الشخصية البينية يقدر من 0,2%إلى 1,8% من مجموع السكان العام و 15% من بين الطالبين للعلاج الخارجيين، و 50% من بين العملاء الذين تمت معالجتهم في المصالح السيكاترية. (4)

 وأشارت دراسة SWARTZ ET COLL (9911) التي أجريت على 1541 راشد، تتراوح أعمارهم بين 19 إلى 55 سنة، أن نسبة ذوي الشخصية البينية من مجموع أفراد عينة الدراسة قدرت بـ 1,8%.(5) وقدرت دراسة وبائية أخرى نسبة تواتر الشخصية البينية من مجموع السكان العام ب 2%، و10% من الأفراد الذين طلبوا الفحص السيكاتري، و 20% الذين خضعوا للعلاج في الطب النفسي (6) هذا وقدر تواترها لدى الجنسين بثلاثة نساء مقابل رجل واحد.

 وقد حلل كل من WIDIGER ET FRANCES (1985) 38 دراسة حول جنس الشخصية البينية، وأسفر هذا التحليل عن وجود نسبة 74% لدى النساء، و30% لدى الرجال (7).

 وأشارت دراسة WIDIGER ET TRULL (1993) أن نسبة معتبرة من الأفراد الذين يشتكون من هذا الاضطراب ينجحون في محاولة الانتحار، وقدرت هذه النسبة بـ 6%.(8)

 3-الخصائص العامة:

 تتميز الشخصية البينية بعدم ثبات الانفعالات والسلوكيات، وهو العنصر الأبرز في هذه الشخصية ومع ذلك فإنها تبدو جد متكيفة اجتماعيا وقادرة على المحافظة على هذه المظاهر، إذ من الممكن أن تحقق نجاحا مهنيا وذلك استنادا على دافعين:

 ‌أ.      الحاجة الملحة للحصول على إعجاب وتقدير الآخر؛

 ‌ب.  إقامة علاقات استغلال للآخر.

 لكن هذا التكيف الظاهري ينكشف لما تقيم علاقة "حميمية" إذ تجد صعوبة في الاحتفاظ بها.

 تشكل الاندفاعية السمة الثانية الأساسية بعد ثبات الانفعالات لهذه الشخصية، وتتمظهر الاندفاعية في العدوانية الموجهة نحو الذات،أو الانتحار، وكذلك في اللجوء إلى تعاطي المخدرات والكحول، أو في نوبات الشره العصبي.

 وعموما يتسم الأفراد ذوي الشخصية البينية بالخصائص الآتية:

 ·   إنهم يعانون على وجه العموم من عدم التحكم وعدم استقرار، واستجاباتهم الانفعالية عبارة عن ردود أفعال، وعادة ما يكون لدى الواحد منهم صعوبات تتعلق بنوبات اكتئابية، وقلق، وتهيج بالإضافة إلى مشكلات تتعلق بالغضب والتعبيرات الغاضبة؛

 ·   لدى الأشخاص البينيين أنماط من عدم التحكم السلوكي يستدل عليها من خلال السلوك القهري المتطرف والمشكل وميلهم لسلوك تدمير الذات الواضح والمباشر، وتظهر لديهم كثيرا محاولات إيذاء وتشويه الذات، أو قتلهم لأنفسهم بالإضافة إلى الانتحار الفعلي بين أفراد هذه الفئة؛

 ·   يفقد أحيانا الأشخاص البينيون التحكم المعرفي، إذ أن هناك هذاءات حول الذات تحدث لأحيانا نتيجة للمواقف المثيرة للتوتر، وعادة ما تتوقف عند زوال التوتر كما أن عدم التحكم في الإحساسات بالذات شائع، وعادة ما يذكر الأفراد البينيون أنهم يفقدون إحساسهم كلية ويشعرون بالخواء ولا يعرفون من هم؛

 ·   يعاني كثيرا الأفراد البينيون من عدم التحكم في تفاعلاتهم مع الآخرين، وقد تكون علاقاتهم مشوشة أو حادة وتتسم بالصعوبات، وعادة ما يسعون بجهد حاد ومسعور في منع الأشخاص ذوي المكانة بالنسبة لهم من تركهم لهم.

 ·   وتعاني الشخصية البينية من مشكلة تحديد الهوية، إذ لا تعرف على وجه التحديد من هي، ولا تدرك حاجاتها ورغباتها بطريقة سوية وصحيحة، ولا تعرف الأسلوب الأنسب لطلب هذه الحاجات وطرق إشباعها؛

 ·       تكون الحياة المهنية جد مضطربة حيث تعرف النزاعات والصراعات والاستقالات غير المنتظرة.

 تتسم بالفعل الاندفاعي أو السلوك الطائش دون التفكير في العواقب لضعف نظام ضبط الانفعالات، لذلك عادة ما تندفع نحو الإدمان، أو الحبس، أو محاولات الانتحار عند مواجهتها للوضعيات المحبطة أو المعيقة أو مواقف الصراع.

 4-الأنماط:

 يقسم بعض المنظرين والأخصائيين هذه الشخصية إلى عدة أنماط وهي على النحو التالي:

 ‌أ.      النمط الذهاني: يتصف بتكيف سلوكي، وبنقص الواقعية في الإدراك، بالإضافة إلى الغضب والاكتئاب؛

 ‌ب.    النمط العصابي: ويتسم بقلق واكتئاب اتكالي ويشبه إلى حد بعيد العصابات نرجسية الطبع؛

 ‌ج.    النمط العقلاني: تتميز بسلوك متكيف، ولكن تنقصه العفوية، كما يبدو قليل المشاعر، يميل إلى الانطواء وعقلنة الأمور؛

 ‌د.   النمط الصرف: يعتبر نواة الحالة البينية، ويلاحظ عليه تقلب في العلاقات البينشخصية، والإقدام على الفعل الاندفاعي الغاضب أو العدواني، علاوة على عدم تماسك الشخصية والاكتئاب.

 هذا وحدد قوندرسون gunderson(1991) بناء على الدراسات التي أجريت على هذه الشخصية خلال 30 سنة الماضية، خمسة أنماط، و كل نمط يرتبط بمحكين للدليل التشخيصي (DSM) (9).

 وتتمثل هذه الأنماط فيما يلي (حسب الجدول التالي):

5-المحكات التشخيصية:

 حدد الدليل التشخيصي DSM IV (2000) المحكمات الشخصية البينية على النحو التالي:

 النموذج معمم من عدم الاستقرار لعلاقات بينشخصية، وصورة للذات والعواطف. إلى جانب نزوعية (اندفاعية) لا تقاوم، تبدأ في باكورة البلوغ، وتتجلى في أنواع من المؤشرات بخمس دلالات أو أكثر من الدلالات التالية:

 -     جهود مسعورة لتجنب الهجر الحقيقي أو المتخيل؛

 -     نموذج علاقات بينشخصية غير مستقرة وشديدة تتصف بالتذبذب بين المثلنة المتطرفة والتخفيض من قيمتها؛

 -     اضطراب الكيان: صورة الذات مهتزة اهتزازا واضحا ومستمرة، أو اضطراب في الإحساس بالذات؛

 -  النزوعية التي لا تقاوم في مجالين على الأقل التي تتسم بتدمير الذات (أي تبديد المال، التهالك على الجنس، وتعاطي المخدرات، والقيادة المتهورة للسيارة، ونوبات الاستمتاع بالطعام)؛

 -     سلوك انتحاري راجع ناكس، وسلوك تشويه الذات، أو التهديدات، أو أخذ الوضعيات كمثل هذه الأعمال؛

 -     عدم استقرار انفعالي بسبب إعادة تنشيط واضح للمزاج (كرب عارضي شديد، قرط تهيج، أو قلق يدوم عدة ساعات ونادرا ما يستمر أياما قليلة)؛

 -     مشاعر مزمنة من الفراغ؛

 -     غضب حاد وغير متناسب مع الموقف، أو صعوبة ضبط الغضب (أي انفجارات عصبية متكررة، غضب مستمر، عراكات بدنية ناكسة)؛

 -     أفكار هذائية مؤقتة مرتبطة بالشدة النفسية، وأعراض تفككية حادة؛

 6- السببية الإمراضية:

 افترضت النظرية الحيوية الاجتماعية (LINEHAN ,2000) مجموعة من الأسباب التي تشكل الشخصية البينية، وهي كما يلي:

 ‌أ.   الانجراحية الانفعالية: وتتجلى في الصعوبات الدائمة في ضبط الانفعالات السلبية، وحساسية عالية للمثيرات الانفعالية السلبية، وشدة انفعالية عالية، وعودة بطيئة للحالة الانفعالية القاعدية، بالإضافة إلى الوعي ومعاش للانجراحية الانفعالية يمكن أن تتضمن الشعور بالعار حيال عدم إرضاء وتحقيق انتظارات والطلبات غير الواقعية للوسط الاجتماعي؛

