الذكاء الاقتصادي رهـان لتسيير المؤسسات الحديثةpdf

 

 أ/ خلفلاوي شمس ضيات

 جامعة عنابة(الجزائر)

 

Resume:

 The technology of information and communication has created all the conditions for the growth of economic intelligence in the world.

 From this point, this paper tries to shed light on this bet which is conducting the modern institutions through applied innovation the economic intelligence, However, the most prominent notions are presented and  exposed by researchers. The research’s findings and through examination of their historical grass-roots and the development stages which they moved about with the diagnostics of its characteristics, and its elements and stages.

 Key words: economic intelligence, information, strategic scanning

 مقدمة:

 شهد العالم، عبر تاريخه الطويل، تطورات متلاحقة وتحولات بنيوية ووظيفية كان لها أثرها البالغ في طرق التفكير وأساليب العمل لدى الناس في كل المجتمعات بمختلف مستوياتهم الثقافية، الاقتصادية والاجتماعية، حيث أحدثت الثورة الصناعية نقلة نوعية هائلة في حياة الإنسان وغيرت الكثير من موروثه الثقافي والاجتماعي، كما غيرت كثيرا من مفاهيمه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

 وقد سارت الحضارة البشرية، وخاصة بالنسبة للمجتمعات المتقدمة، في هذا الاتجاه حيث ازدادت وتيرة هذا التغيير بشكل واضح بعد أن أخذ المجتمع الصناعي يتخلى بشكل أو بآخر عن مكانته في التأثير والتوجيه لمجتمع جديد هو مجتمع المعلومات الذي عرف بمسميات عديدة:كالمجتمع ما بعد الصناعي، ومجتمع ما بعد الحداثة، المجتمع الرقمي، المجتمع الكوني...الخ.

 هذا المجتمع الجديد يقوم أساسا على حرية تداول المعلومات دون قيد أو شرط ويساهم في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية منها والثقافية والاقتصادية والسياسية والعسكرية وغيرها، وبذلك تكون المعلومات بأنواعها وأشكالها وأوعيتها المتعددة(1)، الأساس الذي يقوم عليه هذا المجتمع في تطوره وتقدمه.

 ويعتمد هذا المجتمع كما تؤكده الوقائع الموضوعية، ليس فقط علىاستثمار وتوظيف مختلف تكنولوجيات الإعلام والاتصال للقيام بمختلف الأعمال التنظيمية والإدارية في المؤسسة،ولكن على إنتاج المعلومات من جمع البيانات، وتصنيفها، وتخزينها واسترجاعها وتوزيعها وتقديم كافة الخدمات على نحو سريع وتحويل هذه المعلومات إلى سلعة قابلة للتداول عبر عمليات البيع والشراء وبتكلفة عالية المردود(2) الأمر الذي أثر بشكل كبير في انتعاش العديد من المؤسسات نظرا لفعالية ونجاعة هذه التقنية الحديثة.

 ولمواجهة العولمة، وتطورات تكنولوجيات المعلومات والاتصال، على المؤسسات استحداث أدوات جديدة لتتكيف مع التحديات والظروف التي تعمل فيها، حيث أصبحت المعلومات وسائل جديدة  للإنتاج مثل رأس المال والعمالة، من خلال إدارة المعلومات والمعرفة عن البيئة الخارجية للمؤسسة من أجل بناء ميزة تنافسية، هذه العملية لاتقصي استثمار البيئة الداخلية من خلال المعلومات المهمة التي جمعها أعضاء المؤسسة.

 وبعبارة أخرى، الاهتمام بكل ما يجري ويحدث في الأسواق، أي العمل بنظام كامل تتوحد فيه التقنيات والكفاءات البشرية، إن الرهان المفروض اليوم هو الوصول إلى المعلومة الصحيحة وليس المعلومة التقريبية، لأنها تساعد على حل المشاكل والوقاية منها، بأخذ القرارات المناسبة، وسبق المنافسين، وتطوير أساليب العمل والمنتوج في وقت وجيز، واليوم مع بروز الانترنيت أصبحت المعلومات متوفرة ولكن الأهم كيفية هيكلة هذه المعلومات وتحليلها وإثرائها وتوجيهها للهدف، بالإضافة إلى طرق البحث عن المعلومات والمراقبة وتسيير المعارف. إذا كيف يمكن التكيف باستمرار مع السياقات الداخلية والخارجية للمؤسسات؟

 ففي ظل هذه التطورات الحديثة، والمناخ الذي يتصف بالتنافسية الاقتصادية ويعتمد على استخدام المعلومة،  يعتبر الذكاء الاقتصادي منالأساليبالجديدةفيعلمالإدارةالحديثة(3)، فحتى تستطيع المؤسسات أن تبدع، تنتج وتسوق، فهي تحتاج إلى معلوماتأكيدة، كاملة وقابلة للاستغلال. فتحليل وتنظيم المعلومة أصبح أكثر أهمية: معرفة الأسواق، تقسيماتها، مدى تفتحها على العالم وظروف عملها، معرفة المنافسة، التكنولوجيات والإبداعاتالخ.

 وانطلاقا مما سبق، تمحورت إشكالية بحثناحولالتساؤلاتالتالية:

 1.ماهية الذكاء الاقتصادي وامتداداته؟

 2. ماهي أهم محطات تطور عملية الذكاء الاقتصادي وجذوره التاريخية؟

 3. كيف يتم رصد مختلف مراحل عملية الذكاء الاقتصادي؟

 أولا:مفهوم الذكاء الاقتصادي:

 يبدأ عمل الباحثين والدارسين لأي موضوع أو ظاهرة الانطلاق من مفاهيم معينة وأن موضوع هذه الورقة يتعلق بمصطلح "الذكاء الاقتصادي" والكيفية التي قاربوا بها دراستهم له. ومن التعاريف المعتمدة نذكر مايلي:

 من التعاريف الأولى والعملية للذكاء الاقتصادي، هو الذي قدم من طرف مجموعة العمل في المحافظة العامة للتخطيط بفرنسا عام 1994، وهو يًعرف كذلكبتقرير MARTRE، حيث تم تعريف الذكاء الاقتصادي على أنه:"مجموع الإجراءات المتناسقة للبحث، المعالجة والتوزيع بهدف استغلال المعلومة التي تفيد المتعاملين الاقتصاديين. ومختلف هذه الإجراءات المتخذة يتم القيام بها بطريقة قانونية، مع توفير جميع الضمانات الضرورية لحماية تراث المؤسسة، في ظل أفضل شروط الجودة، الآجال والتكلفة".

 والمقصود بالمعلومة المفيدة هي التي تلبي حاجيات مختلف المستويات التي لها القدرة على اتخاذ القرار في المؤسسة أو الجماعة، من أجل التطوير ووضع حيز التشغيل إستراتيجية متماسكة من الأساليب اللازمة لتحقيق الأهداف التي تحققها المؤسسة من أجل تحسين موقعها في بيئتها التنافسية. هذه الإجراءات داخل المؤسسة يتم تنظيمها في دورة بلا انقطاع، لتوليد رؤية مشتركة للأهداف المراد تحقيقها"(4).

 كما أشار التقرير كذلك، إلى أن مفهوم الذكاء الاقتصادي يشمل تجاوز النشاطات الجزئية للترسانة الوثائقية، واليقظة بكل أشكالها (العلمية، التكنولوجية، التنافسية،...الخ)، ومن حماية الإرث التنافسي والتأثير في المحيط. ومن خلال هذا التعريف، نستنتج مايلي:

 ‌أ.      الذكاء الاقتصادي، هو منهج شامل يهم على السواء المؤسسات، المتعاملين الاقتصاديين وكذلك المجتمع.

 ‌ب.  نجاح نشاطات الذكاء الاقتصادي يتطلب التنسيق بين مختلف مراحله (البحث، المعالجة، التوزيع والاستخدام).

 ‌ج.   الذكاء الاقتصادي يختلف عن التجسس، فإن نشاطاته تتم بطريقة قانونية للبحث عن المعلومات.

 ‌د.     تتم هذه العملية في ظل أفضل شروط الجودة، الآجال والتكلفة.

 ‌ه.     عملية البحث توجه نحو المعلومات النوعية والمفيدة من أجل اتخاذ القرارات الإستراتيجية.

 ‌و.    الحاجة إلى حماية وتأمين المعلومات ضد الإجراءات غير الشرعية.

 ‌ز.   تهدف ممارسة الذكاء الاقتصادي إلى مساعدة صانعي القرارات لتحسين الوضع التنافسي للمؤسسة.

 عرف معهد الدراسات العليا للدفاع الوطني IHEDN  في عام 2000، الذكاء الاقتصادي بأنه: "منهج منظم لخدمة الإدارة الإستراتيجية للمؤسسة، لتحسين قدرتها التنافسية من خلال جمع، معالجة المعلومات ونشر المعارف المفيدة للتحكم في بيئتها (الفرص والتحديات): وهو كذلك عملية مساعدة لدعم القرارات باستخدام أدوات خاصة، وتعبئة الموظفين والتركيز على حركية الشبكات الداخلية والخارجية"(5). هذا التعريف أكد على:

 أ.تنظيم وممارسة الذكاء الاقتصادي في المؤسسة.

 ب.الدور المهم الذي يلعبه الذكاء الاقتصادي في خلق الميزة التنافسية للمؤسسة.