 ‌ب.  الحط من التقدير الذاتي: الميل إلى إبطال أو عدم القدرة على الاعتراف بالاستجابات الانفعالية الذاتية، وبالأفكار والمعتقدات والسلوكيات وقد تشمل الإحساس بالعار حاد، كراهية الذات، وغضب موجه ضد الذات؛

 ‌ج.    نوبات حادة: وتتمظهر في أنماط تسيير متوفرة وسلبية للأحداث، وللانفصالات؛

 ‌د.   إثباط الحزن: الميل إلى إثباط والتحكم المفرط للاستجابات الانفعالية السلبية، وبالخصوص تلك التي لها صلة مع الحداد، أو الانفصال، بما فيها من كآبة، غضب، الشعور بالذنب، الشعور بالعار، الحصر والهلع؛

 ‌ه.   السلبية النشطة: الميل إلى تبني أسلوب حل المشكلات البينشخصية سلبي قيما حل مشكلات الحياة اليومية وغالبا ما تكون مرفوقة بطلب الوسط حل هذه المعضلات، والعجز المكتسب؛

 ‌و.     كفاية ظاهرية: ميل الفرد للظهور بأنه أكثر تكيفا مما هو عليه في الواقع؛ (10)

 وذهب ليفيسلي (LIVESLEY.2000) أن دراسات أكدت وجود علاقة ارتباطية بين هذا الاضطراب والصدمات المبكرة، مما يعطي للعوامل النفسية الاجتماعية دورا أساسيا في السببية المراضية، فيما أثبتت دراسات حول التوائم أن 40 إلى 60% من سمات الشخصية البينية وراثية، مبينة بذلك وجود مكون جيني وراثي في هذه السببية.(11)

 7- التطور والمآل:

 يكون في العموم سير هذه الشخصية وتطورها. نحو الحالات المرضية التالية:

 ·         الاكتئاب الأساسي؛

 ·         محاولات الانتحار؛

 ·         إظهار أعراض ذهانية: أفكار هذيانية، هلاوس...؛

 ·         ضياع الشخصية dépersonnalisation؛

 ·         أعراض عصابية: الفوبيا، أعراض تحويلية، انشغالات جسدية (توهم المرض) وتمظهرات وسواسية؛

 ·         الإدمان والانحراف؛

 ·         اضطرابات سيكوسوماتية خطيرة؛

 ·         الشره العصبي.

 الكثير من الأشخاص ذوي الشخصية البينية يلجأون إلى التجنب العام بسبب تعرضهم للعديد من الإخفاقات وخوفهم من النبذ والتخلي وتفادي للمزيد من الألم. هذا التجنب قد يبلغ مستوى جد "فعال" ما يجعل هؤلاء الأشخاص يظهرون شخصية تجنبية، قيما تختفي سمات الشخصية البينية بسبب غياب الاحتكاك الانفعالي مع الآخرين، لكن يبقى ذلك جد سطحي، حيث يكفي أن يعود هؤلاء الأشخاص إلى العلاقات الاجتماعية الطبيعية مع الآخرين حتى تظهر من جديد السمات البينية.

 8- التسرب من العلاج لدى الشخصية البينية:

 يصف الأخصائيون هذه الشخصية بالعميل "الفراشة" التي لا تستقر على حال، وهي في تنقل دائم، ويصفون علاجها بالأسطورة. لأنها غالبا ما لا تمتثل للعلاج. ويعد ذلك التحدي الأساسي الذي يواجه المعالج.

 ·       عدم الامتثال العلاجي لدى الشخصية البينية:يمكن ملاحظة عدم الامتثال العلاجي لدى هذه الفئة من العملاء في الظاهرتين التاليتين:

 أ‌-  ظاهرة "التسرب" (drop-out):عرف قندرسون(GUNDERSON) نقلا عن LINGIARDI ET AL (2005) هذه الظاهرة بالانقطاع عن العلاج بمبادرة من العميل دون تقديم معلومات أو نقاش مسبق مع المعالج وهو الأمر جد متفشي لدى الشخصية البينية (12) حيث ذكر سكودول وآخرون SCODOLETAL.2002) (في دراستهم أن 67% من العملاء البينيين يتخلون عن علاجهم في الأشهر الثلاثة الأولى. وهذه النسبة أكبر مرتين عن نسبة الانقطاع لدى بقية الشخصيات المرضية، وأكبر بأربع مرات عن اضطراب الفصام.(13)

 ب‌-ضعف المواظبة على العلاج:تتميز أيضا الشخصية البينية بمواظبة غير مستقرة ومتذبذبة في حضور جلسات وحصص العلاج، حيث أفادت دراسة دافيدسون وآخرون DAVIDSONETAL.2006)( التي أجريت على عملاء بينيين خضعوا لعلاج معرفي سلوكي على مدار 12 شهرا تخللتها 30 حصة لمدة ساعة، أن نسبة 26% فقط من عملاء أفراد العينة المشاركة في العلاج قد شاركوا في 28 حصة. بينما واظبت نسبة 51% فقط على حضور 15 حصة. وهو ما يشير بوضوح تفشي ظاهرة ضعف المواظبة على العلاج لدى العملاء البينيين وعدم التزامهم بذلك.(14)

 9 - عوامل التسرب :

      تعود أسباب تسرب العميل البيني من العلاج إلى ثلاث عوامل رئيسة :

 أ -  العوامل المرتبطة بالعميل :

 وتتمثل في بعض من سماته المرضية وخصائصه النفسية ، بالإضافة إلى التلازمية المرضية التي ترتبط بهذا الاضطراب.

 – السمات المرضية :

 ·   التقلب الانفعالي : يعد من أهم السمات المرضية التي تميز الشخصية البينية، كما يشير إلى ذلك العنصر السادس من المحك الأول لهذا الاضطراب في الدليل التشخيصي .

 " عدم استقرار عاطفي راجع إلى إعادة تنشيط حاد للمزاج " حيث تتسم هذه الشخصية بضعف الاستقرار الانفعالي وصعوبة في ملازمة الاعتدال المزاجي بسبب اختلال نظام الضبط الانفعالي. لذلك يرى ( zanarinietfrankenburg.2007) أن انخراط العميل البيني في مسعى علاجي منظما ليس ممكنا، إلا إذا تملصت العلاقة العلاجية بالأساس من عدم الاستقرار الذي يميز اضطراب الشخصية البينية .(15)

 ·   اضطراب الهوية وصورة الذات: يرى كايلهول وآخرون (.2010 Cailholetal) أن تفتت الهوية واختلال الأداء لدى الشخصية البينية يصطدم بصفة حادة بتنظيم المعالجة المتبع ونظام التكفل.(16) وإذا اعتبرنا ، كما يذهب إلى ذلك بلوم وآخرون ( Blumetal.2002) بأن التحالف العلاجي يمكن تعريفه أيضا بالاتـفاق الحاصل بين المعالج والعميل حول الأهداف والمهام، فإنه من الصعوبة بمكان أن يتم انتقاء الأهداف واختيار المهام والاتفاق عليها في ظل اضطراب الهوية، إذ تتغير الأهداف بصورة مستمرة حسب تذبذب صورة الذات والوضعيات.و هو ما يجعل التكفل النفسي جد عسير بل غير ممكنا، ولا يكتب له الاستمرار.(17)

 ·   فقدان الثقة في الآخر: تعتقد الشخصية البينية في أنه لا يوجد أي شخص يمكن الوثوق فيه والاعتماد عليه، وأن أي شخص حين يتعرف على ذاتها الحقيقية سيهجرها ويتخلى عنها، وقد يرتبط هذه الاعتقاد بالخبرات الصادمة في مرحلة الطفولة. لهذا نجد العديد من الافتراضات التي تتمحور حول هذا الاعتقاد من قبيل:

 " العالم خطير وماكر" و " إذا منحت ثقتي لأحد، فإنه سيخونني "

 وتمتد هذه المشاعر والافتراضات لتشمل حتى علاقتها بالمعالج، وهو الأمر الذي يصب فعلا من عملية إقامة التحالف العلاجي، ويزيد في المقابل من فرص التسرب.