 ج.خلق ونشر المعارف وليس المعلومة فقط.

 د.دمج عناصر أخرى في هذه العملية، والتي تتمثل في الأدوات، الموظفين،...الخ.

 والنتيجة أن هناك بعض الاختلاف بين هذا التعريف والتعريف السابق، حيث أن هذا التعريف لم يتناول بعض المفاهيم كالكفاءة والفعالية، ولم يحدد جميع وظائف الذكاء الاقتصادي كما أشار إليها التعريف السابق.

 وقد عرف Alain Juillet المسؤول الأعلى للذكاء الاقتصادي بفرنسا سنة 2005:"الذكاء الاقتصادي هو التحكم وحماية المعلومة الإستراتيجية لجميع المتعاملين الاقتصاديين من أجل الوصول إلى:المنافسة في المجال الاقتصادي، الأمن الاقتصادي وأمن المؤسسات، تعزيز سياسة التأثير"(6). ركز هذا التعريف على:

 أ.السيطرة والتحكم في المعلومة الإستراتيجية، وهي كل المعلومات التي يمكن أن تكون ذات فائدة لمشاريع المؤسسة. وتتميز هذه المعلومات بأنها تخص مجالات متعددة ولا يمكن تجزئتها أي الاعتماد عليها بشكل متكامل-  تحدد المؤسسة من خلالها نشاطاتها ومحاور تطورها.

 ب.للذكاء الاقتصادي ثلاث دعائم تتمثل في:

 Oتشجيع تنافسية المؤسسات عن طريق غزو الأسواق.

 Oضمان الأمن الاقتصادي عن طريق سن القوانين والأنظمة.

 Oدعم سياسة التأثير وخاصة على مستوى الهيئات المعروفة بإعدادها للنظم والمعايير التي تدير الحياة الاقتصادية.

 فضلا عن ذلك، توجد تعاريف أخرى للذكاء الاقتصادي تم اقتراحها من لدن المختصين والمؤلفين، ومن بينها مايلي:

 الذكاء الاقتصادي هو التحكم المكثف للمعلومات وإعادة إنتاج المعارف الجديدة. هو فن الكشف عن التهديدات والفرص من خلال تنسيق عملية الجمع، الفرز والتخزين والتحقق من صحتها، التحليل وتوزيع المعلومات المفيدة أو الإستراتيجية لأولئك الذين هم في حاجة إليها(7).

 في البداية كان تعريف الذكاء الاقتصادي مرتكزا على وصف العمليات والتقنيات الخاصة به، أخذين بعين الاعتبار الأهداف الإستراتيجية للمؤسسة.

 وفيما بعد، ركزت الأعمال على تبني نهج متعدد التخصصات، حيث تم الاعتماد على مفاهيم التعلم التنظيمي، على المشاركة والتنسيق، وعلى إدارة المعارف والكفاءة، وعلى نظم المعلومات، كما انصب التركيز كذلك على أهمية إدارة الموارد البشرية كوسيلة للذكاء الاقتصادي(8). 

 وفي هذا السياق نذكر التعريف الذي قدمته الجمعية الفرنسية لتطوير الذكاء الاقتصادي(AFDIE)عام 2001، الذكاء الاقتصادي هو جميع الوسائل المنظمة ضمن نظام لإدارة المعرفة، إنتاج المعلومات المفيدة لاتخاذ القرار من منظور الأداء وخلق قيمة لجميع أصحاب المصلحة(9).

 تعريفPhilippe Baumard : "إن الذكاء الاقتصادي ليس مجرد فن المراقبة، ولكنه عملية هجومية ودفاعية لاستخدام المعلومة. والغرض منه هو الربط بين العديد من المجالات والميادين لخدمة الأهداف التكتيكية والإستراتيجية للمؤسسة. حيث أنه وسيلةللربط بين النشاط والمعرفة للمؤسسة"(10).

 من خلال التعاريف السابقة نستنتج مايلي:

 الذكاء الاقتصادي هو عملية البحث والتحليل ونشر وإثراء موارد المعلومات القائمة على نظام المعلومات بالمؤسسة. وهذه الأخيرة تلعب حلقة وصل بين المؤسسة والمحيط الذي تتواجد فيه، فالمؤسسات تستجيب لأدنى تغييرات في البيئة مع المحافظة على المعلومات، وعليه يمكن وضع استراتيجيات للحفاظ على قدرتها التنافسية وضمان استمراريتها.

 توضيح لبعض المفاهيم: سنقوم بتوضيح بعض المفاهيم التي تشكل نوعا من الغموض ونوعا من التلازم بينها وبين الذكاء الاقتصادي عند غير المتخصصين، ومن بينها:

 1.التجسس والذكاء الاقتصادي: الذكاء الاقتصادي ليس عملية تجسس، لأن التجسس يسعى للبحث عن المعلومات بوسائل وطرق غير لائقة"الفساد، القرصنة، سرقة الوثائق، والتصنت على المكالمات الهاتفية،...الخ"، أي كل المعلومات التي لم نتمكن من الحصول عليها عن طريق القنوات الرسمية(11).

 في حين، يمارس الذكاء الاقتصادي في إطار القانون واحترام القواعد الأخلاقية(12) التي لها علاقة مباشرة مع ممارساته. كمانشيركذلك إلىأناليقظةتختلفعنالتجسسوهذاباختلافمصادرالمعلومات،فإذا كانتالمصادرشرعيةفنحنأماماليقظة،وإذاكانتغيرذلكفنحنأمامالتجسسوالذييعرضصاحبهإلىأخطارجسيمةقدتصلإلىفرضعقوباتجنائيةعليه.

 2.البانشماركينغ والذكاء الاقتصادي: المدير العامDavis KearnsلمؤسسةRankXeroxيعرف البانشماركينغ بأنه: "عملية مستمرة لتقييم المنتجات والخدمات والأساليب التي تسمح بالتعرف على محددات الكفاءة العالية لأحسن المؤسسات العاملة في نفس قطاع النشاط وتطبيق ما يستخلص منها من دروس"(13). وهذا الأخير هو أداة لخدمة الذكاء الاقتصادي.    

 3.الاستخبار(renseignement)والذكاء الاقتصادي: الاستخبارات هي مصدر القيمة المضافة، من خلال  إنتاج المعلومات المقدمة، تقييمها واختبارها وتحليلها...، هذه الأخيرة من شأنها تلبية حاجة معينة أٌعرب عنها، وموجهة نحو الفعل"(14).

 الاستخبار مثل الذكاء الاقتصادي، من حيث جمع ومعالجة المعلومات، لكن بطريقة سرية موجهة لعدد محدود من الأفراد والتي تسمح باتخاذ قرارات معينة في وقت معين.

 4.إدارة المعرفة والذكاء الاقتصادي:Hw ʼDāh ʼDāryh
al-Āstrātyjyh at-Ty Ymkn Tʻryfhā Bʼnhā ʻMlyh Ltḩdyd al-Mʻrfh W
al-Mwārd
، Wşyānh Wʼthrāʼ Wtţwyr Wḩmāyh
al-Mʻrfh Wʼdārh Wḩmāyh al-Ābtkār.
إدارة المعرفة هي الجهد المنظم الواعي الموجه من قبل منظمة أو مؤسسة ما من أجل التقاط وجمع وتصنيف وتنظيم وخزن كافة أنواع المعرفة ذات العلاقة بنشاط تلك المؤسسة وجعلها جاهزة للتداول والمشاركة بين أفراد وأقسام ووحدات تلك المؤسسة بما يرفع مستوى كفاءة اتخاذ القرارات والأداء التنظيمي(15).

 يقوم مفهوم إدارة المعرفة بتوفير المعلومات وإتاحتها لجميع العاملين في المؤسسة، والمستفدين من خارجها، حيث يرتكز على الاستفادة القصوى من المعلومات المتوفرة في المؤسسة، والخبرات الفردية الكامنة في عقول موظفيها، لذا فإن من أهم مميزات تطبيق هذا المفهوم هو الاستثمار الأمثل لرأس المال الفكري، وتحويله إلى قوة إنتاجية تساهم في تنمية الفرد، ورفع كفاءة المؤسسة(16).

 كما أن إدارة المعرفة ترتكز على الموارد البشرية، المعارف والخبرة والمهارات،أصول المعرفة والأصول الفكرية يشكلان تراث لهذه الأخيرة، الممارسات الجيدة، ونظم المعلومات والتكنولوجيات كذلك.

          نتيجة الوعي بالبعد الاستراتيجي للمعلومات والمعرفة، أصبح هناك توافق بين الطريقتين الذكاء الاقتصادي وإدارة المعرفة لتحقيق الهدف الأساسي وهو تحسين الميزة التنافسية للمؤسسات من خلال أفضل إدارة للمعلومات والمعارف(17).لذلك فهما يعملان على نفس العملية للانتقال من المعلومات إلى معرفة عملية ويعتمدان على نفس المهارات الذهنية الجماعية، لكن كل طريقة تعتمد على مناهج وطرق خاصة، ولهما أهداف خاصة ومختلفة في المؤسسة.

 5.اليقظة الإستراتيجية والذكاء الاقتصادي: اليقظةبمفهومهاالشاملمصطلححديثالنشأة،ظهرونشأفيأدبياتإدارةالأعمالوفي الأوساطالتي تهتمبالمعلومةوتسييرها.

 

إناستخدامهذاالمصطلحباللغةالفرنسيةهوناتجعنمفهومالمراقبةبالراداروهذا لحمايةمنطقةما،ونقصدبالمراقبةذلكالعملالمنظموالمستمرلرصدبيئةالمؤسسةوالذييهتم بالكشفعنالمعلوماتالتيتؤثرتأثيراسريعاعلىنموالمؤسسة. والمراقبةتلعبدوراهجوميا لاكتسابالمعارفحولالبيئة،ودورادفاعيالحمايةتلكالمعارف(18).

 

وقد وضح كل من "MARTI" و" MARTINET" في كتابهما أن هذا الرادار أو كما سمياه برادار اليقظة يعمل على مراقبة مستمرة لمنطقة ما، وهدفه إشعار الأشخاص المعنيين بأي خطر يداهمهم ولكن هذا لا يكفي حيث أن هناك نوع آخر من الرادار وهو رادار المتابعة، فإذا أطلق الرادار الأول إشارات الإنذار قام الرادار الثاني بتتبع مصدر الإنذار بهدف التعرف عليه وجمع المعلومات الخاصة به(19).

 

اليقظة تعرف على أنها: "فن كشف، جمع، معالجة وتخزين المعلومات والإشارات الملائمة التي تضمن مردودية ونجاعة على جميع مستويات المؤسسة التنظيمية، كما أنها تساعد على توجيه مستقبل المؤسسة التكنولوجي، التنافسي، التجاري... وكذا حماية المؤسسة من هجومات المنافسين الحالية والمحتملة"(20).

 

وبطريقة بسيطة يمكن النظر إلى الذكاء الاقتصادي على أنه مجموع لمختلف أنواع اليقظة في المؤسسة غير أنه يذهب بعيدا بتخزين نتائجه الخاصة وتبني مسار ما قبل النشاط وبعبارة أخرى فالذكاء الاقتصادي يبحث عن معلومات محددة بدل انتظار الأحداث كما تفعل اليقظة.

 

لذلك يمكن اعتباراليقظةمرحلةأساسية(21) منمراحلالذكاءالاقتصاديوهيتهتمفيمضمونهابرصدمحيطالمؤسسة)المحيطالتنافسي،التكنولوجي،التجاري،القانوني...إلخ(، وهي كذلكعمليةمنظمةومستمرة)متكررة ( بغرضالبقاءعلىعلمبكلالمستجداتفيالقطاعالذيتشغلهالمؤسسة،وتنتهيهذهالعمليةبتحصيلوتحليلونشرالمعلومات،أماالذكاءالاقتصاديفهوأشملإذيتضمنإضافةإلىنتائجالعمليةالسابقة)اليقظة( القيامبترجمةهذهالمعلوماتكمؤشراتلاتخاذالقراراتالإستراتيجيةوالمناوراتالتكتيكيةبمايخدمأهدافالمؤسسة، بالإضافة إلى التأثير في المحيط والمحافظة على الإرث المعلوماتي للمؤسسة.

 

ثانيا: الجذور التاريخية ومراحل التطور:

 

إن فكرة الذكاء الاقتصادي ظهرت مع ظهور التجارة، ولاسيما ظهور اقتصاد السوق وقد أوضحfernandbraudel   في العديد من الدراسات التي قام بها حول القوة المتزايدة للمدن التجارية الكبيرة من القرن 15 إلى 18. أن المنافسة بين المدن في شمال ايطاليا والمدن في فنلندا كانت بداية للهجمات التجارية والتجسس الاقتصادي(22).

 

وقد بدأ استخدام الذكاء الاقتصادي لأول مرة في العمليات العسكرية،ووظف لتحقيق الهدف الاستراتيجي حسب أحد أبرز العسكريين في العالم بقوله:"إن ما يُمكِّن القائد الحكيم ذا الهيمنة العسكرية من تحقيق أشياء تفوق قدرة القادة العاديين هي المعرفة السابقة".

 

هذه المعرفة ناتجة عن دورة الذكاء التي وصفت بأنها عملية لاقتناء المعلومات ونقلها وتقييمها وتحليلها، ثم تقديمها لصناع القرار في صورتها النهائية لصناعة قرارات السياسة الخارجية للدول وقراراتها الرئاسية، كونه يَمُدهم بمعلومات يصعب الحصول عليها بالأساليب التقليدية، فضلا عن توظيفه من قبل وكالات تنفيذ القانون في جمع المعلومات عن البيئة الخارجية وتحليلها، ثم اعتمادها في صناعة قراراتها.

 

وفي ظل مناخ يتصف بالتنافسية الاقتصادية ويعتمد على استخدام المعلومة، يلجأ الأعوان الاقتصاديون والاجتماعيون إلى تبني منظور الذكاء الاقتصادي. ولم تتضح معالم هذا الوضع الجديد للدول والمنظمات والأفراد إلا بعد أن تعقدت التبادلات والتعاملات وزادت المخاطر، وبرزت للوجود تجارب متميزة أثارت اهتمامات المختصين في مجال إدارة المعلومات والمعارف.

 

في عام 1950 طورت اليابان نظام الذكاء الاقتصادي المرتكز على وزارة التجارة الدولية والصناعة ومنظمة التجارة الخارجية اليابانيةلإنعاش اقتصادها.

 

أول تعريف للذكاء الاقتصادي كان في عام 1967 من طرف Harold Wilensky، من خلال كتاب بعنوان "l’intelligence organisationnelle"(23)، فهو يعرف:"الذكاء الاقتصادي كنشاط إنتاج المعرفة التي تخدم الأهداف الاقتصادية والإستراتجية للمنطقة، خُزنت وأُنتجت في إطار قانوني من مصادر مفتوحة". ومع عولمة الأسواق والتطور الهائل في مجال تكنولوجيا المعلومات في الولايات المتحدة الأمريكية، اُتخذت خطوات تنظيمية لدعم العمل وتطوير ممارسة الذكاء الاقتصادي بالمؤسسات.

 

في 1990 كانت بداية ظهوره في فرنسا، 1992 أُنشأت وكالة نشر المعلومات التكنولوجية (ADIT) والتي تهدف إلى تقديم مساعدة تشغيلية وحماية النمو الدولي للمؤسسات الفرنسية.

 

في 1994 نشر أول تقرير رسمي عن الذكاء الاقتصادي، ويعرف بتقرير Martreبعنوان: "l’intelligence économique et stratégie des entreprises".

 

ولعل أهم ما يميز اعتماد منظور الذكاء الاقتصادي هو ضرورة الحاجة إليه في محيط يشهد تزايداً متنامياً للمنافسين والخصوم، هذا ما أدى إلى اعتبار، أن المؤسسات والمجتمعات التي تتحكم في المعلومات وتحسن إدارتها هي التي نجحت في فرض نفسها على المستوى الإقليمي والعالمي.وبعبارة أخرى،أنه كلما زاد تحكم اقتصاد دولة ما بعملية معالجة المعلومات كلما ازدادت القدرة على مواجهة ما يسمى بالحرب الاقتصادية(24) والتي يشهدها العالم حاليا.

 

ومن جهة أخرى، أدركت العديد من الدول "منها الأوروبية" أن دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية واليابان قد تمكنت من إعداد سياسات عامة في مجال معالجة المعلومات الذكيةوالمفيدة(25) اقتصاديا، تجمع بين المصلحة العامة والتنمية الاقتصادية، وهذا من خلال:

 

1.قيام عدد من الدول بتأسيس شركات باسم الذكاء الاقتصادي والاستراتيجي لإجراء التحليلات الاقتصادية وتحديد تطبيقاتها في استراتيجيات أعمال المنظمات، وبالتنبؤ بنسب نمو الإنتاج فيها، أو لتقديم الاستشارات وتوفير المعلومات لصناع القرارات وبلغ عددها 150 شركة في دول أوروبا وأمريكا الشمالية والمحيط الهادي وآسيا عام 1998، ثم زاد عددها إلى 500 شركة تضم خبراء وأكاديميين متمرسين في جمع المعلومات وتنظيمها وتحليلها.

 

2.تشكيل مجموعات أو وحدات للذكاء الاقتصادي في داخل المنظمات، مهمتها توفير المعلومات الداعمة لصناعة قراراتها، وتعتمد على متمرسين ذوي خبرة في التفكير والتخطيط الاستراتيجيين، وفي التعامل مع مصادر متعددة في جمعها للمعلومات مما أسهم في تطور مفهوم الذكاء الاقتصادي وتقنياته.

 

3.ظهور وظيفة الذكاء الاقتصادي والاستراتيجي في عدد من الشركات، ويتسم أعضاؤها بمواصفات أكاديمية وقدرات تحليلية داعمة للمنظمات في صناعتها للقرارات وصياغتها للسياسات.

 

4.إنشاء مراكز لأبحاث الذكاء الاقتصادي والاستراتيجي تستطلع آراء الرؤساء التنفيذيين للمنظمات في مختلف دول العالم، ومدى قدرة هذا المنظور على دعم الاقتصاد على مستوى الدولة ومنظماتها، ومدى شموليته وسبل الارتقاء بآلياته.