  – الحاجات المتزايدة وإعادة الرعاية الأبوية الجزئية: تبحث الشخصية البينية في الغالب عن والد في معظم الأشخاص الذين تلتقي بهم، وينطبق الأمر تحديدا على المعالج، حيث تراه وتريده أن يكون ذلك الأب البديل الذي يمنحها كل الرعاية والحب والعطف، فإذا حدث وأن حاول المعالج أن يكون غير ما تريده ، فإن العميل البيني ينتفض ويغضب ويحاول عرقلة مسار العلاج، وفي آخر المطاف يتخلى تماما عن العلاج. لهذا يشير يونغ وآخرون (Youngetal.2003  ) أن التحدي الذي يواجه المعالج هو أن يقيم توازنا بين واجبات وحاجات العميل من جهة ، وواجباته وحاجاته من جهة أخرى، فيتوجب عليه أن يجد وسيلة ما تسمح له بأن يؤدي دور البديل الأبوي خلال فترة محددة، وفي ذات الوقت يحافظ على حرمة حياته الخاصة ويتجنب من أن يتحول إلى ضحية الإنهاك.(18)

 والوقع أن حاجات العميل البيني هي في الغالب أكبر من قدرات المعالج، وما يمكن تقديمه، وهذا الأخير تفرض عليه حياته الخاصة وحاجاته حدودا، كما يستحق كل الاحترام من العميل،  وهنا تكمن صعوبة هذه العلاقة والمحافظة على استمرارية العلاج ، ذلك لأن العميل البيني لديه حاجات وحقوق طفل صغير رغم سنه الراشد، وهو بحاجة إلى والد يشبع حاجاته المتزايدة ويلبي حقوقه النفسية الأولية، ولما كان المعالج أبعد من أن يكون بديلا حقيقيا للوالد، ولا يمكن أن يساعده إلا في إطار ما يسمى إعادة الرعاية الوالدية الجزئية ، فإنه من الطبيعي أن يصاب العميل بخيبة أمل كبيرة بين انتطاراته الواسعة وحاجاته المتزايدة من جهة وما بوسعي المعالج تقديمه ، وفي هذه الحالة ليس هناك طرف يمكن توبيخه على ذلك.

 – الحافزية المتقلبة : يرى فان بيك و فارهول (.2008VanBeeketVERHEUL) أن حافزية العلاج لدى العميل البيني تتكون من الحاجة إلى المساعدة ودرجة التحضير للتغير، وترتبط الحافزية للعلاج بدرجة المعاناة النفسية لدى العميل، كما أن الحاجة إلى المساعدة ترتبط بطلب إيجاد حلول سريعة للمشكلات النفسية الاجتماعية أكثر من اضطراب الشخصية، غير أن هذه الحافزية غالبا ما تكون غير ثابتة حيث تتميز بنوع من المفارقة المتناقضة  بين الحاجة للتغير وخوف من هذه التغير، ما يصعب فعلا تحقيق تكفل نفسي على المدى المتوسط. فتارة يكون العميل البيني مندفعا نحو العلاج، وتارة أخرى تفتر دوافعه ويقل اهتمامه بالعلاج فيغيب عن جلساته أو يتكاسل عن المهام المنزلية أو يلجأ إلى بعض السلوكيات المعرقلة لمسار العلاج.(19)

 – الاختبار العلائقي والافتراض المرضي: يلجأ عادة العملاء إلى توخي الحذر والتحفظ في تعاملهم مع المعالجين خاصة في الجلسات الأولى من العلاج، ويعمدون إلى استخدام بعض الاستراتجيات للتحقق بصفة عامة من مدى مؤهلات المعالج ودرجة الثقة التي ستمنح له، وهو ما يعرف بالاختبار العلائقي. ويهدف هذا الاختبار العلائقي تحديدا إلى التحقق من مسألتين هما :

 -صلابة العلاقة العلاجية : يتحقق العميل حسب ساشس (.2001Sasche) من خلال الاختبار العلائقي على صلابة وقوة العلاقة العلاجية. ويرى كرامر وآخرون (.2010krameretal) أن العميل البيني يميل إلى اختبار المعالج بطريقة أكثر قوة خلال مسار العلاج حتى يتحقق من الثقة التي منحها  إياه في البداية قبل أن يفصح عن شخصيته الصعبة، وأن هذا المعالج لا يزال جديرا بهذه الثقة طوال كل مراحل وخطوات العلاج.( 20)

 -الافتراض المرضي: يحمل العميل البيني جملة من الافتراضات المرضية، لذلك يعمد حسب وايس (.1971weiss) إلى التحقق من هذه الافتراضات في تفاعله مع المعالج، فلا يهدف هذا الاختبار العلائقي إلى اختبار العلاقة العلاجية في المقام الأول، وإنما محاولة دحض الافتراض المرضي الذي تشكل عبر الخبرات الصادمة في مرحلة الطفولة، كأن يتحقق على سبيل المثال، من الافتراض المرضى التالي " أستحق النبذ " أو " لست جديرا بالاحترام".(21)

 فإذا لم يفهم المعالج هذا الإجراء ولم يحسن التعامل مع دوافعه وأسبابه وأهدافه،ويفشل في تجاوزه، سيفقد من دون شك ثقة العميل ويعزز من الافتراضات المرضية ويفشل في بناء العلاقة العلاجية ، وبالتالي يفضي ذلك إلى تسرب العميل والانقطاع عن العلاج. وعليه فإن المعالج مطالب كي ينجح في هذا الاختبار أن يتبنى موقفا علائقيا موجها نحو دوافع هذا الاختبار من خلال إشباع بطريقة أصيلة وعبر مختلف أساليب التواصل المباشرة والغير المباشرة هذه الدوافع التي تحث العميل على الاختبار. فحسن التعامل مع الاختبار العلائقي يسمح للعميل بخبرة انفعالية ملطفة حسب نموذج وايس ( weiss.1971) ، وبخبرة علائقية موفقة وفق نموذج ساشس ( Sasche.2001) حيث  يهدف الأول إلى إبطال مفعول الافتراض المرضي في تسميم العلاقة العلاجية، ويسعى الثاني  مباشرة إلى تعزيز العلاقة العلاجية بمنح المعالج كل الثقة.

 – التلازمية المرضية: يرتبط اضطراب الشخصية البينية بالعديد من المشكلات النفسية الاجتماعية( عدم الاستقرار في العمل، مهارات والدية محدودة، عدم الاستقرار العلائقي) وخطورة الانتحار المقدرة بـ4 إلى 10 بالمائة (22)

 وتوجد تلازمية مرضية أكبر بين هذه الشخصية والاضطرابات النفسية من المحور الأول للدليل التشخيصي( DSM IV) وقد قدر حسب دراسة باتمان ( Bateman.2005) على النحو التالي :

 -        اضطراب الاكتئاب الأساسي 60 بالمائة.

 -        نوبة الهلع وفوبيا الخلاء 30 بالمائة

 -        الاستعمال السيئ للأدوية 12 بالمائة

 -        اضطراب ثنائي القطب 10 بالمائة. (23)

 ويشير ليشسيرينغ و آخرون (.2010.Leichsenringetal) إلى أن اضطراب الشخصية البينية تلازمه اضطرابات  من المحور الأول والثاني  للدليل التشخيصي ( DSMIV) حيث وجد أن 84.5 بالمائة منهم يشتكون من اضطرابات نفسية، و73.9 بالمائة يعانون أيضا من اضطرابات شخصية أخرى. (24) هذه التلازمية المرضية هي الأخرى تدفع العميل البيني إلى طلب المساعدة في البداية، لكن في المقابل لا تيسر عمل المعالج ومهام العميل، خاصة إذا ما اكتفى المعالج بتناول هذه الاضطرابات دون الانتباه إلى اضطراب الشخصية الذي أسس لهذه  " الواجهة المرضية ".

 ويؤكد بيك وآخرون (.2004Becketal) أن طلب التكفل لدى العميل البيني تدفعه الصعوبات المرتبطة بوجود اضطراب أو أكثر من المحور الأول للدليل التشخيصي ( Dsmvi)  وليس اضطراب الشخصية.(25) وقد ينشغل المعالج ويستغرق في التكفل الآني للاضطرابات النفسية الحادة ( اكتئاب أساسي، نوبة الهلع، ثنائي القطب) أو سلوكيات إيذاء الذات والانتحار، بالنظر إلى الطابع الاستعجالي لهذه المشكلات حيث يكون المعالج مجبرا على التخفيف من حدة هذه الاضطرابات وإنقاذ وتجنيب العميل مخاطر اللجوء إلى السلوكيات الخطرة. خاصة أن نسبة الوفيات الناتجة عن الانتحار لدى هذه الشخصية حسب  (zaheeretal.2008) قد قدرت 10 بالمائة مع وجود نسب متباينة من محاولات الانتحار سابقة تتراوح بين 60 و78 بالمائة لدى هذه الفئة (26)

 ب – العوامل المرتبطة بالمعالج :

        يمكن ذكر بعض العوامل التي تساهم بشكل واسع في تسرب العميل البيني من العلاج، و المرتبطة بالمعالج في حد ذاته، وهي على النحو التالي :

 – الاستغراق والتجاهل : غالبا ما يتوجه العميل البيني نحو المصالح الاستشفائية طلبا للعلاج من اضطرابات نفسية من المحور الأول للدليل ( Dsmvi) حين تبلغ أعراضها درجة لا تطاق، أو لمشكلات نفسية اجتماعية ، أو يساق من قبل أهله  على جناح السرعة نحو مصالح الاستعجالات بسبب سلوكيات خطرة كإيذاء الذات أو الانتحار، ويجد المعالج نفسه مستغرقا ، ومركزا جهوده نحو معالجة هذه الاضطرابات والأعراض الحادة  الطارئة، ولا يراعي في هذا الاستغراق والانهماك ما يتخفى وراءها من اضطراب شخصية . وبالتالي تفوته الفرصة للتعرف  و فهم الأداء المعرفي والانفعالي والبينشخصي للعميل ، و يهمل  أو يفشل في بناء علاقة علاجية أو تحالف علاجي، وقد يظن أن مهمته قد انتهت بمجرد أن خفت حدة الأعراض المرضية أو تم إبعاد خطر سلوكيات إيذاء الذات والانتحار.