 

5.بدأت الكثير من الجامعات بتدريس الذكاء الاقتصادي والاستراتيجي لطلابها، من خلال وضع منهجا متخصصا بـ: مفاهيمه، وأساليبه وتقنياته وتطبيقاته في الإدارة الإستراتيجية، ودوره في إدارة المنظمات المتقدمة تكنولوجيا.

 

6.توالت الدعوات ومنذ عام 1992 للارتقاء بجودة الذكاء الاقتصادي والاستراتيجي وفاعليته من قبل العديد من الكتاب، وإقامة ملتقيات ومنتديات لمناقشة سبل الارتقاء به وتطوير أدواته وتقنياته واستخداماته في مجالات متنوعة، وتوظيف تكنولوجيا المعلومات ونظم دعم القرار بالشكل الذي يعزز تلك الأدوات والتقنيات.

 

ثالثا: نماذج عالمية للذكاء الاقتصادي: من بين النماذج الرائدة في مجال الذكاء الاقتصادي عبر العالم، نذكر مايلي:

 

أ.النموذج الياباني: في كثير من القطاعات الصناعية انتقل اليابانيون من عملية التقليد إلى الابتكار عن طريق دمج الذكاء الاقتصادي والميزة التنافسية في مجال البحث والتطوير، وفتح حصص في السوق الخارجي.

 

إن نظام الذكاء الاقتصادي الياباني يعتبر المعلومة سلاح استراتيجي، ومورد جماعي للمساهمة في تدعيم الاقتصاد الياباني عن طريق المعلومة الاقتصادية الصناعية والمالية، فمعرفة المؤسسات الاقتصادية لخصومها بالعموم، وكذا معرفة ذاتها جعل منها مؤسسات صعبة القهر. وهذا الاهتمام بالمعلومة، يجسد في حجم الاستثمارات بهذا القطاع، حيث حوالي 1,5% من رقم أعمال المؤسسات(26) يستثمر في مجال الذكاء الاقتصادي.

 

كما يعتمد نظام الذكاء الاقتصادي في اليابان على الهيئات الحكومية، كوزارة التجارة الدولية والصناعة (MITI)، والتي يتمثل دورها الأساسي في مساعدة المؤسسات اليابانية وتوجيهها وإعلامها، كما يرتبط بهذه الوزارة كل من الجامعات اليابانية، الشركات التجارية العظمى التي تمول مراكز البحث والتطوير، المنظمات المهنية والهيئات الإدارية ذات الطابع البحثي والعلمي.

 

وقد أعد هذا النظام لفائدة المؤسسات وفقا لقاعدة أن الإدارة الجيدة للموارد التي تسمح بخلق القيمة تتبنى سياسة متكاملة لإيفاد المتربصين والمتدربين اليابانيين إلى الخارج، واستقبال المتدربين الأجانب ومطالبة هؤلاء بإعداد تقارير حول مهامهم.

 

كما يتم توقع الأسواق وتوجيهها عن طريق المعلومات التي تقدم من طرف منظمة التجارة الخارجية اليابانية (JOTRO)، التي تتكفل بالتجارة وتستقبل المعلومات، وتستورد التكنولوجيا في اليابان في مجال المعلومة العلمية والتقنية.

 

بالإضافة إلى هذه الهيئات التي تعمل على نشر ثقافة اليقظة في المجتمع الياباني، هناك منظمة أخرى والتي تعتبر الأكثر أهمية، وهي المركز العلمي للتكنولوجيا والمعلومات باليابان (JICST)، والذي له دور في جمع واستغلال ونشر المعلومة العلمية والتقنية من أجل تطوير العلوم والتكنولوجيا في اليابان(27).

 

وفي هذا الصدد، أرست الحكومة اليابانية شبكة للمعلومات، بهدف ربط الباحثين ومهندسي المخابر العمومية والخاصة في جميع نقاط البلد. لذا يعتبر دور الدولة في نظام المعلومات في اليابان ذو أهمية من خلال القيام بعملية تنشيط لهذا النظام.   

 

وفي هذا الجانب، توجد عدة مؤسسات للتجارة اليابانية lessogoShoshas، والتي قامت بتأسيس قوة تجارة ضخمة وفعالة في الخارج، بالإضافة إلى أنها مورد ملموس ومعتبر للمعلومات. وتتمثل رغبة الدولة في أن يعمل الأفراد بمستوى تبادل المعلومات المجسد في نظامين مختلفين:

 

ـ هون  HONNEوالتيتعني باليابانية المعلومة الحقيقية الإستراتيجية؛    

 

       ـ تاتوناي TATENAEوالتي تعني أدبيا حلقة، وتعبر عن المعلومة التي تتصل بالجميع سواء كانوا متحالفين أو غير متحالفين.

 

ويحظى عنصر الثقافة بأهمية كبيرة باعتبارها محرك لأداء النظام الذي يفسر نجاح اليابان التي تميل إلى الثقافة الجماعية. إن إجراءات اليقظة بالمؤسسات اليابانية تتمحور في ثلاث مميزات أساسية هي:

 

ـ تدفقات أفقية للمعلومات التي تعكس عدم مركزية الإبداع.

 

ـ البحث عن الزيادة والتكرار في جمع المعلومة.

 

ـ استثمارات مهمة مخصصة لجمع المعلومات ونشرها(28).

 

ب.النموذج الأمريكي: لقد عرف المشهد الأمريكي في مجال الذكاء الاقتصادي تحولا كبيرا في عقد التسعينات من القرن السابق، نتيجة للتحولات الدولية من بينها حجم التنمية الاقتصادية التي حققها كل من اليابان وأوروبا باعتبارهما منافسين رئيسيين للولايات المتحدة. وعلى سبيل المثال واجهت شركة "بوينغ" الأمريكية منافسة شديدة من طرف "أيرباص"، والإدارة الأمريكية للطيران والفضاء(NASA) من قبل محطة "أريان" للفضاء.

 

ولهذا عمل الأمريكيون على إيجاد سوق رائجة للمعلومات والتي أصبحت رائدة فيما بعد. إذ تضم هذه السوق أنواعا عديدة من متعاملي المعلومات كالسماسرة، الجامعات، هيئات البحث والتفكير، المكتبات، هيئات الأمن الخاصة.

 

أما الهدف الأساسي لعملية الذكاء الاقتصادي في الولايات المتحدة فيتمثل في دعم التأثير وعمل جماعات الضغط(29) لتحقيق أهداف المصلحة العامة في الداخل كما في الخارج. وضمن هذا الإطار تندرج أهداف فرعية منها(30):

 

ـ تسهيل عملية الحصول على المعلومات ذات القيمة الاقتصادية والإستراتجية للجميع.

 

ـ دعم و تحسين التلاحم الوطني.

 

ـ تقليص هدر الموارد بغرض التحكم في تكنولوجيا المعلومات.

 

ـ إعادة التفكير في حماية الشبكة الوطنية للمعلومات.

 

بالإضافة إلى ذلك، تشترك كافة الهيئات والمؤسسات في إعداد الإستراتجية الوطنية ذات الأولوية بالنسبة للبلد، والتخطيط لتنفيذها وفقا لآليات عمل محكمة الدقة.

 

ولتحقيق هذه الأهداف تعمل المؤسسات في أمريكا حول المركز الرئيسي لهذا النظام وهو البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي، حيث يتم تشكيل ما يسمى بغرفة الحرب (warroom)خاصة بكل سوق يتم اعتبارها إستراتجية وذلك لجمع وتركيز وتوزيع المعلومات الخاصة بها بين الأعوان الاقتصاديين العموميين والخواص.

 

وما يمكن ملاحظته على هذا النظام تبنيه لنشاط الوكالات الخاصة للاستعلامات. كما توجد هيئات مركزية أخرى كالمجلس الاقتصادي الوطني الذي أسس سنة 1993 والذي يعتبر تأسيسه ثورة في مجال تقديم الدعم والاستشارة لمختلف الهيئات.

 

وتتميز شركات الذكاء الاقتصادي الأمريكية بحجمها الضخم والممتد إلى كافة أنحاء العالم. وتستخدم طاقات بشرية هائلة، ومثال ذلك مؤسسة KrollInternationalالتي توظف ما بين 5000-6000 أجير موزعين على 60 مكتب حول العالم، وتحقق رقم أعمال يقدر بحوالي 10مليار دولار سنويا(31).

 

تعمل هذه المؤسسة على تحليل الخطر الاقتصادي والتجاري بناء على العوامل الستة التالية: الاستعلامات، الأعمال والتحقيقات،التحقق من السوابق المهنية، خدمات الأمن والحماية، أمن شبكات المعلومات، المساعدة القضائية والتحليل الاستراتجي والتنافسي.

 

ج.النظام الفرنسي: بصفة عامة يهتم ويعنى الاتجاه الفرنسي بالمصلحة الفردية، أي أن كل واحد مسؤول عن نفسه فلا توجد- وإن وجدت فهي قليلة- ثقافة المعلومة الجماعية في المؤسسة، على عكس النظامين السابقين، يتميز النظام الفرنسي بوجود دور قوي للحكومة في ميدان الذكاء الاقتصادي إلى جانب المؤسسات العمومية الكبرى كما أن المبادرات العمومية في فرنسا تتغلب على كل ما هو خاص(32).

 

وقد جاء تقرير Martreعام 1994 تحت عنوان الذكاء الاقتصادي وإستراتيجية المؤسسات، بهدف تقديم مختلف محاور التوجيه الاستراتيجي للمؤسسات ومساعدتها على تجاوز العوائق وتحسين الإنتاج ودعم التنافسية والتصدير، ومن بينها(33):

 

ـ تقييم أهمية استعمال المعلومة من منطق دفاعي وهجومي في ظل رهانات المنافسة الدولية.

 

ـ استيعاب وظيفة اليقظة والذكاء الاقتصادي-أي معرفةً وفهماً- في النشاط اليومي للمؤسسات.

 

ـ تطويرقواعد البياناتعلى أساساحتياجات المستخدمين.

 

ـ دعمالتعليم والتدريبللموظفين في مجال الذكاء الاقتصادي.

 

ـ تعيين المقاييس البنائية والمرافقة للمستوى الوطني، أي دعم حيوية شبكة العلاقة ودرجة التركيز بين المؤسسات، التكتلات الإقليمية والإدارية في مجال الذكاء الاقتصادي.

 

كما اقترح التقرير تطوير الذكاء الاقتصادي وعمليات البحث والتطوير على المستوى الإقليمي (الجماعات المحلية ) والقطاع الخاص. وتم ذلك بإنشاء وكالة نشر المعلومات التكنولوجيا (ADITوهي مؤسسة عمومية كما تم استحداث شركة خاصة تسمى الشركة الأوربية للذكاء الاستراتجي (CEIS) والتي تقدم خدماتها لمؤسسات صناعية فرنسية وأوروبية.

 

ولقد تم إضافة مرسوم يتعلق بإنشاء خلية من أجل التنافسية والأمن الاقتصادي، و في هذا الإطار تهدف وكالة نشر المعلومة التكنولوجية(34)- وانطلاقا من ملاحظات المؤسسات الفرنسية-إلى تعريف مواضيع اليقظة التكنولوجية والتنافسية في مختلف الإدارات، وتقدير المعطيات الاقتصادية.  

 

رابعا: خصائص الذكاء الاقتصادي:

 

يهتم الذكاء الاقتصادي بدراسة التفاعل التكتيكي والاستراتيجي بين كافة مستويات النشاط المعنية به انطلاقا من القاعدة (المستوى الداخلي للمؤسسة) مرورا بالمستويات الوسيطة (الجماعات المحلية) وصولا إلى المستويات الوطنية (الاستراتيجيات المعتمدة لدى مراكز اتخاذ القرار في الدولة) ثم المستويات المتعددة الجنسيات (المجمعات المتعددة الجنسيات) أو الدولية (استراتيجيات التأثير الخاصة بكل دولة). ومن بين الخصائص الرئيسية للذكاء الاقتصادي نذكر مايلي(35):

 

1.   الاستخدام الاستراتيجي والتكتيكي للمعلومات ذات المزايا التنافسية في اتخاذ القرارات.

 

2.   وجود إدارة قوية لتنسيق جهود الأعوان الاقتصاديين.

 

3.   وجود علاقات قوية بين المؤسسات والجامعات والإدارات المركزية والمحلية.

 

4.   تشكيل جماعات الضغط والتأثير.

 

5.   إدماج المعارف العلمية، التقنية، الاقتصادية، القانونية والجيوسياسية.

 

6.   السرية في نشر المعلومات والحصول عليها بطريقة شرعية.

 

7.   دراسة الحاضر لاستقراء المستقبل، وتشخيص الأحداث والعوامل التي من شأنها ربط المكان والزمان.

 

في إطار ماتقدم يتضح أن أهم الخصائص التي يتميز بها الذكاء الاقتصادي تتجلى في دعمه لصناع القرارات وصياغة الاستراتيجيات، وتوافره لهم عند حاجتهم إليه في الوقت المناسب، مع وجوب أن يكون هادفا، وان تنسق أنشطته في مركز المؤسسة من قبل إدارة مركزية، مع رصده وتحليله للقضايا الأساسية ذات الصلة بإستراتيجية المؤسسة.

 

خامسا عناصر الذكاء الاقتصادي: يتألف نظام الذكاء الاقتصادي من ثلاث عناصر مترابطة ومتكاملة وهي اليقظـة الإستراتيجيـة، الأمـن والتأثيـر.

 

أ.اليقظة الإستراتيجية: تلعب اليقظة الإستراتيجية دورا متكاملا في نظام الذكاء الاقتصادي، حيث يمكن تلخيص دورها في أربعة وظائف وهي(36) :

 

1.التوقع: وهو توقعات لنشاط المنافسين أو تغيرات المحيط.

 

2.الاكتشاف: اكتشاف منافسين جدد أو محتملين، مؤسسات التي يمكن شرائها أو التي يمكن إقامة شراكة معها من أجل التطوير، اكتشاف فرص في السوق.

 

3.المراقبة: مراقبة تطورات عرض المنتجات في السوق، التطورات التكنولوجية أو طرق الإنتاج التي تسمح أو تستهدف النشاط.

 

4.التعلم: تعلم خصائص الأسواق الجديدة، أخطاء و نجاح الآخرين (المنافسين)، مما يسهل تقدير المشاريع، وضع أسلوب جديد للتسيير أو بناء نظرة موحدة للمسيرين.

 

نلاحظ أن نظام اليقظة الإستراتيجية يجمع بين أسلوبين متكاملين: الإنذار والمتابعة، الأولى تنبه المسؤولين للظواهر الجديدة أو البارزة، أما الثانية تسمح بتتبع التطورات.

 

ب.الحماية: بالرغم من أن المبادرة تعد من أولويات معظم الأعمال المتعلقة بالذكاء الاقتصادي (الحصول واستغلال المعلومات النافعة للمؤسسة)، إلا أن الجانب الدفاعي للذكاء الاقتصادي لا يمكن تجاهله. كما تطرقنا في تعريف الذكاء الاقتصادي فهو مجموع النشاطات المتناسقة للبحث والتحليل والتوزيع ثم الاستغلال للمعلومة النافعة للمتعاملين الاقتصاديين. هذه النشاطات المختلفة تتم بكل التدابير القانونية مع توفير جميع ضمانات الحماية اللازمة للحفاظ على إرث المؤسسة في ظل أفضل شروط النوعية والآجال والنوعية.

 

حيث يمكن تعريف أمن المعلومات على أنه: "مجموعة من الوسائل أو الإمكانيات النشطة والدفاعية لضمان حماية التراث المعلوماتي للمؤسسة ونشاطاتها"(37). ومن بين أهم الأخطار التي تهدد الأمن المعرفي  والمعلوماتي للمؤسسة:

 

1.عمل إرادي في تهريب المعلومة: تتمثل في التجسس، اقتحام لنظم المعلومات، سرقة المجلدات الداعمة للمعلومة، اعتراض الاتصالات،...إلخ.

 

2.الأخطار غير إرادية: تتمثل في الكوارث الطبيعية (الزلازل، الفيضانات،...)، الحوادث التقنية (انفجار، ...)، الأخطاء بسبب الإهمال أو عدم الكفاءة (إدخال الأخطاء، حذف البيانات، ...).

 

ج.التأثير:التأثير هو استخدام المعلومة بطريقة تمكن المؤسسة من العمل على بيئتها لجعلها أكثر ملائمة لتحقيق أهدافها الإستراتيجية ومواجهة التيارات التي قد تكون ضارة.وللتأثير عدة وسائل أهمها التأثير عن طريق حملات الاتصال وهذا للتأثير على المستهلك، التأثير باستخدام التفكير أو ما يسمى للتأثير على قادة الرأي، وأخير التأثير عن طريق الضغط أو ما يطلق عليه (Lobbying) (38).

 

سادسا: مراحل الذكاء الاقتصادي: من خلال الشكل التالي سنتطرق إلى أهم مراحل عملية الذكاء الاقتصادي(39).

 

 

 

1.تحديد الحاجة للمعلومة"المشكل المطروح":  إننقطةالبدايةلمختص الذكاء الاقتصادي  هيتحديدالمعلوماتالتيتحتاجهاالمؤسسة أي التعرف والتعريف بالمشكل المطروح أو المرغوب دراسته، وذلك من كل الجوانب. وكلما كان تعريف المشكل دقيقا كلما سهل ذلك عملية إعداد خطة البحث أو الدراسة، كما أن تحديد المشكل بصورة جيدة يتيح تركيز الجهود والإمكانيات بدلا من تشتتها على مشكلات فرعية قد تكون مجرد مظاهر تكتنف المشكل الأساسي فيبدوا أكثر غموضا وتعقيدا. وهذه العملية تسمح بتشخيص المشكلة وتحديد الأسباب التي أدت إلى حدوثها.

 

2.تحديد مصادر المعلومات: تختلفالمعلوماتمنحيثتصنيفهالِدىفمنالصعبوضعنظامقياسيلتصنيف المعلوماتلتعطيكافةالأغراض وتكونمناسبةلكافةالمواقف،وتختلفكذلكمنحيثمحتواها فيالمؤسسةالواحدةفنجدمعلوماتعنالسوق،المنافسة،البيئة،البورصة،التجارةوغيرها،وهذا مايفسرالتعددفيأنواعهاومصادرها.