 – نقص المهارة : قد ينتبه المعالج إلى ضرورة تشخيص اضطراب الشخصية ويفلح في هذا المسعى، إلا أنه يجد صعوبات جمة في بناء تحالف علاجي، بسبب نقص كفاءته في الإحاطة بكل عناصر وشروط هذه البناء، وبالتالي يكون العميل أكثر عرضة لعدم المواظبة والتسرب. وينبغي الإشارة أنه ليس من اليسير بناء تحالفا علاجيا مع هذا النوع من العملاء، ويحدث فعلا أن تكون هذه الصعوبات فوق القدرات النفسية للمعالج وإمكاناته ومهاراته المهنية. ووفق ذلك يتحدث بعض الأخصائيين عن ضرورة وجود تلاءم في الشخصية بين المعالج والعميل، وإلا لا يكتب النجاح للتكفل النفسي .

 ج – الهياكل الاستشفائية المستقبلة :

 قد لا تكون الهياكل الاستشفائية المتوفرة مهيأة ومؤهلة لاستقبال هذا النوع من الاضطراب، إذ لا تتوفر على مصالح خاصة للتكفل به، رغم أن الإحصائيات الوبائية العالمية يؤكد أن أصحاب هذا الاضطراب هم الأكثر طلبا للعلاج والمساعدة النفسية ، وأكثر عرضة لخطر إيذاء الذات والانتحار، حيث يشير بيك ( Beck) أن البينيين هم الأكثر استعمالا للمراكز الاستشفائية والعلاج النفسي والمتابعة السيكاترية، والدخول لمصالح الاستعجالية من العملاء المكتئبين أو ذوي اضطرابات شخصية أخرى.

 وهناك مشكل مؤسساتي حيث أن معظم مصالح الاستعجالات التي تستقبل الأفراد الذين قاموا بسلوكيات إيذاء الذات والانتحار غير منظمة  بشكل يجعلها قادرة على الكشف عن  هذا الاضطراب. ومن جهة أخرى، ليس هناك نظام إداري يسمح بالتحويل التلقائي لهذه الحالات الانتحارية على مصالح التكفل النفسي المختصة.

 علاوة على ذلك، فإن التكفل بهذه الفئة من المضطربين يتطلب من 2 إلى 5 ساعات حصص معالجة في الأسبوع على مدار سنة إلى خمس سنوات، لذلك تجد هذه الهياكل الاستشفائية في وضعها الحالي صعوبات في توفير مثل هذا الحجم من الخدمات ونوعيته.

 10 -الحلول المقترحة لتخفيض نسبة التسرب :

       يمكن اقتراح عدة إجراءات للتقليل من ظاهرة التسرب لدى الشخصية البينية، ومن أهم هذه الإجراءات ما يلي

 أ - بناء التحالف العلاجي:

 يرى بوردين (.1979 Bordin) أن التحالف العلاجي يعد العامل الأساسي للتغيير في جميع العلاجات، فهي ليست شافية في حد ذاتها، وإنما تشكل مرتكزا يستند إليه العميل للانخراط في العلاج ومتابعته.(27)ويحلل بوردين عناصر هذا التحالف حين يقترح ثلاثة مكونات وهي:

 -        الأهداف: وتمثل غاية العلاج حيث تحدد في العقد العلاجي قبل بداية التكفل.

 -        المهام: تمثل محتوى ومادة العلاج،وهي عبارة عن النشاطات التي يقوم بها كل طرف ( المعالج والعميل) في مسار العلاج.

 -        الصلة : ويعني بالعلاقة بين المعالج والعميل التي تراعي تجندهما والتزامهما في العلاج، مع التأكيد على المسؤولية المشتركة بين الطرفين.

 وتتفاعل هذه المكونات فيما بينها حيث تعمل نوعية العلاقة كوسيط كي يقوم العميل بالمهام الضرورية لتحقيق أهداف العلاج.

 يشكل إقامة علاقة علاجية تعاونية بين النفساني والشخصية البينية التحدي والرهان العلاجي الأساسي في عملية التكفل بهذه الشخصية. حيث لا يمكن تصور نجاح العلاج دون أن يتحقق ما يسمى بالتحالف العلاجي الذي يعد مطلبا أوليا pré-requis وشرطا ضروريا للتكفل بهذه الفئة من العملاء، ذلك لأن الأفراد ذوي الشخصية البينية لا يمتثلون في الغالب للعلاج ولا ينخرطون فيه إلا بصعوبة نظرا لسماتهم المرضية المذكورة سابقا.

 ويتحقق التحالف العلاجي في إطار مختلف أشكال العلاج السلوكي المعرفي، أو العلاج السلوكي الجدلي.

 ·   استراتجيات التحالف العلاجي حسب بيك وآخرين: يصر بيك و آخرون(1990.BECK ET AL( على بناء هذا التحالف وفق الإجراءات والاستراتجيات التالية:

 -        تطوير نمط علائقي خاص مع العملاء البينيين:

 يتميز بالحميمية والاهتمام والذي يمكن تسميته باستراتيجية إعادة الرعاية الأبوية reparenting، وتسعى هذه الإستراتيجية إلى تحقيق هدفين :

 -    تنمية التعلق الآمن attachementsecureلدى العميل نحو المعالج، وهو الأمر الذي يساهم في دحض معتقدات العميل فيما يتعلق بمخاوف التخلي أو العقاب من قبل المعالج، ويمنح هذا الهدف كذلك إمكانية الاتصال بالمعالج بين الحصص العلاجية إذ ما تطلب الأمر ذلك؛

 -     الحفاظ على الحدود: يفضي ذلك إلى إعادة النظر لدى العميل لمعتقداته ذات الصلة بالإحباطات التي تنجر عن رفض المعالج لبعض طلبات العميل غير مقبولة وعدم مرافقته لأمور معينة. (على سبيل المثال، يمكن للعميل أن يتصل هاتفيا بالمعالج لكن في أوقات محددة) .

 -        تبديد مخاوف العميل نحو العلاقة العلاجية:

 يوصي بيك و آخرون المعالج على توجيه العلاج نحو تبديد مخاوف العميل من العلاقة العلاجية، إذ أن الأفراد البينيين يعيشون نوع من الصراع الداخلي بين الرغبة في إقامة علاقة ثابتة وحميمية مع المعالج، والخوف والتوجس من ذات العلاقة. لهذا يعمل المعالج على استباق محاولات العميل التخلي عن العلاج ووقاية من حدوث ذلك. بأن يتصل بالعميل في حالة غيابه عن حصة ومطالبته أسباب تفادي العلاج. ذلك لأن عدم المواظبة على حضور الحصص العلاجية تكون في الأغلب ناتجة عن مخاوف العميل من أن يعاقب أو يتخلى عنه المعالج.