 

المعلوماتالرسمية: وهيتلكالمعلوماتالتييكونحاملهاورقيأومعلوماتي،وهيلاتمثلإلانسبةضئيلةمنالرصيدالإعلامي(40)، وتتمثلمصادرالمعلومات الرسميةعامةفي:

 

-الصحافةالعامةوالمتخصصة                   -الكتب                    -وسائلالإعلامالأخرى التلفاز،المذياع

 

- بنوكالمعطياتوالأقراصالمضغوطة     -براءاتالاختراع         -الدراسات وكلالمصادرالشرعية

 

المعلوماتغيرالرسمية: تتمثلالمعلوماتغيرالرسميةفيجميعالمعلوماتباستثناءالمعلوماتالرسمية،وتصبحالمعلومةغيرالرسميةصالحةللاستخدامبعدالمعالجةالمتخصصةلها. وقدأفضتالدراسات أنثلاث  أرباع  المعلوماتالتيتفيدالمؤسسةهيعبارةعنمعلوماتغيررسميةوتتمثلمصادرالمعلوماتغيرالرسميةفيمايلي:

 

- المنافسونأنفسهم                        -الموردونوالزبائن                 -البعثاتوالرحلاتالدراسية

 

- المعارض،الندوات،والمؤتمرات        -الطلبةوالمتمرنين                   -المصادرالداخليةللمؤسسة

 

3.البحث عن المعلومة:يعني استقطاب أكبر عدد ممكن من المعطيات غير المعالجة وذلك باستعمال مختلف الوسائل قبل المبادرة بحجزها وتخزينها.

 

4.معالجة البيانات: إن معالجة المعلومة هي أساس الذكاء الاقتصادي، فهذا الإجراء يعتمد أساسا على قيمة المعلومة بالنسبة للمستعمل، وعملية المعالجة هذه تمر بمجموعة من الخطوات، قد تكون بسيطة جدا أو معقدة جدا، وأي عملية ( إحدى) من عمليات المعالجة أو مزيج منهم يمكن أن تنتج معلومات من البيانات، هذه العمليات هي(41):

 

1.4الحصول على البيانات:  هذه العملية تشير إلى تسجيل البيانات من أحداث تحدث في شكل معين، مثل : وصل البيع، أمر بشراء، تذكرة رحلة جوية الخ.

 

2.4بالتأكد من الصحة:هذه العملية تشير إلى عملية التأكد من صحة البيانات حتى يتم التأكد من أنه تم الحصول عليها وتسجيلها بطريقة صحيحة.

 

3.4التصنيف:هذه العملية تتعلق بوضع عناصر البيانات في قطاعات معينة، بحيث تعطي معنى للمستخدم لهذه البيانات، فمثلا أرقام المبيعات يمكن تصنيفها حسب نوع المخزون، الحجم، العملاء، رجال البيع، مخازن الشحن أو أي أساس آخر يعطي لأرقام المبيعات معنى.

 

4.4الفرز والترتيب: هذه العملية تتعلق بوضع عناصر البيانات في ترتيب معين أو محدد مقدما، سجلات المخزون مثلا يمكن أن ترتب وفقا لترقيم المنتجات أو مستوى الأنشطة أو القيمة النقدية أو أي أساس أخر يوضح  في السجل وفقا لرغبة واحتياج المستخدم.

 

5.4التلخيص: هذه العملية تدمج أو تجمع عناصر البيانات بإحدى طريقتين، مثلا عند إعداد ميزانية فإن الرقم الكلي للأصول المتداولة يمثل أرقام أكثر تحديدا أو تفصيلا للأصول، ثانيا فهي تقلل البيانات بالمفهوم المنطقي، فمثلا قد يحتاج مدير الأفراد بقائمة بأسماء الموظفين الموجودين في إدارة معينة.

 

6.4العمليات الحسابية:هذه العملية تشير إلى العمليات الحسابية أو العمليات المنطقية لاستخدام البيانات، فمثلا العمليات الرياضية مطلوبة حتى يمكن التوصل إلى مرتبات الموظفين، كمبيالات المستهلكين، متوسط درجات الطلبة  وهكذا في حالات كثيرة.

 

7.4التخزين:وضع البيانات في أماكن تخزين، في وسيلة معينة مثل: المستندات، الميكروفيلم أو الأشرطة الممغنطة والتي يمكن استرجاعها عند الحاجة إليها.

 

8.4الاسترجاع: هذه العملية تتطلب البحث والحصول على أي جزئية لعناصر البيانات المعينة من الوسيلة المستخدمة في التخزين.

 

9.4إعادة الإنتاج: هذه العملية تعني إعادة إنتاج البيانات من وسيلة أخرى أو في موقع آخر في نفس الوسيلة، مثلا: سجل من البيانات مخزن في أقراص ممغنطة ممكن أن يعاد تسجيله على قرص أخر أو شريط ممغنط لإجراء عمليات تشغيلية أخرى أو لأغراض حفظ معينة.

 

لقد أدى التطور التكنولوجي الكبير إلى انتقال الأشخاص من المعالجة اليدوية إلى المعالجة الآلية، نتيجة عدة فروقات متواجدة على مستوى المعالجتين. لكن هذه الفروقات لم تؤدي إلى الاستغناء نهائيا عن المعالجة اليدوية، فهذه الأخيرة لا تزال متداولة في الأوساط العملية والأنشطة الوظيفية. ويمكن أن نلخص الفرق بين المعالجة اليدوية والمعالجة الآلية في بعض النقاط الآتية : الإمكانيات، الوقت، الجهد والنتائج.

 

من خلال جمع ومعالجة المعطيات الخام وحتى المعلومات التي كانت متواجدة من قبل يمكن القول أننا تحصلنا على معلومات جاهزة، فهي كمنتوج نهائي يتم إنشاؤه باستعمال المادة الأولية (المعطيات)، أين يتم تحويلها ثم توزيع ذلك المنتوج عبر قنوات وشبكات الاتصال.

 

5.مرحلة التوزيع: توزيع المعلومة يعني إرسالها عبر قنوات مختلفة، فعلى المؤسسة أن تملك هذه القنوات بصورة كافية ومفتوحة لمحيطها وذلك بالاعتماد على تدفقاتها، ولقد أخذت عملية توزيع المعلومات أهمية بالغة خاصة إذا جاءت في الوقت المناسب وبالشكل المراد، للشخص الذي يستخدمها.

 

ويعتبر توزبع المعلومة غير كافي، إذا لم يتم تحويل هذه المعلومات إلى فعل حتى تحقق قيمة مضافة فالمتخصصين في الذكاء الاقتصادي يجب أن يكونوا قادرين على إقناع الآخرين بهذه الخطوة.

 

فحسب LESCAفان المعلومة يمكن أن توزع انطلاقا من ثلاث تدفقات(42).

 

1.تدفق المعلومات المنتجة من طرف المؤسسة بنفسها.

 

2.تدفق المعلومات المستمدة من خارج المؤسسة والمستعملة من طرفها.

 

3.تدفق المعلومات المنتجة من داخل المؤسسة والموجهة نحو الخارج.

 

1.التدفق الداخلي للمؤسسة: تتعلق بالمعلومات المنتجة من طرف المؤسسة الخاصة بها والمتولدة من مختلف العمليات والنشاطات التي تقوم بها مثل المعلومات التجارية، الإنتاجية، المحاسبية، جريدة داخلية الخ. فيما يخص هذا النوع من التدفق نجد :

 

بالنسبة للجهة المرسلة للمعلومة،  فلا يمكن أبدا التأكد من أن هذه المعلومة إن كانت قد وصلت إلى الاتجاه المرسلة إليه، أو قد فهمت واستعملت.

 

بالنسبة للجهة المستقبلة للمعلومة، من الممكن أن تكون المعلومة المرسلة متواجدة بالمؤسسة، وذلك دون علم الجهة بذلك أو كيف يتم تدفقها.

 

2.تدفق المعلومات المنتجة من الداخل نحو خارج المؤسسة: تتعلق بالمعلومات المنتجة من طرف المؤسسة أيضا لكن هذه المرة تتجه نحو ممثلين خارجيين أي خارج المؤسسة مثل فاتورة الزبائن، طلب الموردين، معلومات للبنوك، إشهارالخ. ومن بين المشاكل التي تواجهها في هذه الحالة هو عدم تناسق واختلاف اللغات بين التجاريين وتقنيي المؤسسة في علاقتهم مع الزبائن. ونقصد هنا باللغات استعمال الرموز وكذا تشفير المعلومات.

 

3.تدفق المعلومات من الخارج نحو داخل المؤسسة: تتعلق بالمعلومات القادمة من خارج المؤسسة أي التي تأتي من محيطها مثل فاتورة الموردين، معلومات عن المنافسين، القوانين، طلب الزبائنالخ.

 

6.مرحلة رجع الصدى: يعتمد في سيرورة نقل المعلومات على مبدأ الآخذ والرد (donnant-donnant)، أي التبادل المستمر للمعلومات، ولهذا عند تقديم المعلومات والتأكد من وصولها واستخدامها في سياقها المناسب من مختلف الأطراف الفاعلة في المؤسسة، فان هناك رد فعل أو رجع للصدى يؤكد هذه الأخيرة، ويمكن تجسيده في الردود التالية:

 

-تحديد الفائدة التي قدمتها المعلومات بالنسبة لمصلحة التسويق مثلا.

 

-الإبلاغ عن النتائج التي حققت نتيجة الحصول على المعلومات في وقتها المناسب.

 

-تقديم تحليل مستخلص من المعلومات المرسلة.

 

وبصورة عامة هذه المرحلة الأخيرة يتم تهميشها وتجاهلها في الكثير من المؤسسات، نتيجة تعقد التدرج الهرمي للمصالح والوظائف، مما يعرقل من فاعلية العمل الإعلامي والاتصالي في المؤسسة.

 

سابعا: مقومات نظام الذكاء الاقتصادي في الجزائر:

 

لقد أدى انتقال الجزائر من نظام الاقتصاد الممركز نحو اقتصاد السوق إلى بروز عدة ضغوطات على مستوى الهيئات المؤلفة لنظام المعلومات الاقتصادية. ضف إلى ذلك ظهور تكنولوجيا الإعلام والاتصال عمل على إظهار عيوب النظام السابق ونقائصه والحاجة الملحة إلى نظام ذي كفاءة عالية يأخذ بعين الاعتبار تزايد المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وتداخلها وتفاعلها فيما بينها، الأمر الذي أدى بالسلطات العمومية إلى التفكير في إقامة نظام موجه نحو التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرارات.

 

وقد تجسد ذلك في صدور تقرير حول النظام الوطني للمعلومات الاقتصادية والاجتماعية وتحولاته شهر جوان 2004 الذي تمت مناقشته في الجلسة العلنية رقم 24 للمجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي. يعتبر هذا المجلس هيئة استشارية مستقلة تحت وصاية رئاسة الجمهورية تختص بدراسة كافة القضايا الاقتصادية والاجتماعية واقتراح الحلول اللازمة والممكنة لها(43).

 

من بين العوامل المعيقة لإقامة نظام للذكاء الاقتصادي واليقظة حسب هذا التقرير يمكن ذكر خمسة عوامل أساسية هي: العوامل المتعلقة بالوسائل التقنية والفنية، العوامل المتعلقة بالسياسات العامة، العوامل المرتبطة بنظام الحاكمية في أجهزة الدولة والمؤسسات، العوامل الثقافية وأخيرا العوامل المرتبطة بالموارد البشرية في البلاد.

 

فعلى المستوى الثقافي، إن ما يلفت الانتباه هو إشارة التقرير لوجود بعض المقومات التي تميز الفرد الجزائري أثناء أدائه لمهامه كالاتصال الشفوي الذي أثبت نجاعته مقابل الاتصال الكتابي، وكذا ميل هذا الفرد نحو تشكيل الفرق الصغيرة الأمر الذي يساهم في تفادي النزاعات التنظيمية  ومقاومة التغيير.

 

وعلى مستوى الموارد البشرية، فهناك قناعة تامة بضرورة تكوين وتأهيل والمحافظة على الموارد البشرية المتاحة في مجال اليقظة والذكاء الاقتصادي. كما أشار التقرير إلى ضرورة تفعيل دور نشاط البحث والتطوير في المؤسسات الاقتصادية والإدارية بما يتماشى وتحسين تنافسيتها داخليا وخارجيا.

 

وقد أوصى المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي في التقرير السابق بجملة من الاقتراحات تضمنت تثمين مقومات اليقظة الإستراتيجية والذكاء الاقتصادي في الجزائر وإتاحة الفرصة لباقي الأعوان الاقتصاديين والاجتماعيين للمشاركة في صياغة إستراتيجية وطنية لإرساء عمليات الذكاء الاقتصادي واليقظة الإستراتيجية على المدى القصير. ومن بين هذه التوصيات يمكن أن نذكر مايلي:

 

 *دعم الشفافية والنشر: على الإدارات العامة والمؤسسات الاقتصادية معالجة كميات البيانات الهائلة المتوفرة لديها معالجة ذكية، واستخراج مختلف المعارف الخفية التي تميز الظواهر والسلوكات.

 

 

ومن واجب هذه الهيئات العمل على نشر المعلومات التي تخص الجمهور بمختلف شرائحه بصفة هادفة واقتصادية، وتشجع التعاون بين المؤسسات وذلك للقضاء على ظواهر حجب المعلومات، واستغلالها كمصدر للسلطة. وتقع هذه المسؤولية أساسا على مشرفي المؤسسات الكبرى والمستثمرين والمساهمين والقادة الإداريين.

 *تطوير البرامج البيداغوجية: من واجب الجامعات ومؤسسات التعليم العالي والتكوين المهني تطوير البرامج البيداغوجية وتحسينها وفقا لما يتطلبه محيط المؤسسات. و يراعى في ذلك انفتاح هذه البرامج للمعرفة والتعليم النوعي وفقا لما هو جاري به العمل في البلدان المتقدمة من حيث الكفاءة، والغرض من ذلك هو تكريس سلوك البحث عن المعلومات وتقييمها واستخدامها أحسن استخدام. ولن يتحقق ذلك إلا باستغلال كافة فرص التعاون المتاحة بين الجامعات ومراكز التكوين المحلية والأجنبية.

 

*تفعيل دور الغرف التجارية والمصالح الاقتصادية للدولة والجمعيات المهنية والنقابية: تستحوذ هذه الهيئات على كميات هامة من المعلومات ووسائل التكوين تمكنها من لعب دور فعال في تحسين المردودية والنوعية وإعادة تأهيل أفرادها. ويضعها دورها كحلقة أساسية في سلسة الاستثمار ولمقاولة في مصب اهتمام طالبي المعلومات الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية. إلا أنه من الأساسي تحديد إستراتيجية لتنسيق نشاط هذه الهيئات ودعم تدخلاتها على المستوى القومي، الإقليمي والعالمي.

 

*شبكات البنوك والمؤسسات المالية الدولية: تعتبر هذه المؤسسات سلاح ذو حدين، يتمثل الحد الأول في كونها مؤسسات مهيكلة للإقليم عن طريق شبكة الوكالات التي تحوزها  مما يساعد في التكفل باحتياجات الجمهور المتعددة وتقييم الخدمات المختلفة وبناء قواعد وبنوك بيانات هائلة يمكن استخدامها في تحديد الاستراتيجيات التسويقية. أما الحد الثاني فيتمثل في قدرتها على تمويل مشاريع الذكاء الاقتصادي والشراكة فيها ودعمها ماديا، الأمر الذي يسهل دخول أسواق جديدة وكسب زبائن أقل ما يقال عنهم أنهم مربحون للمؤسسة.

 

*هيئات دعم وتنمية الاستثمار: عمدت الدولة إلى إنشاء وكالة لترقية دعم ومتابعة الاستثمارات بهدف تفعيل سياسة الدولة في ميدان الاستثمار سميت سابقا بوكالة دعم ومتابعة الاستثمار وانطلاقا من 2001 بالوكالة الوطنية لتنمية الاستثمار، وهي مؤسسة عمومية ذات طابع إداري تتمتع بالشخصية المعنوية وبالاستقلالية المالية، وهي موضوعة تحت وصاية رئاسة الحكومة. تنحصر مهمة هذه الوكالة في تقييم المشاريع واتخاذ قرار منح المنافع المنصوص عليها في قانون ترقية الاستثمارات. كما هدف المشرع من خلال إنشائها إلى تقديم المساعدة الفعلية للمستثمرين في مختلف مراحل إنجاز مشاريعهم الاستثمارية.

 

وتعتبر هذه الوكالة دليلا للمستثمرين من حيث توفير المعلومات الحاسمة حول فرص الاستثمار والمزايا التنافسية، وتقع على عاتقها مهمة تقديم وإرشاد المستثمرين باستخدام كافة المعلومات ذات الطابع المحلي  والدولي.

 

*المصالح الاقتصادية للدولة: تتمثل المهمة الأساسية للمصالح الإحصائية، الجبائية والمالية والتجارية للدولة في القيام بحملات إعلامية تتميز بالجدية والاستمرارية تجاه مستخدمي المعلومات الاقتصادية والاجتماعية. كما أن كل من الأساتذة والباحثين والصحفيين مطالبين بالمساهمة في إعداد مثل هذه النشاطات وإيصالها إلى جمهور الطلبة المتمدرسين والممارسين. إلا أن الأمر المهم هو تكوين أفراد هذه المصالح في مجال الذكاء الاقتصادي و إدارة المعرفة و أنظمة المعلومات، واستخدام الكفاءات في كافة مراحل إدارة الشؤون العامة(44).

 

®في سنة 2008 تم عقد ملتقى دولي حول "الحكامة في المؤسسات  والذكاء الاقتصادي"، أشار فيه وزير الصناعة وترقية الاستثمار عبد الحميد تمار إلى أن: الذكاء الاقتصادي إطار استراتيجي لتكييف السلوكات بحيث سيتم توجيه الفاعلين الاقتصاديين والإشراف عليهم وهم يتابعون مصالحهم وهكذا سيصبحون فاعلي تحويل وضعهم وكذا محيطهم الاقتصادي والاجتماعي.

 

كما اعتبره كآلية فعالةلتسيير المعارف ومسعى لضمان الدفاع عن طاقات المؤسسة والحفاظ عليها ورفعالقدرات وحصص السوق من جهة ورفع طاقات التراث الوطني من جهة أخرى.  