 -        تقبل انفعالات العميل:

 ينبغي للمعالج أن يتقبل الانفعالات الحادة المتقلبة للعميل، ولا يبدي أي استجابات سلبية إزاءها، مع العمل على ألا تصاحب سلوكيات الإقدام على الفعل هذه الانفعالات. ولتحقيق ذلك يسعى المعالج إلى تبني ما يسمى بالمواجهة المتعاطفة confrontationempathiqueالتي تشكل المحور الأساسي في العلاقة العلاجية، وهي تقوم على ثلاث إجراءات عملية:

 ·       التعبير المتعاطف الذي يبين من خلاله المعالج للعميل عن فهمه وتفهمه للاستراتيجيات المختلفة التي اختارها العميل في تفاعلاته؛

 ·       مواجهة العميل بالآثار السلبية لهذه الاستراتيجيات التي تدعم بقاء الاضطرابات؛

 ·       صياغة إستراتيجية بديلة غير مختلة، واقتراحها على العميل لتبنيها وتطبيقها.(25)

 ·       خصائص التحالف العلاجي حسب GUNDERSONETAL(1981):

 اقترح قندرسون و آخرون خمس خصائص لهذه العلاقة وهي:

 ·       تذبذب العلاقة العلاجية من حصة إلى أخرى؛

 ·       التقدير الإيجابي للعلاقة في البداية من قبل العملاء تحت تأثير مثلنة المعالج؛

 ·   التقدير المتدرج والبطيء لهذه العلاقة مع سيرورة العلاج، هذا البطيء يعود بالدرجة الأولى لخبرات الفشل في إقامة التعلق الآمن من قبل العملاء؛

 ·       وجود ارتباط بين تقديرات المعالج والعملاء للعلاقة وهو الارتباط الذي يدل على أن التحسن الناتج عن العلاج يدرك من الطرفين؛

 ·       التقدير الإيجابي للعلاقة يكون أعلى لدى المعالجين منه لدى العملاء الأفراد البينيين في الاعتقاد بقدراتهم في حل مشاكلهم. (28)

 ·       خصائص التحالف العلاجي حسب SPINHOVENETAL(2007):

 عقد سبينهوفان وآخرون مقارنة للتحالف العلاجي بين 78 عميلا بينيا تم تقسيمهم لمجموعتين متساويتين خضعت الأولى لعلاج سيكودينامي والثانية لعلاج سلوكي معرفي خلال ثلاث سنوات، وقد توصلت هذه الدراسة للملاحظات التالية:

 ·       ارتفاع التقدير الإيجابي للعلاقة العلاجية لدى المجموعتين خلال العلاج، وهو أعلى لدى مجموعة العلاج السلوكي المعرفي؛

 ·       ارتباط التقدير السلبي للعلاقة العلاجية بعد مرور ثلاثة أشهر من قبل المعالج والعميل، مع حدوث تخلي لاحق عن العلاج؛

 ·       التقدير الإيجابي للتحالف العلاجي من قبل العملاء، خلال النصف الأول من العلاج، مؤشر منبئ على تحسن إكلينيكي لاحق.

 وبالمختصر المفيد فإن التحالف العلاجي في التكفل بالعملاء البينيين يشكل بالفعل تحديا لدى المعالجين وهو شرط ضروري لاستمرارية العلاج ونجاحه.(29)

 وليس من السهل إقامة هذا التحالف بالنظر إلى عدم ثبات الحالة المعرفية والانفعالية للعملاء. ومع كل هذه الصعوبات، فإن باندر BENDER.2005 )(يشير إلى وجود بعدين يساهمان في دفع العملاء البينيين نحو الالتزام في العلاج وهما: البحث لدى هؤلاء الأفراد لعلاقة مستقرة دائمة واستجابتهم الإيجابية للموقف الدافئ للمعالج ومساندته.(30)

 وبالمحصلة، يعد بناء تحالف علاجي مع العملاء البينيين تحديا لأي معالج بالنظر إلى العديد من العوامل التي تتدخل في تسربهم، ما يفرض على المعالج الإسراع في عقد هذا التحالف منذ البداية، وليكن مبكرا ما يسمح  بفتح العديد من نوافذ فرص العلاج والتي من المحتمل أن تنغلق مع مرور الجلسات على حد تعبير باندر .

 ب - استراتجيات العلاقة :

 ينبغي إقامة هذه العلاقة العلاجية بصفة دائمة وايجابية وصونها، ذلك لأن قوة العلاقة هي التي تحافظ على استمرار العميل في حضور جلسات العلاج، وتجعله ملتزما بالعقد والمهام، خاصة بالنسبة للبينيين الذين أقدموا على محاولة الانتحار حيث يمكن أن تفشل كل الاستراتجيات العلاجية، ويكفي أن تنجح هذه العلاقة حتى يتم إنقاذ هؤلاء من الموت .، فالعلاقة من هذا المنظور هي أكثر من  شرط ضروري للامتثال العلاجي وتفادي التسرب، وإنما هي منقذة للحياة.

 وتقترح لينهان (.2000 Linehan) في هذا السياق ثلاث استراتجيات لتدعيم العلاقة العلاجية بين المعالج والعميل وهي :

 ·    التقبل العلائقي : ويعني أن يتقبل المعالج وضعية العلاج وما تفرضه من مواجهة حياة محفوفة بالآلام والمعاناة مع العميل البيني، فالكثير من المعالجين ليسوا مهيئين لمواجهة هذه الآلام خلال معالجتهم للعملاء البينيين، ولا للمخاطر المهنية المنجرة عن ذلك ، ولا للشكوك الذاتية، أو اللحظات الصادمة. وهذا كله يعني قدرة المعالج على تحمل الانتقادات والانفعالات السلبية، والمثابرة في تبني والاحتفاظ بالتوجه اللاحكمي في تقييمه لسلوكيات العميل.

 ·    حل المشكلات العلائقية : إن العلاقة بين الطرفين هي علاقة حقيقية حيث يمكن لأي طرف أن يكون مصدر مشاكل وسوء تفاهم، وبالتالي يكون المعالج مدعو إلى أن يحل هذه المشكلات العلائقية كلما حدثت. هذا ويسود الاعتقاد أن العميل إذا جرح مشاعر المعالج أو أهانه، أو أغضبه، أو أحدث مشاكل متنوعة، فإنه قام بذلك بطريقة إرادية وقصدية، وهذا يمكن أن يحدث في بعض الأحيان التي يريد فيها العميل اختبار المعالج، غير أنه عادة ما يتصرف العملاء البينيين بسلوكيات  بينشخصية متذبذبة غامضة،وفي هذه العشوائية وفي لحظة ما قد يمسون صدفة أحد نقاط ضعف المعالج. من جهة أخرى يعتقد عادة المعالج أن المشكلات العلائقية التي تطرأ على هذه الصلة العلاجية وتهدد استمرارها، تعود بالدرجة الأولى إلى السمات المرضية للعميل البيني،والحقيقة قد تكون غير ذلك حيث من المحتمل أن تنتج عن عجز ذاتي لدى العميل، وعليه فإن مفتاح حل هذه المشكلات يتمثل في قدرة الانفتاح لدى المعالج في الاعتراف بإمكانية حدوث أخطاء وتناولها بكل موضوعية وحلها.

 ·    تعميم العلاقة: يمكن تعميم مكتسبات العلاقة العلاجية على بقية العلاقات الإنسانية الواسعة، حيث يعد المعالج إلى توظيف اللحظات الصعبة التي تمر بها العلاقة العلاجية ، ليستخدم استراتجيات حل المشكلات العلائقية، باحثا عن القواسم المشتركة بين  الصعوبات العلائقية العلاجية وتلك التي يعشها العميل في وسطه الاجتماعي، وهنا يدعو المعالج العميل إلى توظيف ذات الاستراتجيات في مختلف مجالات الحياة. وبشكل عام سحب استخدام استراتجيات حل المشكلات العلائقية العلاجية على المشكلات العلائقية التي تواجه العميل في حياته الاجتماعية الواسعة.(10)

 ج‌-العلاج المناسب:

 طورت لينهان ومعاونوها)LINEHANETCOLL.2000(علاجا نفسيا للشخصية البينية وهو الذي أثبت فعاليته مقارنة بالتدخلات العلاجية الأخرى، ويعرف بالعلاج السلوكي الجدلي.

 ويمكن تقسيم مراحل هذا العلاج إلى أربع مراحل وهي على التوالي:

 أولا- مرحلة ما قبل العلاج: يتم خلالها إعداد العميل للعلاج وموافقته على الأهداف وتحفيزه على الالتزام بالعمل لتحقيق هذه الأهداف والامتثال العلاجي.

 ثانيا- مرحلة العلاج الأولى:  تستهدف إحراز تقدم واكتساب الإمكانات والمهارات الأساسية والاستقرار من خلال:

 -خفض السلوك الانتحاري: من الطبيعي أن تكون الأولوية في أي علاج نفسي هو الحفاظ على حياة العميل، وذلك بخفض الأزمات النفسية السلوكية الانتحارية (أي السلوك الذي يجعل هذه الشخصية في مستوى عال من الخطر الوشيك للانتحار أو التهديد به) بما في ذلك إعداد خطة للانتحار والنوايا الانتحارية، والتهديدات الانتحارية الجادة، وسلوكيات إيذاء الذات؛

 -خفض سلوك إعاقة العلاج: ويتحقق ذلك بإقامة علاقة علاجية تقوم على الثقة والاحترام أو ما يسمى بالتحالف العلاجي بين المعالج والعميل. ذلك لأن الطبيعة المزمنة لأغلب مشكلات الشخصية البينية تجعلها تميل إلى إنهاء العلاج قبل اكتماله. ومن هنا ينبغي الاحتياط من هذا الجانب قبل وقوعه؛

 -خفض سلوك المعوق لنوعية الحياة: يعد الهدف الثالث من المرحلة الأولى حيث يعمل المعالج على تخفيض والقضاء على كل أنماط السلوك غير المتكيفة التي تعيق نوعية الحياة لدى العميل مثل: سوء الاستخدام الخطير للعقاقير والأدوية، الشره العصبي، سلوكيات المجازفة (العلاقات الجنسية غير الشرعية، القيادة المتهورة ... ) والصعوبات المالية المتطرفة (الهوس الإنفاقي، المقامرة) والسلوك الإجرامي، والاختلالات السلوكية في العمل والدراسة (نمط هجر الوظائف، التسرب المدرسي) الإدمان بجميع أنواعه؛

 -تنمية المهارات النفسية الاجتماعية: وتتمثل هذه المهارات السلوكية في العناصر التالية:

 أ‌-   مهارة الوعي التام MINDFULNESSSKILLS:

 هي مهارة التأمل الداخلي، وتحتوي على ثلاث مهارات هي:

 ·          الملاحظة: متابعة الأحداث والانفعالات والاستجابات السلوكية .

 ·          الوصف: هو توصيف الأحداث والسلوكيات لفظيا.

 ·          المشاركة: هي القدرة على المشاركة دون الوعي بالذات.

 ينبغي تحديد تناول هذه السلوكيات حسب الأولوية (عدم وجود مأوى للعميل وأدنى شروط الحياة.)

 ·         مبادرة في حل المشكلات السهلة ثم الصعبة.

 ·         يمكن أن تكون الأولوية حسب درجة الخطورة (السلوكيات المتعلقة بالانتحار...)؛

 ·         الأولويات المقترح:

 -سلوكيات الانتحارية شبه الانتحارية-السلوكيات المعيقة للعلاج؛-أفكار الانتحار؛ -سلوكيات المحافظة على مكاسب العلاج؛-سلوكيات متعلقة بأهداف الحياة الأخرى للعميل.

 -  مهارات الفعالية البينشخصية: يشمل برنامج التدريب على هذه المهارات استراتيجيات توكيد الذات وحل المشكلات البينشخصية وهي استراتيجيات فعالة لطلب ما يحتاجه الفرد، أو لرفض أمر ما، أو لتدبر والتعامل مع الصراعات البينشخصية وتعني الفعالية في هذا المجال هو الحصول على التغيرات المطلوبة، والحفاظ على علاقة اجتماعية، مع الاحتفاظ باحترام الذات.

 - التحكم في الذات: هي مهارات التحكم الذاتي التي تكون ضرورية للتعلم، والمحافظة وتعميم سلوكيات جديدة، أو كف وإطفاء سلوكيات غير مرغوب فيها وللوصول إلى تغييرات سلوكية.

 تتضمن هذه المهارات:

 -     التحكم الذاتي، السلوك الموجه نحو الهدف؛

 -     التسيير الذاتي في أوسع معانيه هو كل محاولة التحكم، وتسيير أو تغيير السلوك، الأفكار، أو الاستجابات الانفعالية إزاء الأحداث؛

 -     معرفة مبادئ التغيير والمحافظة على السلوك.

 -     التدريب على ضبط الانفعالات:

   تعاني الشخصية البينية من شدة الانفعالات وتقلبها خاصة مشاعر الغضب الشعور بالغضب، الإحباط، الاكتئاب والقلق نتيجة ضعف قدرتها على ضبط الانفعالات المؤلمة والتعامل معها، فمن وجهة نظر هذه الشخصية فإن المشاعر المؤلمة تمثل بالفعل مشكلة ينبغي إيجاد حل لها. والحلول التي قد تلجأ إليها البينية للتخلص من شدة الانفعالات السلبية المؤلمة هي الانتحار أو سلوكيات لإيذاء الذات أو الإدمان وإلى غير ذلك من السلوكيات المختلة الغير المتكيفة.

 ويتمثل التدريب على مهارات ضبط الانفعالات فيما يلي:

 ·       المهارة الأولى: مهارة فهم الانفعالات الذاتية

 -   التعرف على الانفعالات: يعد تعم التعرف على الانفعالات الآنية المرحلة الأولى في عملية ضبط الانفعالات فمختلف الانفعالات هي في الحقيقة استجابات معقدة، والتعرف عليها وتحديد نوعها يتطلب القدرة على الملاحظة الذاتية لهذه الاستجابات وتوصيف الظروف والسياقات التي تظهر فيها وهذا عبر الخطوات التالية :

 ·       الحدث الذي سبب هذا الانفعال؛

 ·       تفسير الأحداث التي تسبب الانفعال؛

 ·       التجربة الظواهرتية (l’expériencephénoménologique) وتعني الاستجابات الفيزيولوجية، والانفعالي...؛

 ·       السلوكيات المعبرة عن الانفعال؛

 ·       المضاعفات والانعكاسات الآنية للانفعال على الأنماط الأخرى من الوظائف (العقلية، السلوكية، الفيزيولوجية، البدنية).

 - تعلم التعرف على العوائق المعرقلة لتغيير الانفعال: وهي مهارة تمكن العميل من تحديد العوائق التي تحول دون أن تنخفض شدة الانفعالات غير السارة، وذلك من خلال تحليل وظائف الانفعالات، أي تحديد الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها والحاجات التي تهدف إلى إشباعها ولعل من بين وظائف الانفعالات هو التعبير عن أمر ما للآخرين وتحفيز السلوك الذاتي.

 ·  المهارة الثانية: تخفيض الانجراحية الانفعالية:

 ويمكن تحقيق ذلك من خلال التدرب على:

 -  تعلم تخفيض الهشاشة الانفعالية: أي تلك الحساسية المفرطة للتأثر بالأحداث المثيرة للانفعالات المؤلمة. ويتعلق الأمر في هذا السياق بانتهاج سلوكيات معينة مثل التوازن الغذائي، النوم الكافي، الرياضة، معالجة الأمراض، تفادي تناول الأدوية النفسية (psychotropes) ممارسة الأعمال التي تزيد من مشاعر الفعالية الذاتية والمهارات والشعور بالإنجاز وتحقيق الذات، الراحة والاسترجاع، احترام الساعة البيولوجية أو النسق الزمني البيولوجي.

 -  زيادة الأحداث المثيرة للانفعالات السارة: من بين الأساليب التي تسمح بضبط الانفعالات هي التحكم في الأحداث المثيرة لها. لذلك يمكن من زيادة الإحساس بالمشاعر الإيجابية من خلال التعرض للأحداث الإيجابية وممارسة الأفعال الجالبة للمتعة والفرح والغبطة والراحة. فكلما ازدادت الأحداث السارة ازدادت معها الانفعالات الإيجابية وكلما تضاعفت هذه الانفعالات الأخيرة، تضاءلت الانفعالات المؤلمة. وهذا ما يؤدي إلى انخفاض الحساسية إزاء الانفعالات السلبية.

 ·  المهارة الثالثة: تعلم خفض المعاناة الانفعالية:

 يتم تخفيض الشعور بالآلام من الانفعالات السلبية من خلال:

 -  الوعي بهذه الانفعالات واختبارها دون الحكم عليها، أو محاولة إثباطها وكفها. أو صدها، أو التلاهي عنها. إن التعبير عن هذه الانفعالات المؤلمة دون محاولة ربطها بمضاعفات سلبية تطفئ قدرتها على إثارة انفعالات سلبية ثانوية فإضافة مشاعر سلبية ثانوية للانفعالات السلبية الأساسية تزيد من مستوى الكرب والمعاناة لدى الشخص.

 -  التصرف بطريقة مناقضة: يمكن أن نغير من انفعال غير سار بأن نغير من السلوك الخاص المعبر عنه، ونتصرف بنقيضه على سبيل المثال التقرب من شخص نخافه بدلا من الابتعاد عنه ويمكن أن يتم التصرف سلوكيا أو من خلال الاتصال غير اللفظي كالإيماءات وتعابير الوجه والهيئة وغيرها.

 -  تحمل الكدر أو المعاناة الانفعالية: يسعى العلاج السلوكي الجلي إلى تنمية مهارات تحمل الكدر والمعاناة النفسية لدى الشخصية البينية. فتحمل الكدر وتقبله هو من بين مقومات الصحة النفسية لأن المعاناة هي جزء من الحياة ولا يمكن تجنبها، فضعف القدرة على تقبل هذا الألم يفضي في حد ذاته إلى زيادته.كما أن تحمل الألم هو أحد عوامل التغيير النمائي للشخصية.

 ويتمثل تحمل المعاناة في القدرة على إدراك الوسط كما هو، دون مطالبته بأن يكون مختلفا    والإحساس بالحالة الانفعالية دون محاولة تغييرها. ومراقبة الأفكار دون البحث لتوقيفها أو التحكم فيها.