 

وطرحت في إطار هذا الملتقى فكرة إنشاء مجلس أعلى للذكاء الاقتصادي بغرض فتح سبل تجريبية جديدة لفائدة صناع القرار الحكوميين والخواص، كما ذكر الوزير أن الحكومة استحدثت مديرية عامة للذكاء الاقتصادي وللدراسات الاقتصادية ستتولى تقديم مجموعة أفكار بشأن هيكلة المجلس المذكور الذي سيوضع تحت الإشراف المباشر لرئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة،  على أن يتولى مهمة تنسيق النشاطات وبين الهيئات والوسائل العمومية التي توكل إليها مهام الاستعلام الاقتصادي قصد تزويد اقتصاد البلاد بوسائل الدفاع  والاستباق في سياق المنافسة الاقتصادية الدولية.

 

الخاتمـة:

 

إنطبيعةالبيئةالديناميكيةوماتمتازبهمن تقلباتوعدمالاستقرار،فرضتعلى المؤسسةتبنيتوجهأووسيلةتسييريةجديدةلمواجهةالمنافسةوهذالضمانبقائهاواستمراريتها، هذهالوسيلةالجديدةتقومعلىأساستسييرالمعلومةوأهميةهذهالأخيرةفيالمؤسسةوهذاما تتكفلبهآلية الذكاء الاقتصادي.

 

لذلك من الضروري على المؤسسة أن تتبناه من أجل مراقبة  وباستمرار تطور بعض العوامل التي لها تأثير كبير على المؤسسة، وكذلك شركائها في المحيط، فالمراقبة الفعالة للمحيط تسمح للمؤسسة بتوقع التطورات وتساعدها على التكيف في هذه البيئة، والمحيط ليس بالضرورة مصدرا للمشاكل والإكراهات فقد يكون كذلك مصدر للفرص. 

 

والسؤالالذييطرحالآن،هلالمؤسسةالاقتصاديةالجزائريةمستعدةلتبنيفكرة "ثقافة الذكاء الاقتصادي لمواجهةالبيئةالديناميكيةوماتمتازبهمنالتقلباتوعدمالاستقرارالدوليأوالمحليعلىالأقل؟أوبالأحرىهلالمؤسسةالاقتصادية الجزائريةمدركةللدورالذي تلعبه آلية الذكاء الاقتصادي؟

 

 

 

الهوامش:

 

1. عبد اللطيف صوفي: المكتبات في مجتمع المعلومات، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2003، ص 13.

 

2.Franck BULINGE : « pour une culture de l’information dans les petites et moyennes organisations : un modèle incrémental de l’intelligence économique », thèse de doctorat en sciences de l’information et la communication, publier, université de toulon et du var,France, 2002, p 17.

 

3.Patrick Romagni, Véronique Wild : l’intelligence économique au service de l’entreprise, les presses du management, paris, p 120.

 

4.Henri MARTRE (travaux du groupe présidé): Intelligence Economique et Stratégie des Entreprises, la Documentation française, Paris, 1994, p 11.

 

5.F. Bournois, P.J. Romani: l’Intelligence Economique et Stratégique dans les Entreprises Françaises, édition economica, paris, 2000, p 62.

 

6.Alain Juillet : « du renseignement à l’intelligence économique, la revue défense nationale et sécurité collective », édition comité d’étude de défense nationale, n°12, 2005, p 13.

 

7.Bernard Besson et Jean-Claude Possin : l’Audit de l’Intelligence Economique, DUNOD, Paris, 1998, p 03.

 

8.Jean-Louis Levet: l’intelligence économique: mode de pensée, mode d’action, Paris – Economica, 2001, P 19.

 

9.Jean-Pierre MERLAND et d’autres : L’Intelligence Economique appliquée à la Direction des Systèmes d’Information Démarche et Fiches Pratiques, publication CIGREF, paris, 2005, p 06.

 

10.Christian Harbulot et Phillipe Baumard : « perspective historique de l’intelligence économique », revue intelligence économique, n° 01, paris, 1997,  p 06

 

11.Marc Audigier, Gérard Coulon et Patrick Rassat : l’intelligence économique un nouvel outil de gestion, MAXIMA, Paris, 2003. P 31.

 

12.Michel JORAS:« Une lecture croisée de l’intelligence économique et de l’éthique des affaires »,actes du colloque intelligence économique et compétition internationale, paris la défense, novembre 2006, p 06

 

13.Jérôme Bondu : « Benchmarking Des Pratiques d’intelligence Economique », Paris, 2001, p 11.

 

Rapport téléchargeable à l'adresse suivante :

 

http://www.aaeiaeparis.asso.fr/clubIntelligenceEconomique.html.

 

14.Jean-Louis Levet: l’intelligence économique: mode de pensée, mode d’action, Paris – Economica, 2001, P 26.

 

15. محمد عواد الزيادات: اتجاهات معاصرة في إدارة المعرفة، دار صفاء للنشر والتوزيع، عمان، 2008، ص 55.

 

16.Jean-Yves Prax : Le Manuel Du Knowledge Management, 2 ème édition, DUNOD, paris, 2007, p22-26.

 

17.Daniel Bretonès, Antoine Saïd: « intelligence économique (I.E) et Management des connaissances (K.M) : deux facettes complémentaires d’une même problématique », Colloque « En route vers Lisbonne » - 9 et 10 novembre 2006, p19.

 

18.Philippe BAUMARD : Stratégie et surveillance des environnements concurrentiels, édition Masson, 1991, Paris, p 20.

 

19.Martinet B. et Marti Y-M : L’intelligence économique : les yeux et les oreilles de

 

l’entreprise, Les Editions d’Organisation, paris, 1995, p 12.

 

20.Denis Meingan,  Isabelle Lebo : Maitriser la Veille pour préparer l’Intelligence Economique, knowledge consult, septembre 2004,  p 09.

 

21.Sophie Larivet : « Intelligence économique : acceptation française et multidimensionnalité », Xième conférence de l’association internationale du management stratégique, Québec 13,14,15 juin 2001.

 

22. Christian Harbulot et Philippe Baumard: «Perspective Historique de L’intelligence Economique», Revue intelligence économique, le premier numéro , Paris, 1997,p 04 (17 p).

 

23.Frédérique Peguiron: «Application de l'Intelligence Economique dans un Système d’Information Stratégique universitaire: les apports de la modélisation des acteurs», thèse de doctorat, spécialité sciences de l'Information et de la communication, directeur de recherche: Odile Thiéry, Université Nancy 2, France, novembre 2006, p 30.

 

24. Bertrand Bellon: «Quelques Fondements de L’intelligence Economique», Revue  d’économie industrielle, N° 98, 1er trimestre, France, 2002, p 2, (20 p).

 

25.Eric Sutter: Intelligence Economique et Management de L’information, Lavoisier, Paris, 2006, p 11.

 

26.Thiendou Niag: «Enjeux de L’intelligence Economique», p 6, (15 p). projet téléchargeable à l'adresse suivante: Web: http://ebad.ucad.sn/forclir

 

27. Ribault Thierry: «Les Banques de Données dans le Dispositif Japonais de Veille Technologique», in Documentaliste, Vol 31, N° 2, 1994, p 67.

 

28.Ribault Thierry, Opcit, p 70.

 

29.Thiendou Niag, Opcit, p 8.

 

30.Henri Martre (travaux du groupe présidé): Intelligence Economique et Stratégie des Entreprises, la Documentation française, Paris, 1994, p 40.

 

31. Patrick Romagni et Valérie Wild : L’intelligence Economique au Service de L’entreprise, les presses du management, paris, 1998, p 83.

 

32.  Frédérique Peguiron, Opcit, p 53.

 

33.Thiendou Niag, Opcit, p 9.

 

34. Henri Martre (travaux du groupe présidé): Opcit, p 61.

 

35.Faouizi Bensbaa: «intelligence économique: à nouveaux enjeux, nouveaux domaines», 2ème assises de l’intelligence économique, Alger, Novembre 2008, p 8 , (26 p). 

 

36.LESCA, H. : Veille stratégique, concepts et démarche de mise en place dans l'entreprise,

 

Ministère de l'Education Nationale, de la  Recherche et de la Technologie, France, 1997, p  27.

 

37.جمال الدين سحنون و آخرون: "الذكاء الاقتصادي و أمن المؤسسة"، ملتقى دولي حول متطلبات تأهيل المؤسسات الصغيرة و المتوسطة في الدول العربية، جامعة حسيبة بن بوعلي، شلف، الجزائر، 17 و 18أفريل 2006، ص 1216

 

38.Patrick Romagni et Valérie Wild : L’intelligence Economique au Service de L’entreprise, les presses du management, paris, 1998, p 120.

 

39. Arturo MENÉNDEZ et d’autres : Intelligence économique, guide pour débutants et praticiens, IDETRA, paris, 2003 , p 28.

 

40. Martinet B. et Marti Y-M,Opcit,p30

 

41. سونيا محمد البكري: نظم المعلومات الإدارية "المفاهيم الأساسية"،الدار الجامعية، الإسكندرية، 1998، ص110

 

42. M.Lesca et L.Lesca, Gestion de l'Information : Qualité de l'Information et Performance de l’Entreprise, Litec, Paris, 1995,p24-26

 

43..تير رضا: "دور الذكاء الاقتصادي في إرساء آليات الحكم الراشد من خلال البحث والتطوير: واقعه وآفاقه في الجزائر"، دون تاريخ نشر، ص 13.

 

44.نفس المرجع، ص 15.