 ثالثا- مرحلة العلاج الثانية: نهدف إلى التحكم في الاضطرابات السلوكية والأنماط الانفعالية، خاصة العمليات المتعلقة بالخبرات الصادمة السابقة. وبالتالي فإن هدف هذه المرحلة يتمثل في معالجة الانفعالات الماضية من خلال:

 - خفض ضغوط ما بعد الصدمة: يمر العلاج عبر أربع مراحل هي:

  • تذكر وتقبل الحقائق الخاصة بالأحداث الصادمة المبكرة؛
  • خفض مشاعر الإحساس بالعار وتأنيب الذات التي عادة ماترتبط ببعض أنواع الخبرات الصادمة؛
  • خفض الإنكار المتذبذب وتناذر الاستجابات الانفعالية المرتبطة بالخبرات الصادمة؛
  • حل التوترات الجديدة المتعلقة بمن يوجه إليه اللوم عن الخبرة الصادمة.

 رابعا- مرحلة العلاج الثالثة: تستهدف هذه المرحلة من العلاج الجدلي السلوكي ما يلي:

 -      احترام الذات: يتم مساعدة العميل على تقييم ذاته تقييما إيجابيا، والثقة بالنفس والميل نحو التوكيدية؛

 -  تحقيق الأهداف الشخصية: يتم خلالها التدرب على سحب كل ما تعلمه العميل إبان مراحل العلاج السابقة على الخبرات الحياتية اليومية، والاستفادة من هذه المكتسبات في تحقيق الأهداف الشخصية التي ينشدها العميل في حياته العامة.(10)

 د - التكفل النفسي والتربوي وطرق التعامل:

 بالموازاة مع البرامج العلاجية المقدمة توجه عائلات العملاء نحو  ما يسمى بالتكفل النفسي والتربوي،وهي برامج مكملة تهدف إلى تحسين نوعية الحياة ، وإمداد السند الاجتماعي المطلوب، وتقترح أساليب تواصل ومعاملة مناسبة، وفي هذا الشأن تقدم لأهل العملاء توجيهات عملية في كيفية التعامل معهم، نوجزها فيما يلي :

 -ضبط العلاقات وتسييرها: تعاني البينية عدم الاستقرار في العلاقات التفاعلية الاجتماعية. إذ تجد صعوبة في بناء علاقة حميمية دائمة فهي قد تنجذب لشخص ما بقوة وتحاول ربط صلة تفاعلية معه لكن ما إن تأخذ هذه العلاقة منحى جدي حميمي حتى تشعر البينية بنوع من التهديد، مما يجعلها تلجأ إلى القطيعة الجذرية لذلك تنبغي الحرص في مثل هذه التفاعلات أن يكون تمتين العلاقة متدرجا وإذ من الضروري أن يتحكم الطرف الآخرفي سيرورةهذه العلاقة، عبر خطوات غير متسرعة إذ ما أراد الحفاظ على هذه الصلة.

 -الطمأنة المستمرة: ينبغي للطرف الآخر طمأنة هذه الشخصية باستمرار، وتقديم كل الأدلة والبراهين السلوكية والعملية على أنه موضع ثقة، ويمكن الاعتماد عليه ذلك أن البينية تميل إلى الاعتقاد بأنه لا يوجد أي شخص في الوجود يمكن الوثوق به والاتكال عليه خاصة إذ ما تعرف عليها بشكل عميق فإنه سينبذها ويتخلى عنها. هذه الاعتقادات هي ناتجة عن الخبرات الصادمة المبكرة.

 -تفهم الاستجابات الانفعالية العنيفة المتقلبة: تعاني البينية من اضطراب نظام ضبط الانفعالات، فهي جد حساسة للمثيرات، وتكون استجاباتها الانفعالية حادة، خاصة في حالة الشعور بالإحباط، أو الانفصال، والنبذ والتخلي، إذ تصاب بنوبة غضب عارمة، يكشف عن زيف التوافق الظاهري لذلك ينبغي تفقه هذه الاستجابات الانفعالية الحادة، والتعامل معها بحكمة وموضوعية، ورزانة، ومحاولة امتصاص هذا الغضب والانفعال، ومساعدة هذه الشخصية على استرجاع المستوى الانفعالي المعتدل في أقرب وقت ممكن. إن هذا السلوك الهادئ والمتفهميساعد البينية على إدراك عجزها في ضبط الانفعالات، وهي أول خطوة نحو التحكم.

 -التشجيع على الاستمتاع بمباهج الحياة ومسراتها: من بين الاستراتيجيات الوقائية ضد الانفعالات الحادة، وضعف القدرة على تحمل الكدر والمعاناة الانفعالية، هو الاستمتاع بمسرات الحياة، والأحداث المفرحة أو المثيرة للمتعة والثقة بالنفس والراحة. إن ممارسة نشاطات من هذا القبيل والقيام بأعمال التي تستثير الإحساس بالغبطة والسعادة يرفع من عتبة تحمل الإحباط لدى البينية. ويمنحها بعض من القدرة في التعامل الإيجابي مع المعاناة الانفعالية، وهذا ما يجنبها الانفعالات السلبية الحادة، وحتى السلوكيات غير السوية مثل التهديد بالانتحار، وإيذاء الذات والإدمان والشره العصبي.

 ه - التحفيز العلاجي:

 أدرجت لينهان في مرحلة ما قبل العلاج للنموذج السلوكي الجدلي عنصر تحفيز العميل البيني على المواظبة على العلاج، ومن الضروري التأكيد على أن عملية التحفيز تعد من الشروط الأساسية التي تقلص من نسبة التسرب لدى هذه الشخصية، وفي هذا السياق يمكن الاستعانة بما يسمى بالمقابلة التحفيزية ، وهو أسلوب تدخل جد وجيز ( من حصة إلى ست حصص) طوره كل من مولير و رونيك (2002rollnick.Mulleret) وهو يهدف إلى مساعدة العميل البيني على إيجاد دوافع قوية تحفيز نشط لتعديل السلوك المشكل، ويستند هذا الأسلوب على التعاون بين المعالج والعميل، والاعتقاد باستقلالية العميل وقدرته على تحفيز ذاته للتغيير. وتنقسم المقابلة التحفيزية إلى مرحلتين أساسيتين :

 المرحلة الأولى: يقوم المعالج بتقديم عرضا عاما حول السمات المرضية للعميل وخصائصه النفسية ويساعده على اتخاذ قرار التغيير.

 المرحلة الثانية: يساعد المعالج العميل بتدعيم قرار التغيير ودفعه نحو التنفيذ.(31)

 وكما سبق ذكره فيما أشار إليه فان بيك وفارهول (.VanBeeketVerheul) أن حافزية العميل البيني تستند إلى بعدين: الحاجة إلى المساعدة ، ودرجة الاستعداد للتغيير، وعليه ينبغي للمعالج أن يراعي مسألة هامة جدا وهي أن الحاجة الماسة للمساعدة  تدفع العميل البيني إلى طلب حلولا مستعجلة تحت وطأة مشكلاته النفسية الاجتماعية ومعاناته الانفعالية الآنية، وبالتالي ينتظر نتائج فورية و "سحرية " ، فيما يمتد التكفل الحقيقي إلى مدى المتوسط أو البعيد، (19)وهنا يتوجب أن  يعمل المعالج على  تمديد مدة التحفيز ، ويجعله متيقظا باستمرار لدى العميل، فالعلاج يتطلب تغييرا شاملا للشخصية، ما يستغرق أشواطا عديدة تحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد والدافعية المتجددة.

 و - التحضير ما قبل العلاجي:

 اقترح أغرودنيزوك وآخرونczuk et al.2008)Ogrodni) لائحة من الإجراءات التحضيرية لما قبل العلاج  حيث يتم إعلام العميل بطبيعة مسار العلاج، وتوقعات التحسن، ومسؤوليات المعالج والعميل، كما تعرض خلال مرحلة التحضير ما قبل العلاج أمثلة عن الأساليب العلاجية المقترحة ويتم مناقشتها.(32)  ويشير هانسن وآخرون (.2002Hansenetal) أم من أهم المعلومات التي ينبغي تقديمها للعميل في هذه المرحلة هو إعلامه بالعدد المحتمل الأقصى من الجلسات التي تسمح بالتحسن الفعلي، خاصة وأن العميل البيني غالبا ما يطلب المساعدة الإكلينيكية للتخلص من المعاناة الانفعالية والأعراض الحادة للاضطرابات النفسية بشكل استعجالي وفي وقت قياسي، فهو بطبيعة الحال يجهل متطبات العلاج وما يتضمنه من سيرورة زمنية، لهذا السبب وغيره يقوم المعالج بعرض صورة شاملة عما ينتظر العميل.(33)

 ز‌-  الكشف المبكر والبرامج الوقائية :

 توجد العديد من البدائل الممكنة لتفادي استنزاف العلاج والتسرب لدى الشخصية البينية، ومن أهم هذه البدائل الكشف المبكر عن الاضطراب  وتطبيق برامج وقائية على مستوى المدارس الابتدائية والمتوسطات وحتى الثانويات، إذ يقوم الأخصائيون بالتنقيب والكشف عن المؤشرات الأولية بوجود عدم استقرار أساي في الشخصية ، خاصة فيما يتعلق بالاختلال الانفعالي واضطراب الهوية ، وبالتالي و جود علامات منذرة عن  خطر تطور محتمل نحو اضطراب الشخصية البينية في هذه المراحل العمرية المبكرة ، حيث يمكن رصد ذلك منذ مرحلة الطفولة والمراهقة.كما دلت على ذلك دراسة زالكويتز وآخرين ( Zelkowitzetal.2007  ) ( 34) .

 وإذا كان ممكنا الكشف المبكر على هذه الحالات في إطار الهياكل التربوية، فإن البرامج الوقاية يمكن تطبيقها على الأطفال والمراهقين " غير محصنين " إزاء هذا الاضطراب. فتفعيل التكفل النفسي في المدارس يعد أكثر من ضرورة في هذا المجال، وليس في اتجاه الوقاية من اضطراب الشخصية البينية فقط ، وإنما أيضا هذا المنحى أيضا المشكلات والاضطرابات النفسية برمتها، إذ المنهج الوقائي أفضل بكثير من المنهج العلاجي .

 وخلاصة القول أن المعالج مطالب بأن يتحكم في هذه الإجراءات قدر الإمكان، وفق قدراته المهنية والنفسية، لأنه يتعامل مع شخصية تلجأ في الوضعيات الضاغطة والصادمة إلى سلوكيات إيذاء الذات والانتحار، وعليه يتحمل المعالج  مسؤولية إنقاذ هؤلاء العملاء، والعمل بكل ما أوتي من قدرة ومهارة ليحد من عوامل التسرب وليزيد من فرص الامتثال ، حتى يتسنى له تقديم العلاج المناسب لهم، وإنجاح عملية التكفل النفسي.

 المراجع :

 

[1]V.M.Durand, D.H. Barlow : Psychopathologie, une perspective multidimensionnelle. Trad : M.Gottschalk. De boeck.Bruwelles.(2002).

 [2]K. Lieb, M. C Zanarini, C. Schmahl, M.Linehan, M. Bohus :Borderline personality disorder. The lancet.( 2004) .Vol 364 July 31,

 [3] A.Pham-Scottez, J.-D. Guelfi :Troubles de la personnalité :aspects cliniques et limites diagnostiques.Annales Médico Psychologiques 161 (2003) 727–732.

 [4]T.A. Widiger,M.M.Weissman : Epidemiology of borderline personality disorder.Hospital and Community Psychiatry.42.(1991).1015-1021.

 [5]M.Swartz.R.Landerman.L.K.Goerge. D.G. Blazer.J.Escobar : Somatization disorders.in L.N.Robins,D.A.Regier(Eds)Psychiatry disoders in America :The epidemiology catchment area study(1991) new york. Free press.220-257.

 [6]L.Karila; V.Boss. ;L. Layet : Psychiatrie de l’adulte et de l’adolescent. Ellipses.Paris.(2002).

 [7]T.A. Widiger, A.Frances : The DSM III personlity disorders ;perspective from psychology, Archives of General Psychology.42.(1985).615-623.

 [8]T.A. Widiger,T.J.Trull : Borderline and narcissistic personality disoders. In P.B. Adams(eds)Comprehensive handbook of psychopathology (2ed)New york. Plenum PRESS (1993). 371-394.

 [9] J.G.Gunderson, k.APhilips :A current view of the interface between borderline personality disorder and depression.Am J Psychiatry.148(1981), 967–975.

 [10]M. Linehan : Traitement cognitivo-comportemental du trouble de personnalité etat-limite.trad : D. Page, P. Wehrlé. Medecine et hygiéne.Geneve.(2000).

 [11] W.J.Livesley : A practical approach to the treatment of patients with borderline personality disorder, Psychiatr Clin North Am.23(2000) 211–232.

 [12] V.Lingiardi, L.Filippucci , R. Baiocco : Therapeutic alliance evaluation in personality disorder psychotherapy, Psychother Res 15 (2005), 45–53.

 [13] A.E. Skodol, J.G. Gunderson, B. Pfohl, T.A. Widiger, W.J. Livesley and L.J. Siever, The borderline diagnosis: psychopathology, comorbidity, and personality structure, Biol Psychiatry. 51 (2002). 936–950.

 [14] K. Davidson, J. Norrie, P. Tyrer, A. Gumley, P. Tata and H. Murray et al : A randomized controlled trial of cognitive behaviour therapy for borderline personality disorder: rationale for trial, method and description of sample, J Personal Disord 20 (2006). 431–449.

 [15] M.C. Zanarini and F.R. Frankenburg : The essential nature of borderline psychopathology, Journal of Personality Disorders 21 (2007), pp. 518–535.

 [16]L. Cailhol, S.Bouchard, A.Belkadi, G.Benkirane, G. Corduan, S. Dupouy, E. Villeneuveand J.-D. Guelfi :Acceptabilité et faisabilité de la psychothérapie par les patients avec  trouble de personnalité limite. Annales.Vol168 Issue 6,July( 2010), 435-439.

 [17] N. Blum, B. Pfohl, D.S. John, P. Monahan and D.W. Black, STEPPS: A cognitive-behavioral systems-based group treatment for outpatients with borderline personality disorder-a preliminary report, Compr Psychiatry 43 (2002) 301–310.

[18] J. Young, J. Klosko,M.Weishaar :La thérapie des schémas, Approche cognitive des troubles de la personnalité.Trad:B.Pascal. De boeck.(2005).Bruxelles.

 [19] N. van Beek and R. Verheul : Motivation for treatment in patients with personality disorders, J Personal Disord 22 (2008). 89–100.

 [20]U. Kramer, S. Kolly and J.-N. Despland :The test concept in psychotherapy: Origins, developments and application to personality disorders .psychiatrique. Volume, November( 2010), 702-706.

 [21] J. Weiss : The emergence of new themes: a contribution to the psychoanalytic theory of therapy, Int J Psychoanal 52 (1971). 459–467.

 [22] K. Lieb, M.C. Zanarini, C. Schmahl, M.M. Linehan and M. Bohus, Borderline personality disorder, Lancet 364 (2004). 453–461.

 [23]Anthony W Bateman :Psychological treatment of borderline personality disorder. PSYCHIATRY 4:3.( 2005) .The Medicine Publishing Company Ltd.

 [24]F.Leichsenring , E. Leibing, J. Kruse , A. New,F. Leweke : Borderline personality disorder.The lancet.(2010).vol377.january1.

 [25] A.T. Beck, A.M. Freeman and D.D. Davis et al : Cognitive therapy of personality disorders, Guilford Press, New York (1990) [rééd. 2004].

 [26]J.Zaheer,PS.Links,E.Liu :Assessment and emergency management of suicidality in personality disoders.Psychiatr Clin North Am(2008)31. 527-543.

 [27] E.S. Bordin : The generalizability of the psychoanalytic concept of the working alliance, Psychother Theor Res Pract 16 (1979). 252–260.

 [28] J.G. Gunderson, J.E. Kolb and V. Austin : The diagnostic interview for borderline patients, Am J Psychiatry 138 (1981). 896–903.

 [29] P. Spinhoven, J. Giesen-Bloo, R. Van Dyck, K. Kooiman and A. Arntz :The therapeutic alliance in schema-focused therapy and transference-focused psychotherapy for borderline personality disorder, J Consult Clin Psychol 75 (2007). 104–115.

 [30] D.S. Bender : The therapeutic alliance in the treatment of personality disorders, J Psychiatr Pract 11 (2005) 73–87.

 [31]WR.Miller,S  Ronick : Motivation interviewing : preparing people to change(2 edition). New york. Guilford press.(2002).

 [32]J.S. Ogrodniczuk, A.S. Joyce, L.D. Lynd, W.E. Piper, P.I. Steinberg and K. Richardson : Predictors of premature termination of day treatment for personality disorder, Psychotherapy and Psychosomatic.77(2008) 365–371.

 [33] N.B. Hansen, M.J. Lambert and E.M. Forman :The psychotherapy dose–response effect and its implications for treatment delivery services, Clinical Psychology: Science and Practice 9 (2002) 329–343.

 [34] P. Zelkowitz, J. Paris, J. Guzder, R. Feldman, C. Roy and L. Rosval : A five-year follow-up of patients with borderline pathology of childhood, J Personal Disord 21 (2007). 664–674.

 [35]S. Lorillard, L. Schmitt ;A. Andreoli : Comment traiter la tentative de suicide ? 1re partie : efficacité des interventions psychosociales chez des patients suicidants à la sortie des urgences. Annales Médico-psychologiques, revue psychiatrique.(2010) Article in Press.